مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

لمحة في سورة البلد

لمحة في سورة · الدرس 45 من 134 · 17 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. القسم بالبلد الحرام ومكابدة الإنسان واقتحام عقبة الجنة
  2. توجيه وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ وحرمة مكة وبشارة الفتح
  3. خلق الإنسان في كبد واغتراره بالمال ونعمة هداية النجدين
  4. اقتحام العقبة: فك الرقاب وإطعام اليتيم والمسكين ذي المتربة
  5. شرطية الإيمان والتواصي بالصبر والمرحمة وفضل التراحم
  6. جزاء أصحاب الميمنة والوعيد بالنار المؤصدة على أهل المشأمة
التفريغ النصي الكامل للدرس

القسم بالبلد الحرام ومكابدة الإنسان واقتحام عقبة الجنة

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾12 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، مع درس من لقاءات هذه السلسلة لمحة في سورة ونحن الليلة بفضل الله وتوفيقه على موعد مع سورة البلد قال الله سبحانه وتعالى، ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُۥ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ3 وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَـٰمٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌۢ﴾4 هذه السورة الجليلة تسمى بسورة البلد.

والمراد بالبلد بلد الله الحرام مكة المكرمة قال الله سبحانه وتعالى في صدر السورة ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾5. وهذا قسم على قول جمهور المفسّرين فهم يقولون إن قوله لا أقسم معناه: أقسم ولكن لا هذه فيها تأكيد. القسم ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ إذًا هذا قسم من الله سبحانه وتعالى، بهذا البلد كما قال الله عز وجل ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ﴾67 ﴿وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلْأَمِينِ﴾ فقد أقسم الله سبحانه وتعالى، بهذا البلد الأمين، ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: أن لا نافية تنفي كلامًا مقدرًا أو سابقًا لا ليس كما تزعمون ليس كما تدعون وتنكرون البعث وتش بالله رب العالمين أقسم بهذا البلد ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ هذه السورة الكريمة يدور الحديث فيها عن الإنسان وعن خلق الإنسان وابتلاء الإنسان ودعوته إلى أن يؤمن بالله وأن يشكر الله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى ثم بينت أقسام الناس فهناك أصحاب الميمنة وهناك أصحاب المشأمة بينت هذه السورة الجليلة الكريمة، أنَّ الإنسان يعيش في هذه الحياة في كبد في عناء، وفي مشقة فالإنسان في الدنيا مبتلى.

وعليه أن يصبر ويشكر. وعليه أن يطيع ويصبر ويثبت لذلك قال الله عز وجل ﴿فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ﴾8 إلى آخر الآيات، يعني: أنَّ الإنسان ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يدخل الجنة فلا بد وأن يقتحم العقبة فإذا اقتحمها وفق لدخول الجنة كما قال الرسول ﷺ «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ» فمن أراد أن يدخل الجنة عليه أن يقتحم العقبة وأن يجاهد حتى يقتحمها ويتجاوزها فإذا تجاوزها صار من الناجين السالمين بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ هذا عن السورة على سبيل الإجمال. وأما عن التفصيل ففيها كلام كثير لا يتسع المقام لذكره لا سيما وأننا عقدنا العزم في هذه السلسلة على أن نمر على السور مرورًا موجزًا لكننا نمر على الآيات أيضًا بهذه الطريقة ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ ﴿وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ يحتمل أن.

توجيه وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ وحرمة مكة وبشارة الفتح

المعنى أي: وأنت مقيم بهذا البلد فلإقامتك بهذا البلد قدرُه ووزنُه وميزتُه وعظمتُه. وقد أقسم الله به وأنت مقيم فيه يا رسول الله ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ وأنت حل، يعني: وأنت مقيم بهذا البلد والسورة مكية. فهذا معناه: أنه قبل هجرة النبي ﷺ وقال بعض المفسّرين. بل معنى ﴿وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ أي: وأنت تُستحلُّ حرمتك بهذا البلد، يعني: وأنت تُؤذى بهذا البلد، ويتعرَّضون لك مع أنَّك رسول الله حقًا وصدقا.

ومع ذلك يستحلُّون حرمتك ويؤذونك ويريدون قتلك ويريدون الوصول إليك والله يقسم بهذا البلد فهو بلد أمين. لكن هؤلاء لم يقدروا البلد، ولم يقدروا رسوله محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى الثالث ﴿وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ أي: وأنت سيحل لك من البلد ما لا يحل لغيرك. فإنَّ الله قد حرم مكة فهي حرام بتحريم الله عز وجل لها.

لكن الله أحلها لرسول الله ﷺ قال «ولا تَحِلُّ لأحدٍ من بعدي» أحلَّها الله له ﷺ وذلك في فتح مكة، يعني: مكة ستصير حلالًا لك تقتل من شئت وتأسر من شئت وتفعل ما شئت وإن كان الرسول قد أطلق سراحهم وفعل ما فعل من أمور معروفة جليلة صلوات الله وتسليماته عليه إذا أنت حل بهذا البلد على هذا القول بمثابة البشارة إذا كنت تؤذى الآن فستخرج وتعود فاتحًا ويحل الله عز وجل لك مكة؛ وإلا فمكة بلد حرام آمن لا تحل لأحد وما خبر أصحاب الفيل عنَّا ببعيد.

وقد حفظ الله هذا البلد دون أن يتصدى لأصحاب الفيل أحد. لكن الذي أهلكهم وقضى عليهم هو الله سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ9 أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ﴾10 ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ11 تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍۭ﴾12 ﴿وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾، وعلى هذا القول فهي بشارة بما سيكون مستقبل قبلا ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ يقسم الله بالوالد وبالذي ولد ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ والوالد يحتمل أن المراد به كل من يكون والدًا أمر الولادة والولد هذا أيضًا من فضله وكرمه من دلائل قدره الله سبحانه وتعالى، أو أن الوالد المراد به أبو البشر آدم عليه السلام كما قال فريق من أهل العلم ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ وذريته ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ﴾ هذا هو جواب.

خلق الإنسان في كبد واغتراره بالمال ونعمة هداية النجدين

القسم يقسم الله بهذه الأقسام على ماذا والله ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ﴾ في عناء في مشقة فالإنسان في الدنيا في مشاق في هموم في ابتلاءات ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾1314 ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ﴾ ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ايحسب أي: هذا الإنسان الذي يكفر بالله ويكذب بآيات الله أيحسب هذا الإنسان ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾15 استطاع أن يهلك أموالًا كثيرة وأموالًا طائلة كما قال الله سبحانه وتعالى، ﴿ٱلَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُۥ16 يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخْلَدَهُۥ﴾17 يقول ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾18 ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ﴾ كثير من الناس قد يغتر بماله ويرى أنه قد أهلك المال وفرقة هنا وهناك فحينئذ يظن، أن الله ليس بقادر عليه وهيهات قال ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ﴾ هذا الذي أنفق في الحرام.

وهذا الذي صد عن سبيل الله. وهذا الذي كذب بآيات الله ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ﴾ ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾1920 ثم ذكر الله الإنسان ببعض النعم. فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُۥ عَيْنَيْنِ﴾ ولسانا وشفتين ﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُۥ عَيْنَيْنِ﴾ مَنْ الذي جعل لنا العينين إنه الله سبحانه وتعالى، نبصر بهما ونرى وننظر. انظر ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُۥ عَيْنَيْنِ﴾.

فهذا في تقرير للإنسان بهذا ولسانا وشفتين ﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾، أي: الطريقين طريق الخير وطريق الشر. وقال بعضهم: هديناه النجدين الثديين، يعني: طريق الرضاع من أمه وكثيرون يقولون ﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ طريق الخير وطريق الشر ﴿إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾2122 فربنا بين لك الطريق بين لك الطريق وأعلمك به ﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ فلاقتحم العقبة ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾ فك رقبة ﴿أَوْ إِطْعَـٰمٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ﴾ فلاقتحم العقبة، يعني: هل لاقتحم الإنسان العقبة

هذا إنسان هل اقتحم العقبة حتى يسلك مسالك الرشاد حتى يدخل الجنة حتى ينجيه الله عز وجل من المهالك ترجو النجاة وأنت لم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس السفينة لا تجري على اليبس تحتاج إلى ما تجري فيه وكذلك الإنسان ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يصل إلى الله فأين سفينة النجاة أين سفينة النجاة بتوحيد الله وبطاعة الله

اقتحام العقبة: فك الرقاب وإطعام اليتيم والمسكين ذي المتربة

فلاقتحم العقبة واسمع إلى اللفظ القرآني اقتحم، يعني: المسألة تحتاج إلى آية

اقتحام ما تحتاج إلى كسل أقدم أحجم أقبل أدبر لا أقبل أقدم قم. ولذلك قال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾2324 ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾2526 قال فلاقتحم العقبة ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾ إذا أردت أن تعرف العقبة التي عليك، أن تقتحمها وأن تتجاوزها حتى لا تقع في النار وحتى لا يزج بك في النار ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾2728 تريد التجاوز كمجاوزتك الصراط ودخولك الجنان فلاقتحم العقبة ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾ فك رقبة تحرير رقبة تحرر عبدًا من العبيد.

وهذا تشوّف إليه الإسلام ودعانا إليه بكثرة. ولذلك في كثير من الكفرات يكون هناك تحرير الرقاب ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَـٰمٌ﴾ الإطعام أطعم الطعام ﴿فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ﴾ يوم ذي مجاعة مجاعة عامة فالناس في حاجة شديدة وكل منهم يظن بما معه يخاف أن يعود الفقر عليه وأن تعود المجاعة إليه فهو حريص كل الحرص على أن يحافظ على الذي معه حتى لا يذهب منه.

ومع ذلك ﴿أَوْ إِطْعَـٰمٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ﴾ يتيمًا هذا الطفل الذي فقد أباه في الصغر يتيمًا ذا مقربة وهو قريب له ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، يعني: فقر شديد التصق بالتراب من شدة فقره ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ (البلد: 17) أي: هذا المقتحم للعقبة هذا المتتصدق لا بد أن يكون معه الإيمان بالله سبحانه وتعالى، ؛ وإلا فإنَّه إذًا فعل ذلك ولم يكن مؤمنًا بالله.

شرطية الإيمان والتواصي بالصبر والمرحمة وفضل التراحم

فإنَّ الأعمال تذهب سدى. ولذلك قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآ29ءً﴾ ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾303132 ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ (البلد: 17) تواصوا بالصبر لأنَّ الله قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ﴾ والإنسان في المشاق، وفي العناء، وفي الهموم يحتاج إلى صبر على الطاعة وصبر عن المعصية وصبر على المحن والابتلاءات والشدائد.

فقال: وتواصوا بالصبر يوصي بعضنا بعضًا بالصبر كما ختم الله سورة العصر ﴿وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾3334 قال وتواصوا بالصبر وتواصوا ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ (البلد: 17) يوصي بعضهم بعضًا بالتراحم «الراحمون يرحمهم الرحمن - تبارك وتعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» فيوصي بعضهم بعضًا بالتراحم.

وقد كان أهل العلم إذا علموا طلابهم بدأوا بهذا الحديث. ولذلك قيل له الحديث المسلسل بالأولية فأول ما يتلقاه الطالب عن شيخه «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أولئك أصحاب اليمين يدخلون الجنان.

جزاء أصحاب الميمنة والوعيد بالنار المؤصدة على أهل المشأمة

نسأل الله من فضله ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ﴾ هم أصحاب الشمال وحالهم مشؤوم حالهم مذموم ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌۢ﴾ مغلقة مطبقة كما تقدم أيضًا في سورة الهمزة هكذا، يا أيها الإخوة الكرام، هذه السورة الجليلة تبين لنا حال الإنسان وأنَّ الإنسان في الدنيا في محن وابتلاءات وأن الناس على أقسام فمنهم من يقتحم العقبة فيؤمن بالله ويتصدق وينفق ويتواصى بالصبر وبالمرحمة، ومن الناس من يكفر بالله فيكون من الهالكين.

نسأل الله السلامة ونسأل الله أن يجعلنا من الناجين الموفقين هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌۭ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — ص: 29 ↩
  3. آية: ﴿فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ — البلد: 11-13 ↩
  4. آية: ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَٰذَا ٱلْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَٰذَا ٱلْبَلَدِ وَوَالِدٍۢ وَمَا وَلَدَ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ فِى كَبَدٍ أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُۥ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَٰمٌۭ فِى يَوْمٍۢ ذِى مَسْغَبَةٍۢ يَتِيمًۭا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًۭا ذَا مَتْرَبَةٍۢ ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا هُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌۭ مُّؤْصَدَةٌۢ﴾ — كما ورد في الدرس: البلد 1-20 ↩
  5. آية: ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ — البلد: 1-20 ↩
  6. آية: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: التين 1-2 ↩
  7. آية: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ﴾ — التين: 1-2 ↩
  8. آية: ﴿فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ ۝ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ ۝ فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: البلد 11-13 ↩
  9. آية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ — الفيل: 1-2 ↩
  10. آية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَٰبِ ٱلْفِيلِ ۝ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الفيل 1-2 ↩
  11. آية: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ — الفيل: 3-5 ↩
  12. آية: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ۝ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ۝ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الفيل 3-5 ↩
  13. آية: ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 2. الرقم المذكور في الدرس: 29/2 ↩
  14. آية: ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ — العنكبوت: 2 ↩
  15. آية: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾ — البلد: 6 ↩
  16. آية: ﴿ٱلَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ — الهمزة: 2-3 ↩
  17. آية: ﴿ٱلَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُۥ ۝ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخْلَدَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الهمزة 2-3 ↩
  18. آية: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾ — كما ورد في الدرس: البلد 6 ↩
  19. آية: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 14 ↩
  20. آية: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ — العلق: 14 ↩
  21. آية: ﴿إِنَّا هَدَيْنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإنسان 3 ↩
  22. آية: ﴿إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ — الإنسان: 3 ↩
  23. آية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ ۝ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: المزمل 1-2 ↩
  24. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ — المزمل: 1-2 ↩
  25. آية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ۝ قُمْ فَأَنذِرْ﴾ — كما ورد في الدرس: المدثر 1-2 ↩
  26. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾ — المدثر: 1-2 ↩
  27. آية: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ — كما ورد في الدرس: الطور 13 ↩
  28. آية: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ — الطور: 13 ↩
  29. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍۢ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً﴾ — كما ورد في الدرس: النور 39 ↩
  30. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً﴾ ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ — النور: 39 ↩
  31. آية: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 39 ↩
  32. آية: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ — النور: 39 ↩
  33. آية: ﴿وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: العصر 3 ↩
  34. آية: ﴿وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾ — العصر: 3 ↩

من سلسلة: لمحة في سورة (134 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة