تفسير سورة المجادلة جزء 1 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» كما صلّيت على إبراهيم «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ: فقد انتهينا بتوفيق الله سبحانه وتعالى وعونه من تفسير سورة الحديد، وننتقل بفضل الله عز وجل وتوفيقه إلى تفسير سورة المجادلة. وهذه السورة يقال لها: سورة المجادِلة ويقال لها: أيضًا سورة المجادَلة؛ فهي المجادِلة بالكسر والمجادَلة بالفتح. والفرق بينهما أن المجادِلة اسم فاعل فالمراد بها: التي جادلت وهي التي قال الله فيها: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾2 (المجادلة: 1). فإذا نظرنا إلى المرأة التي جادلت رسول الله «صلى الله عليه وسلم» في زوجها فإنَّها تُسمّى بسورة المجادِلة. وأما المجادَلة فالمراد به المصدر: جادَلَ مجادَلةً أي: المحاورة والجدال الذي وقع بين هذه المرأة مع رسولنا محمد «صلى الله عليه وسلم»؛ فباعتبار النظر إلى الحوار والمجادلة يقال لها: المجادَلة. كما أنَّ هذه السورة تُسمّى أيضًا بسورة «قد سمع» باعتبار أن صدرها: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾3 (المجادلة: 1)، ويقال لها: سورة الظهار لأنَّ الله ذكر فيها أحكام الظهار؛ فأحكام الظهار إذًا ظاهر الرجل لامرأته وقال لها: أنتِ عليّ كظهر أمي ونحو ذلك. فهذا جاء بيانه في هذه السورة الكريمة؛ لكن الاسم الأشهر سورة المجادِلة أو المجادَلة.
هذه السورة الكريمة فيها خصيصة لا تجدها في غيرها من سور القرآن الكريم، وهي أنه لم تخلُ آية من آياتها من ذكر اسم الله؛ فسورة المجادلة من أولها إلى آخرها في كل آية الله، وقد يتكرّر هذا الاسم العظيم الأحسن أكثر من مرة؛ ما فيها آية خلت من ذلك؛ فهذا من خصائص هذه السورة الكريمة. وسورة المجادلة سورة مدنية أي: نزلت بعد هجرة النبي «صلى الله عليه وسلم»؛ وفيها حديث كما ترون عن بعض أحكام الظهار وكذلك حديث عن أهل النفاق، وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ ظهر ونبت في المدينة حينما قوي الإسلام وكثر أتباعه.
الذي يتأمّل هذه السورة المباركة يجد أنها قد قامت على مقصود عظيم وهو التدليل على سعة علم الله عز وجل ﴿وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ﴾ الله عز وجل بأسه شديد. وإذا كان الله قد ذكر في سورة الحديد فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾4 (الحديد: 25) فمن بأسه الشديد أنه سبحانه وتعالى يهلك أولئك الذين يحادّون الله ورسوله. هناك شيء يقال له: مقصود السورة، وهذا من الأهمية بمكان ويغفل عنه كثير ممن تناول تفسير القرآن فضلًا عمّن يقرأ القرآن؛ وهو أن تقرأ السورة من أولها إلى آخرها فتربطها برباط واحد فكأنها تقوم على مقصود وغرض واحد تحته مقاصد أو أغراض جزئية؛ تمامًا كما تكون الخطبة وتحتها عناصر؛ فالذي يتأمّل سور القرآن الكريم يجد أن كل سورة لها مقصود واضح، وقد يغمض على كثير من الناس هذا المقصود؛ تحته عناصر عديدة تجتمع كلها لتنساق وراء تحقيق هذا المقصود بإذن الله تعالى.
والذي يتأمّل السورة يجد أن مقصودها الأعظم التدليل على أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ لذلك فتح الله السورة أو افتتحها بقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ﴾5 (المجادلة: 1): ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: 1). ثم ذكر لنا المحاورة والمجادلة التي حصل فيها. وبعدين قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُوا۟ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ ۚ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾6 (المجادلة: 5). وقال أيضًا سبحانه وتعالى ذاكرًا أنه بكل شيء عليم: ﴿أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾7 (المجادلة: 6) ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا۟ ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾8 (المجادلة: 7). فبدأ الآية ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾9 (المجادلة: 7) وختمها ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾10 (المجادلة: 7). وتستمر الآيات الكريمة تبيّن سعة علم الله؛ فالذين يناجون ويتناجون بالإثم والعدوان الله يعلم ولا يخفى عليه ماذا يخطّطون وماذا يدبّرون لرسول الله «صلى الله عليه وسلم». وكذلك حذّر الله من حال المنافقين وبيّن حقيقة الولاء والبراء؛ لأنَّ الولاء والبراء مبدأه ومنبته من القلب والذي يطّلع على القلوب هو الله؛ فقال: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾11 (المجادلة: 22).
افتتح الله هذه السورة بقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: 1). ففيه إثبات سمع الله وأنه لا تخفى عليه خافية؛ وليس المراد بالسمع هنا السمع الذي هو بمعنى إدراك المسموعات فحسب، وإنَّما المعنى قد سمع الله قولها وأجابها؛ لأنَّ في فرق بين السمع بمعنى الإدراك والسمع بمعنى الإجابة؛ كما أنك إذا رفعت من الركوع تقول: سمع الله لمن حمده؛ «سمع الله لمن حمده» ليس معناه أن ربنا سمعك فقط؛ معناه وأجابك الله؛ أي: أن الله يجيب من حمده. ففرق مثلًا بين أن يكلّمك أحد ويطلب منك طلبًا فتقول له: قد سمعتك؛ يقول لك: طيب أنت سمعتني ثم ماذا ستفعل يعني: ستجيبني ولا لن تجيبني أنت قد تسمع غيره لكن لا تجيب دعوته؛ فالسماع يختلف؛ فهناك سماع الإدراك وهناك سماع الإجابة؛ فمعنى قوله ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ﴾ (المجادلة: 1)، أي: قد أجاب الله المرأة؛ فالمرأة طلبت طلبًا ورغبت في شيء وقد سمعه الله وأجابها.
فقال: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾ (المجادلة: 1)؛ من هذه المرأة التي جادلت رسول الله «صلى الله عليه وسلم» في زوجها ومن زوجها الذي تدلّ عليه الروايات المتعدّدة الصحيحة أن هذه المرأة يقال لها: خولة، وفي بعض الروايات خويلة بنت ثعلبة، وفي بعضها بنت مالك بن ثعلبة؛ فهي خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها وهي زوج أوس بن الصامت رضي الله عنه. إذن عندنا أوس بن الصامت وزوجه يقال لها: خولة بنت ثعلبة؛ ظاهر منها زوجها؛ قال لها: أنتِ عليّ كظهر أمي؛ فأتت إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم» تشكو له صنيع زوجها وقالت له: زوجي قال: يا رسول الله كذا وكذا. وقد تزوّجني وأنا شابة فلما كبَّر سني ووهن عظمي ونثرت له بطني ظاهر مني؛ يعني: بعد أن كنت شابة ثم بعد ذلك ظاهر مني. وجاء في بعض الروايات أنها قالت: ولي منه أولاد صغار؛ إن تركتم معه ضاعوا وإن تركوا معي جاعوا؛ معايا محتاجين للمنفق عليه ومع أبيهم محتاجين للعاطف؛ وهذا يدلّ على فقهها.
وفي بعض الروايات أن زوجها بعدما ظاهر منها وقال: أنتِ عليّ كظهر أمي أرادها على نفسها فأبت عليه وكانت أقوى لأنه كان قد كبر وهي أقوى منه فامتنعت منه وقالت: لا حتى آتي رسول الله فأسأله؛ هذه في رواية عديدة. وجاء في بعض الروايات أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لها: «اتقي الله فإنه ابن عمّك»، يعني: هو زوجها وقريبتها أيضًا؛ وفي بعض الروايات: ما أراكِ إلا قد حرمتِ عليه؛ لأنَّ الظهار كان ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ يُعدّ بين الناس طلاقاً؛ إذًا الواحد قال لامرأة: أنتِ عليّ كظهر أمي خلاص فيصير كأنه طلّق. فتجيب تشتكي: طيب أيطلّقني كيف وأنا معي عيال ثم بعد ما حصل لي والرسول عليه الصلاة والسلام في بعض الروايات ليس فيه هو ردّ عليها هذا الردّ، ﴿أَنَّمَا﴾ أنزل الله قوله؛ يبقى نزل الوحي؛ الرسول ينتظر الوحي بماذا يوحى إليه؛ لم يجد ردّاً عليها فأنزل الله قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: 1)؛ يعني: تشتكي إلى الله حالها وأنها كيف تفرض وهي على هذا الوصف. وفي بعض الروايات قالت له: يا رسول الله وهو زوجي وأحب الناس إليّ؛ يعني: أنا لست أريد أن أفرضه؛ مع كل الحجج والأدلة؛ ولذلك ربنا يذكرها في القرآن. لذلك ورد أن عمر رضي الله عنه كانت إذا جاءت إليه أدخلها مباشرةً يقول: هاتوها أستمع لها؛ كيف لا أستمع لها وقد سمعها الله عز وجل؛ يعني: ربنا سجّل هذا في القرآن وقال: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: 1).
وثبت عند البخاري معلّقاً وجاء عند النسائي في الصغرى والكبرى وعند ابن ماجه وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في بعض الروايات: الحمد لله، وفي بعض الروايات: «تبارك الله الذي وسّع سمعه الأصوات؛ إن المرأة جاءت تجادله وتشتكي إليه في ناحية من البيت» بل في بعض الروايات في ناحية من الحجرة ويخفى عليّ بعض حديثها؛ يعني: هي دخلت عليّ في حجرة عائشة، مالت في جنب الرسول عمّال يسمعها وهي بتقول له ده عمل وسوى، وعائشة جنبه قالت: يخفى عليّ بعض حديثها؛ يعني: أنا سمعت نصّ الكلام؛ وكلام عائشة: تبارك الذي وسّع سمعه الأصوات؛ إن ربنا من فوق سبع سماوات أنزل القرآن الذي يُتلى وقال: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: 1). يعني: أنت قد تحدّث صديقًا لك من حديث وبجوارك آخرون لا يستمعون لا يسمعون؛ ولذلك في السورة نفسها ذُكرت النجوى: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْـًٔا إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾12 (المجادلة: 10)؛ لأنه ليس أي أحد يطّلع على النجوى لكن ربنا بكل شيء عليم؛ ونحن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن المقصود الأعظم تقرير أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾ (المجادلة: 1) هذا يُسمّى في علوم القرآن بعلم مبهمات القرآن؛ يعني: لما يُذكر رجل أو امرأة في القرآن ولا يُسمّى لكن يأتي دليل على التسمية؛ فمن سمّى ذُكر مبهمه؛ يعني: الزوج عرفنا من حديث النبي عليه الصلاة والسلام بالرواية وكذلك هذه المرأة. ﴿وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾13 (المجادلة: 1)، أي: الحديث الذي جرى بين الرسول «صلى الله عليه وسلم» وبينها؛ إن الله سبحانه وتعالى سميع بصير لا تخفى عليه الخافية سبحانه وتعالى. ثم بدأ ذكر الحكم؛ وهو ربنا أثبت أنه سميع وأنه بصير؛ طيب ما هذه المحاورة ما حكمها قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔى وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾14 (المجادلة: 2)؛ يبقى ربنا بيّن الأول حكم الظهار. وبعد ذكر الكفارة المخرج من الظهار: ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾15 (المجادلة: 3). إلى آخر الآيات الكريمة ذكر كفارة الظهار فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُم﴾16 (المجادلة: 2) كما في القراءة الأخرى يَظَّهَّرُونَ؛ المقصود الظهار وهو أن يقول الرجل لامرأة: أنتِ عليّ كظهر أمه؛ ومعناه: زي ظهر أمه عليه حرام؛ لكن بالنسبة له الزوجة حلال؛ فشبّه ما يحلّ له بما يحرم عليه؛ شبّه ما يحلّ له وهي المرأة زوجته بما يحرم عليه وهي أمه؛ فقال لها: أنتِ عليّ يعني: أنتِ حرام عليّ مثل أمي هكذا؛ لكنه عبّر: أنتِ عليّ كظهر أمي.
فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم﴾17 (المجادلة: 2)؛ وقوله: ﴿مِّن نِّسَآئِهِم﴾ دلّ على أن الظهار يكون من الرجل من المرأة. كما أنَّ الطلاق في الأصل بيد الرجل لكن الشرع لم يجعل الظهار طلاقاً؛ فلو قال: الرجل لامرأته هذه المقالة: أنتِ عليّ كظهر أمي ليس طلاقاً؛ لا يُعدّ طلاقاً؛ حتى لو أنَّ الرجل طلّق امرأته طلقتين وظاهر منها فلا تزال له طلقة عليها؛ وأما الظهار فهو منكر من القول وزور لكن فيه الكفرة. ﴿ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ﴾18 (المجادلة: 2)؛ ربنا يعاتب على من يظاهر؛ كيف تشبّهها بأمك ما هن أمهاتهم؛ زوجتك ليست أمك. ﴿إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔى وَلَدْنَهُمْ﴾19 (المجادلة: 2)؛ أمك هي التي ولدتك ليس غير؛ ذاتك هذه أمك. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُورًا﴾20 (المجادلة: 2)؛ منكر من القول لأنَّ ينشئ به حكمًا فيه نكارة منكر؛ لما يقطع العلاقة بينه وبين زوجته بدعوى أنها صارت أماً له. فهذا إنشاء منكر؛ طب وزور لأنه خبر زور؛ فهو زور من حيث الخبر ومنكر من حيث الحكم والإنشاء؛ زور لأنه لما يقول لها أنتِ ليست أمك ولا تكون مثلها. ﴿ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔى وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾21 (المجادلة: 2). لذلك فالظهار حرام؛ الطلاق ليس حرامًا؛ الطلاق قد يباح وقد يكون حرامًا وقد يكون واجبًا وقد يكون مكروهًا وقد يكون مستحبّاً؛ الطلاق تدور حوله الأحكام الخمسة. لذلك ثبت أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» طلّق؛ فالرسول طلّق حفصة ثم راجعها وأتاه جبريل وقال له: «راجع حفصة فإنها صوّامة قوّامة وإنها زوجتك في الجنة». والرسول عليه الصلاة والسلام آلى من نسائه حلف أن لا يقرب نساءه شهرًا لكنه لم يظاهر؛ مستحيل؛ لأنَّ الظهار حرام منكر من القول وزور؛ فالذي يظاهر يقع في الإثم ابتداءً ثم عليه الكفارة. فقال الله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (المجادلة: 2) فهو عفوّ يتجاوز عن عباده وهو غفور يغفر لهم ذنوبهم ويكفّر عنهم سيئاتهم ويقيهم شرّها. لكن يا ترى ما كفارة الظهار وهل الظهار لا يكون إلا بقول: أنتِ عليّ كظهر أمي فماذا لو قال: لها: أنتِ عليّ كبطن أمي أو قال لها: أنتِ عليّ مثل أمي أو مثل أختي أو تحرُمين عليّ مثل أمي وأختي هذه مسائل عديدة نتعرّف عليها بإذن الله تعالى مع معرفة الكفارة وأحكامها في الدرس المقبل. وفّقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 1 ↩
- آية: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 1 ↩
- آية: ﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 25 ↩
- آية: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 1 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُوا۟ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ ۚ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 5 ↩
- آية: ﴿أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 6 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا۟ ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 7 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 7 ↩
- آية: ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 7 ↩
- آية: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 22 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْـًٔا إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 10 ↩
- آية: ﴿وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 1 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔى وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 2 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 3 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُم﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 2 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 2 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 2 ↩
- آية: ﴿إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔى وَلَدْنَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 2 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُورًا﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 2 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 2 ↩
من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)