سورة القلم
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
التعريف بالسورة
سورة القلم - مكية-
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]: شهادة الله لنبيه بحسن الخلق والدفاع عنه وتثبيته
قال الشيخ حفظه الله
سورة القلم سورة مكية، نزلت قبل هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قال بعضهم إنها من أوائل سور القرآن الكريم، قالوا من مقاصد السورة (شهادة الله للنبي - صلى الله عليه وسلم - بحسن الخلق والدفاع عنه وتثبيته ) النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - شهادة الله للنبي بحسن الخلق ولذلك فيها الآية العظيمة الجليلة : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4) كذلك H0.
مقاصد السورة
ومن مقاصد هذه السورة الجليلة بيان كمال علمه - سبحانه وتعالى - بيان كمال علمه لا سيما بالغيبيات والتدبير الخفي، فإذا كانت سورة الملك قد تحدثت عن بعض مظاهر قدرته - عز وجلّ - وبعض دلائل سعة ملكه فإنَّ سورة القلم قد حدثتنا عن واسع علمه وعظيم تدبيره، وهكذا تتوافق السور وتترابط وسيتضح ذلك بإذن الله تبارك وتعالى في أثناء السورة.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ (القلم: 7) وأيضاً ﴿وَدُّوا۟ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القلم: 9)، ويعلم الأسرار ويعلم السرائر وماذا يدبرون؟ وبماذا يخططون؟ إلى غير ذلك.
قال الشيخ حفظه الله
﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم: 1)
نعم افتتح الله - سبحانه وتعالى - هذه السورة الكريمة بقوله ﴿نٓ﴾، و﴿نٓۚ﴾ على القول الراجح إحدى الحروف المقطعة، سيقال فيها ما يقال في أمثال : سورة ق وسورة ص، وقد تقدم الحديث عن القسم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ فهي من السور التي تحدى الله بها الخلق والتي يقال لهم فيها :: أنتم تعرفون هذه الحروف، ومع ذلك ليس في وسعكم ولا بإمكانكم، أن تأتوا بمثل هذا القرآن الكريم. ﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ﴾ هذا قسم بالقلم قالوا هنا في المختصر (أقسم الله بالقلم وأقسم بما يكتبه الناس بأقلامهم)، واختلفوا في القلم واختار فريقٌ من أهل العلم :- أنّ المراد به كل الأقلام، فيدخل فيه القلم الذي كتب الله - عز وجلّ - به المقادير، ويدخل فيه عموماً الأقلام التي امتن الله - عز وجلّ - بها على الخلق.
﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ يعني ما يسطرون بهذه الأقلام، وهذا فيه دلالة على شرف العلم، وشرف الكتابة وشرف المعلومات المكتوبة! إذا كانت معلومات حقة. علامَ أقسم الله؟ على ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (القلم: 2) إذن هو قسمٌ لنفي الجنون H1.
﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ (القلم: 3) غير مقطوع، ولا مِنَّة لأحد به عليه إذاً هما معنيان في معنى غير ممنون :- 1- لا يمتن به أحدٌ عليك،؛ بل لرسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فضل عظيم فهو سبب هدايتنا وأخرجنا الله به من الظلمات إلى النور.
2- والمعنى الثاني لـ«غير ممنون»: غير مقطوع..
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4) صلى الله عليه وسلم، بهذا الأسلوب المؤكد وبالتعبير بقوله (لعلى )، قال بعضهم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4) :- لعلى دين عظيم وذلك أنّه من زاد عليك في الدين زاد عليك في الخلق، وكذا العكس فأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا.
﴿فَسَتُبۡصِرُ وَيُبۡصِرُونَ ٥ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ٦﴾ستنكَشف الحقائق، ويُعْلَم من المجنون إذاً فسروا هنا المفتون بالمجنون، ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾ :- أيكم هو المفتون؟ أو لأييكم المفتون؟ قالوا : الفتون، أو المفتون : الزائف أو المُعَذَّب كلها معان قيلت.
﴿فَلَا تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (القلم: 8) ولا يلزم من ذلك أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يطيعهم؛ لكن هذا النهي المراد به الدوام على ذلك استمر على ترك طاعتهم، وأيضاً ليقتدي بك أتباعك.
﴿وَدُّوا۟ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القلم: 9) تمنَّوا لو لايَنْتَهم ولاطفتهم على حساب الدين فيلينون لك ويلاطفونك هذا معنى جليل قال هنا في المختصر (تمنّوا لو لَأيَنْتَهم ولَاطَفْتَهم على حساب الدين، فيلينون لك ويلاطفونك) وهذا فيه تفريق بين المداهنة والمداراة، فالمداراة لا بأس بها كما H2.
قال ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾ (القلم: 10)، وتأملوا هذه الأوصاف: حلَّاف ﴿هَمَّازٍ مَّشَّآءٍۭ بِنَمِيمٍ﴾ (القلم: 11)بذلك قال هنا في المختصر (كثير الاغتياب للناس، كثير المشي بالنميمة بينهم؛ ليفرق بينهم) قوله (كثير الاغتياب، كثير المشي بالنميمة ) من أين أخذوا كثير؟ من الصيغة :- صيغة (فَعَّال) وفيه بيان شؤم هذه المعاصي ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ (القلم: 12) غليظ جافٍ، ﴿عُتُلٍّۭ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾ دعِيّ في قومه لصيق بهم ليس أصيلاً ولذلك قالوا إنه ولد الزنا، نسأل الله السلامة ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ (القلم: 14)أي لأجل ذلك اغتر (إذا تتلى عليه آياتنا) أو لأجل ذلك ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (القلم: 15) ثم جاء بعد ذلك العقاب والوعيد، ﴿سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ﴾ (القلم: 16) سنضع علامة على أنفه تشينه وتلازمه، وهذا وعيد شديد وتهديد أكيد.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• اتصاف الرسول -صلى الله عليه وسلم - بأخلاق القرآن
• صفات الكفار صفات ذميمة يجب على المؤمن الابتعاد عنها، وعن طاعة أهلها
• من أكثر الحلف هان على الرحمن، ونزلت مرتبته عند الناس
قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات :
• اتصاف الرسول -صلى الله عليه وسلم - بأخلاق القرآن : وقد وصفته أمُّنا عائشة رضي الله عنها حين سئلت عنه قالت: «كان خُلُقُه القرآن» صلى الله عليه وسلم.
• صفات الكفار صفات ذميمة يجب على المؤمن الابتعاد عنها، وعن طاعة أهلها : إذاً يجب علينا أن نبتعد عن هذه الصفات هذه جهة، والجهة الأخرى ﴿إِلَّا﴾ نطيع أهلها ولذلك قال ﴿فَلَا تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ وأعاد فقال ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾
• من أكثر الحلف هان على الرحمن، ونزلت مرتبته عند الناس : وذلك نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف في البيع وقال «فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ» فهو مَمْحَقَةٌ للبركة. نعم
قال الشيخ حفظه الله
﴿إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ (القلم: 17) إلى آخر الآيات الكريمة هذه قصة جليلة وعظيمة يبين الله - سبحانه وتعالى - فيها أنّه يبتلي خلقه، فإذا لم يشكروا النعمة، كان هذا سببًا في زوالها عنهم، وكأنّ هذا مثلاً لقريش وللمشركين على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أُصِيبوا بالقحط والجوع، وذلك بسبب إعراضهم H0.
وهذا فيه أيضًا أن الابتلاء كما يكون بالشدائد، الابتلاء يكون بالرخاء فقد ابتلى الله - عز وجلّ - هؤلاء بالرخاء والنعماء فلم يشكروا! فحينئذ وقعوا في الضراء ولذلك قال بعضهم اُبتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسَّراء فلم نشكر، فحقيقٌ بالعبد أن يحمد الله على الوجهين، «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»
﴿إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ﴾ (القلم: 17) أصحاب الجنة : هذا التركيب الإضافي جاء في القرآن الكريم وفي كل مواضعه وموارده جاء وكان المراد به أهل الجنة التي هي جنة الآخرة إلا في هذا الموضع أقصد التركيب بهذا (أصحاب الجنة)، ورد أيضًا أصحاب الجنتين لكن أصحاب الجنة : جاء في القرآن الكريم وقد أُريد به أهل الجنة الآخرة، أهل دار الكرامة التي أعدّها الله لعباده.
وأمّا هنا فما معنى أصحاب الجنة؟ كما ﴿كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ﴾ (القلم: 17) يعني أصحاب البستان أو أصحاب الحديقة فيمكن أن نقول كل تركيب ورد (أصحاب الجنة) هكذا بالإفراد أيّ بإفراد كلمة الجنة فأريد به جنة الآخرة إلا في هذا الموضع فالمراد به البستان أو الحديقة، هذا كما قلت يمكن أن يُدْرَج في الوجوه والنظائر في التراكيب القرآنية ﴿إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ (القلم: 17)أقسموا أنهم يقطعون ثمار هذه الأشجار أو النخيل ﴿مُصْبِحِينَ﴾ في الصباح الباكر ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ (القلم: 18) لم يستثنوا في يمينهم ولم يقولوا إن شاء الله وهناك، قول ثان ولا يستثنون :يعني ولا يبقون شيئًا للفقراء والمساكين.
﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ (القلم: 19)، ﴿فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ﴾ أي سوداء كالليل المظلم.
﴿أَنِ ٱغْدُوا۟ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰرِمِينَ﴾ (القلم: 22) لكن إن كنتم قاطعين الثمار جادين في ذلك ﴿فَٱنطَلَقُوا۟ وَهُمْ يَتَخَـٰفَتُونَ﴾ (القلم: 23) يريدون أن يمنعوا المساكين حقوقهم، فلم يجدوا شيئًا ﴿أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ﴾ (القلم: 24) عازمين بقصد وعمد ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوٓا۟ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ (القلم: 26) قالوا هنا في المختصر: «فلما شاهدوها محترقة قال بعضهم لبعض: لقد ضللنا طريقها» لأننا أخطأنا، كنّا بالأمس القريب نراها وهي مثمرة يانعة؛ فأين الأشجار وأين الثمار؟ ذهب كلُّه، فهم امتنعوا عن القليل فلم يجدوا قليلاً ولا كثيراً، وهذا جزاء الجاحد والكفور نسأل الله السلامة.
﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (القلم: 27) قالوا هنا (أفضلهم)؛ لكنه تبعهم في هذا قال ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ فالأوسط يطلق على المتوسط ويطلق على الأفضل، ولذلك الوسط: الخيار العدول كما في قوله ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143) وبناء على ذلك وقع الاختلاف بين الفقهاء في بعض المسائل، كما في كفارة اليمين ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (المائدة: 89) فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: المراد بأوسط: الأفضل ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ من متوسط الطعام بناء على معنى كلمة (أوسط).
﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ (القلم: 28) هلا تسبحون الله وتتوبون إليه؟ (لولا) يعني : هلا ﴿قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ﴾ (القلم: 29) هذا درس عظيم وهي قصة جليلة، تبين لنا أنّه ينبغي للمرء أن يشكر الله وإلا فإنه إذا جحد نعم الله ومنع حق الفقراء والمساكين لا يبارك له في رزقه، ولا يبارك له فيما معه.
ثم ذكر الله - عز وجلّ - الجانب الآخر جانب أهل التقوى والإيمان فقال
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (القلم: 34) وتقدم نظير هذه الآيات ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، فالله لا يسوي بين المسلم والمجرم، والمجرم هنا المراد به الكافر ولذلك ذكر في مقابلة المسلم كما هو عُرْفُ القرآن في التعبير عن كلمة الإجرام في استعمال كلمة الإجرام بمعنى الكفر.
﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (القلم: 36) هل لديكم كتاب تقرأون فيه المساواة بين المطيع والعاصي؟ أين هذا؟ ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَـٰنٌ عَلَيْنَا بَـٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ (القلم: 39) هل عندكم أيمان مؤكدة، عهود مؤكدة بالإيمان مقتضاها إنّ لكم ما تحكمون به لأنفسكم. هل عندكم أيمان أنكم من أهل الجنة؟ إنكم ناجون، أنّ الله لن يعذبكم؟
﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ﴾ (القلم: 40) من يضمن لهم هذا؟ ومن يدعيه؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأْتُوا۟ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُوا۟ صَـٰدِقِينَ﴾ (القلم: 41) وعيدٌ، تأديبٌ شديد.
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ (القلم: 42)، ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ قال بعضهم أي عن شدة، شدة أهوال يوم القيامة فالمراد بالساق : الشدة؛ لكن هنا في المختصر فسروها قالوا (يكشف ربنا عن ساقه) فجعلوها من آيات الصفات ويكون التنكير في قوله ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ (القلم: 42) يعني عن ساق عظيمة، وهي ساق الله على الوجه الذي يليق به، كما جاء في حديث الصحيحين «فَيَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ» وهذا جاء في السنة، لكن بعض العلماء يرى أنّ هذه الآية الكريمة ليست من آيات الصفات؛ ليست صريحة لأن النكرة هنا جاءت في سياق الإثبات ولم تأت مضافة فقالوا : إنها الشدة؛ وأمّا إثبات الساق فهذا من دلائل أخرى من دلائل السنة، ومنهم من أثبته بالآية الكريمة. وعلى كل حال فالآية الكريمة تدل على شدة أهوال يوم القيامة. ثم هل هي من آيات الصفات أم لا؟ قولان لأهل العلم، ثم ينظر في الأدلة الأخرى تقدم نظير هذا في بعض المواضع ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (القلم: 42)
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• منع حق الفقير سبب في هلاك المال
• تعجيل العقوبة في الدنيا من إرادة الخير بالعبد ليتوب ويرجع
• لا يستوي المؤمن والكافر في الجزاء، كما لا تستوي صفاتهما
قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات :
• منع حق الفقير سبب في هلاك المال : وهذا واضح حينما أذهب الله - سبحانه وتعالى – ما لديهم بسبب منعهم حق الفقراء ﴿فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ﴾ (القلم: 20).
• تعجيل العقوبة في الدنيا من إرادة الخير بالعبد ليتوب ويرجع : قد يعذّب الله بالعقوبة في الدنيا، فيكون هذا خيراً، ولذلك قالوا ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ﴾ (القلم: 32) فكان هذا خيراً في أن يتوب الإنسان إلى الله - سبحانه وتعالى –
• لا يستوي المؤمن والكافر في الجزاء، كما لا تستوي صفاتهما : وهذا في قوله ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (القلم: 35) ونظراً لتأخرنا في البدء فسنكمل بإذن الله تعالى بقية سورة القلم، لنفرغ منها بإذن الله تعالى ونسأل الله الإعانة. ونتوقف عند نهايتها بإذنه جل وعلا.
قال الشيخ حفظه الله
﴿خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا۟ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَـٰلِمُونَ﴾ (القلم: 43) خشعت الأبصار، ذليلة الأبصار فيه : أنّ الخشوع الذي ورد في القرآن على نوعين :- هناك خشوع محمود، وهناك خشوع مذموم.
﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ﴾ (الغاشية: 1) فهناك من يخشع يوم القيامة؛ لكنه خشوع ذل ومهانة وأما الخشوع المحمود :- فهو خشوع العبد في الدنيا، ومن خشع هنا آمّنَه الله يوم القيامة. ﴿وَقَدْ كَانُوا۟ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَـٰلِمُونَ﴾ (القلم: 43) فيحرمون من السجود يوم القيامة حينما يؤمرون بالسجود، يريد المنافقون أن يسجدوا لله فيعود ظهر الواحد منهم طبقاً، ولا يتمكن من السجود لله.فنسأل الله سبحانه أن يكرمنا وأن يشرفنا بالسجود له - سبحانه وتعالى - «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»، ولذلك قال بعضهم من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية.
﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (القلم: 44)
﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ (القلم: 44) فذرني : اتركني، وهذا تهديدٌ شديدٌ، وسيأتينا نظيره في سورة المزمل ﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ (القلم: 44) اتركني وسترى ماذا سيحل به، وقوله ﴿بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ (القلم: 44) المراد بالحديث هنا القرآن الكريم، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾.
تقدم يا أيها الإخوة الكرام أن من مقاصد السورة الكريمة : بيان علم الله سبحانه وتعالى بالغيبيات، وأنّ الله سبحانه وتعالى بيده الأمر كله، تدبير الأمور لذا قال ﴿وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ (القلم: 45) أيضًا ﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ (القلم: 46) وتقدم نظير ذلك في سورة الطور.
﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (القلم: 48)
﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ (القلم: 48) في ختام السورة يأمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم – بالصبر، مع أنّهم يقولون عنه إنّه مجنون؛ لكن يأمره ربه بالصبر والثبات. ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (القلم: 48) صاحب الحوت : هو يونس عليه السلام، وهو مذكورٌ أيضًا في قوله جل وعلا في سورة الأنبياء ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأنبياء: 87) فهنا نهيٌ أن يكون مثله في هذا الباب وحده، فيونس عليه السلام إمامٌ وقدوة، ولذلك ذكره في مَنْ ذكر الله عز وجل من الأنبياء والمرسلين وقال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: 90)؛ لكن في هذا المقام قال ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ (القلم: 48) حينما ظنَّ أنَّ قومه على الإعراض فتركهم، ثم قدَّر الله عز وجل لهم الهداية والنجاة.
﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (القلم: 48) يعني :- وهو مكروبٌ في ظلمة البحر ﴿لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ (القلم: 49) أي نبذه الحوت إلى أرض خلاء وهو ملوم، ولا تعارض بين هذه الآية، لا تعارض بين الآية وبين قوله سبحانه وتعالى ﴿فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ (الصافات: 145) فهناك أثبتَ أنّه نبذه بالعراء، وهنا قال ﴿لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ (القلم: 49) فنفى هذا النبذ.؛ لأن لولا هُنا حرف امتناع لوجود؛ فيقال فرق بين النبذين أو الطرفين، الجواب : فهناك قال ﴿فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ (الصافات: 145) لكن لم يقل (فنبذناه بالعراء وهو مذموم أو هو ملوم أو وهو مليم) إذاً طرحه الله وقد تاب عليه، أما هنا قال ﴿لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ (القلم: 49) فهو لما طُرح ونجا من بطن الحوت، نجا وقد تاب الله عليه، ففرق بين النفي والإثبات وبين النبذين والطرفين ﴿فَٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (القلم: 50)
﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـٰرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجْنُونٌ﴾ (القلم: 51)
﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـٰرِهِمْ﴾ (القلم: 51) أي ليصرعونك بأبصارهم من شدة إحداق النظر إليك، ولذلك قال بعضهم : إنّ هذه الآية فيها دليل على إثبات العين، وقد جاء في السنة: «العَيْنُ حَقٌّ» ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـٰرِهِمْ﴾ (القلم: 51) يريدون أن يصيبوك بأعينهم ففيه أنّ العين حق، هذا من فوائد هذه الآية ﴿لَمَّا سَمِعُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجْنُونٌ﴾ (القلم: 51) وقد رد الله عنه الجنون في أول الآيات ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (القلم: 2)، ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ (القلم: 52) فنسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يبارك لنا في هذا الذكر العظيم القرآن الكريم، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى. وأن يجعلنا من المتبعين لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ونسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضاه.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• الصبر خلق محمود لازم للدعاة وغيرهم
• التوبة تَجُبُّ ما قبلها، وهي من أسباب اصطفاء الله للعبد وجعله من عباده الصالحين
قال الشيخ حفظه الله
نعم من فوائد الآيات
• الصبر خلق محمود لازم للدعاة وغيرهم : ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ (القلم: 48) إلى آخر الآية.
• التوبة تَجُبُّ ما قبلها، وهي من أسباب اصطفاء الله للعبد وجعله من عباده الصالحين :- كما جرى ليونس عليه السلام فقد أثنى الله - سبحانه وتعالى - عليه، وقد تاب إلى الله ﴿فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولذلك H0.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)