مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الحديد جزء 10 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة التفسير · الدرس 50 من 61 · 18 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» كما صلّيت على إبراهيم «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة الحديد، وقد توقف بنا الحديث عند قول الله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَٰهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ ۖ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾2 (الحديد: 26). ثم: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَـَٔاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾3 (الحديد: 27).

بعد أن قال الله سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾4 (الحديد: 25) قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَٰهِيمَ﴾5 (الحديد: 26)؛ فهذا من قبيل عطف الخاص على العام؛ فبعد أن عمّم الله عز وجل وبيّن أنه أرسل رسله بالبيّنات خصّ منهم بالذكر نوحًا وإبراهيم. ونوح أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض كما جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام في حديث الشفاعة، وإبراهيم عليه السلام والد الأنبياء، وكل الأنبياء والرسل الذين جاءوا بعد إبراهيم من نسل إبراهيم عليه السلام. فقال الله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَٰهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ﴾6 (الحديد: 26)؛ جعلنا في ذرية نوح وإبراهيم النبوة والكتاب؛ فلم تخرج النبوة ولا الكتاب بعدهما عنهما بل كانت في ذريتهما.

فالأنبياء كانوا من نسلهما؛ فإبراهيم عليه السلام والد إسحاق وإسماعيل عليهما السلام، وإسحاق والد يعقوب، ويعقوب والد يوسف عليهما الصلاة والسلام. قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ﴾7 (الحديد: 26) والكتاب هنا اسم جنس أي: والكتب؛ فالكتب التي أنزلها الله عز وجل بعد نوح وإبراهيم كانت على منوالهما وعلى منهجهما. ﴿فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾8 (الحديد: 26)، أي: من هؤلاء الذرية — من ذرية إبراهيم ونوح عليهم السلام — من ذريتهم من هو على الهداية؛ ﴿فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾. فمن هؤلاء من اهتدى واستقام على منهج الله وأطاع رسول الله، ومنهم الفاسق الخارج عن دين الله وعن طاعته.

﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا﴾9 (الحديد: 27) ثم قفّينا أي: أتبعنا؛ وأصل مادة القفا؛ لأنَّ الذي يتبع غيره مباشرةً كأنَّما ينظر إلى قفاه فيسير خلفه لا يفارقه ولا يبتعد عنه؛ فقال: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا﴾، أي: أتبعنا على آثارهم؛ يعني: جاء على أثرهم مباشرةً؛ فما تخلو أمة من رسول، ويأتي رسول عقب رسول. ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا﴾ (الحديد: 27) فذكر الله عز وجل هنا الرسل أيضًا؛ و«ثم» التي تدل على التراخي الرتبي قال بعض العلماء لأنَّ المقصود بهؤلاء الرسل رسل لهم قدر أعظم عند الله، فيدخل في ذلك موسى الكليم عليه الصلاة والسلام. ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا﴾ ومنهم موسى عليه السلام؛ ثم تتابع الأنبياء بعد موسى عليه السلام: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾10 (المائدة: 44)؛ فهناك أنبياء عديدون وكثيرون جاءوا بعد التوراة حكموا بالتوراة وتبعوا في ذلك كليم الرحمن ونبيه موسى عليه الصلاة والسلام.

ثم: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾11 (الحديد: 27)، أي: وأتبعنا أيضًا هذه الرسالات ﴿بِعِيسَى﴾ ابن مريم، وخصّه بالذكر تنويهًا بشأنه ومكانته. وقال بعض العلماء ﴿أَنَّمَا﴾ جاء مفردًا ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾12 (الحديد: 27) لأنَّ عيسى ابن مريم عليه السلام جاء بعد حين من الدهر بعد رسالات عدد من الأنبياء والرسل. فقال: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ﴾13 (الحديد: 27) آتاه الله عز وجل الإنجيل وهو الكتاب المنزل على نبيه عيسى عليه الصلاة والسلام، الكتاب المنزل من عند الله على نبيه عيسى عليه السلام. وَءَاتَيْنَٰهُ ﴿ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾14 (المائدة: 46)؛ أثنى على هذا الكتاب بأن فيه هدى ونورًا، وأنه مصدِّق ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ﴾، وقال وهدى وموعظة للمتقين.

﴿وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ﴾15 (الحديد: 27). والإنجيل أحد الكتب السماوية التي أنزلها الله ونحن نؤمن بها ونصدّق ونقرّ بها، لكنه الإنجيل الذي أنزله الله لا كما حرّفه أهل الكتاب؛ فهم قد حرّفوا وبدّلوا بحيث إنك لا ترى مما قاله الله عز وجل على وجه التحقيق إلا النزر اليسير؛ وذلك أنَّ الموجود في الأناجيل اليوم أغلبه من كلام أتباع عيسى عليه السلام ومن كلام عيسى عليه السلام نفسه، مع أنَّ الأصل أن الإنجيل ﴿أَنَّمَا﴾ هو كلام من كلام ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. لكن تجد في الإنجيل الآن: وخرج عيسى وذهب إلى البرية وقابل فلان وفلان وصعد الشجرة ووقع كذا وأكلوا وشربوا وماذا صنعوا؛ كأنها سيرة؛ فأين هذا من الإنجيل الذي فيه كلام الله ورسالات الله عز وجل إلى عيسى عليه السلام على أن ما بينها الآن تفاوت؛ فهناك إنجيل مرقس وإنجيل ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ ويوحنا ولوقا كما هو معلوم، وهذه أناجيل أربعة بينها اختلاف؛ فكيف تكون كلام ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾16 (الحديد: 27)؛ جعل الله في قلوب الذين اتبعوا عيسى عليه السلام على وجه التحقيق والصدق فصدّقوا به وقالوا إنه عبد الله ورسوله وكلمته «أَلْقَاهَا ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾» وروح منه، ليس برب ولا بإله ولا بولد لله؛ فالله ليس له ولد: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ﴾17 (الإخلاص: 3-4). وليونة؛ ولذلك أتباع عيسى في قلوبهم رحمة، وهذا بخلاف ما كان عليه اليهود ولا يزالون عليه من قسوة القلوب وجمودها كما قال الله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾18 (البقرة: 74). فقال الله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ﴾19 (الحديد: 27)، أي: اتبعوه على الحقيقة لا الذين حرّفوا وبدّلوا ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾؛ فعندهم رقّة وعطف وحنان، وقد كانت شريعة عيسى عليه السلام تدعو إلى ذلك العطف وإلى تلك الرحمة. وجاءت شريعة نبينا محمد «صلى الله عليه وسلم» فكانت المتمّمة والخاتمة وفيها قول رب العزة: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾20 (الأنبياء: 107) «صلى الله عليه وسلم».

﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ﴾21 (الحديد: 27)؛ ورهبانية ابتدعوها قال بعضهم: أي: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، وقال بعضهم: أو جعلنا رهبانية ابتدعوها؛ فمنهم من جعل «رهبانية» متعلّقة بـجعلنا، ومنهم من قدّر لها فعلاً؛ وأيّاً ما كان فلا يُفهم أبدًا ولا ينبغي أن يُفهم أن تلك الرهبانية وقعت منهم بغير تقدير الله؛ فما يقع من العبد من فعل إلا بتقدير الله سبحانه؛ فالله خالق العبد وخالق فعله، والعبد هو الذي يكسب ويعمل، وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ22: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: 96).

ورهبانية ابتدعوها؛ الرهبانية نسبة إلى الرهبنة؛ قال بعضهم: إلى الراهب، وجاءت نسبته رهباني على سبيل المبالغة كلحياني وشعراني وما إلى ذلك، ﴿وَقِيلَ﴾ من الرهبان؛ وأيّاً ما كان ففيها أسلوب المبالغة؛ والرهبنة التفرّغ للعبادة والتخلي لها وترك ملذّات الدنيا وتطليق الدنيا. فإنَّ عيسى عليه السلام كان يخالط الناس ويجالسهم ويسير معهم وكذلك الحواريون معه؛ إذن ما عليه أولئك الرهبانيون ليس من هدي عيسى عليه السلام ولا منهج الإنجيل أصالةً، وإنَّما هو ابتداع منهم في دين الله عز وجل. وقد قيل إن الذي حملهم على ذلك — كما تدلّ عليه بعض الروايات — لما وجدوا الاضطهاد من بعض الوثنيين واليهود وما إلى ذلك اضطروا إلى أن يعتزلوا في تلك الأماكن وقالوا لهم: اتركونا نتخلى للعبادة وليس لنا في دنياكم ولا رغبة لنا فيها بشيء ولن نخالفكم في شيء فدعونا وما نصنع.

﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ﴾؛ ما كتبناها عليهم ما شرّعناها ولا فرضناها عليهم؛ إذن هي من تلقاء أنفسهم؛ ولذلك في ديننا: لا رهبانية في الإسلام. ولا ينبغي للعبد أن يتعبّد بذلك فيقول: أنا أعتزل النساء ولا أتزوّج ولا أطعم أو لا آكل إلا القليل؛ هذا ليس مطلوبًا وليس من الإسلام في شيء؛ وإنَّما ربنا قال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾23 (المائدة: 87). وقال «صلى الله عليه وسلم» أيضًا: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ». فإذن الإنسان يخالط ويصبر على الأذى.

فقال الله عز وجل: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ﴾ (الحديد: 27)؛ ما شرّعناها ولا فرضناها ﴿عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ﴾. أي: قال كثيرون: «إلا» هنا الاستثناء منقطع؛ فالمعنى ما كتبناها عليهم لكن كتبوها على أنفسهم وابتدعوها ابتغاء رضوان الله؛ يعني: هم ابتدعوا هذه العبادة وابتدعوا التفرّغ والجلوس والمقام في الصوامع ابتغاء رضوان الله. قال الله: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا24 ۖ فَـَٔاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ25 ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾26 (الحديد: 27)؛ أو يكون المعنى: لكن فرضنا عليهم ابتغاء رضوان الله؛ فرضنا عليهم أن يبتغوا رضوان الله لا أن يبتدعوا في دين الله ﴿وَلَآ أَن﴾ يتعبّدوا بالرهبنة وما إلى ذلك. ثم قال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (الحديد: 27). يعني: أنت ألزمت نفسك إنك أنت تبقى رهبانياً؛ خلاص تبقى رهبانياً؛ ولكنه لم يلتزم؛ فإذا بهم يزيدون في أمور الدنيا ويقبلون على شهوات الدنيا ويفتحون على أنفسهم الأموال الطائلة وهم يزعمون أنهم من الرهبان وليس كذلك؛ فلا هم صدقوا فيما صنعوا ولا هم امتثلوا أمر الله عز وجل؛ فقال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (الحديد: 27).

وهذا فيه أن الشخص إذا ألزم نفسه بشيء ثم بعد ذلك سوغ له أن يلتزم به فليستقم عليه، ولا ينبغي أن ينحرف عنه إلا إذا كان معصية؛ فإنَّه لا وفاء في معصية من معاصي الله عز وجل. ﴿فَـَٔاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ (الحديد: 27)؛ أعطى الله المؤمنين منهم أجرهم وثوابهم. ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ (الحديد: 27)، أي: خارجون عن طاعة الله غير مستقيمين على منهج الله بل تركوا اتباع الأنبياء والرسل. وهكذا، يا أيها الإخوة الكرام، بيّن الله عز وجل لنا في هاتين الآيتين الكريمتين أنه أرسل رسلًا وأن هؤلاء الرسل كان معهم الكتب وأن الناس انقسموا إزاء تلك الدعوة التي يجيء بها أنبياء الله ورسله؛ فمنهم من اهتدى ومنهم من فسق عن منهج الله. نسأل الله أن يجعلنا من المهتدين وأن يوفّقنا لما يحب ويرضى وأن يصلح أحوالنا وأن يحفظ بلادنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. ونكمل بإذن الله في الدرس المقبل. هذا والله أعلم؛ سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَٰهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ ۖ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 26 ↩
  3. آية: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَـَٔاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 27 ↩
  4. آية: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 25 ↩
  5. آية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَٰهِيمَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 26 ↩
  6. آية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَٰهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 26 ↩
  7. آية: ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 26 ↩
  8. آية: ﴿فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 26 ↩
  9. آية: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 27 ↩
  10. آية: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 44 ↩
  11. آية: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 27 ↩
  12. آية: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 27 ↩
  13. آية: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 27 ↩
  14. آية: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 46 ↩
  15. آية: ﴿وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 27 ↩
  16. آية: ﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 27 ↩
  17. آية: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ﴾ — كما ورد في الدرس: الإخلاص 3-4 ↩
  18. آية: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 74 ↩
  19. آية: ﴿وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 27 ↩
  20. آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 107 ↩
  21. آية: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 27 ↩
  22. آية: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 96 ↩
  23. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 87 ↩
  24. آية: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 27 ↩
  25. آية: ﴿فَـَٔاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 27 ↩
  26. آية: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 27 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة