روائع قرآنية ولطائف تفسيرية - لطيفة في الفرق بين قوله ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
علم متشابه اللفظ في القرآن
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 هذا كتاب الله أعذب منهل أنعم به من مورد لمن استقى قد صانه رب العباد بحفظه وحماه حتى لا يضيع ويخلق الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام، مع مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة روائع قرآنية ولطائف تفسيرية من لطائف القرآن الكريم أنه قد يقدم كلمة يؤخرها في موضع آخر ففي موضع تأتي كلمة متقدمة، وفي موضع تأتي متأخرة، وكذلك التغاير بين الألفاظ. ولذلك هناك علم من علوم القرآن يقال له: علم المتشابه اللفظي للقرآن الكريم أو توجيه متشابه نظم القرآن فهناك كلمات.
بل جمل قد تتكرر في القرآن الكريم. لكن تجد بينها مغايرة فقد تأتي الكلمة في موضع مفردة. وقد تأتي مجموعة. وقد تأتي متقدمة. وقد تأتي متأخرة. وقد تأتي بأسلوب التذكير. وقد تأتي بأسلوب التأنيث وهكذا. وهذا علم كبير، وفيه فتوح عظيمة والذي يتأمَّل! فيه يجد القرآن الكريم فيه بحور زاخرة وروائع عظيمة قيمة جليلة ونذكر في هذا الموضع آيتين لننظر إلى وجه الاختلاف بينهما.
تقديم الرزق في الأنعام والإسراء: فقر واقع وخشية إملاق
قال الله سبحانه وتعالى، في سورة الأنعام، ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾2.
وقال في سورة الإسراء، ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾345 ففي آية قال الله ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾، وفي الآية الأخرى قال ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ فما الفرق بين الآيتين قرر أهل العلم وبينوا. فقالوا: إن الآية الأولى أعني آية سورة الأنعام تتحدث عن فقر واقع قال الله، ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ﴾6 أي: من فقر واقع وحاصل فبعض الناس قد يئد ولده، ولا يريد بقاءه وسبب ذلك أنه يخاف من الفقر الذي هو فيه فهو فقير في الحال فطمأن الله عز وجل هذا العبد.
فقال: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ فهو يحتاج إلى مَن يكفل له الرزق وإلى من يبين له أنه بفضل الله سبحانه يعيش في معية الله، وبفضل الله سبحانه. فقال: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ نرزقكم أنتم وأنتم في فقركم هذا فالجؤوا إلى الله والله سيعطيكم وسيعطي هؤلاء الأولاد فلا تقبلوا على قتلهم. وأما آية سورة الإسراء، ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ﴾، فالإنسان قد يكون في حالة مطمئنة وليس بفقير، وإنَّما حاله ميسرة، لكنه يخشى من المستقبل، يخاف ما سيكون بعد ذلك فيقول: إذا جاءني ولد ماذا سيجري وسأفتقر، ولا أستطيع الإنفاق عليه فهو يخاف من أمر مستقبلي.
الإسراء: فقر متوقع فقدّم الأولاد
فقال الله، ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ﴾ أو يقتل ولده مع أنَّه يستطيع الإنفاق عليه لكنه يخاف من المستقبل وقابل الأيام. فقال، ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ﴾ ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ فقدم ذكر الرزق للأولاد لأنه يخشى عليهم مما يكون مستقبلًا. فقال: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وهكذا فالقرآن الكريم عظيم في نظمه، وفي أسلوبه يقدم أو يؤخر كل ذلك لحكمة لذلك لو نزعت لفظة واحدة من كلمات القرآن الكريم ثم أدير لسان العربية كما يذكر ابن عطية حتى توضع كلمة في موضع هذه الكلمة لم نجد شيئًا من ذلك ولا كلمة تغني في ذلك فالحمد لله على كتابه وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 151 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًٔا كَبِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 31 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًٔا كَبِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 31 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًٔا كَبِيرًا﴾ — الإسراء: 31 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 151 ↩
من سلسلة: روائع قرآنية ولطائف تفسيرية (26 درسًا)