سورة التوبة — الجزء 2
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
في الآيات دلالة على محبة الله لعباده المؤمنين واعتنائه بأحوالهم، حتى أنه جعل من جملة المقاصد الشرعية شفاء ما في صدورهم وذهاب غيظهم. وهذا جليل وجميل، فرب العزة شرع الجهاد لمقاصد منها ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ فشفاء صدور المؤمنين يحبه ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، وكذلك ذهاب غيظ قلوبهم؛ ولذلك قرر العلماء أن ما يأمر الله به العباد ويدعوهم إليه؛ إما لأنه مصلحة كاملة تامة من كل وجه، وإما لأنَّها مصلحة راجحة غالبة، فالجهاد قد يكون فيه بعض ما يضر من وقوع ضرر على المؤمنين، وذهاب لنفوسهم، وإزهاق لأرواحهم، وإسالة دمائهم، لكن نفعه أكثر؛ لذلك فالشريعة تأتي بالمصالح الخالصة، والمصالح الغالبة الراجحة.
شرع الله الجهاد ليحصل به هذا المقصود الأعظم؛ وهو أن يتميز الصادقون الذين لا يتحيزون إلا لدين الله من الكاذبين الذين يزعمون الإيمان. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
عمار المساجد الحقيقيون هم من وصفوا بالإيمان الصادق وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أمَّها الصلاة والزكاة، وبخشية الله التي هي أصل كل خير. ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ﴾.
الجهاد والإيمان بالله أفضل من ﴿سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ بدرجات كثيرة، لأن الإيمان أصل الدين وأما الجهاد في سبيل الله فهو ذروة سنام الدين. لذلك قال: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾، جعلنا الله من الفائزين بمنه وكرمه.
ونتوقف عند هذا، هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم مع التعليق عليه وما زلنا مع آيات سورة التوبة.
قال الله سبحانه ذاكرا جزاء ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، قال:
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱠ
﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ أي يبشر الله ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ برحمة منه سبحانه وتعالى ورضوان وجنات.
ذكر الله سبحانه وتعالى ثلاثة أبواب من أبواب الجزاء فذكر الرحمة والرضوان والجنات.
قال بعض العلماء: وهذا مناسبٌ لما ذكر الله في الآية التي قبلها؛ فإنَّ الله عز وجل ذكرقبلها ثلاثة أشياء: ذكر الإيمان والهجرة والجهاد، ففي الجزاء ذكر ثلاثة أيضًا، فقال ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍ وَجَنَّـٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
(والرحمة) كما قالوا: هي البداية، وهي الأعم؛ فلذلك افتتح بها فرحمة الله سبحانه وتعالى، حين وصلتهم تيسر لهم الإيمان، وتيسرت لهم الأعمال الصالحة.
ثم ذكر الله عز وجل (الرضوان)، وقدمه على الجنات؛ لأنه أشرف، ولذلك قال الله ﴿وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ولم يقل: (رضا)، إنَّما قال (رضوان)، وهذا يدل على تمام هذا الرضا؛ ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم المتفق، حين يقول رب العزة سبحانه لأهل الجنة ((﴿إِلَّا﴾ أعطيكم أفضل من هذا؟ فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا)) فأعظم النعيم وأجل النعيم أن يرضى الله سبحانه وتعالى عن العبد وأن يمتعه بالنظر إلى وجهه الكريم فقال ﴿وَرِضۡوَٰنٖ﴾.
﴿وَجَنَّـٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾: يدخلهم الجنات وهذا يستفاد منه أن الرحمة شيء يختلف عن الجنات، ولذلك (تفسير الرحمة): بالثواب فيه نظر قال ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍ وَجَنَّـٰتٍ﴾.
لكن كمال النعيم بالجنة يظهر إذا كان المقام فيها دائمًا لذلك قال ﴿لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ لأن الإنسان إذا كان في مكان عظيم وجليل؛ إلا أنه يعلم أنه سيفارقه فإنَّ لذته تكون مكدرة، ولا تكون تامة ولا كاملة. فمن رحمة الله وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين أنهم يدخلون الجنات ويخلدون فيها أو يخلدون فيها يقيمون ولا يخرجون منها قال ﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
ثم قال سبحانه:
ﱡﭐ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱠ
نداءٌ عظيم من الرب العظيم سبحانه وتعالى، ينادي المؤمنين، فينهاهم عن موالاة أقرب الناس إليهم ﴿إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَـٰنِ﴾ ففيه ترسيخ عقيدة الولاء والبراء، كما تقدم وهذه السورة الكريمة فيها إيضاح ذلك بجلاء.
﴿لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ وذكر الآباء والإخوان، ولم يذكر الأبناء قال بعض العلماء: لأن الأبناء في الغالب تبع للآباء، وأما الآباء والإخوان فإنهم يكونون مستقلين، وبناء عليه فقد يتأثر بهم الإنسان، قد يتأثر الإنسان بأبيه، وقد يتأثر بأخيه، ويكون الأب أو الأخ سببًا في إبعاده عن الحق وعن الهدى.
قال﴿لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ فكيف بغيرهم؟ إذا كان لا يجوز أن يتخذ الإنسان أباه وأخاه ﴿وَلِيًّا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾؛ لأنه يستحب الكفر على الإيمان؟ فكيف بغيرهم، ممن هو دونهم في الصلة وفي القرابة؟ وهنا هو القيد ﴿إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَـٰنِ﴾ أي: ﴿إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى﴾ ٱلْإِيمَٰنِ فلا توالوهم؛ وأما إذا كانوا مؤمنين فوالوهم فإنَّ لهم حق الإيمان وحق القرابة
قال ﴿لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَـٰنِ﴾ وهنا تأمل جمال التعبير القرآني ﴿إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَـٰنِ﴾ ولم يقل (إن أحبوا)، وكأنَّ حبَّ الكفر يُتَكَلَّفُ فيه؛ لأن المؤمن وُلِدَ على الفطرة، فقال ﴿إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَـٰنِ﴾ فاستحباب الكفر يحتاج إلى تكلف؛ لأنه خلاف الفطرة المستقيمة.
﴿إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ فيه ذم موالاة من عادى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وفيه ذم موالاة الكافرين وإن كانوا من الأقربين.
ثم قال الله عز وجل:
ﱡﭐ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﱠ
تقدم يا أيها الإخوة الكرام أنَّ الألوسي رحمة الله قال: هذه الآية أشدَّ آية نعت على الناس ما لا يكاد يتخلص منه إلا من تداركه الله بلطفه؛ لأن الآية تذم ذما شديداً هؤلاء الذين يقدمون الآباء والإخوان والعشيرة والأقارب والأموال وما إلى ذلك، تذم من يقدم هذا على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيله، وتؤذن بوجوب محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله.
﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ﴾ فذكر هنا الآباء والأبناء والإخوان والأزواج وهؤلاء أقرب الناس إلى الإنسان، والإنسان قد يميل إلى الأب أو إلى الابن أو إلى الأخ أو إلى الزوجة على حساب طاعة الله وعلى حساب الشرع، فجاء التحذير من ذلك كما قال الله ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: 28] وقال ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَٰجِكُمْ وَأَوْلَـٰدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾ [التغابن: 14] وهنا قال ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾.
﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ هم أهل الرجل (عشيرته) الذين يعاشرونه يجالسونه وهو قريب لهم وهم أقارب له فقال وعشيرتكم والقراءة الأخرى ﴿ وَعَشِيرَاتُكُمْ ﴾ وأيضا في هذه العشيرة يكون الأتباع؛ فإنَّ الإنسان يتبع عشيرته، يكون بينهما بينه وبين عشيرته متابعة وموافقة، فقال ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾.
﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا﴾
قالوا هنا في تفسير (وعشيرتكم) قالوا (أقرباؤكم) وفي تفسير قوله ﴿وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ وأموالكم التي اكتسبتموها فالاقتراف معناه: الاكتساب، ويغلب أنْ يكون في الشر لكنه ليس بلازم، ولذا جاء ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُۥ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: 23] فالاقتراف بمعنى الكسب، وهنا قال ﴿وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا﴾.
هنا لطيفة أيضًا في ذكر (اقتراف الأموال)؛ فالإنسان إذا حصل المال بجهده وكسبه فإنه يكون أعز عليه، بخلاف ما إذا وصل إليه المال دون كد أو تعب، فالمال الذي يصل إلى الإنسان بميراث أو هبة ونحو ذلك مما لا تعب ولا مؤنة فيه على الإنسان قد يسهل عليه أن يفرط فيه؛ أما المال الذي حصله بعد جهد وتعب ومشقة وعناء وسهر فإنه لا يفرط فيه، فإذا نهانا الله عز وجل عن أن نقدم تلك الأموال التي قد بذل في تحصيلها الكثير، نهانا الله عن أن نقدمها على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمن باب أولى ما يكون من غيرها من أموال لا تعب فيها ولا كد.
فقال ﴿وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ قالوا هنا (التي تحبون رواجها وتخشون وتخافون كسادها) يعني تحرصون على ازديادها وعلى نمائها.
﴿وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ﴾ ترغبون فيها ترغبون في الإقامة بها ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِۦ﴾ إذا كانت هذه الأشياء أو بعضها ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِۦ﴾ ﴿فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ﴾ (فتربصوا) أي: فأنتظروا ما ينزل بكم من عذاب وعقاب، وهذا وعيد شديد، وتهديد أكيد؛ ولذلك -كما قلت -استدل بذلك كثير من العلماء على وجوب محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيله.
الجهاد في سبيل الله فرض كفاية وقد يكون فرض عين بحسب الأحوال وبحسب الضوابط والقواعد كما هو معلوم فقوله ﴿فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ﴾ أي: انتظروا هذا العقاب الذي ينزل بكم وهذا يدل على شدته فهذا وعيد مبهم ﴿فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾.
وهذا فيه: أنَّ من ترك طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وآثر أهله أو ماله على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو عاص، ولذا وصف هنا بالفسق ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ هؤلاء الذين يقدمون الأموال والأقارب على محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء.
قال الله﴿فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ قالوا هنا (لا يوفق الخارجين عن طاعته للعمل بما يرضيه) والخارج عن طاعة الله يقال له فاسق.
ثم قال الله سبحانه:
ﱡﭐ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱠ
يذكر الله عز وجل عباده المؤمنين بما أيدهم الله عز وجل به من نصر وتمكين، فنعم الله تتوالى على عباده المؤمنين، وهذا فيه أن من وإلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو العزيز المنصور.
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ قالوا هنا (لقد نصركم الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون على عدوكم من المشركين في غزوات كثيرة على قلة عددكم وضعف عدتكم حين توكلتم على الله وأخذتم بالأسباب ولم تعجبوا بكثرتكم)
من أين استفادوا هذه التقديرات؟ مما جاء بعده في قوله ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا﴾ فهذا فيه أن المواطن الكثيرة التي نصر الله فيها المؤمنين لم يصابوا فيها بهذا العجب، فلذلك كان النصر والتمكين معهم ولهم بفضل الله سبحانه، وقد قال الله ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123] وقال ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: 26].
فقال ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ في أوقات متعددة وأماكن متعددة، فلذلك بعضهم قال في (المواطن): تطلق على الأماكن، وقد تطلق على الأزمان أيضًا، يعني في مناسبات متعددة كثيرة وأوقات مختلفة.
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ قال بعضهم أيضًا: ونصر يوم حنين صحيح أنكم قد أصبتم بنوع من الهزيمة في وقت ما في أثناء تلك الغزاة، إلا أن رحمة الله تداركتكم، فأنتم حينما عرفتم أن النصر بيد الله سبحانه وتعالى وعدتم إلى رشدكم كان النصر والتمكين بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
قال ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ ويوم حنين هذا كان بعد فتح مكة، كان في شهر شوال في السنة الثامنة من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، وبعض القبائل بلغها ما كان من أمر قريش، وما كان من فتح الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ونصره وتأييده، فهموا بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعدوا لذلك العدة، ومن ذلك قبيلة هوازن وثقيف، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم مقاتلا صلى الله عليه وسلم، وذلك في شهر شوال من السنة الثامنة من الهجرة -أي بعد فتح مكة بشهر واحد -، وخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم عدد وجمٌّ غفير، إذا ما قورن بما قبل ذلك، فخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم اثنى عشر ألفا، عشرة (عشرة آلاف) كانوا معه في فتح مكة (وألفان) من الطلقاء عدد كبير، فقال بعضهم: لن نغلب يومئذ أو اليوم من قلة -لن نغلب اليوم من قلة –.
فقال الله﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا﴾ هذه الكثرة لم تُغنِ عنكم شيئًا، فرشقوهم بالنبل وكانت هوازن وثقيف -كانت هاتان القبيلتان -مشهورتين بالرمي، فرشقوا من الأصحاب، فما كان منهم إلا أن فروا وهربوا، ونادى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمر العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه أن ينادي في الناس: (يا أهل السمرة يا أصحاب السمرة، يا أهل سورة البقرة) وعطفوا، ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونادى الرسول فيهم ((أنا النبي لا كذب -أنا ابن عبد المطلب))
الشاهد من ذلك: أن العُجب الذي أصاب بعض هؤلاء -وليس جميعهم -كان سببًا في أن يصاب المسلمون بما أصيبوا به؛ ليلقنوا هذا الدرس، مع أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان بين ظهرانيهم صلى الله عليه وسلم.
قال ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا﴾ والله قال ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 249] لذلك ينبغي للعبد ﴿إِلَّا﴾ يُعْجَب بعمله فإنَّ العجب من أخبث الذنوب ومن أكبر المعاصي وكم يضيع على الإنسان من خير بسبب عجبه؟ فيُعجَب مثلًا بقدرته العلمية فلا يُوَفَّق للحفظ ولا للفهم ويُعجَب بعمله الأعمال الصالحة فإذا به يتكاسل ويتقاعس عنها بسبب عجبه!! ورحم الله مطرف بن عبد الله بن الشخير حين قال ((لأن أبيت نائما وأصبح نادماً خير من أن أبيت قائما وأصبح معجبا))
((لأن أبيت نائما وأصبح نادماً)) أي: أندم على ما فوتُّ من قيام الليل، وما تيسر لي من عبادة الله في هذا الوقت العظيم، فإذا أصبحتُ ندمتُ هذا أحبُّ إليَّ من أن أكون قائما بالليل أو أبيتُ قائما بالليل ثم إذا بي أصبح وأنا مُعجَب بعملي وأرى أنني أفضل من هذا ومن ذاك!!
قال الله ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فكانت هناك سكينة من الله سبحانه وتعالى أنزلها عليهم على رسوله وعلى المؤمنين لذلك نصرهم الله سبحانه وتعالى وعلى المؤمنين قالوا هنا ((أنزل الله الطمأنينة على رسوله وأنزلها على المؤمنين فثبتوا للقتال)) إذاً من رحمة الله أن أنزل السكينة على قلوب المؤمنين فثبَتُوا
قال بعضهم: المراد بالمؤمنين هنا الذين وقع منهم الفرار.
أو أن يقال: جميع من كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الغزاة وهذا أقرب.
قال ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ من رحمة الله أنه أنزل جنودا لم تروها (وهم الملائكة) وهذه الجنود تقوي المؤمنين وتزلزل الكافرين ﴿وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾
قالوا هنا ((وعذب الذين كفروا بما حصل لهم من القتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذراري)) لأنه قد يسأل سائل ويقول ما معنى ﴿وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ وهذا كان في الدنيا، ما وجه التعذيب؟ فالتعذيب هنا: وقع بالقتل والأسر وما إلى ذلك ﴿وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾
من فوائد الآيات:
مراتب فضل المجاهدين كثيرة فهم ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ﴾ من كل ذي درجة، فلهم المزية والمرتبة العلية، وهم الفائزون الظافرون الناجون، وهم الذين يبشرهم ربهم بالنعيم.
في الآيات أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله وتقديم هذه المحبة على محبة كل شيء.
تخصيص يوم حنين بالذكر من بين أيام الحروب؛ لما فيه من العبرة بحصول النصر عند امتثال أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وحصول الهزيمة عند إيثار الحظوظ العاجلة على الامتثال.
فضل نزول السكينة؛ فسكينة الرسول صلى الله عليه وسلم سكينة اطمئنان على المسلمين الذين معه وثقة بالنصر، وسكينة المؤمنين سكينة ثبات وشجاعة بعد الجزع والخوف.
قال الشيخ حفظه الله:
مراتب فضل المجاهدين كثيرة فهم ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ﴾ من كل ذي درجة، فلهم المزية والمرتبة العلية، وهم الفائزون الظافرون الناجون، وهم الذين يبشرهم ربهم بالنعيم. وهذا في قوله تعالى ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍ وَجَنَّـٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾.
في الآيات أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله وتقديم هذه المحبة على محبة كل شيء. قال الله ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ فذكر الوعيد على تقديم محبة على محبة الله ورسوله دال على وجوب محبة الله ورسوله بل دال على وجوب تقديم محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم على محبة من سواهما وما سواهما، ولذلك قال: فإذا ينبغي أنْ يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما، وتعرفون قصة عمر رضي الله عنه، في حديث عبدالله بن هشام في البخاري، حينما قال للرسول صلى الله عليه وسلم ((لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال: لأنت الآن أحب إلى من نفسي)) استحضر الأمر وعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحق بذلك ((فقال: الآن يا عمر)).
تخصيص يوم حنين بالذكر من بين أيام الحروب؛ لما فيه من العبرة بحصول النصر عند امتثال أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وحصول الهزيمة عند إيثار الحظوظ العاجلة على الامتثال. فيوم حنين فيه الجانبان، وقع شيء من الهزيمة عندما وجد العجب، ووقع النصر والتمكين عند العودة إلى الرشد، والاستجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم حين ناداهم ودعاهم صلوات الله وتسليماته.
فضل نزول السكينة؛ فسكينة الرسول صلى الله عليه وسلم سكينة اطمئنان على المسلمين الذين معه وثقة بالنصر، وسكينة المؤمنين سكينة ثبات وشجاعة بعد الجزع والخوف. لذلك قال ﴿ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ وهنا فسروا (السكينة) التي أنزلها الله على الرسول صلى الله عليه وسلم بسكينة الاطمئنان على المسلمين، فاطمئن الرسول صلى الله عليه وسلم على المسلمين، وأنَّ الله سيؤيدهم وينصرهم بفضل الله تبارك وتعالى، وسكينة المؤمنين سكينة ثبات وشجاعة بعد الجزع
والخوف والهلع والفراق.
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱠ
بعد أن بيَّن الله سبحانه أنَّه ﴿وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بيَّن أن باب التوبة مفتوح فقال: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾لذلك ذهب كثير من المفسرين إلى أن الآية الكريمة تتحدث عن هؤلاء الذين تابوا من هوازن وثقيف، وذلك أنَّ جماعة منهم حينما رأوا ما حل بكثير منهم من السبي والقتل تابوا إلى الله سبحانه وتعالى وأسلموا، وحينئذٍ خيَّرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بين السبي والمال فاختاروا السبي، فقال الله ﴿ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾ (من بعد ذلك) أي: من بعد ذلك التعذيب الذي ذكره في الآية السابقة في قوله ﴿وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾، ﴿ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾ بأن يقبل منهم التوبة بعد الكفر وارتكاب المعاصي ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
ثم جاء نداء آخر لأهل الإيمان:
ﱡﭐ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱠ
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وأنت تجد في سورة براءة مجموعة من النداءات للمؤمنين؛ فكثير من هذه النداءات تتعلق بقضايا الولاء والبراء، والتعامل مع الخصوم والأعداء.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يقرر الله عز وجل في هذه الآية الكريمة حقيقة المشركين فيصفهم بأنهم نجس ﴿إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ذوو نجاسة بهذا الأسلوب الذي فيه تمام البلاغة، بأسلوب قصر وحصر.
﴿إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ والنجاسة هنا على ما عليه جماهير أهل العلم نجاسة الباطن نجاسة الاعتقاد فعقيدتهم عقيدة نجسة؛ لأنَّها شرك بالله رب العالمين، فالمشرك اتخذ الند لله، وعبد غير الله، ولم يؤدِّ حق الله سبحانه وتعالى، فقوله ﴿إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أي: لنجاسة اعتقادهم، فالنجاسة في مقابلة الطهارة، والطهارة تتحقق بالإيمان فقال
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا﴾ الذي عليه جمهور العلماء كما سمعتم: أنَّ نجاسة المشرك نجاسة معنوية نجاسة عقيدة وفكر وباطل، وليست نجاسة ظاهرة؛ لذلك يجوز البيع والشراء منهم، وكذلك التعامل معهم.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ((توضأ من مزادة امرأة مشركة)) صلوات الله وتسليماته عليه، وكذلك شرب النبي صلى الله عليه وسلم، أو أكل من بعض أوانيهم، فالأكل من أوانيهم وأسقيتهم لا بأس به، وكذلك التعامل معهم لا بأس به؛ ولذلك فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما أسر ثمامة بن أثال رضي الله عنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بربطه في المسجد، ولو كانت نجاسته نجاسة حسية لجنَّبَ المسجد من وجوده، ولما جعله يمكث في المسجد بهذه النجاسة التي فيه والتي هو عليها، فالنجاسة هنا نجاسة عقيدة.
قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا﴾ المسجد الحرام له حرمة، فلا ينبغي أن يُلَوَّث بالاعتقادات الفاسدة؛ لذلك ينبغي أن يجنب المسجد الحرام من هذا الإفك ومن هذه العقائد الخبيثة ﴿فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا﴾
وما المراد بالعام هذا؟ هو العام التاسع من الهجرة، ولعلكم تذكرون ما قلناه في أول السورة الكريمة من أن هذه الآيات نزلت في السنة التاسعة من الهجرة، وأنَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه تلا هذه الآيات في الحرم، وقرأ بها كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم في الحجة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه عليها.
قالوا هنا ((فلا يدخل الحرم المكي ومن ضمنه المسجد الحرام)) ما معنى ﴿فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ﴾؟ يعني: فلا يقربوا الحرم فأحيانا يُعبَّر عن الحرم كله بالمسجد الحرام ومن دلائل ذلك في سياق الآية.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ بعضكم قد يخاف من أن المشركين إذا لم يقربوا فإنهم لم يأتوا بالبضائع وبالتجارات، فحينئذ يصيبكم فقر؛ لأنكم كنتم تستفيدون منهم في البيع والشراء، وفي أمور المكاسب والتجارات، ومن المعلوم أن غالب ذلك لا يكون في داخل المسجد بل الأصل ﴿إِلَّا﴾ يكون فيه؛ وإنما يكون خارجاً عنه فاستفيد من ذلك أن المسجد الحرام في الآية الكريمة لا يراد به المسجد نفسه فحسب وإنما حدود الحرم.
لذلك فالمشركون ممنوعون من دخول حدود الحرم ﴿فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا﴾ ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه النداءات في هذه الحجة في السنة التاسعة من الهجرة ((﴿إِلَّا﴾ يحج بعد العام مشرك وألا يطوف بالبيت عريان)) نادى بذلك أبو هريرة رضي الله عنه، كما ثبت.
قال ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ إن خفتم فقراً بسبب انقطاع ما كانوا يجلبون إليكم من الأطعمة والتجارات المختلفة ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ﴾ فالغنى من عند الله سبحانه وتعالى فاطلبوه من عند الله وهذا فيه: -
أن الإنسان يحرص على الكسب الحلال، ويحرص على طاعة الله سبحانه وتعالى.
وأن العبد الذي يطيع الله ويطيع رسوله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي له أن يظن أن الله سبحانه وتعالى سيضيع رزقه، بل إن الله سيعوضه خيرا، فما فاتك من باب يفتح لك به أبواب، والله هو الكريم الوهاب سبحانه وتعالى.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ﴾ فبعض الناس يخافون في باب الرزق من أن يذهب عليهم، فإذا بهم يتواصلون مع من لا ينبغي لهم التواصل معه، وقد يبيح لهذا أن يعمل معه، مع أنه يتعامل في محرمات من بيع الخمور والمخدرات وما أشبه ذلك؛ خوفاً منه من أنَّه إذا أوقف تلك التجارة أو الصفقة معه فإنَّ الخسارة ستصيبه وغفل هذا عن قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ﴾ لكن الله علقها فقال ﴿إِن شَآءَ﴾ فهو يغني ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ بيده سبحانه وتعالى الأمر كله ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26]
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فالله عليم بأحوالكم وبما ينفعكم، هو حكيم في تشريعه سبحانه وتعالى.
ثم قال الله عز وجل:
ﱡﭐ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﱠ
ما وجه المناسبة بين هذه الآية وسابقتها؟
قد يقول قائل والعلم عند الله: -أن الآية الكريمة فتحت باباً من أبواب رزق، وهو أن الجهاد سبب من أسباب رزق أيضًا فيه ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾ فهذا باب من الأبواب، فهو داخل في باب ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ﴾.
أيضًا من المناسبات: بعد أن حدثنا الله عن المشركين وعن التعامل معهم، حدثنا الله عن الذين أوتوا الكتاب والتعامل معهم، فهذا من باب عطف طائفة على طائفة، يبين لنا سبحانه وتعالى كيف نتعامل مع هؤلاء ومع أولئك، فقال ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ﴾ أمر بقتال أولئك ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾
* فإنْ قال قائل: أنهم يؤمنون باليوم الآخر، فالنصارى تؤمن باليوم الآخر مثلاً؟
فيقال: لكنهم لا يؤمنون به على الوجه الصحيح وكذلك ما يقال في مسألة الإيمان بالله فإنه إيمان منقوص بل إيمان باطل؛ وليس بصحيح، ولذا فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن -كما في حديث ابن عباس المتفق عليه -((قال له إنَّك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله)) وفي لفظ ((إلى أن يوحدوا الله، فإنَّ هم عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات يومهم وليلتهم)) تأملوا (فإن هم عرفوا الله)، هذا معناه أنهم لا يعرفون الله عز وجل حقاً.
قال هنا ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ﴾ قالوا هنا (ولا يجتنبون ما حرم الله ورسوله عليهم من الميتة ولحم الخنزير والخمر والربا وغيرها ولا يخضعون لما شرعه الله)
وذم ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ﴾ ما معنى ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ﴾؟ قالوا هنا ((ولا يخضعون لما شرعه الله سبحانه وتعالى)) إذًا دان، (يدين) معناه: خضع وذلَّ وانقاد، فهؤلاء (لا يدينون دين الحق) أي: لا يخضعون للدين الحق وقوله ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ﴾ يمكن أن يقال: إنَّ معنى دين الحق أي لا يدينون الدين الحق، وهو الدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجاء به رسل الله، حيث أنهم حرفوا وبدلوا ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ﴾
وأيضا بعض العلماء قال: إنَّ المراد (بالحق): الله، أي -ولا يدينون دين الله -لا يخضعون لدين الله سبحانه، بل وقع منهم التحريف والتُبديل من الذين أوتوا الكتاب، إذًا الحديث عَنْ مَنْ؟ عن الذين أوتوا الكتاب.
قال ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾ هذه غاية لمسألة القتال إذا قاتلوهم؛ لكن إذا أعطوكم الجزية فلا تقاتلوهم، إذًا ذكر هنا في الآية الكريمة أمرين: -الأمر الأول القتال، والأمر الثاني: الجزية.
فإنَّ هم أعطوا الجزية فلا يُقَاتلون، وهناك أمر ثالث معروف وهو الإسلام لذلك يُعرَض عليهم ثلاثة أمور الدعوة إلى الإسلام، فإن لم يقبلوا ورفضوا فالدعوة إلى الجزية، فإن رفضوا فقتالهم.
قال الله ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾ قالوا هنا: (حتى يعطوا الجزية بأيديهم أذلاء مقهورين) هذا معنى قوله ﴿وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾ ما معنى هم صاغرون؟ قالوا (أذلاء مقهورين).
والجزية فيها تفصيل طويل وكلام معروف ومشهور لدى العلماء في كتب الفقه لكن مما يذكر هنا؛ لأنَّ بعض الناس: وللأسف الشديد يشغِّب على الإسلام المسلمين بهذا الأمر، مع أنَّ المتأمل في مشروعية الجزية يعلم أن هذا من كمال الشريعة الإسلامية ومن محاسنها، ومن رحمة هذا الدين بأتباعه وبغير أتباعه ممن ينضوي تحت لواء الإسلام؛ فإنَّ هذه الجزية كما يقولون تدل على الخضوع والانقياد.
ولذلك بعض المفسرين فسر قوله ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾ قالوا يعني: وهم مستسلمون منقادون، فالآن أنت لا تريد أن تسلم لا تريد أن تعتنق الإسلام لهذه الدولة المسلمة ولهذا المكان، فحينئذ يقال لك: ادفع هذه الجزية وأنت صاغر، يعني: وأنت مستسلم ومقر بسيادة وقيادة هذه الملة وهذه الشريعة، فهي القائمة على هذا المكان فالمراد (بالصغار) هنا كما قالوا: الاستسلام والانقياد وهذا أمر معروف.
بل قد تعجب حين تعلم أن قضية الجزية ليست مما انفرد به الإسلام، بل قد جاء ذكرها فيما سبق من الكتب إلى يومنا هذا، مع ما وجد في الكتب السابقة من تحريف في الكتاب المقدس وفي الأناجيل إلا أن للجزية أثرا ووجوداً فيها، وأنهم كانوا يدفعون الجزية، وهذا قبل الإسلام أصلاً، إذًا الإسلام ليس بدعا في هذا الأمر.
ثم من جهة أخرى: فقد قرر كثير من الأئمة أنَّ هذه الجزية في مقابل الحماية والدفاع فهم حينما يدفعون الجزية يدفع عنهم الضرر والأذى ولذلك فإنَّ أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه حينما وجد من نفسه وجيشه أنهم قد لا يستطيعون الدفاع عن هؤلاء ما كان منه رضي الله عنه إلا أن ردَّ إليهم الجزية ولم يقبلها حينما خشي على نفسه ومن معه من جحافل الروم من هرقل ومن معه فما كان منه إلا أن رد عليهم الجزية رضي الله عنه فردَّها على أهل حمص رضي الله عنه ولم يأخذها منهم. بل إنهم وقد امتدحوه وامتدحوا ولاته وقالوا له (ولاتكم خير من ولاتنا) لما كانوا عليه من ظلم فكانوا راضين بحكم المسلمين رافضين لما كان عليه حكم ولاتهم من طغيان وظلم.
فإذًا الجزية كما يقولون:
في مقابل حماية ودفاع وحينئذ فلا إشكال فيها
وكذلك فيها أن الإنسان يقيم في البلد وهو آمن على نفسه لا يمكن لأحد أن يضره بل إذا وقع على أحدهم ضرر أو أذى فإنه يدفع عنه ويؤخذ له حقه.
ولذلك فإنَّ الفاروق عمر رضي الله عنه وهو من هو شهرة في الشهر في الفتوحات الإسلامية وهو من هو في مكانته المعروفة والمرموقة في الفتوح أوصى عند وفاته رضي الله عنه بعدما طعنه أبو لؤلؤة كان من وصاياه رضي الله عنه أوصي بذمتي بأهل الذمة خيرا فأوصى بأهل الذمة خيراً رضي الله عنه
ثم أيضًا مما يقال في قضية الجزية أن القدر المدفوع في الجزية قدر يسير هو على ما قرره كثير من الفقهاء أقل من مقدار الزكاة فالواحد منهم إذا دخل في الإسلام وكان غنيا سيدفع أكثر من الجزية.
وبناء عليه: فهؤلاء الذين اعتنقوا الإسلام من النصارى ﴿أَنَّمَا﴾ اعتنقوا الإسلام برغبة منهم وطواعية وليس كرها، فإنَّ المال في الزكاة يزيد بزيادة المال ويكثر ويكبر وأما الجزية فهي أقل من ذلك بكثير أيضًا فإنَّ الجزية يعفى منها كثيرون، فإنما تؤخذ من الرجال الأقوياء المقاتلين ويعفى في الجزية عن الشيخ الكبير وعن العاجز وعن الراهب وعن غيرهم فكثير من هؤلاء لا تؤخذ منهم جزية أيضًا فهذا كله ينبغي أن يراعى في هذا الباب.
لذلك مَنْ أنْصَفَ عَلِمَ: أنَّ تشريع الجزية في الإسلام ليس إلا من قبيل اللطف والعطف والرحمة والرفق بغير أهل الإسلام لعلهم يتوبون ويرجعون إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ويؤمنون به وبرسوله الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسل.
ولا يخفى عليكم النصوص كثيرة التي وردت في حفظ حقوق أهل ذمة ومن بيننا وبينهم عهد وميثاق ((من قتل معاهدا لم يرح رائحة لم يرح رائحة الجنة)) إلى غير ذلك مما جاء عنه عليه الصلاة والسلام بل جاء عنه عليه الصلاة والسلام ((من ظلم معاهدا أو انتقصه حقًا أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة)) كما عند أبي داود فهذه نصوص كثيرة وعظيمة تدل على أن الإسلام لا يظلم أحدا لا يظلم مسلما ولا غير مسلم.
قال الله ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾
وقوله (عن يد) لتدل على ما قاله بعضهم: لا ينيب فيها غيره بل يعطيها بنفسه حتى يعرف قدر الإسلام وعزة الإسلام وأنَّ الدين عندنا أعظم من غنى فلان أو فقر فلان فبعضهم لغناه (يوكِّل غيره) فحتى يشعر بعزة الإسلام تأتي بنفسك بهذا قال بعض العلماء.
وبعضهم قال (عن يد) أي: حال وليست نسيئة فيعطيها ولا يؤخرها، وهناك أقوال في قوله (عن يد).
قال الله ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾ وكثير من الأئمة لم يقصروا الجزية على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وقد جاء في الحديث (سنُّوا بأهل المجوس سنَّة أ هل الكتاب)، ولذلك المجوس أيضًا تؤخذ منهم الجزية، وورد في الأحاديث ما يدل على أنها تؤخذ أيضًا من المشركين واستثني من ذلك مشركو جزيرة العرب، فالأمر في ذلك عام، وله أحكامه المعروفة في شروح السنة وفي كتب الفقه، والله تعالى أعلم
قال الله عز وجل بعدها:
ﱡﭐ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔﲕ ﲖ ﲗ ﲘﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟﲠ ﲡ ﲢﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﱠ
﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ هاتان مقولتان خبيثتان قال بهما اليهود والنصارى، والله ذكرهما أو ذكر المقول، والله ذكر المقولتين أو القولين عنهما
وهذا فيه أن حكاية أو ذكر قول الكفر ليس بكفر، فأنت قد تذكر قول غيرك لتنبه على ضلاله، ولتنبه على فساده فرب العزة سبحانه في القرآن الكريم ذكر لنا أقوال الكافرين حتى نعرف حقيقة أمرهم وحتى نحذر من شرورهم، وحتى نعلم لماذا الولاء والبراء؟ ليس لأن المسلم من طبعه أن يكره ليس لأن المسلم من طبعه أن ينفر؟ ليس لأن المسلم من طبعه أن يظلم؛ بل إن المسلم لا يظلم أصلا أو ينبغي ﴿إِلَّا﴾ يظلم، وإنما ليعرف قدر كل إنسان، وليعرف حقيقة كل إنسان وصدق الله إذ قال ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ﴾ [النساء: 45].
﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ وذكر الأفواه مع القول؛ دلالة على أنه قول غير مدقق، قولٌ غير محقق، قولٌ لم يُدرَس؛ إنَّما هي أقوال قيلت واتبعوها دون بينة أو برهان.
﴿يُضَـٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ يشابهون ﴿قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ﴾، مَنْ هؤلاء الذين كفروا مِنْ قبل؟
اختلفوا فيهم هنا قالوا في تفسيرها (يشابهون في هذا القول قول المشركين من قبلهم الذين قالوا أن الملائكة بنات الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً)
إذًا ﴿يُضَـٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ أي: من المشركين فالمراد بالذين كفروا في قوله ﴿يُضَـٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ﴾ هم المشركون، وذلك أنَّ جماعة من المشركين كقبيلة خزاعة كان مشهوراً بينهم أن الملائكة بنات الله -عياذاً بك اللهم -فنسبوا لله سبحانه وتعالى البنات، فهذا الذي قاله اليهود، وهذا الذي قالته النصارى شابهوا فيه قول المشركين.
أو أن قوله ﴿يُضَـٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ﴾ أي: اليهود الذين سبقوهم -أي -أنَّ هذا الجيل يشابه قول مَنْ سبقه من اليهود أو من النصارى، هذا قول آخر في الآية الكريمة.
﴿قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف يُصَرَفون عن الحق البين.
ثم قال الله سبحانه:
ﱡﭐ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﱠ
ذكر الله عز وجل صنيع هؤلاء اليهود والنصارى، يبين لنا بعض ما وقعوا فيه من شرك فقال ﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ﴾ قال: جعل اليهود علمائهم والنصارى عبادهم ﴿أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ فالأحبار أي: علماء اليهود والرهبان: عباد النصارى؛ فاتخذ اليهود الأحبار واتخذ النصارى الرهبان أربابا ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾
كيف اتخذوهم أربابا ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾؟
جاء في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه وفيه بعض كلام حسنه بعض الأئمة حينما قال ((إنهم لم يكونوا يتخذونهم اربابا ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ فقال: أليسوا كانوا لهم الحلال يحلون لهم الحرام فيستحلون ويحرمون لهم الحلال فيحرمونه؟ قال بلى قال فتلك عبادتهم إياهم)).
(يحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه) يعني: يتابعونهم في ذلك فتلك عبادتهم إياهم فهذا معنى قوله ﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ لذلك قالوا هنا في التفسير: (يحلون لهم ما حرمه الله عليهم ويحرمون عليهم ما أحله الله عز وجل لهم).
إذًا كيف اتخذ اليهود الأحبار أرباباً ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ وكيف اتخذت النصارى الرهبان أربابا ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾؟
فيقال: بأن هؤلاء أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، فوافقوهم فيما ذهبوا إليه.
* لكن هنا مسألة مهمة:
إذا قال قائل هل معنى ذلك أنَّ العالم إذا أفتى بفتوى فأفتى بأن هذا الشيء حرام وهو حلال أو أفتى بأن هذا الشيء حلال وهو حرام وتابعه شخص، فهل معنى ذلك أن المتابعين يدخلون في معنى الآية الكريمة؟ بمعنى أنه يقال أن هذا الإنسان قد اتخذ هذا الشيخ أو اتخذ هذا العالم رباً ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ سبحانه وتعالى؟ فالجواب عن ذلك أن يقال إنَّ هذه المسألة على صور
فمنها أن يُتابِع الإنسان غيره جهلاً منه -مع اعتقاده أن هذا الشخص الأصل فيه أن يقول الحق والصدق فإنسان مقلد قلَّد عالماً يحسبه من العلماء الورعين -أفتاه خطأ وهو لا يعلم شيئًا -فهذا معذور فيما صنع لأنه طبق قول الله سبحانه ﴿فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]
وآخر يعرف أن هذا العالِم متلاعب، ويعرف أن فتوى العالم باطلة ومع ذلك تابَعه فيعرف أن هذا الشيء حرام لكنَّه قال بحله بدعوى أن فلانا قال بالحل، ويعلم أن هذا الشيء حلال ولكنه قال بحرمته تبعا لهذا العالم الذي حرمه فيُقَال إذا تابعه على ذلك لكنَّه يعتقد أنَّ الحل والحرمة بيد الله سبحانه، وليس بيد هذا العالم ويرى أن العالم ليس له ما صنع ولكنها متابعة من أجل الموافقة والشهوة فهذه معصية وليست كفرا بالله العظيم.
وإنما تكون كفرا واتخاذا لهذا العالم على أنه رب له حينما يعتقد أن هذا العالم له أن يحل وله أن يحرم لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في مسألة شرك الطاعة في سورة الأنعام ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾:
﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنَّ بعض الناس فهم الآية خطأ كذلك هذه الآية التي معنا -فيقع من يقع -في تكفير الناس، وفي تكفير المجتمعات، فمثلاً إذا وجد قانون من القوانين أو حكم من الأحكام مخالف للشريعة الإسلامية ووافقه بعض الناس، لكنَّهم يعتقدون أن الذي يحل وأن الذي يحرم هو الله سبحانه وتعالى، وليس فلان ولا فلان وإنَّما الأمر كله لله فإنَّ متابعتهم لهذا القانون وإن كان مخالفا للشريعة مع اعتقادهم أن الذي يحل ويحرم هو الله ليس من قبيل اتخاذ الأنداد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ سبحانه: وإنما هي معصية من المعاصي.
ففرق بين من اعتقد أنَّ -لشخص ما -أنْ يُحِّل وأن يُحرِّم وبين من يعتقد أن الذي يحل ويحرم هو الله سبحانه وتعالى وبهذا يرتفع الإشكال في مثل هذه المقامات والعلم عند الله تبارك وتعالى.
تأملوا هنا ﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ﴾ ما معنى والمسيح بن مريم؟ علام عُطِف؟ على ما سبق في قوله ورهبانهم قال ﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ﴾ لذلك قالوا هنا في التفسير (وجعل النصارى المسيح عيسى بن مريم إلها مع الله) ولذلك فإنهم زعموا أنَّ عيسى ابن الله ومنهم من زعم أن عيسى هو الله أو أنه ثالث ثلاثة وكل هذا باطل بلا شك.
قال ﴿وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا ۖ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فيه دليل على وقوع اليهود والنصارى في الشرك فقد وقعوا في الشرك أيضًا والله تعالى أعلم.
من فوائد الآيات:
في الآيات دليل على أن تعلق القلب بأسباب الرزق جائز، ولا ينافي التوكل.
في الآيات دليل على أن الرزق ليس بالاجتهاد، وإنما هو فضل من الله تعالى تولى قسمته.
الجزية واحدة من خيارات ثلاثة يعرضها الإسلام على الأعداء، يقصد منها أنْ يكون الأمر كله للمسلمين بنزع شوكة الكافرين.
في اليهود من الخبث والشر ما أوصلهم إلى أن تجرأوا على الله وتنقصوا منه سبحانه.
قال الشيخ حفظه الله:
في الآيات دليل على أن تعلق القلب بأسباب الرزق جائز، ولا ينافي التوكل. ولذلك قال الله سبحانه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فالإنسان يأخذ بالأسباب ويسعى على رزقه هذا مطلوب لا حرج، كما قال ﴿فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزْقِهِۦ﴾ [الملك: 15].
في الآيات دليل على أن الرزق ليس بالاجتهاد، وإنما هو فضل من الله تعالى تولى قسمته. وهذا من قوله ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ﴾ وقولهم في الآية دليل على أن الرزق ليس بالاجتهاد لا ينافي الأخذ بالأسباب: ﴿أَنَّمَا﴾ معناه أن الأخذ بالأسباب شيء، وأن النتائج شيء آخر؛ فالإنسان مطلوب منه أن يأخذ بالأسباب، وأما النتائج وأن يتحقق بهذا السبب الرزق أو لا يتحقق أو أن يتحقق به كثير أو قليل فهذا إلى الله سبحانه وتعالى.
الجزية واحدة من خيارات ثلاثة يعرضها الإسلام على الأعداء، يقصد منها أنْ يكون الأمر كله للمسلمين بنزع شوكة الكافرين. وهذا معنى ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾ كما قلت بعضهم قال: إنَّ المراد بالصغار هنا الخضوع والانقياد لحكم الإسلام فهذا هو المراد، ومسألة أن الجزية واحد من خيارات ثلاث لأنّّ الله قال في أول الآيات ﴿قَاتِلُوا ﴾ وقال ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ﴾ فهذا خيار ثاني، وخيار الإسلام معروف، ويدل عليه حديث بريدة رضي الله عنه في صحيح مسلم وفيه ((وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال أو خلال)) وذكر الثلاثة كما هو معروف ((وهي الدعوة إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم. ثم قال: فإن أبوا فسلهم الجزية. ثم قال: فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم))
فحديث بريدة ظاهر وواضح الدلالة في إثبات هذه الثلاثة. وهي مستنبطة من الآية الكريمة والعلم عند الله. وفي حديث بريدة دليل على تعميم ذلك، وأنه ليس خاصا أيضًا بأهل الكتاب، ولذلك قلت أن بعض الأئمة قالوا: أن الجزية ليست خاصة بأهل الكتاب.
في اليهود من الخبث والشر ما أوصلهم إلى أن تجرأوا على الله وتنقصوا منه سبحانه. ﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا ۖ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
قال الله سبحانه:
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ
أذكر يا أيها الإخوة الكرام بأن الآية السابقة ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ سماها بعض العلماء بآية السيف ولذلك فآية السيف: -
منهم من قال هي قوله سبحانه ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: 5]
ومنهم من قال بل آية السيف في هذه الآية لأنَّها آية داعية للقتال.
وقد قال فريق من العلماء إنَّ هذه الآية نسخت آيات كثيرة، فنسخت آيات الموادعة والأمر بالصبر والعفو
لكن الصحيح من أقوال العلماء أن آيات الصبر أو آيات الأمر بالصبر والموادعة والعفوعن المشركين؛ ليست منسوخة وإنما هذا باختلاف الحال والمقام فيُعمَل بها في موضعها ويُعمَل بهذه الآية في موضعها.
وكذلك فإنَّ المشركين على أنواع؛ فهناك من تكون بيننا وبينهم معاهدة، أو يكونون من أهل ذمة، وما أشبه ذلك ممن يؤمنون، وبناء عليه: فإنَّ باب الجهاد باب خطير وعظيم، وينبغي أن يُفهم في ضوء الآيات التي سيقت فيه، والأحاديث النبوية التي ثبتت H0.
قال الله ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾
هؤلاء لا يكتفون بكونهم ينتقصون حق الله سبحانه، ويتخذون الأنداد والأرباب ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾؛ وإنما هم أيضًا يكيدون لأهل الإسلام، فلا يريدون ظهور هذا الدين الحق، وإنما ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ ومن كان كذلك فكيف يُترك؟ بل إنه يحارب!.
أرأيت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم إذا كان لديك مصباح تضيء به الطريق والناس يسيرون في ظلام، فرفض أحد هؤلاء أن يستنير بهذا الضوء، فتركته وشأنه، فلم يرتضِ إلا أن يأخذ منك هذا المصباح، وأن يطفئ الذي بيدك، فهل من الحكمة أن تتركه وأن تدعه ليطفئ المصباح الذي ينير لك ولمن شاء أن يستنير بك؟
قال الله ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ وتأمل ماذا يكون من الفم ماذا يكون من الأفواه؟ هذه الأفواه حينما تطفئ شيئًا، هذه الأنفاس التي تخرج من الأفواه، ما مقدارها؟ وما حجمها؟ وما مدى تأثيرها أمام نور عظيم؟ فكيف إذا كان هذا النور وصف بأنه نور الله!
﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ﴾ والمراد به: الإسلام، وهذه الشريعة الغراء ﴿وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ يأبى ﴿ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ﴾، وإذا كان الله يأبى ﴿إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ﴾، فمَنْ يستطيع أن يقف لله سبحانه وتعالى، أو أن يُضاد الله، ويُشاق الله سبحانه وتعالى.
قال ﴿وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ﴾
وهم يقولون في هذا الأسلوب أنه استثناء مفرغ، والاستثناء المفرغ كما هو عند أهل النحو يكون الاستثناء فيه ناقصا منفيا، فلا يوجد المستثنى منه، ويكون الأسلوب: أسلوب نفي، وهنا الأسلوب جاء فيه إثبات ﴿وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ﴾ فقالوا: إنَّ معنى ﴿وَيَأْبَى ٱللَّهُ﴾ أي لا ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ فتأولوا قوله يأبى الله: على أنه بمعنى (لا يريد) فيكون بمعنى النفي، إذًا ما معنى ﴿وَيَأْبَى ٱللَّهُ﴾ أي: لا ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ ﴿إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ﴾.
أو أن يقال أن المستثنى منه في حكم المذكور فيكون المعنى: ويأبى الله كل شيء ﴿إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾.
ثم قال ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ﴾ فهو سبحانه أرسل رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق وهو دين الإسلام
فمعنى ﴿وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي: -
والدين الحق فهنا من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة
أو أن معنى ﴿وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي ودين الله، فالله من أسمائه الحق ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ﴾ [النور: 25]
﴿لِيُظْهِرَهُۥ﴾ أي ليعليه ﴿عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ﴾.
قال الله سبحانه:
ﱡﭐ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱠ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ نداء آخر لأهل الإيمان يبين الله سبحانه وتعالى فيه سوء أخلاق هؤلاء من الأحبار والرهبان وأنهم كما أنَّ اعتقادهم فاسد فكذلك سلوكهم فاسد فجمعوا بين العقيدة الفاسدة وبين السلوك الفاسد أيضًا فقال﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ٣٤﴾
وهذا الموقف الذي ذكره الله عن أهل الكتاب مناسب لموضوع سورة براءة -سورة التوبة -؛ فإنَّ السورة كما تقدَّم تتحدث حديثا طويلا عن غزوة تبوك -غزوة ذات العسرة -وكانت فيها الحاجة ماسَّة إلى الإنفاق في سبيل الله، فيحذرنا الله عز وجل من أن نشابه هؤلاء من الأحبار والرهبان ومَنْ اقتفى أثرهم ممن يصدون عن سبيل الله، ويمتنعون عن الإنفاق في سبيل الله، ويكنزون الذهب والفضة، فهذا تحذير من مسلكهم، كما أنه حذرنا من اعتقادهم السيء فقال: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ﴾ أي من علماء اليهود ﴿وَٱلرُّهْبَانِ﴾ من عباد النصارى ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ ومعروف لديكم ما يقع منهم من صكوك وما أشبه ذلك من استيلاء على أموال الناس بطريقة غير مشروعة صحيحة.
قال ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ﴾ قالوا هنا ((والذين يجمعون الذهب والفضة)) ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
هنا في الآية الكريمة يا أيها الإخوة الكرام رب العزة سبحانه قال ﴿وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ لم يقل (ولا ينفقونهما) مع أنَّ الذهب والفضة شيئان فكان المتوقع أن يقال ولا ينفقونهما ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ هكذا بضمير الإفراد فما وجه ذلك؟ وجه ذلك والعلم عند الله:
أنَّ الضمير في قوله ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ أي: ولا ينفقون هذه الأموال ويدخل في الأموال الذهب والفضة إذا أفرد الله سبحانه وتعالى الضمير في قوله ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ دون أن يقول ولا ينفقونهما على أن الضمير يعود على المال أو الاكتناز الذي يشمل الذهب والفضة أي: ولا ينفقون هذه الأموال ﴿فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
ووجه ثان وهو أنَّ هنا تقديراً في الآية والمعنى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولا ينفقونها ﴿وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فاكتفي بأحدهما واستغني به عن الآخر، كما هو معروف في اللغة، كقولنا:
نحن بما عندنا، وأنت......... بما عندك راض، والرأي مختلف
فهذا من هذا القبيل.
على أنه في مثل هذه المقامات قد يستغنى بالإفراد للدلالة على مزيد من الاقتران بين المذكورات