سورة التوبة — الجزء 3
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
كقوله سبحانه وتعالى ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 62] لأن من أرضى الرسول فقد أرضى الله، ورضا الله لا يتحقق إلا برضا رسوله صلى الله عليه وسلم ورضا الرسول تابع لرضى الله سبحانه وتعالى.
ومن ذلك قوله ﴿وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا ٱنفَضُّوٓا۟ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11].
وبعضهم يرى أن الضمير يعود على أقرب مذكور فيكون إذًا عائد على الفضة؛ وإذا كان هناك ذم في من لم ينفق الفضة فكذلك في من لم ينفق الذهب! قال ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
ما معنى هذا الاكتناز وعدم الإنفاق؟ قال عدد من المفسرين: -
ولا يخرجون النفقة الواجبة من الذهب والفضة فيدخل في ذلك الزكاة ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ أي: -ولا يؤدون الزكاة، ولذلك ورد ((ما أُدِّي زكاته فليس بكنز)) إذًا ما معنى ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: -ولا يؤدون زكاتها فما أُدِّي زكاته فليس بكنز.
وإلا فإنَّ بعض المفسرين يرى أن هذه الآية منسوخة، وقالوا: في بادئ الأمر كان الناس مأمورين بإنفاق ما فضل عن حاجاتهم فإذا كان لدى الإنسان مال يأخذ منه حاجته وما زاد فإنَّ عليه أن ينفقه.
والأول أقرب، وأنَّه لا نسخ في الآية الكريمة على أنَّ الآية الكريمة في صدرها حديث عن الأحبار والرهبان.
قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وعلى كل حال فالأمر المستقر أن المؤمن إذا أدى زكاة ماله فقد أحسن، ولا يعد كنزاً للمال، لكنه إن استكثر من الخير فأنفق في سبيل الله فهذا أفضل وأفضل، مع مراعاة النفقات الواجبة عليه من نفقته على أهله ونحو ذلك.
قال الله:
ﱡﭐ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﱠ
﴿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا﴾ قالوا (يوقد على ما جمعوه ومنعوا حقه في نار جهنم) فيوقد على هذا الذي جمعوه من الذهب والفضة كما يشهد له حديث النبي صلى الله عليه وسلم ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي الزكاة)) الحديث، فيُحمَى على هذه الأموال التي اكتنزها الإنسان ولم يؤدِّ حق الله فيها ﴿فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ قالوا: إنَّما ذكرت هذه الثلاثة لأن الإعراض يتم بها فحينما يأتي الفقير إلى الإنسان ليسأله: -
يعرض له مِنْ أمام، يعرض له أمامه ﴿فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ لأنه أول أمره، أو في أول أمره يقابل جبهته أو وجهه.
ثم يعطيه جنبه فقال ﴿وَجُنُوبُهُمْ﴾
ثم يوليه ظهره فقال ﴿وَظُهُورُهُمْ﴾
﴿هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾ أي هذا جزاء ما كنزتم لأنفسكم ﴿فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.
قال الله:
ﱡﭐ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥﲦ ﲧ ﲨ ﲩﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﱠ
حدثنا الله سبحانه وتعالى عن أمر يتعلق بالشهور وبالأشهر الحرم، وهذا مناسبٌ لقضية القتال فإنَّ القتال يحرم في هذه الأشهر فهذه مسألة من هذه المسائل.
وأيضا فإنَّ الآية الكريمة توطئة لما جاء بعدُ من الحديث عن المشركين ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ وكأنَّ هذه الآية يتم بها الانتقال من الحديث عن أهل الكتاب إلى الحديث مرة أخرى عن المشركين، فتعود السورة الكريمة للحديث عن المشركين وأفعالهم وأعمالهم، فقال ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ قالوا:أي في حكم الله وقضائه، ففي حكم الله وقضائه أنَّ عدة الشهور اثنى عشر شهرا ﴿فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ قالوا في كتاب الله أي ((فيما أثبته الله في اللوح المحفوظ)) إذا ما المراد بكتاب الله في الآية؟ المراد به: اللوح المحفوظ.
﴿يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ فهذا أمر مستقر منذ أن خلق الله السماوات والأرض ﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ أي جعل الله عز وجل من هذه الشهور أربعة أشهر جعلها حُرُمًا -لها حرمة، ولها خصوصيات -منها: أن القتال فيها محرم
قال الله سبحانه وتعالى ﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ قالوا هنا ((حرم الله فيهن القتال وهي ثلاثة أشهر: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فردٌ أي منفصل عنها غير متصل بها وهو رجب)) وهذا ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم فلذلك قوله منها أربعة حرم جاء تفسير ذلك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي بكرة رضي الله عنه المتفق عليه فالأشهر الأربعة الحرم غير الأشهر الأربعة التي تقدم ذكرها في أول السورة كما نبهنا عليه من قول المحققين في الآية هناك منها أربعة حرم شهر ذي القعدة وشهر ذي الحجة والمحرم ورجب مُضَر الذي بين جمادى وشعبان.
﴿وَقِيلَ﴾ (رجب مضر) لأنَّ ربيعة كانوا لا يجعلونه هو الرابع بل قالوا أنهم كانوا يجعلون رمضان أو غيره فلذلك نبه الرسول صلى الله عليه وسلم على أن الشهر الحرام هو رجب الذي تعرفه مضر وتحافظ عليه.
قال الله سبحانه ﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ قال بعضهم: وهذه الآية لها صلة بما ذكر الله قبل عن المشركين من قتالهم فيما وقع لهوازن وثقيف يوم حنين فإنَّ هذا القتال قد استمر في شهر ذي القعدة.
فإذا طعن طاعنٌ وقال وكيف تقاتلون في شهر حرام؟
فقالوا: إنَّ هذا كان من باب الدوام؛ وليس من باب البدء فبدء الحرب كما تقدم كان في شهر شوال لكن الحصار قد استمر حتى دخل عليهم شهر ذي القعدة ومن المعروف أنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في البدء وكذلك نص عدد من العلماء على أنه هناك فرق بين البدء بالقتال في الأشهر الحرام فهو حرام وبين استمرار القتال أو بين دفع العدوان فإنه لو اعتدى على المسلمين عدو فإنهم يقاتلونه ويردون عدوانه ولو كان هذا في الشهر الحرام.
والجماهير من العلماء على أن القتال في الأشهر الحرم صار مباحاً وأن هذا الحكم قد نسخ وتقدم شيء من ذلك عند قول الله سبحانه ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾.
قال الله سبحانه ﴿ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ قالوا (دين مستقيم)، وأيضاً يدخل في قوله (الدين القيم): الطريقة المستقيمة، والشريعة المستقيمة، والحساب المستقيم، والتقدير المستقيم؛ وذلك أن الله جعل هذا هو التشريع وجعل هذا هو التقسيم للأشهر.
وهذا فيه أن تقسيم الزمان أمر مهم، وأن معرفة الحساب والتقديرات وما إلى ذلك مما يعتني به الشرع ويدعونا لمعرفته بحسب الحاجة؛ ولذلك ذكر الله سبحانه فقال ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] فمراعاة الزمان ومراعاة الميقات أو المواقيت والحفاظ عليها مما تدعونا إليه الشريعة الإسلامية.
قال الله ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله فيهن؟
رجح عدد من المفسرين أن الضمير في قوله ﴿فِيهِنَّ﴾ يعود على الأشهر الحرم الأربعة ولذلك قالوا هنا في التفسير ((فلا تظلموا في هذه الأشهر الحرم أنفسكم بإيقاع القتال فيها وهتك حرمتها)) قالوا لأنَّه في حالة إذا كان الجمع جمع قلة وكان دون العشرة فإنَّه يؤتى بالضمير هن وأما إذا كان العدد أكثر من عشرة أو كان جمع كثرة فإنه يؤتى بالهاء (ها) فيقال فيها فلما قال ﴿فِيهِنَّ﴾ عُلِمَ أن العدد قليل؛ والعدد القليل هنا ماذا؟ أربعة؛ لأن اثني عشر أكثر من عشرة، فهذا مما ذكروه في هذا الباب.
لذلك قالوا إذا كان العدد قليل يؤتى بضمير (هن) أو بنون النسوة، ولذلك يقال: (لثلاث خلونَ ويقال لخمسة عشر خلت أو لثلاث عشرة خلت) إذًا سواءً قدرنا بثلاث عشرة يوما أو ليلة إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ لثلاث عشرة ليلة أو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ لثلاثة عشر يوما فيقال خلت وأما إذا كان دون العشرة يقال (خلونَ) فهذا فيه هذا المعنى.
لكن بعض العلماء قال هذا ليس بمضطرد، ولذلك ذكروا أن الضمير في قوله ﴿فِيهِنَّ﴾ يعود على الأشهر كلها أو على الشهور كلها الاثني عشر. فهما قولان.
* ما معنى ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾؟
إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنها عائدة على الأربعة قالوا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ بإيقاع القتال فيها وهتك حرمتها؛ وأما إيقاع القتال فيها فقد قيل بنسخه كما عليه الجمهور وتقدم تفصيله.
وإذا قيل أنها عائدة على الشهور كلها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ بتغيير شرع الله فيها، فالأشهر على ما هي عليه من حيث الترتيب أو من حيث البيان، فلا تقدمه وتؤخره، كما ذكر الله بعد ذلك مما هو من قبيل نسيء ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37]، وأيضا حرموا ما حرم الله وأحلوا ما أحل الله سبحانه وتعالى.
وقوله ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ يدخل فيه أيضًا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ بالمعصية بارتكاب المعاصي.
* وفي قوله ﴿ أَنْفُسَكُمْ﴾ قولان: -
إما أن يراد بالأنفس الأنفس على الحقيقة لا تظلم نفسك فالإنسان إذا عصى ربه وأذنب فقد ظلم نفسه.
والمعنى الثاني: فلا تظلموا فيهن إخوانكم -لا تظلموا فيهن الناس -فأقامَ أخاكَ في مقام نفسِك، أقامه كأنه أنت؛ لأن الإنسان إذا ظلم أخاه فكأنَّما ظلم نفسه، كما في قوله تعالى ﴿وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: 11] فيكون في ذلك نهي عن ظلم الإنسان لنفسه وعن ظلمه لغيره.
ثم قال ﴿وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾ ما معنى ﴿كَآفَّةً﴾ هنا؟
قالوا في المختصر ((وقاتلوا المشركين جميعا كما أنهم يقاتلونكم جميعا)).
بعض العلماء يرى أن قول ﴿كَآفَّةً﴾ حال من الفاعل من الواو في قوله ﴿ وَقَاتِلُوا﴾ يعني:وقاتلوا -جميعا -أنتم جميعا.
﴿وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ والمعنى: وقاتلوا كلكم فالمراد بأنْ يكون القتال صادراً من جميع المؤمنين وبهذا قال فريق فقالوا: هذا يدل على أن الجهاد كان فرض عين. ثم قالوا أن الآية نُسخت......
بما قال الله عز وجل بعده ﴿ٱنفِرُوا۟ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] “ وبالأدلة التي تدل على أنه ليس فرضاً على الجميع.
وبعضهم قال نُسِخَ بقوله ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122] وضُعِّفَ هذا.
﴿وَقِيلَ﴾: بل هو من أول الأمر فرض على الكفاية، إلا إذا تعين فيصير حينئذ فرض عين، كما لو دَهَم العدو بلدًا من بلاد الإسلام كما هو معلوم، فيكون فرض عين على أهل هذا البلد.
إذًا هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ أن معنى ﴿ وَقَاتِلُوا ﴾ أي: وقاتلوا كلكم؛ والمعنى الثاني ﴿وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ قالوا هذا حال من المفعول -حال من المشركين -فقاتلوا المشركين جميعاً أي:قاتلوا جميع المشركين، واستدلوا أيضًا بالعموم المأخوذ من قوله (المشركين)، لكن يعكِّر على هذا أن هناك من المشركين من لا يُقَاتَلون وقد دلت الأدلة الشرعية على أنَّ من المشركين من لا يجوز قتاله، وذلك إذا وجد ما وجد من عهد من معاهدة وما أشبه ذلك أو من تأمين وقد تقدم معنا قوله ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 6] فكيف تُفهَم الآية؟ لأن بعض الناس فهم الآية خطأ فقال الحكم الذي قرره الشرع هو قتل جميع المشركين في كل الأحوال وقالوا هذا خطأ بل الآية تحتاج إلى تدقيق نظر.
لذلك بعض العلماء قال أن معنى قوله ﴿كَآفَّةً﴾ في هذا السياق أي:وقاتلوا المشركين قتلاً يكفهم ويزجرهم فقاتلوهم مجتمعين كما أنهم يقاتلونكم مجتمعين.
فالآية فيها دعوة إلى أنْ يكون قتال المشركين من المؤمنين وهم مجتمعون على قلب واحد وهم غير متفرقين ولا متشرذمين؛ وإنما وهم يد واحدة على من سواهم.
وأيضا يقال أن الآية فيها ﴿كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾ فلك أن تقول أن الكاف للتشبيه، أو أن تقول إنَّ الكاف للتعليل فإذا قيل أنها للتعليل فالمعنى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ لأنهم يقاتلونكم كافة فيكون هذا الحكم متعلقا بالمشركين الذين يقاتلوننا كافة؛ وأما من قدم لنا العهد وطلب منا الأمان فأمره مختلف.
ولذلك لا ينبغي أن تفهم هذه الآية بعيدا عن بقية الآيات الأخرى والأحاديث الثابتة عنه عليه الصلاة والسلام، وقد تقدم معنا -في الآيات السابقة -ما يدل على أن هناك أمورا تتعدد في التعامل مع المشركين وغيرهم؛ فلذلك قوله ﴿وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾:
إمَّا أن يقال: وقاتلوا المشركين المقاتلين كما قال ﴿وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190]
أو أنْ يكون المراد هنا: الأمر بالاجتماع على القتال، والله تعالى أعلم.
على كل حال تقدم أن المشركين أو الكفار على أنواع: فهناك الحربي وهذا يقاتل، وهناك المعاهد وهناك الذمي وهناك المستأمن فهؤلاء لا يقاتلون، بل لهم حق ينبغي أن يراعى، والعلم عند الله.
قال ﴿كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ وقد قال بعض العلماء: ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر الله هذه المسألة ﴿وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ بعد قوله ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾؛ لأن فيها النهي عن القتال في الأشهر الحرم، فماذا لو اعتدى علينا هؤلاء في هذه الأشهر الحرم؟ فقال ﴿وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾فإذا قاتلوكم في الأشهر الحرم فحينئذ لا حرمة لهم بل قاتلوهم كافة لذلك قالوا هذا يدل على عموم الذوات وعلى عموم الأحوال ففي كل حال إذا وقع منهم اعتداء فإنه يُردُّ عليهم والعلم عند الله تبارك وتعالى.
من فوائد الآيات
دين الله ظاهر ومنصور مهما سعى أعداؤه للنيل منه؛ حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم.
تحريم أكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله تعالى.
تحريم اكتناز المال دون أداء الحقوق الواجبة فيه.
الحرص على تقوى الله في السر والعلن خصوصًا عند قتال الكفار لأن المؤمن يتقي الله في كل أحواله.
قال الشيخ حفظه الله:
دين الله ظاهر ومنصور مهما سعى أعداؤه للنيل منه؛ حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم. قال الله سبحانه وتعالى ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ﴾ وكذا قال في الآية التي قبلها ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾.
تحريم أكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله تعالى. حيث قال الله سبحانه ذامَّاً صنيع الأحبار والرهبان أو ذامَّاً صنيع كثير من الأحبار والرهبان ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وقوله ﴿إِنَّ كَثِيرًا﴾ فيه إنصاف، فهو يبين أن هذا حال وصنيع كثير منهم، وأن بعضهم ربما يكون منهم الإنصاف في هذا الباب.
تحريم اكتناز المال دون أداء الحقوق الواجبة فيه. فقد قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
الحرص على تقوى الله في السر والعلن خصوصًا عند قتال الكفار؛ لأن المؤمن يتقي الله في كل أحواله. قال ﴿وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ فحتى في باب القتال لا بد أن يتقي العبد ربه، فليعلم أنَّ السلم والحرب ينبغي أن يكون وَفْقَ شرع الله، وأن يستحضر العبد فيه تقوى الله، وأن يراقب فيه ربه عز وجل.
نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، ونقف عند هذا الحد، ونكمل في الدرس المقبل بإذن الله، هذا والله أعلم، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فنواصل القراءة في كتاب مختصر في تفسير القرآن الكريم، وما زلنا مع آيات سورة التوبة.
قال الله سبحانه:
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱠ
هذه الآية الكريمة وثيقة الارتباط بالآية التي سبقتها، لها صلة واضحة بالآية التي سبقتها؛ فإنَّ الله عز وجل قال في الآية السابقة ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾.
ولك أن تقول أن قوله ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ الآية بمثابة التوطئة، والتقدمة لهذه الآية التي معنا ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ﴾.
فالله سبحانه يبين في هذه الآية أن المشركين كان لهم شأن مع هذه الأشهر الحرم، فقد كانوا يدعون تعظيمها، لكنهم في حقيقة الأمر يخالفون، فإذا جد عليهم أمر، أو أرادوا أن يقاتلوا في هذه الأشهر الحرم مع معرفتهم بحرمتها، فما يكون منهم إلا أن يؤخروا الشهر الحرام، فيجعلون شهر محرم في شهر صفر، يقدمون ويؤخرون، ثم بعد ذلك يجعلون السنة اثني عشر شهرا، فبذلك يتم العدد لهم، مع أنه وقع منهم تأخير للشهر الحرام، فجعلوه في شهر حلال، وهكذا يجري منهم هذا الأمر تحريفا للكلام عن مواضعه، وتغييرا لشرع الله سبحانه وتعالى في حق الأشهر.
لذلك قال الله سبحانه ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ﴾ أي: التأخير، فالنسيء هنا معناه التأخير.
ومنه ما هو معروف في باب الربا بربا النسيئة، فربا النسيئة قيل له ذلك؛ لأن فيه تأخيرا فيما لا يسوغ تأخيره.
وهنا قال ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ﴾ قالوا: إن التأخير لحرمة شهر محرم إلى شهر غير محرم، وجعله مكانه، كما كان يفعل العرب في الجاهلية زيادة في الكفر على كفرهم بالله سبحانه وتعالى، فهذا ضلال إلى ضلال
قال ﴿يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ فهذا مما يضلهم به الشيطان الرجيم، أضلهم وزين لهم سوء أعمالهم، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم
* وقوله سبحانه ﴿يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ كلمة يضل فيها ثلاث قراءات:
﴿يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ من الذي يضلهم؟ الشيطان.
والقراءة الثانية: “ يَضِل به الذين كفروا “ أي: يقع لهم الضلال بسبب هذا الذي يصنعونه من التأخير.
والقراءة الثالثة: “ يُضِل به الذين كفروا “ : هذا النسيء وهذا التأخير سبب لإضلالهم وضلالهم.
﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُحِلُّونَهُۥ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامًا﴾ ففي بعض الأعوام يحلون، وفي بعض الأعوام يحرمون.
قال الله ﴿لِّيُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ﴾ أي: ليوافقوا ﴿عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ﴾، هم يريدون في نهاية الأمر أن يرضوا أنفسهم، وأن يشعروا أنفسهم بأنهم لم يغيروا، ولم يبدلوا، ولم يقدموا، ولم يؤخروا؛ لأن السنة قد اكتملت باثني عشر شهرا بالرغم من تقديمهم أو تأخيرهم.
فقال ﴿لِيُوَاطِئُوا ﴾ أي: بزعمهم ليوافقوا ﴿عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ﴾، وهذا فيه تعريض وتهكم بهم؛ لأنهم في الحقيقة لم يراعوا ما حرم الله سبحانه وتعالى.
قال ﴿فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ﴾ وهنا جاء التصريح بقوله ﴿مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ﴾ مرة ثانية، فلم يقل: ﴿لِّيُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ﴾ فيحلوه، وإنما قال ﴿فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ﴾ وهذا فيه تشنيع، بيان لشناعة فعلهم، فقوله ﴿فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ﴾ سجل عليهم سبحانه وتعالى أنهم يحلون ما حرم الله، وهذه جرأة على الله سبحانه وتعالى، وانتهاك للحرمات والمحرمات.
قال ﴿فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَـٰلِهِمْ﴾ وكأن سائلا يسأل وما الذي جرأهم على ذلك؟ وجعلهم يحلون ما حرم الله، ويؤخرون الشهر الحرام إذا شاءوا ويقدمون شهرا حلالا إذا شاءوا؟ ما الذي دفعهم إلى ذلك وحملهم عليه؟
فالجواب: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَـٰلِهِمْ﴾ زين لهم سوء أعمالهم، فظنوا أن هذا العمل عمل حسن.
قال الله ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ولم يقل: والله لا يهديهم، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ لتسجيل الكفر عليهم، فقال ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ نسأل الله السلامة.
وهكذا يا أيها الإخوة الكرام، فإنَّ رب العزة سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة ينعى على المشركين صنيعهم، حينما أخروا ما شاءوا من أشهر الله الحرم، فيحلون ما حرم الله وهذا خلل كبير.
ثم قال الله سبحانه موجها نداءه للمؤمنين:
ﱡﭐ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﱠ
وقبلها قالوا هنا في المختصر في قوله ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: والله لا يوفق الكافرين المصرين على كفرهم، تقدم بيان ذلك مرارا فيما سبق في آيات القرآن الكريم، كقوله سبحانه في سورة البقرة ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6] فقد يرد إشكال في مثل هذه الآيات:
﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ يقول قائل: نرى أن الله قد هدى بعض الظالمين، وبعض الفاسقين، وبعض الكافرين، فكيف والآيات تنفي ذلك؟
فيقال: لا يهدي القوم الكافرين المصرين على كفرهم، أو ما داموا على كفرهم.
أو أن هذا عام أريد به الخصوص، فالمراد به: أقوام معينون، كتب الله عليهم الشقاوة؛ لعلمه باستمرارهم على ما هم عليه من إثم وغي وضلال وكفر.
قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ نداء من الله سبحانه لأهل الإيمان ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ﴾ هذه الآيات الكريمة تتحدث عن غزوة تبوك، فالله سبحانه وتعالى يبين أنه لا ينبغي للمؤمنين أن يقع منهم تقاعس أو تكاسل عن النفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجهاد في سبيل الله عز وجل، في هذه الغزاة التي لم يورِّ فيها الرسول صلى الله عليه وسلم الجهة التي سيذهب إليها، وإنما صرح بها، وبين لهم أن الجهة التي سيُذهب إليها هي جهة الشام؛ لقتال أهل الروم في غزوة تبوك، وأن السفر بعيد، وأن الحر شديد، وأنهم بحاجة إلى الزاد، فكان الأمر شاقا على كثير من الناس.
فحينئذ حثهم الله عز وجل فقال ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ﴾ بهذا الأسلوب الجليل العظيم ﴿ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ﴾ الذي لفظه يدل على معناه.
ومعنى ﴿ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ﴾: تثاقلتم، لكن في التعبير بقوله ﴿ٱثَّاقَلْتُمْ﴾ يدل على موقع هذا التثاقل لفظا ومعنى ﴿ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ﴾ أي: أرضيتم بالحياة الدنيا عوضا عن الآخرة؟ أو بدلا من الآخرة؟
فقد ذكر كثير من النحويين أن (من) تأتي لمعان، ومن معانيها العوض أو البدل، ومن أشهر أمثلته هذه الآية الكريمة.
فمعنى قوله ﴿أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ﴾ هذا إنكار وتقريع لمن يكون حاله كذلك، كيف ترضون لأنفسكم بالحياة الدنيا الفانية بدلا عن الآخرة الباقية؟
قال الله ﴿أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ هب أنكم لن تنفروا في سبيل الله، وهب أنكم لن تقاتلوا، ولن تحضروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما الذي ستحصلونه من الدنيا؟ ستحصلون متاعا قليلا، ويفوتكم الخير الكثير، ثم أين متاع الدنيا من نعيم الآخرة، من جنات النعيم التي وعد الله عز وجل بها عباده المجاهدين في سبيله؟
قال الواحدي رحمة الله: أجمع المفسرون على أن هذه الآية حث لمن تثاقل عن غزوة تبوك، وذلك كان في زمان عسرة من الناس؛ ولذلك سيأتينا قول الله سبحانه وتعالى ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ فساعة العسرة هذا في غزوة تبوك.
قال: وذلك كان في زمان عسر من الناس، وجدب من البلاد، وشدة من الحر حين أخرفت النخل وطابت الثمار، كانوا في فترة جدب، والثمار أوشكت على القطف، فمالت بعض النفوس إلى قطف تلك الثمار، وإلى التمتع والتلذذ بالنخيل مع ما هم عليه من جدب وقحط، وما هم فيه من حر.
قال: وطابت الثمار فعظم ذلك على الناس، وشق عليهم الخروج إلى القتال، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، إذا هذه الآية كما تقدم فيها حث لأولئك الذين وقع منهم شيء من التثاقل، والتقاعس عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك.
وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم إليها في وقت حر شديد وعسرة، فالسفر بعيد؛ ولذلك سيأتينا قول الله ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِنۢ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾
فاجتمع في هذه الغزوة أنها ذات العسرة، وأن الحر فيها شديد، وأن المسافة بعيدة، وأن الزاد قليل، وهم في فترة قحط وجدب ومع ذلك استنفر الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد H0.
وأيضا فإنَّ القتال كان مع الروم، والروم كانوا معروفين بالقوة، ومعروفين بالحرب، والقتال، والعدة، فكل هذه الأمور اجتمعت في هذه الغزوة، لكن الله سبحانه وتعالى نصر المؤمنين وأعز المسلمين بفضله عز وجل
قال بعدها:
ﱡﭐ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﱠ
ما معنى ﴿إِلَّا تَنفِرُوا۟﴾؟ (إلا تنفروا) بمعنى: إن لم تنفروا.
﴿إِلَّا﴾ هنا معناها: إن لم تنفروا ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ ولذلك جاء جوابها مجزوما في قوله ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾.
إن لم تنفروا، إن لم تخرجوا للجهاد في سبيل الله مع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لقتال الروم بالشام في هذه الغزوة
﴿إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ وهذا فيه استعمال الترهيب بعد الترغيب، وكذلك استعمال الترهيب أو الوعيد مع التذكير، فما مضى في الآية السابقة ﴿فَمَا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ فيه ترغيب في الآخرة، ومن جهة أخرى فيه تذكير بحقيقة الدنيا.
وما جاء في هذه الآية فيه وعيد صريح ﴿إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾.
* وهذا فيه أن الإنسان الواعظ الداعي إلى ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ وجد إقبال الناس على المعصية، أو وجد منهم التقاعس عن الطاعة، فإنه يسلك معهم مسلك التذكير والوعظ، ومسلك الترغيب والترهيب، كما هو شأن القرآن وكما هو من عادات القرآن الكريم المطردة.
قال ﴿إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ لأن الجهاد حينئذ كان متعينا؛ ولذلك نعى الله، وذم أولئك المتخلفين أو الذين خلفوا، ثم تاب الله على الثلاثة الذين خلفوا كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى في موضعه.
ذلك أن الرسول استنفرهم، والجهاد في الأصل فرض كفاية، لكنه في بعض الأحوال يكون فرض عين، ومن ذلك إذا استنفرهم الإمام لمثل هذا الموقع ولهذه الحاجة الشديدة، والرسول هو الذي استنفرهم، فعليهم أن يطيعوه، وألا يخالفوا أمره صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك كما تقدم وسمعتم H1. إذا طلب منكم ذلك فعليكم أن تنفروا وألا تتخلفوا.
قال ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ قالوا هنا: ويستبدل بكم قوما مطيعين لله، إذا استنفروا للجهاد نفروا.
﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًٔا﴾ ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ﴾ [النساء: 133]، فالله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَـٰلَكُم﴾ [محمد: 38]
فقال هنا ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًٔا﴾ على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًٔا﴾؟
قالوا هنا في التفسير: ولا تضروه شيئًا بمخالفتكم أمره، فهو غني عنكم، وأنتم الفقراء إلى الله.
الشاهد من ذلك أن الضمير في ذلك فيما عليه قول الأكثرين يعود على الله سبحانه، فقوله ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ من الذي يستبدل؟ رب العزة.
إذا ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًٔا﴾ يعني: ولا تضروا الله شيئًا، ولا تضروه شيئًا كما قال ﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا﴾ [آل عمران: 176] فقال: ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًٔا﴾.
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو الغني سبحانه وتعالى عن عباده، وهو الغني عن العالمين.
ثم قال:
ﱡﭐ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﱠ
أيضًا قوله ﴿إِلَّا﴾ أي: إن لم تنصروه، إذا ﴿إِلَّا﴾ تأتي لمعان، من أشهرها فيما تقدم الاستثناء، لكنها قد تكون ممزوجة من إن ولم النافية، (إلم تنصروه) أي: إن لم تنصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد نصره الله
* ما وجه صلة هذه الآية بسابقتها؟
إن الله سبحانه وتعالى بيَّن في الآية السابقة أنه غني عن العالمين، وأنه عز وجل إن لم ينفر هؤلاء يستبدل قوما غيرهم، فأيضا يبين لهم في هذه الآية؛ لو تخاذل الجميع، فإنَّ هذا لن يضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولن يمنع نصرة الله له، ﴿إِلَّا﴾ تتذكرون ما سبق من نصر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم، حين خرج مهاجرا صلى الله عليه وسلم، فلم يقدر ﴿أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ على إيذائه، وسلم منهم صلى الله عليه وسلم، فالذي نصره في الهجرة فخرج سالما، ومكن له، قادر على أن ينصره في تلك الغزوة، فهذا تذكير بحدث ماض.
ولعلكم تذكرون ما سبق في سورة الأنفال ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30] ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هنالك أن هذه الآية أيضًا مدنية لكنها تذكير بما وقع في السابق، في شأن الهجرة، كذلك هنا هذه الآية تذكير بما وقع في شأن الهجرة؛
* لئلا يقول قائل: أولستم قد قلتم إن سورة براءة أو سورة التوبة نزلت في السنة التاسعة من الهجرة أو نزل أكثرها في ذلك؟
الجواب: بلى، فأكثر السورة نزل في غزوة تبوك، وفي السنة التاسعة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو الشأن في صدرها أيضًا في أمر الحج وفي أمر البراءة، فكذلك هنا، ﴿أَنَّمَا﴾ هذا تذكير بالماضي، تذكير بحدث سابق ينبئك عن نصر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وتأييده له.
إن لم تنصروه الآن، إن لم تنصروه في غزوة تبوك فقد نصره الله ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، وهو قادر على أن ينصره في هذه الغزوة وفيما يستقبل من أيام.
﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ﴾ هذا النصر ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ وقع؟ وقع في الهجرة، وهذا فيه أن الهجرة نصر؛ لذلك يخطئ من يظن أن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن إلا فرارا من الأذى والاضطهاد،إن الهجرة أعظم من ذلك.
صحيح أن الأذى والاضطهاد، وأن ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم أمر شديد، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج من مكة، وهي أحب بلاد الله إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، بَيْدَ أن الهجرة تحوي ما تحوي من خيرات كثيرة، ومن فوائد غزيرة وجليلة ليست مقصورة عن رفع أو على رفع الأذى H0.
قال الله ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ﴾ أي: حين أخرجه الذين كفروا ﴿ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ﴾ أي حال كونه ﴿ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ﴾
﴿ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ﴾ من هذا الثاني الذي كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه بإجماع أهل السنة، فالثاني هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وفي هذا تشريف لأبي بكر أن يذكر في القرآن بهذا الوصف.
﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ والآية تثبت الصحبة لأبي بكر رضي الله عنه، فما أقبح من ينفي الصحبة التي أثبتها القرآن الكريم في حق أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
﴿إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ ما المراد بالغار هنا؟ غار ثور؛ لذلك قالوا: هنا في غار ثور.
قال الله سبحانه ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾، ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ﴾ أي: إذ H1.
وقد جاء في الصحيحين ما يدل على هذا الأمر، وأنه وقع حين قال له أبو بكر رضي الله عنه: “ لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا أو لرآنا “، فقال: “ يا أبا بكر لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا، ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا “، فثبت الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه عنه.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ وتأمل هنا الآية ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ﴾ ولم يقل: إذ يقول لصاحبه لا تخف إن الله معنا.
قال بعضهم: فيه إشارة إلى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان أكبر همه وأعظم ما يشغله الحزن على صنيع أولئك برسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لذلك جاء هنا نفي الحزن ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ ومن كان الله معه فهو المسرور، وهو المؤيد، وهو السعيد، وهو الآمن، وهو المطمئن.
﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ وهذه المعية هي المعية الخاصة، معية التأييد والنصر، والإعانة، والتوفيق، والتسديد.
﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ ﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ﴾ علام يعود الضمير في قوله ﴿عَلَيْهِ﴾؟ على من يعود الضمير في قوله ﴿عَلَيْهِ﴾؟
قالوا هنا في التفسير: فأنزل الله الطمأنينة، إذا فسروا السكينة: طمأنينة على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم فجعلوا الضمير يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا قول قال به كثير من المفسرين.
قالوا: ﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ﴾، هذا يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا: لأن الضمائر السابقة تعود أيضًا على الرسول صلى الله عليه وسلم:
﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ﴾ أي: إلا تنصروا الرسول، فقد نصره الله، فقد نصر الرسولَ اللهُ.
﴿إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ﴾ من الذي يقول؟ الرسول، فقالوا: إذا الضمير يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر أبو بكر رضي الله عنه؛ لأن السكينة لما نزلت على الرسول ثبت الرسول أبا بكر، فناله من تلك السكينة، فالسكينة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصابت أبا بكر الصديق رضي الله عنه بتثبيت الرسول إياه.
ومن العلماء من جعل الضمير عائدا على أبي بكر الصديق. قالوا: لأنه هو الذي كان بحاجة إلى تلك السكينة، فقوله ﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ﴾ أي: على أبي بكر الصديق، بكلام الرسول له حين قال ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾.
ومن المفسرين قال: ﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ﴾ أي: عليهما، ولكن اكتفي بالضمير المفرد، أو العائد على مفرد، كما هو في بعض المواضع. وقد تقدم معنا فيما سبق ﴿وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 34] فعاد الضمير مفردا. وكذلك في قوله ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾، ولم يقل: أن يرضوهما، فهذا معروف أيضًا في اللغة.
لكن الذي عليه كثير من المفسرين أن الضمير عائد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ومن عجب أن ترى بعض الشيعة يقدحون في أبي بكر الصديق رضي الله عنه بدعوى أن الضمير لا يعود عليه وغفل هؤلاء عن قول الله ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ وعن قوله ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ﴾ وعن قوله ﴿ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ﴾ إلى غير ذلك مما ورد صريحا في الثناء على أبي بكر الصديق رضي الله عنه عنه.
قال ﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾. قالوا هنا: وأنزل عليه جنودا لا تشاهدونهم، وهم الملائكة يؤيدونه.
* ولذلك الرواية المشهورة من أن العنكبوت نسج خيوطه على الغار، وقصة الحمامة وما إلى ذلك، فإنها عند علماء الحديث غير ثابتة وإسنادها غير صحيح، ومما يشهد لذلك: لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا وما وجد نسج عنكبوت ولا غير ذلك، ثم إن الله قال ﴿وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾.
قال ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ﴾ أي: صير كلمة الذين كفروا السفلى﴿وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا﴾: كلمة الله هي العليا، فأعلى الله الإسلام وأعزه، ﴿وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا﴾ الثابتة الراسخة التي لا تتزلزل، ثم قال ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وهناك قراءة متواترة ﴿وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا﴾: أي: وجعل كلمة الله هي العليا، وهذا لا إشكال فيه، فهي عليا، والله جعلها أيضًا عليا بأن صارت كذلك، وثبتت على ذلك، فلا يستطيع أحد أن يزلزلها، أو أن يزيلها.
ثم قال ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فالله عزيز لا يغلبه شيء، وهو حكيم سبحانه وتعالى في تقديره، وفي شرعه وفيما يريد سبحانه عز وجل.
من فوائد الآيات:
العادات المخالفة للشرع بالاستمرار عليها دونما إنكار لها يزول قبحها عن النفوس، وربما ظن أنها عادات حسنة.
عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب؛ لما فيه من المضار الشديدة.
فضيلة السكينة؛ وأنها من تمام نعمة الله على العبد في أوقات الشدائد، والمخاوف التي تطيش فيها الأفئدة، وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه وثقته بوعده الصادق، وبحسب إيمانه وشجاعته.
أن الحزن قد يعرض لخواص عباد الله الصديقين، وخاصة عند الخوف على فوات مصلحة عامة.
قال الشيخ حفظه الله:
العادات المخالفة للشرع بالاستمرار عليها دونما إنكار لها يزول قبحها عن النفوس، وربما ظن أنها عادات حسنة. كما هو الحال في شأن النسيء، فاعتاد الناس ذلك، أنه لا حرج في أن يؤخروا شهرا، ويقدموا شهرا، ووجدوا أن هذا لا بأس به، وصارت كأنها عادة حسنة مع أنها منكر.
عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب؛ لما فيه من المضار الشديدة. ولذلك تقدم أنه في حالة الاستنفار يصير الجهاد فرضا عينيا؛ ولذلك جاء الوعيد هنا فقال ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ﴾ ثم قال ﴿إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ الآية.
فضيلة السكينة؛ وأنها من تمام نعمة الله على العبد في أوقات الشدائد، والمخاوف التي تطيش فيها الأفئدة، وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه وثقته بوعده الصادق، وبحسب إيمانه وشجاعته. لذلك قال الله ﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ﴾ فهذا من فضل الله وإحسانه إلى عباده كما قال أيضًا ﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 18]
أن الحزن قد يعرض لخواص عباد الله الصديقين، وخاصة عند الخوف على فوات مصلحة عامة. فأبو بكر الصديق رضي الله عنه خاف وحزن، كل ذلك من أجل المصلحة العامة، يخاف على من؟ على رسول الله، ويحزن من أجل ماذا؟ من أجل ما يقع من المشركين تجاه الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم وذلك في قوله ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾.
قال الله سبحانه:
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱠ
عادت الآيات الكريمة إلى الأمر الصريح بالنفير في سبيل الله، وعدم التقاعس عن الجهاد في سبيله ﴿ٱنفِرُوا۟ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ حال كونكم خفافا، وحال كونكم ثقالا.
قال بعضهم: ﴿خِفَافًا﴾ شبابا ﴿وَثِقَالًا﴾ شيوخا.
أو ﴿خِفَافًا﴾ في حالة اليسر، ﴿وَثِقَالًا﴾ في حالة العسر، إلى غير ذلك مما يدل عليه معنى الخفة والثقل والمعنى: أنه في كل الأحوال ينبغي لكم عدم التخلف، إلا إذا كان الإنسان معذورا كالأعمى، والأعرج، والمريض فحينئذ هذا عذر، أو هو معذور، ومع ذلك قال الله ﴿إِذَا نَصَحُوا۟ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ [التوبة: 91].
قال هنا ﴿ٱنفِرُوا۟ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ كما H0.
قال ﴿وَجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ فهناك جهاد بالمال، وجهاد بالنفس؛ ولذلك سيأتينا بعد ذلك في آخر السورة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ﴾.
قال ﴿ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خير لكم، وأكثر نفعا ﴿فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ من القعود والتعلق بسلامة الأموال والأنفس، إن كنتم تعلمون ذلك فاحرصوا عليه.
إن كنتم تعلمون ذلك فاحرصوا عليه، هذا على أن جواب ﴿إِنْ ﴾ مقدر، فيكون المعنى: إن كنتم تعلمون فاحرصوا على ذلك الذي علمتموه من فضل الجهاد في سبيل الله، وذم التقاعس عن الجهاد.
ثم قال الله:
ﱡﭐ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱠ
من ثمرات غزوة تبوك: التمحيص الذي وقع في هذه الغزاة؛ ولذلك عرف المؤمن من المنافق، والمحق من المبطل.
ظهر في هذه الغزوة كثير من الأمور التي كانت مستترة؛ لذلك فسورة براءة تسمى بالسورة الفاضحة؛ لأنَّها فضحت المنافقين، وكشفت أسرارهم، وهتكت أستارهم.
فقال الله ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ أي: لو كان ما تدعون إليه الذين استأذنوك من المنافقين في التخلف غنيمة سهلة. لو كانت غنيمة سهلة، وكان السفر ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أي: سفرا لا مشقة فيه، سفر قريب وليس بعيدا
﴿لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِنۢ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ﴾ أي: ثقلت عليهم المسافة، وبعد منهم المكان فحينئذ كرهوا الخروج معك.
﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ أي: سيأتونك معتذرين إليك، يتعللون ويعتذرون فحينئذ اعلم حقيقتهم. وتأمل قوله ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ﴾ هذا فيه إخبار عما يكون، وقد كان، فوقع كما أخبر الله.
﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ يهلكون أنفسهم بماذا؟ بترك الجهاد.
إذا ترك الجهاد هو التهلكة، والجهاد فيه الخير؛ ولذلك تقدم معنا في سورة البقرة ما وجه به أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه تفسير قوله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] وبين لهم أن التهلكة كانت في الإقامة على الأموال وترك الجهاد، فقال هنا يهلكون أنفسهم بتعريضها لعقاب الله؛ بسبب تخلفهم، وبسبب هذه الأيمان الكاذبة، فربنا أخبر عنهم أنهم تخلفوا وأنهم حلفوا كاذبين.
قال ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾
ﱡﭐ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱠ
جمهور المفسرين على أن هذه الآية عتاب لطيف من الرب اللطيف للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لكنه عتاب بهذا اللطف الذي ابتدأه الله عز وجل وصدره بعفوه عن رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك قال بعضهم: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذه؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة، فقال ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾.
وأنت حينما تريد أن تعاتب حبيبك أو صديقك فتقول له: “ عفا الله عنك لما صنعت كذا “، فهذا لطف منك، لكن إذا كان هذا من الرب الكريم الذي يخبر، وخبره الصدق فأنت تدعو وتطلب، وأما الله فقد قرر وحكم، فقال ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ حتى يتبين لك يا رسول الله الذين صدقوا في دعواهم، وتعلم الكاذبين.
تأمل هنا التعبير ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ﴾ هذا فيه أن هذا التبيين تعود فائدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا لمصلحتك، ولتبقى قوتكم قائمة، وليعرف المحق من المبطل. فما أمرك الله بأمر إلا وفيه الخير لك ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾.
ولما ذكر ﴿صَدَقُوا۟﴾ ذكرها بالفعل الذين صدقوا، ولما ذكر ﴿ الْكَاذِبِينَ﴾ قال ﴿وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ فالكذب متقرر في هؤلاء المنافقين، راسخ فيهم، فمن أوصاف المنافقين اللازمة لهم الكذب.
* وقد يقول قائل: أوليس الله جل وعلا قد قال ﴿فَإِذَا ٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 62]
فقالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أو فيجاب عن ذلك: بأن الرسول صلى الله عليه وسلم له أن يأذن ليأذن لمن شاء إذا كان في مجمع عام وطلب أحد منهم الإذن، أو طلب الترخص في شيء فله أن يأذن، لكن الآية تتكلم عن أمر الجهاد،
فالمقام هنا في سورة التوبة الإذن في الجهاد وأمره أشد؛ لأنه يترتب على قبول الاستئذان وتتابع الناس على هذا الاستئذان أن يفتَّ هذا في عضد المؤمنين، ويترتب على ذلك من المفاسد ما الله به عليم، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما صنع هذا إلا اجتهادا منه، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿أَنَّمَا﴾ يحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، فالرسول أخذ بالظاهر ولم يمنع منه ابتداء، وكان هذا اجتهادا صلوات الله وتسليماته عليه.
وهذه الآية فيها دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يجتهد، وأن الله يسدده فيما يجتهد فيه صلى الله عليه وسلم، ويبين له الصواب إن لم يكن الأمر على ما يرام كأن يكون وقع منه خلاف الأولى أو ما لا يكون أو ما لا يصلح أن يقع أو ما أشبه ذلك، لكنه في كل الأحوال مجتهد مثاب مأجور صلوات الله وتسليماته عليه.
ﱡﭐ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﱠ
واليوم لا يقع من المؤمنين هذا الاستئذان، فالمؤمنون حريصون على أن ترفع راية التوحيد، حريصون على أن ينالوا هذا الأجر وهذا الشرف، فلا يقع منهم استئذان ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ﴾
ﱡﭐ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﱠ
﴿إِنَّمَا يَسْتَـْٔذِنُكَ﴾ من الذي يستأذنك؟ ليس إلا هؤلاء ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾
﴿وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شكت قلوبهم، الريبة في قلوبهم، وهذا فيه أن الإيمان يقع في القلب، ويظهر على الجوارح، وكذلك الريبة تقع في القلوب، وتنشأ عنها الأعمال الخبيثة، فقال ﴿وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فنسب الريبة إلى القلب
﴿فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أي: يترددون حيارى، لا يهتدون إلى الحق.
وتأمل لما ذكر الريبة قال ﴿فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ﴾ في شكهم، فذكر معها ﴿ فِي ﴾ أي: أنهم منغمسون في الريب، بخلاف الهدى في قوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: 5] فذكر معه هناك ﴿ عَلَى ﴾ دلالة على استعلائهم بهذا الهدى، وأنهم متمكنون به بفضل الله سبحانه وتعالى، وهنا قال ﴿فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾.
ثم قال:
ﱡﭐ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﱠ
﴿وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ﴾ لو كانت لديهم نية صادقة في الخروج ﴿لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةً﴾، ومن بادئ الأمر لا يريدون ذلك.
﴿وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةً﴾ وهذا فيه أن الإنسان ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ صنع شيء فعليه أن يستعد له، فمن لم يستعد فلا ينتظر أن يظفر بشيء. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةً﴾ فمن أراد النجاح عمل لهذا، ومن أراد الثواب عمل لهذا، ومن أراد الانتصار عمل لهذا، وأعد له العدة.
﴿وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ﴾ كره الله سبحانه، أبغض الله عز وجل خروجهم معك، لا يصلحون لهذا الشرف، ولا يصلحون لهذا النصر والتمكين.
قال ﴿وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ﴾ أي: خروجهم معك، ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي: ثقل عليهم الخروج، فلم تعد لديهم همة، ليس لديهم همة، ولا عزيمة، ولا حرص، ولا رغبة.
﴿وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ﴾، مع المتخاذلين، المثبطين، المتقاعسين، المتكاسلين.
وقوله ﴿وَقِيلَ﴾ قالوا هنا المراد: ﴿وَقِيلَ﴾ قدرا، لا شرعا، وكذلك قوله ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ قدرا؛ لأن الله عز وجل، أو لأن الشرع لا يأمرهم بالقعود، لا يقول لهم اتركوا الجهاد. لكن قدر الله عز وجل لهم ذلك دون أن يظلمهم؛ لأنه علم خبثهم ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ [الصف: 5].
ﱡﭐ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﱠ
﴿لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ يا رسول الله، إن وجودهم لا قيمة له ولا وزن، إن كثرتهم لا تفيد ﴿لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ يعني ما زادوكم قوة، ولكن خبالا.
قالوا هنا في التفسير: إن خرجوا معكم ما زادوكم إلا فسادا، بما يقومون به من التخذيل، فلك أن تقدر قبل قوله ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾ ما زادوكم قوة إلا خبالا، فتجعلوا الاستثناء منقطعا، أي: لكن خبالا، يعني: لكن الذي يحدثونه هو الفساد.
﴿وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَـٰلَكُمْ﴾ أوضعوا: يعني أسرعوا؛ لذلك قالوا هنا في التفسير: ولأسرعوا في صفوفكم بنشر النميمة لتفريقكم. معنى ﴿وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَـٰلَكُمْ﴾ أي: لأسرعوا بنشر النميمة.
﴿يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ﴾ لتفريقكم، فمقصودهم هو التفريق؛ لأنهم إذا خرجوا معكم سيفتُّون في عضدكم أولا. عندهم ريبة، وهذه الريبة سينشرونها فتزداد في الصف، وكذلك يكون منهم الإسراع بالإفساد، وبالنميمة؛ قال كذا ﴿وَقِيلَ﴾ كذا، فيضعفون المؤمنين الذين معك؛ فالأولى ﴿إِلَّا﴾ يخرجوا، بل هذا هو الصواب؛ لئلا يقع منهم ما فيه إفساد لهؤلاء المؤمنين معك.
﴿وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ﴾ قال: وفيكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون من يستمع إلى ما يروجونه من الكذب، فيقبله وينشره سبحان الله!
إذا هناك بعض المؤمنين من يستمع لهؤلاء المنافقين، فمن رحمة الله أن يحول بين المنافقين والخروج؛ حتى لا يغتر بهم المؤمنون؛ لأن المؤمن يقول هم صادقون وليسوا منافقين، قد خرجوا معنا، وراموا الجهاد معنا وتركوا الأوطان وتركوا، وتركوا، فيستجيب لكلامهم ويغتر بأقوالهم، فقال ﴿وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾
من فوائد الآيات:
وجوب الجهاد بالنفس والمال كلما دعت الحاجة.
الأيمان الكاذبة توجب الهلاك.
وجوب الاحتراز من العجلة، ووجوب التثبت والتأني، وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص والتريث.
من عناية الله بالمؤمنين تثبيطه المنافقين، ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين؛ رحمة بالمؤمنين ولطفا من أن يداخلهم من لا ينفعهم، بل يضرهم.
قال الشيخ حفظه الله:
وجوب الجهاد بالنفس والمال كلما دعت الحاجة. قال الله سبحانه ﴿وَجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ ثم يكون فرض كفاية، وقد يصير فرض عين بحسب الأحوال، وبحسب الضوابط.
الأيمان الكاذبة توجب الهلاك. قال ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة: 42].
وجوب الاحتراز من العجلة، ووجوب التثبت والتأني، وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص والتريث. ولذلك قال ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ فهذه دعوة إلى التثبت، وعدم التعجب
من عناية الله بالمؤمنين تثبيطه المنافقين، ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين؛ رحمة بالمؤمنين ولطفا من أن يداخلهم من لا ينفعهم، بل يضرهم. نعم هذه من عناية الله، وهذا معنى ﴿لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ زادوكم قوة ولكن فسادا، أو ما زادوكم شيئًا إلا خبالا، فيكون متصلا، فالمعنى في هذا: أن وجودهم مضر، وليس مفيدا ولا نافعا. قالوا هنا: رحمة بالمؤمنين ولطفا من أن يداخلهم من لا ينفعهم، بل يضرهم، وهذا فيه أن المؤمنين لا يغترون بكثرة، وإنما العبرة بصدق هؤلاء المصاحبين.
ورب صديق خير من ألف، ورب ألف ضروا شخصا، ورب صديق واحد كان نعم العون لصاحبه وصديقه، والله تعالى أعلم.
قال الله سبحانه:
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱠ
هؤلاء المنافقون ليس بغريب عليهم أن يسعوا إلى الفتنة، فإنَّ الفتنة دأبهم، إن بث الفتنة ديدنهم، فقال ﴿لَقَدِ ٱبْتَغَوُا۟ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾.
قالوا هنا: لقد حرص هؤلاء المنافقون على الإفساد بتفريق كلمة المؤمنين، وتشتيت شملهم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ غزوة تبوك، وهذا معنى قوله ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾كما وقع منه في غزوة أحد، فإثارة الفتن والقلاقل في صفوف المؤمنين هذا من دأب المنافقين.
﴿وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلْأُمُورَ﴾ قالوا: نوعوا، وصرفوا لك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول الأمور بتدبير؛ لعل حيلهم تؤثر في عزمك على الجهاد، فتثني عزمك، أو تصرفك عن هذا الحق، وهذا معنى “ وقلبوا لك الأمور “ أعملوا الحيل، وأداروا عقولهم في التخطيط.
﴿حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ﴾ ما المراد بقوله ﴿حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ﴾؟ أي: حتى جاء نصر الله، كقوله: ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81].
﴿وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ﴾ ظهر أمر الله بإعزاز دينه، وقهر أعدائه.
فوائد من هذا الدرس
- وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ
- وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا ٱنفَضُّوٓا۟ إِلَيْهَا