روائع قرآنية ولطائف تفسيرية - التأدب مع الله ونسبة الخير إليه
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
أدب نسبة الخير دون الشر
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾12 «هذا كتاب الله أعذب منهل أنعم به من مورد لمن استقى قد صانه رب العباد بحفظه وحماه حتى لا يضيع» الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
شواهد الفاتحة وإبراهيم والجن
فمرحبًا بكم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء، مع هذه السلسلة الجديدة بعنوان روائع قرآنية ولطائف تفسيرية. وهذا المجلس هو المجلس الأول من مجالس هذه السلسلة. وهذه اللطيفة. وهذه الفائدة تتعلق بكيفية تعاملنا مع رب العباد سبحانه وتعالى، علمنا الله سبحانه وتعالى، وأدبنا حينما نتعامل معه، أن ننسب الخير إليه. وأما الشر فإنَّه لا ينسب إليه مع أنَّه سبحانه خالق كل شيء فالله عز وجل خالق كل شيء والله قال ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾34.
لكن الإنسان تأدبًا مع الله سبحانه وتعالى، لا ينسب ما فيه ضراء أو فيه شر أو إضلال أو ما أشبه ذلك لا يضيفه إلى الله سبحانه وتعالى، ولنا في ذلك مستند من كتاب الله سبحانه وتعالى. بل عدة أدلة وشواهد من ذلك قول الله في سورة الفاتحة حينما علمنا ونحن نقول ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾56 ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ7 وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾89 فالله سبحانه قال ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾10 فلما ذكر الإنعام أضافه إليه.
ثم قال ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾11، ولم يقل غير الذين غضبت عليهم فلما ذكر الغضب لم يضف إليه سبحانه وتعالى، ولما ذكر الإنعام أضافه إليه. فقال ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾12. وهذا فيه لطائف عديدة منها هذه اللطيفة في هذه الآية الكريمة، وكذلك خليل الرحمن حينما قال كما ذكر رب العباد سبحانه وتعالى، قوله ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّىٓ إِلَّا رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ13 ٱلَّذِى خَلَقَنِى14 فَهُوَ يَهْدِينِ وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ إلى آخر الآيات فلما ذكر الخلق والهداية أضافهما إلى الله سبحانه وتعالى، وكذلك لما ذكر الإطعام، ولما ذكر الإحياء والإماتة كل ذلك أضافه إلى الله، ولما ذكر المرض قال وإذا مرضت، ولم يقل والذي يمرضني وإنَّما أضاف المرض ونسبه إلى نفسه.
الخضر والتوفيق مع القدر
فقال وإذا مرضت، ولم يضف إلى الله تأدبا مع الله. وقال كذلك الجن المؤمنون كما قال الله سبحانه وتعالى، ذاكرًا قولهم ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾1516 فلما ذكروا الرشد قالوا ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، ولما ذكروا الشر: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ﴾ دون أن يضيفوه هكذا إلى الله سبحانه وتعالى، وإنَّما جاء بصيغة المبني للمفعول كما يقول أهل العلم.
وهذا أولى من أن نقول المبني للمجهول، وكذلك يدخل في هذا المعنى قول الخضر عليه السلام الذي ذكره الله بقوله ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾1718 وهو الخضر عليه السلام كما جاء بيانه في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ماذا قال في شأن السفينة ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾19. فلما ذكر العيب الذي وقع، والخرق الذي وقع للسفينة أضافه إلى نفسه. فقال ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾20 لكنه قال ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً21 مِّن رَّبِّكَ﴾22 فأضاف ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، وكذلك ربنا قال ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ﴾2324 لم يقل فريقًا هدى وفريقًا أضل، ﴿أَنَّمَا﴾ قال حق عليهم الضلالة، وكذلك قال. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ﴾2526 والأدلة في ذلك كثيرة جدًّا وبهذا نجد أنه لا تعارض بين قول النبي ﷺ في ذكر الإيمان وأركان الإيمان «وتؤمن بالقدر خيره وشره» نعم نحن نقر ونذعن بأن كل شيء بقدر الله سبحانه وتعالى، لكنه أيضًا قال «والخير كله في يديك».
وقال «والشر ليس إليك» ليس معنى ذلك أن الشر لم يخلقه الله. بل المعنى أن الشر لا يضاف إلى الله على سبيل التأدب ففي باب التأدب، وفي مقام ذكر الإنعام نضيف ما كان من خير وإنعام وإكرام وهدى إلى الله سبحانه وتعالى، وما كان من جنس النقم والعذاب والوعيد وما إلى ذلك من إضلال لا يضاف إلى الله على سبيل التأدب مع اعتقادنا أن الله خالق كل شيء هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌۭ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — ص: 29 ↩
- آية: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 96 ↩
- آية: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ — الصافات: 96 ↩
- آية: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 6 ↩
- آية: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ — الفاتحة: 6 ↩
- آية: ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 7 ↩
- آية: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 7 ↩
- آية: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ — الفاتحة: 7 ↩
- آية: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 7 ↩
- آية: ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ — الفاتحة: 7 ↩
- آية: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ — الفاتحة: 7 ↩
- آية: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّىٓ إِلَّا رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ — الشعراء: 77-81 ↩
- آية: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّىٓ إِلَّا رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ وَٱلَّذِى ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ — كما ورد في الدرس: الشعراء 77-81 ↩
- آية: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الجن 10 ↩
- آية: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ — الجن: 10 ↩
- آية: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 65 ↩
- آية: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ — الكهف: 65 ↩
- آية: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 79 ↩
- آية: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ — الكهف: 79 ↩
- آية: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رَّبِّكَ — كما ورد في الدرس: الكهف 82 ↩
- آية: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ — الكهف: 82 ↩
- آية: ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 30 ↩
- آية: ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ﴾ — الأعراف: 30 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 36 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ﴾ — النحل: 36 ↩
من سلسلة: روائع قرآنية ولطائف تفسيرية (26 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
دروس مشابهة
- الحديث الثامن عشر الخلق الحسن
- الحديث الخامس النهي عن الإبتداع في الدين
- (من أحدَثَ في أمرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَد) خطبة الجمعة للشيخ محمد بن حامد 29/11/2013
- الحديث الثالث والعشرون الجزء الثالث جوامع الخير
- الحديث الثالث والعشرون الجزء الأول جوامع الخير
- صفة التواضع جزء2 من سلسلة صفات عباد الرحمن خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد