مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الحاقة

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 53 من 103 · 33 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

الحمد للّه ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم ونبدأ بفضل اللّه وتوفيقه في التّعليق على تفسير سورة الحاقّة.

التعريف بالسورة

سورة الحاقة - مكية -

[من مقاصد السّورة ]: إثبات أن وقوع القيامة والجزاء فيها حقّ لا ريب فيه.

قال الشّيخ حفظه اللّه

نعم، سورة الحاقّة سورة مكّيّة، أي نزلت قبل هجرة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على القول المختار في تعريف المكّيّ والمدنيّ كما تقدّم بيانه مراراً.

نقل من المختصر وبيانه

قالوا في المختصر ) من مقاصد السّورة إثبات أن وقوع القيامة والجزاء فيها حقّ لا ريب فيه ( إثبات أن وقوع القيامة والجزاء فيها حقٌ لا ريب فيه، يعني أن السّورة الكريمة تتحدّث عن يوم القيامة وعنّ وقوعه وعنّ الجزاء الواقع فيها، ومنّ دلائل ذلك أن السّورة سمّيت باسم الحاقّة، والحاقّة اسم من أسماء يوم القيامة، وتقدّم مراراً أيضًا أن اسم السّورة ينبئ عن مقصودها فتسمية هذه السّورة بسورة الحاقّة يدلّ على أنّها تدور حول الحاقّة والحديث عنها وعنّ أحوالها وعنّ أهوالها؛ وإنّ شئت فقل إنّها تتحدّث عن كون يوم القيامة حقًّا لا مرية فيه، وأنّه جدٌ وليس فيه هزلٌ، وهذا مناسب لهذه التسمية؛ ﴿ٱلْحَآقَّةُ﴾ ﴿مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ ولذلك قال اللّه سبحانه وتعالى عن يوم القيامة ﴿ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ﴾ (النبأ: 39))سورة النّبأ 38(. وسنرى بإذن اللّه تبارك وتعالى في أثناء السّورة الكريمة الحديث عن أهوال يوم القيامة أو بعض مشاهد يوم القيامة، وجزاء أهل التّقوى وجزاء الكفّار؛ وإنّ كانت السّورة الكريمة في صدرها قد تحدّثت عن الهلاك الدّنيويّ الّذي حلّ ببعض الأقوام بسبب تكذيبهم بأنبياء اللّه ورسله ليكون هذا توطئة للحديث عن العذاب الآخروي في مقابلة الجزاء الآخروي الّذي هو الجنّة الّتي تكون لأهل الإيمان جعلنا اللّه منهم بمنّه وكرمه.

قال الشّيخ حفظه اللّه :

نعم. ﴿ٱلْحَآقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ ٣( قالوا هنا :: )يذكر اللّه ساعة البعث الّتي تحقّ على الجميع ( إذاً لمّا سمّيت بيوم القيامة. لِمَ سُمِّي يوم القيامة بالحاقة؟. لأنّ يوم القيامة حقّ وحقيقة وواقع لا مرية فيه، وقد تقدّم معنا قول اللّه سبحانه )إذا ‌وقعت ٱلواقعة ( فيوم القيامة واقعٌ وحقيقيٌ وحقٌ سيقع وسيتحقّق دون أن يكون في ذلك ريب أو مرية.

)‌ٱلحآقّة ١ ما ٱلحآقّة ٢ ( جاء الإخبار عن الحاقّة بالحاقة نفسها؛ بهذا الأسلوب الّذي فيه تهويلٌ وتفخيمٌ وبيانٌ أنّه يوم عظيم، )‌ٱلحآقّة ١ ما ٱلحآقّة ٢ ( ولمّ يقل )الحاقّة ما هي (؛ وإنّما )‌ٱلحآقّة ١ ما ٱلحآقّة ٢ ( فأظهرها مرّة ثانية، ثمّ قال ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ ( ولمّ يقل أيضًا )وما أدراك ما هي ( كلّ ذلك يدلّنا على أن السّورة تدل على أنّ يوم القيامة حقٌ ولذا تحدّثت به أو تحدّثت عنه بأحاديث كثيرة كما سنرى بإذن اللّه تعالى، ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ ( كثيرٌ من أهل التّفسير وقد وردت بذلك بعض الآثار يقولون :: إن كلّ ما جاء في القرآن الكريم من أسلوب وما أدراك فقد أعلمه اللّه به،وأمّا )وما يدريك ( فإنّه لا يعلمه به.

لذلك إذا جاء ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ جاء بعدها ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾

﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌۢ بِٱلْقَارِعَةِ﴾ (، ثمّ جرى بعد ذلك حديث عن يوم القيامة، لكنّ بعض أهل العلم يقولون إنّ هذه القاعدة قاعدة أغلبيّة،إنّ هذه القاعدة قاعدة أغلبية إذاً :- كلّ ما أدراك فقد أعلمه وما يدريك لم يعلمه يقال إنّها قاعدة أغلبية.

وبعضهم استثنى من ذلك قول اللّه سبحانه وتعالى ) ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰٓ﴾ ٤ ( سورة عبس، وقد بيّن له ذلك فقالوا قد ذكر؛ مع أنّ التّعبير جاء بقوله )‌وما ‌يدريك (.

)‌ومآ ‌أدرىك ما ٱلحآقّة ( لكنّ هذا الأسلوب فيه تفخيم.

﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌۢ بِٱلْقَارِعَةِ﴾ (

ثمود قوم صالحٍ، وعادٌ قوم هودٍ عليهم السّلام )بٱلقارعة ( والقارعة :- هي أيضًا يوم القيامة، إذاً هذا اسم آخر من أسماء يوم القيامة، ولذلك هناك سورة كاملة تسمّى بسورة القارعة أيضًا بدأها اللّه بقوله ﴿ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾ ٣ ( فذكر القارعة هنا : مناسبٌ لذكر الحاقة، وأن هؤلاء كذبوا بها مع أنّها آتية وحقّة، وواجبة ولا ريب فيها.

) ‌فأمّا ‌ثمود فأهلكوا بٱلطّاغية ( قالوا في المختصر )أهلكهم اللّه بالصّيحة الّتي بلغت الغاية في الشدة والهول.( إذاً هم فسّروا الطّاغية : بالعذاب الّذي وقع بهم وهو الصّيحة الّتي طغت، ومعنى طغت :- أي بلغت الغاية في الشدة والهول، كما قال )‌كذّبت ‌ثمود بطغوىهآ( وهناك قولٌ آخر : )‌فأهلكوا بٱلطّاغية ( يعني بسبب الفعلة الطّاغية، يعني بسبب أفعالهم فطغوا في البلاد وكذبوا بآيات اللّه وبرسل اللّه، فجعلوا الطّغيان هو المعصية، ومنهم من فسّر الطّاغية بالعذاب الّذي وقع بهم كما فسّروا هنا، )‌﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا۟ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ٖ( وهذًّا يرجّح واللّه أعلم أنّ المراد بالطاغية العذاب، لأنّ اللّه لمّا ذكر عاداً هنا ذكر أيضًا العذاب فقال )‌﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا۟ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ٖ( إذن عرفنا أنّ قوّله )فأهلكوا بالطاغية ( أي بالصّيحة الّتي بلغت الغاية في الشدة والهول، وهذًّا ممّا ينتفع به الإنسان في التّرجيح بين الأقوال التّفسيريّة والعلم عند اللّه.

وقوله )كذّبت ثمود وعاد ( هذا إجمال ثمّ جاء التّفصيل أو هذا لفٌ ثمّ جاء بعد ذلك النشر )فأمّا ثمود(وبعدها ) ‌﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا۟ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ٖ( الريح الصرصر :- هي الرّيح الشّديدة، شديدة البرد، القاسية في البرودة، بلغت الغاية في القسوة عليهم، فهي ريح صرصر؛ صرصر يعني ::: شديدة البرد وهي أيضًا عاتية :- بلغت الغاية في القسوة عليهم.

)﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ ﴿فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ٖ ٧ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٍ ٖ ٨ (

﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني أرسلها عليهم وسلّطها عليهم، وفّي قوّله ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ دلالة على أن كلّ شيء سخّره اللّه وأن كلّ شيء مربوب للّه مملوك له سبحانه وتعالى، )﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ﴾(، قال اللّه سبحانه وتعالى )﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ ( فسّروا هنا في المختصر حسومًا قالوا )أي تفنيهم عن بكرة أبيهم ( يعني أنّها شديدة، تفنيهم وتقضي عليهم، تستأصلهم، ومنّه قيل للسّيف الحسام؛ لأنّه قاطع فكذلك هي حسومٌ : يعني هي حاسمة وقاطعة ومنهية لهم ومهلكة لهم ومفنية لهم، وقوله هنا )سبع ليالٖ وثمنية أيّامٍ ( فيه إشارة والعلم عند اللّه إلى أنّ العذاب بدأ بالنّهار، بدأ باليوم فلذلك زاد عدد الأيّام على عدد اللّيالي، يعني أنّ الهلاك بدأ باليوم ثمّ تبع اليوم الليل ثمّ تبعه اليوم وهكذا؛ استمرّ هذا إلى )سبع ليالٖ وثمنية أيّامٍ ( لكن بدأ اللّه عزّ وجلّ بذكر )سبع ليال ( ثمّ قال )وثمانية أيّام ( باعتبار أنّ الانتهاء كان أيضًا باليوم.

)فترى ٱلقوم فيها صرعى ( يعني هلكى )كأنّهم أعجاز نخلٍ خأوية ٖ ٧ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٍ ٖ ٨( وتأمّل هذا العذاب الشّديد ) فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ٖ(. قال بعض العلماء :- يعني اقتلعت رؤوسهم فبقيت الأجسام أو انفصلت الاجسام، انفصلت الأجسام عن الرؤوس )كأنّهم أعجاز نخلٍ خأوية ٖ( وقال هناك )‌كأنّهم ‌أعجاز نخلٖ مّنقعرٖ ٢٠( )سورة القمر (

)‌﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٍ﴾ ٖ( يعني : هل ترى لهم هل ترى لهم نفساً باقية. ففسّروا هنا باقية على أنّها صفة لموصوف مقدّر، يعني ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ﴾ نفس باقية. والمعنى هلكوا جميعًا، وهناك من يفسّر )باقية ٖ ( على أنّها بمعنى المصدر يعني :: فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بقاء. )‌فهل ‌ترى لهم( هذا سؤالٌ يراد به النّفي، يعني لا ﴿تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٍ﴾، قد أهلكهم اللّه كما قال اللّه سبحانه )‌فأصبحوا ‌لا يرىٓ ﴿إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ ٢٥( (سورة الأحقاف ). نعم.

من فوائد الآيات

• تنوّع ما يرسله اللّه على الكفّار والعصاة من عذاب دلالة على كمال قدرته وكمال عدله.

نعم تنوّع ما يرسله اللّه على الكفّار والعصاة تنوّع ما يرسله اللّه على الكفّار والعصاة من عذاب دلالة على كمال قدرته وكمال عدله، فكلّ شيء يسير بقدر اللّه وتقديره، فهذا يعذّب بالرّيح، هذا يعذّب بالخسف، هذا يعذّب بالإغراق وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وقلنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ إن الجزاء من جنس العمل ومنّ تأمّل وجدّ أنّ كلّ عقوبة مناسبة للذّنب الّذي أذنبه هؤلاء أو أولئك والعلم عند اللّه. نعم.

قال الشيخ حفظه الله :

)‌وجآء ‌فرعون ومن قبله وٱلمؤتفكت بٱلخاطئة ٩ فَعَصَوْا۟ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً ١٠(

قال اللّه )‌وجآء ‌فرعون ومن قبله وٱلمؤتفكت بٱلخاطئة ( لا تزال الآيات الكريمة تقصّ علينا طرفاً من هلاك الأمم السّابقة، بسبب تكذيبها بآيات اللّه سبحانه وتعالى، وأنت ترى - أخيّ الكريم - أن اللّه - عزّ وجلّ - ذكر طرفاً من نهاية هؤلاء الأقوام، وهذًّا مناسب للحديث عن انتهاء العالم وبداية عالم آخر وهو يوم القيامة، لم يذكر هنا في القصص ما يتعلّق بما قال النّبيّ لهم وما قالوه للنّبيّ وما إلى ذلك، فهذا له مقامٌ آخر، إنّما كان المقصود هنا تسجيل العصيان منهم لرسل اللّه، وبيان كيفيّة هلاك اللّه عزّ وجلّ لهم بشيء من الإيجاز، وهكذا كما تقدّم مراراً فإنّه يذكر من القصّة ما يقتضيه المقام والسّياق والمقصود من السّورة.

)‌وجآء ‌فرعون ومن قبله وٱلمؤتفكت( والمؤتفكات : قوم لوط عليه السّلام، قرًى قوم لوط الّتي قلبت )‌فجعلنا ‌عليها سافلها (كما تقدّم معنا في قول اللّه )‌وٱلمؤتفكة أهوى ٥٣ ( سورة النجم، قالوا هنا في المختصر : )وهم قوم لوط ( قال اللّه )‌وجآء ‌فرعون ومن قبله وٱلمؤتفكت بٱلخاطئة ( أي بالفعلة الخاطئة أو بالأفعال الخاطئة من الشّرك والمعاصي، )فعصوا رسول ( أي : فعصوا رسل ربّهم، هنا قالوا في التّفسير :: )فعصى كلّ منهم رسوله الّذي بعث إليهم وكذّبوه ( إذاً )عصوا رسول ربّهم ( على سبيل التّفريق أي فعصى كلّ أمة منهم رسولها، أو أن الرّسول هنا اسم جنس فيراد فعصوا رسل ربّهم، )فأخذهم أخذة رّابية ( أي زائدة على ما يتمّ به هلاكهم.

) ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ ١١ ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَٰعِيَةٌ﴾ ٞ ١٢(

﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ﴾ ( إنّا لمّا طغى الماء :- يعني تجاوز الماء حدَّه في الارتفاع )حملنكم في ٱلجارية ( أي في هذه السّفينة الجارية الّتي صنعها نوح عليه السّلام.فهذا تذكيرٌ أيضًا بهلاك قوم نوح بذكر الجارية وهي السّفينة، ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ أيّ السّفينة وقصتها، لنجعلها لكم تذكرة ( فهذه السّفينة وقصتها تذكرة لكم، )وتعيهآ أذنٞ وعية ٞ( لا يعيها إلّا صاحب الأذن الواعية الّتي تعي وتفهم.

)فإذا ﴿نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ﴾ ٞ وحدة ٞ ١٣ وحملت ٱلأرض وٱلجبال فدكّتا دكّة وحدة ١٤ فيومئذٖ وقعت ٱلواقعة ١٥(

قال اللّه سبحانه )فإذا ﴿نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ﴾ ٞ وحدة ٞ( هنا انتقال من الحديث عن هلاك هؤلاء في الدّنيا بسبب تكذيبهم إلى الحديث عن الآخرة، وعنّ بعض مشاهد يوم القيامة )فإذا ﴿نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ﴾ ٞ وحدة ٞ ١٣ وحملت ٱلأرض وٱلجبال فدكّتا دكّة وحدة (قالوا في المختصر هنا )فدقتا دقّة واحدة (، ) فيومئذٖ وقعت ٱلواقعة ( والواقعة يوم القيامة وهي الحاقّة، إذًا هي واقعة وهي حاقّة.

)وٱنشقّت ٱلسّمآء فهي يومئذٖ واهية ٞ ١٦ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرْجَآئِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ ٞ ١٧ (

)وٱنشقّت ٱلسّمآء فهي يومئذٖ واهية ٞ( قال اللّه )وٱلملك علىٓ ﴿أَرْجَآئِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ﴾ ٞ ( هنا قالوا في التّفسير في قوّله تعالى )فإذا ﴿نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ﴾ ٞ وحدة ٞ( )فإذا نفخ الملك الموكّل بالنّفخ في القرن نفخة واحدة وهي النّفخة الثّانية.( إذاً هذه نفخة البعث، والملك الموكّل بالنّفخ في الصّور هو إسرافيل عليه السّلام وعلى ذلك إجماع أهل العلم، قال ﴿ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾(.

وقوله سبحانه وتعالى )‌وٱنشقّت ٱلسّمآء فهي يومئذٖ واهية ٞ( أي ضعيفة، بعد أن كانت شديدة متماسكة )وٱلملك علىٓ أرجآئها ( ما معنى والملك. يعني الملائكة فالمراد به جنس الملائكة، )وٱلملك علىٓ أرجآئها ( على أطرافها وحافاتها )﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ﴾ ٞ( فهؤلاء حملة العرش يحملون عرش ربّنا سبحانه وتعالى، واللّه عزّ وجلّ مستغن عن خلقه، فحملهم العرش ووجود العرش لا لاحتياج اللّه، ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ﴾ خلقه وعنّ الملائكة.

وبذلك قضى اللّه وقدر هذا وهو الحكيم سبحانه وتعالى. وقد جاء في السّنّة ما يدلّنا على صفة بعض حملة العرش )أذن لي أن أحدّث عن ملكٍ من ملائكة الله، من حملة العرش : إنّ ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عامٍ ( هذا يدلّ على عظمة هؤلاء، وإذا كان هؤلاء بهذه العظمة فكيف بعظمة خالقهم سبحانه جلّ وعلا )‌ليس ‌كمثله شيءٞ وهو ٱلسّميع ٱلبصير(.

وهنا ملحظ جليل وهو كلمة يومئذ ) يومئذٖ ( فأنت حينما تقرأ تلك الآيات قال اللّه سبحانه )فيومئذٖ وقعت ٱلواقعة ( فـ)يومئذ ( أهل العلم يقولون :- إنّ التّنوين هنا )تنوين عوضٍ عن جملة ( يعني فــ يوم إذ وقعت الواقعة، يعني فيوم إذ - حملت ﴿ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَٰحِدَةً﴾ - وقعت الواقعة. فحينما يأتي التّنوين كأنك تعيد الجمل السابقة أو الجملة السّابقة. كذلك بعدها )وٱنشقّت ٱلسّمآء فهي يومئذٖ واهية ٞ( يعني فهي يومئذ انشقت السماء واهية. )وٱلملك علىٓ ﴿أَرْجَآئِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ﴾ ٞ( وكذلك بعدها )‌يومئذٖ ‌تعرضون( يذّكرك بالسابق كله.

دلالة على أنّ المقصود بذلك التّذكير بهذا اليوم. لذلك فسورة الحاقّة تدلّنا بعض الحقائق الّتي تقع في هذا اليوم الشّديد العظيم.

)‌يومئذٖ ‌تعرضون ﴿لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ٞ(

)‌يومئذٖ ‌تعرضون ﴿لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ٞ( فمهما أخفى الإنسان في الدّنيا؛ فإنَّ أموره تكون ظاهرة بادية واضحة في هذا اليوم،)﴿لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ٞ( وهذًّا فيه تذكير الإنسان بالإخلاص للّه ربّ العالمين، وأن ما يضمره الإنسان من أعمال القلوب فإنّه يكون ظاهراً )﴿لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ٞ( كما قال اللّه يوم ) يوم تبلى ‌ٱلسّرآئر ٩( سورة الطّارق.

) فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُۥ ﴿بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟﴾ كِتَٰبِيَهْ ١٩ إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَٰقٍ حِسَابِيَهْ (

قال )﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَـٰبِيَهْ﴾ ( أي خذوا، إذاً ما معنى ﴿هَآؤُمُ﴾ يعني خذوه. اقرأوا كتابي وهذًّا فعل المسرور وفعل النّاجح والفائز. ﴿إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ﴾ ولمًّا كان الظنّ :- الّذي هو احتمال الأمرين - لا يصلح في هذا المقام - فسر أهل التّفسير الظّنّ هنا بمعنى اليقين كما هو في بعض المواضع القرآنيّة، إذاً في بعض الآيات يفسر الظنّ بالظّنّ على بابه وهو ترجيح أحد الأمرين، مع عدم القطع.

وأمّا في بعض المواضع فإنّه يفسّر باليقين ومنّ المعلوم أنّ الّذي ينفع صاحبه يوم القيامة هو اليقين بيوم القيامة. وليس مجرّد الظّنّ؛ لذلك معنى ﴿إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ﴾ يعني : أيقنت، ولذلك فسّروه هنا في المختصر قالوا )إنّي علمت في الدّنيا وأيقنت أني مبعوث وملاقٍ جزائي ( وسيأتينا - بإذن اللّه - في مناسبات أخرى أن هناك أقوالاً في توجيه ذلك في بعض المواضع. كقوله )قال ٱلّذين ‌يظنّون أنّهم مّلقوا ٱللّه(.

) ‌فهو ‌في ‌عيشة ٖ رّاضية ٖ ٢١ في جنّة عالية ٖ ٢٢ قطوفها دانية ٞ ٢٣ ﴿كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى ٱلْأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾ ٢٤ (

قال اللّه سبحانه )‌فهو ‌في ‌عيشة ٖ رّاضية ٖ﴿فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ (الحاقة: 21)في جنّة عالية ٖ ٢٢ قطوفها دانية ٞ ( أي قريبة

) كلوا وٱشربوا هنيٓـٔا ( أي يقال لهم وبذلك قضى اللّه وقدر وهو الحكيم سبحانه وتعالى.

)كلوا وٱشربوا( أي يقال لهم كما تقدّم، ومعروفٌ أنّه يحذف أو يقدّر القول بما يناسب المقام.

يقال لهم ﴿كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى ٱلْأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾ )السّابقة الماضية (، فمن قدّم وجدّ، ومن زرع حصد ﴿كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى ٱلْأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.

)﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ﴾ ( نسأل اللّه السّلامة، )فيقول يليتني لم أوت كتبيه ٢٥ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ٢٦ (ولمّ أدر ما حسابي. لم أعرف أيّ شيءٍ يكون حسابي )يليتها كانت ٱلقاضية ( يعني قالوا في المختصر )يا ليت الموتة الّتي متّها كانت الموتة الّتي لا أبعث بعدها أبدًا(، وهذا معنى القاضية. ما معنى القاضية؟. الموتة الّتي لا بعث بعدها، هي النّهأية ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّى مَالِيَهْ﴾ ﴿هَلَكَ عَنِّى سُلْطَـٰنِيَهْ﴾ ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ أيّ يقال أيضًا :- خذوه ﴿فَغُلُّوهُ﴾ أي اجمعوا يده إلى عنقه ) ثمّ ٱلجحيم صلّوه(ادخلوه النّار ليعاني حرّها، )ثمّ في سلسلة ٖ ذرعها( طولها )سبعون ذراعٗا فٱسلكوه( سبعون ذراعا سبحان اللّه! هذا كلّه لأنّه لم يؤمن باللّه فاستحقّ هذا الوعيد الشّديد قال اللّه :)إنّه كان لا يؤمن بٱللّه ٱلعظيم٣٣ ولا يحضّ على طعام ٱلمسكين٣٤ ﴿إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ هَٰهُنَا حَمِيمٌ ٣٥(

)إنّه كان لا يؤمن بٱللّه ٱلعظيم ( هذا هو السّبب ﴿لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ فلا خير فيه، لم يشكر الخالق، ولم يُحسن إلى المخلوق. )ولا يحضّ على طعام ٱلمسكين ( مع أنّ الحضّ على طعام المسكين لا يكلّفه شيئًا لأنّه ليس الّذي يدفع؛ إنّما غيره هو الّذي ينفق؛ ومع ذلك لا يضّنّ بماله فحسب؛ وإنّما بالنّصيحة بل ويدعو غيره إلى حبس المال في أبوابه المشروعة )﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ ٱليوم ههنا حميمٞ( قالوا أيّ قريب يدفع عنه العذاب.

من فوائد الآيات

• المنّة الّتي على الوالد منّة على الولد تستوجب الشّكر.

• إطعام الفقير والحضّ عليه من أسباب الوقاية من عذاب النّار.

• شدّة عذاب يوم القيامة تستوجب التّوقّي منه بالإيمان والعمل الصّالح

نعم. من فوائد الآيات :-

المنّة الّتي على الوالد منّة على الولد تستوجب الشّكر : ولذلك قال اللّه سبحانه ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ﴾ ( والمراد حملنا آباءكم وأجدادكم حملنا أسلافكم )﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ﴾ وعية ٞ( فالنّعمة على الأسلاف نعمة على الخلف أيضاً.

إطعام الفقير والحضّ عليه من أسباب الوقاية من عذاب النار : لذلك قال )إنّه كان لا يؤمن بٱللّه ٱلعظيم ٣٣ ﴿إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ ( فهذا ممّا أوجب لهم النّار.

شدّة عذاب يوم القيامة تستوجب التّوقّي منه بالإيمان والعمل الصّالح.

شدّة عذاب يوم القيامة تستوجب التّوقّي منه بالإيمان والعمل الصّالح. نسأل اللّه سبحانه أن يرزقنا الإيمان والعمل الصّالح. نعم

قال الشّيخ حفظه اللّه

) ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ لَّا يَأْكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلْخَـٰطِـُٔونَ﴾ ٣٧ (

قال اللّه سبحانه ) ﴿إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ هَٰهُنَا حَمِيمٌ ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ لَّا يَأْكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلْخَـٰطِـُٔونَ﴾ ٣٧ ( والغسلين : عصارة أبدان أهل النّار، نسأل اللّه السّلامة. وفّي بعض المواضع قال اللّه سبحانه تعالى ) ‌هل ‌أتىك حديث ٱلغشية ١ وجوهٞ يومئذٍ خشعة ٢ عاملة ٞ نّاصبة ٞ ٣ تصلى نارًا حامية ٤ تسقى من عينٍ ءانية ٖ ٥ ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾ ٦ ( فلا تعارض فأحياناً يكون من ضريع، وأحياناً يكون من غسلين قال هنا ) ولا طعامٌ إلّا من ‌غسلينٖ ٣٦ لَّا يَأْكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلْخَـٰطِـُٔونَ ٣٧ ( والخاطئون هنا المراد بهم الكافرون، والخاطئ في الأصل... بخلاف مخطئ؛ فالمخطئ : يرتكب الذّنب بلا تعمّد وفعله ) أخطأ ( وأما الخاطئ ففعله خَطِئَ وحينئذ يكون متعمداً للذّنب فيكون هذا مذموماً، ثمّ الخاطئ على أنواع قد يكون بمعصية صغيرة أو كبيرة أو بالشّرك.

) ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ ٣٩ (

هذا إن شئت فقل من أعمّ الأقسام في القرآن الكريم؛ لأنّ اللّه أقسم بما نبصر وما لا نبصر. إذاً ماذا بقي! ) ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ ٣٩ ( فلذلك هذا من أعمّ الأقسام في القرآن الكريم، وتقدّم أنّ قوّله ) فلآ أقسم ( على قول الجمهور قسمٌ من اللّه سبحانه وتعالى وأنّ ) لا ( لتأكيد هذا القسم. ) ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ ٣٩ (

) إنّه لقول رسولٖ كريمٖ ٤٠ ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ ٤١ ولا بقول كاهنٖ قليلٗا مّا تذكّرون ٤٢ تنزيلٞ مّن رّبّ ٱلعلمين ٤٣ (

) إنّه لقول رسولٖ كريمٖ ( صلّى اللّه عليه وسلّم، ما المراد بالرّسول هنا. النّبيّ محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - وما المراد بالرّسول الكريم في سورة التّكوير. ) ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ ٢١ ( المراد به جبريل - عليه السّلام – إذاً ) إنّه لقول رسولٖ كريمٖ ٤٠ ( في سورة الحاقّة المراد به الرّسول محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم -، وفّي سورة التّكوير المراد به : - جبريل - عليه السّلام –

ما الدّليل على ذلك. السّياق، فهنا قال ) ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ ٤١ ولا بقول كاهنٖ قليلٗا مّا تذكّرون ٤٢ ( هذا قيل في مَن؟. قيل في حقّ النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم -؛ أمّا هناك في سورة التّكوير ) ﴿ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ ٢١ ( هذا جبريل - عليه السّلام -؛ ولذلك يمكن أن نقول إن هذا أيضًا من الوجوه والنّظائر في التّراكيب القرآنيّة أو في كلمة ووصفها ) رسول كريم ( أو في آية كاملة فهي آية ) إنّه لقول رسول كريم ( وجاءت على معنيين، ولذلك قلت إن هذه الأبواب مهمّة ويحسن لطالب العلم أن يكون ضابطاً لها.

هنا فائدة أيضًا مهمّة :

أنّ اللّه جلّ وعلا لم يقل ) إنّه لقول نبيّ كريم (، ولمّ يقل هناك ) إنّه لقول ملك كريم ( إنّما قال في الموضعين ) إنّه لقول رسولٖ كريمٖ ( ومنّ المعلوم أنّ الرّسول مرسلٌ من غيره؛ فهو في الأصل كلام من أرسله.

فلا يقولنَّ قائل: إذن هذا القرآن مفترًى من عند النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم – لمّا. لأنّه قال ) إنّه لقول رسولٖ كريمٖ ( إذاً هو قوله.

نقول له : - إنّ اللّه قال ) إنّه لقول رسولٖ ( إذاً هو أضيف إليه باعتبار التّبليغ، أيّ – إنّه لقول رسول - بلّغه عن المرسل؛ وإلاّ فهو كلام اللّه ابتداءً منه بدأ وإليه يعود. ) ‌وما ‌هو ‌بقول شاعرٖ قليلٗا مّا تؤمنون ٤١ ولا بقول كاهنٖ قليلٗا مّا تذكّرون ٤٢ تنزيلٞ مّن رّبّ ٱلعلمين ٤٣ (.

) ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾ ٤٦ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ ٤٧ (

) ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ﴾ ( يقال : قولٌ، أقوالٌ، أقأويل؛ فــ لك أن تقول إن ) أقأويل ( جمع الجمع يعني هناك قولٌ، وأقوالٌ، وأقاويل ) ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ﴾ ٤٤ لأخذنا منه بٱليمين ٤٥ ( بالقوّة منّا والقدرة.

يعني : - قضينا عليه وأهلكناه؛ لم نتركه ليكذب على اللّه.

ولذلك قال بعض أهل العلم قد يمهل اللّه سبحانه وتعالى أصحاب الشّهوات وأصحاب المعاصي؛ أمّا أهل البدع المظهرون لبدعهم وأهل الافتراء الذين يفترون على الله فإنَّ اللّه يظهر هلاكهم في الدّنيا قبل الآخرة

لئلا يُغترَّ بهم؛ ولذلك ما من أحد ادّعى النّبوّة إلّا وأهلكه اللّه وجعله عبرة في الدّنيا قبل الآخرة؛ ليبيّن اللّه أنّ منهجه ليس بالقويم وليس بالصّحيح؛ أمّا الرّسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - فازدادت دعوته يوماً بعد يوم، ودخل الناس ﴿فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ فهذا دليل وشهادة من اللّه على صدق هذا النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - ولو كان النّبيّ مفترياً على اللّه، ما تركه اللّه.

قال اللّه عزّ وجلّ ) ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾ ٤٦ ( الوتين : العرق المتصل بالقلب دلالة على أنّه إذا قطع مات لتوه ولحظته. ) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ ( ليس منكم من أحدٍ يمنعه، أن يمنع النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - عن عذاب ربّه، أو إهلاك اللّه عزّ وجلّ له. فلا يمكن أن يفتري النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - على اللّه الكذب. ) ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ﴾ ٤٤ لأخذنا منه بٱليمين ٤٥ ( هنا قوّله ) ولو ( تقدّم معنا أنّ ) لو ( حرف امتناع لامتناع، يعني امتنع إهلاك النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - وامتنع الأخذ منه باليمين لمّا. لأنّه لم يتقوّل على اللّه الأقأويل؛ لأنّه لم يتقوّل على اللّه الأقأويل.

) وإنّه لتذكرة ٞ لّلمتّقين ٤٨ وإنّا لنعلم أنّ منكم مّكذّبين ٤٩ وإنّه لحسرة على ٱلكفرين ٥٠ وإنّه لحقّ ٱليقين ٥١ فسبّح بٱسم ربّك ٱلعظيم ٥٢ (

) وإنّه لتذكرة ٞ لّلمتّقين ( ) وإنّه ( على ما يعود الضّمير. على القرآن، ) وإنّا لنعلم أنّ منكم مّكذّبين ٤٩ وإنّه لحسرة على ٱلكفرين ( الضّمير يعود على.

1- قالوا على القرآن أيضاً، القرآن حسرة على الكافرين؛ لأنّهم لا يؤمنون به فهو حجّة عليهم.

2- أو أن يقال إن الضّمير يعود على التّكذيب بالقرآن كما قالوا هنا، فقالوا في المختصر ) وإنّه ( أي : ) وإنّ التّكذيب بالقرآن لندامة عظيمة يوم القيامة (.

قال اللّه سبحانه ) وإنّه لحقّ ٱليقين ( أي : وإنّ القرآن لهو حقّ اليقين، أي : لهو اليقين الحقّ.

لهو اليقين الحقّ فمعنى لحقّ اليقين : - يعني اليقين الحقّ. فهو كما يقولون أصله ) اليقين الحقّ ( فهو من إضافة الصّفة إلى الموصوف.

) فسبّح بٱسم ربّك ٱلعظيم ( أيّ ) نزّه أيّها الرّسول ربّك عمّا لا يليق به واذكر اسم ربّك العظيم ( وقد أحسنوا هنا. لأنّهم لمّا فسّروا فسبّح باسم ربّك العظيم جمعوا بين معنيين معنى تنزيه اللّه وبين أن يلهج الإنسان بذلك وأن يقول سبحان ربّي العظيم، ولذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هناك فرّق بين أن تقول سبّح اللّه وأن تقول سبّح باسم ربّك.

فمعنى سبّح اللّه : نزّه اللّه؛ أمّا سبّح باسم ربّك : يعني نزّهه وقلّ سبحان اللّه فإذا ذكرت كلمة الاسم دلّ على أنّ المراد النّطق بهذا الاسم بتسبيح اللّه عزّ وجلّ، وبهذا ختمت السّورة الكريمة) فسبّح بٱسم ربّك ٱلعظيم (.

وهناك سورة سبقت معنا ليس من وقت بعيد كان ختامها كذلك) فسبّح بٱسم ربّك ٱلعظيم (فما تلك السّورة. تجيبون عليها إن شاء اللّه. نعم.

من فوائد الآيات

• تنزيه القرآن عن الشّعر والكهانة.

• خطر التّقوّل على اللّه والافتراء عليه سبحانه.

قال الشّيخ حفظه اللّه

• تنزيه القرآن عن الشّعر والكهانة.) وما ‌هو ‌بقول شاعرٖ قليلٗا مّا تؤمنون ٤١ ولا بقول كاهنٖ قليلٗا مّا تذكّرون (

• خطر التّقوّل على اللّه والافتراء عليه سبحانه. ولذلك جاء الوعيد الشّديد عليه. نعم.

بعد هذا ننتقل بإذن اللّه وتوفيقه إلى تفسير سورة المعارج بعد أن منّ اللّه عز وجل علينا من قراءة سورة الحاقّة والتّعليق عليها.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة