مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة نوح

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 54 من 103 · 21 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

التعريف بالسورة

سورة نوح - مكية –

مقاصد السورة

[من مقاصد السّورة]: بيان منهج الدعوة للدعاة من خلال قصة نوح.

قال الشيخ حفظه الله

نعم سورة نوحٍ عليه السلام، هذه السورة المباركة إحدى السور التي سمّيت باسم رسول من رسل الله وعندنا أيضًا سورة إبراهيم، وسورة محمد وسورة يونس وسورة هود وسورة يوسف - عليهم السلام - هناك سور سميت بأسماء الأنبياء والمرسلين،وهذا يدل على مكانة الأنبياء والمرسلين، وأن القرآن الكريم يدعونا إلى الاعتبار بقصصهم والموعظة والاتعاظ بسيرهم.

وسورة نوح عليه السلام خالصة لقصة نوح؛ أحيانًا تُسمَّى السورة باسم النبي أو الرسول مع أنّ السورة لا تتحدث عن هذا النبي أو الرسول إلاّ حديثاً موجزاً؛ كما هو الحال في سورة يونس - عليه السلام - فلم يجر ليونس عليه السلام ذكرٌ في سورة يونس إلا في آية. نعم ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: 98] وأنت إذا نظرت إلى سورة يونس تجد أن الحديث عن نوح - عليه السلام - والحديث عن موسى - عليه السلام - كان أطول من الحديث عنه ومع ذلك سمّيت السورة باسمه أيضًا لعلاقتها بمقصود السورة.

وأيضاً هناك سورة على عكس ذلك سورة يوسف وهي خالصة لقصة يوسف عليه السلام باستثناء خاتمتها. وباستثناء صدرها الآيات القليلة الأولى، ثم بعد ذلك القصة كلها في طول السورة.

سورة إبراهيم - عليه السلام – أيضًا حظٌ قليلٌ، له نصيب قليل منها، إذن السورة قد تسمى باسم نبي أو رسول ولا يعني ذلك أنها تتحدث عنه؛ أو تتحدث عنه فقط لكن يكون أو تكون تسميتها باسمه للدلالة على أن في قصته الدلالة الواضحة على المقصد، هنا فسورة نوح خالصة لقصة نوح - عليه السلام -؛ لكنّها لما ذكرت قصة نوح - عليه السلام - ذكرت قصته من البداية، من بداية الإرسال ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ﴾ فهذا يعني أنّ المقصود بذلك الحديث عن الرسالة والحديث عن الدعوة.

نقل من المختصر وبيانه

قالوا من مقاصد السورة )بيان منهج الدعوة للدعاء من خلال قصة نوح.(

ولذلك تستطيع أن تقول :- إنّ سورة نوح سورة القدوة للدعاة، من أراد من الدعاة أن يقتدي فليقرأ سورة نوح. ولذلك المتخصصون أهل الاختصاص في الدعوة، تكون لهم هذه السورة هادية ونبراسًا في حديثهم عن وسائل الدعوة وطرق الدعوة وأساليبها وما إلى ذلك. وقالوا في السورة إنها مكية والأمر كذلك. فهي سورة مكية نعم.

قال الشيخ حفظه الله

﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ﴿أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾

فكل الأنبياء والمرسلين جاءوا بهذه الدعوة الحقّة،الدعوة إلى توحيد الله، وإلى عبادة الله وتقواه، وإلى طاعة الله ﴿أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ثمّ ذكر لهم الجزاء مرغباً :

﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي تعيشون في الحياة حياة طيبة تتمتعون بها.

﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قوله )لو كنتم تعلمون ( لا يتعلق بقوله ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ( لأنه لو تعلق به لفسد المعنى، فليس المراد ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ولو لم تكونوا تعلمون فإنَّ أجل الله سيؤخر ليس كذلك.

﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سواء تعلمون أم لم تكونوا تعلمون، ﴿أَنَّمَا﴾ المعنى ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. هذا عام قاعدة عامة لو كنتم تعلمون. لذلك قالوا هنا في المختصر )لو كنتم تعلمون لبادرتم إلى الإيمان بالله والتوبة مما أنتم عليه من الشرك والضلال.( أين جواب )لو كنتم تعلمون ( )لبادرتم إلى الإيمان بالله والتوبة مما أنتم عليه من الشرك والضلال( فقد أحسنوا هنا؛ لأنهم ذكروا جواب )لو كنتم تعلمون ( حتى يفهم.

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآءِىٓ إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوٓا۟ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْا۟ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ ٱسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّىٓ أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا﴾

) ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ (فنبي الله نوح -عليه السلام - لم يألُ جهدًا في الدعوة إلى الله في شتى الأوقات وبشتى الوسائل والطرق في الليل والنهار، وجماعات ومنفردين، وفي السر وفي الجهر ليلاً ونهاراً. وقال أيضًا ﴿ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ ﴿ثُمَّ إِنِّىٓ أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ كل هذا استعمله نبي الله نوح - عليه السلام – ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآءِىٓ إِلَّا فِرَارًا﴾ ﴿وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوٓا۟ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْا۟ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ ٱسْتِكْبَارًا﴾ هذه الآية جليلة وعظيمة، تبيّن لنا أنّ الإنسان لكي يحصل على العلم ولكي ينتفع به هناك ثلاثة أسباب للانتفاع بالعلم والدعوة، وفي المقابل هناك ثلاثة موانع تمنع الإنسان من الانتفاع بالعلم والدعوة.

2- وبالإقبال ببصره فينظر إلى الحق ويميزه.

3- وبإقبال قلبه فينتفع بما يسمع وبما يقال له. وهنا ذكروا الثلاثة، ذكر الله الثلاثة. ﴿وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوٓا۟ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ﴾ لئلا يسمعوا، ﴿وَٱسْتَغْشَوْا۟ ثِيَابَهُمْ﴾ لئلا يروا ولئلا يبصروا. ﴿وَأَصَرُّوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ ٱسْتِكْبَارًا﴾ حتى تكون قلوبهم غلفًا، حتى تكون قلوبهم غير منتفعة بهذا الذكر. ونظير هذه الآية في كتاب الله قوله سبحانه في سورة فصلت كما تقدم ) وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ ٥ (فذكر الله أيضًا الثلاثة عنهم.

﴿ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ ٨ ﴿ثُمَّ إِنِّىٓ أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ ٩ ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا﴾ ١٠ (هذا من أجلّ الأوامر، الأمر بالاستغفار ﴿إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا﴾.نعم.

من فوائد الآيات

• خطر الغفلة عن الآخرة.

• عبادة الله وتقواه سبب لغفران الذنوب.

• الاستمرار في الدعوة وتنويع أساليبها حق واجب على الدعاة.

• عبادة الله وتقواه سبب لغفران الذنوب.

لذلك قال ﴿أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ﴿يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فجاء هذا هو الجواب اعبدوا : )يغفر لكم(، فمن عبد الله واتقاه غفر الله له من ذنوبه.

• الاستمرار في الدعوة وتنويع أساليبها حق واجب على الدعاة.

كما ذكر الله -عز وجل - في قصة نوح - عليه السلام - هنا قال )﴿رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَارًا﴾( وقال )﴿ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ ٨ ﴿ثُمَّ إِنِّىٓ أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ ٩ ( وهنا أيضًا في قوله ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا﴾ أي من أسباب استغفار الله : أنّه غفار؛ لأنه لو لم يفتح لنا هذا الباب فكيف كان سيستغفر العباد! ولذلك مما يحمد الله عليه أنه غفور غفار. هذه نعمة وأي نعمة، لمن أدركها وتفطن لها. نعم

قال الشيخ حفظه الله

﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ ﴿وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًا﴾

قال الله - سبحانه وتعالى - ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ وهذا جواب الدعاء في قوله )﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا﴾(فمن ثمرات الاستغفار : نزول الأمطار بغزارة ونفع، وهذا من بركات السماء. وأيضاً الأرض ﴿وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًا﴾ وإذا ذكر الماء ذكر المال فالماء يجذب المال ويجذب الغنى. لذلك تجد أنّ رب العزة ذكر هنا في الجزاء )يرسل ٱلسّمآء عليكم مّدرارٗا ( وقال أيضًا ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًا﴾ فهذا كله من الخير العميم الذي يعمّ المستغفرين؛ لذلك كان بعضهم إذا أجدبت الأرض ولم ينزل من السماء مطرٌ، أكثر من الاستغفار. ويرى أن الاستغفار أقرب طريق لنزول تلك الأمطار. وكذلك هو سبب في الرزق الوفير من الأولاد والبنين، ﴿وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًا﴾ )ويجعل لّكم جنّتٖ ويجعل لّكم أنهرٗا(.

﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ﴿أَلَمْ تَرَوْا۟ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ طِبَاقًا﴾ ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجًا﴾

﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ لا توقرون الله حق توقيره،ولا تعظمونه حق تعظيمه )وقد خلقكم أطوارًا ( أي : طوراً بعد طورٍ، من نطفة فعلقة فمضغة.

﴿أَلَمْ تَرَوْا۟ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ طِبَاقًا﴾ طبقة فوق طبقة كما تقدم، ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ قالوا في المختصر )وجعل القمر في السماء الدنيا منهن ضياء لأهل الأرض، وجعل الشمس مضيئة ( فيهنّ أي في السماء الدنيا )فيهن ( يعني : في واحدة من السماوات؛ لأن الضمير يعود على السماوات والقمر في السماء الدنيا. ومنهم من قال هذا يدل على وجود أقمار أخرى. والعلم عند الله.

فلأهل العلم في ذلك كلامٌ كثيرٌ في عود هذا الضمير؛ لكن الذي اختاروه هنا : أن الضمير يعود على السماء الدنيا. أو المراد في جملتهن، فهو عاد إليهن والمراد بذلك شيء منها من السماوات.

﴿وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ فالشمس جعلها الله سراجاً مضيئة؛ وأما القمر فجعله نوراً كما )‌هو ‌ٱلّذي ‌جعل ‌ٱلشّمس ضيآءٗ وٱلقمر نورٗا ( [يونس: 5] والضياء فيه النور وفيه الحرارة، فالضياء أخصّ من النور، لأنه نور ومعه حرارة. ولذلك نستفيد من الشمس الأمرين : نستفيد منها الإنارة، ونستفيد منها الحرارة.

ولعله من أجل ذلك والعلم عند الله H0. لأن الصبر يستدعي من الإنسان أن يخالف هواه، وأن يصبر على المصائب والابتلاءات وحظوظ الأنفس.

﴿وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ ﴿لِّتَسْلُكُوا۟ مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾

قال الله سبحانه ﴿وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ تذكيرٌ بالساعة وتذكيرٌ باليوم الآخر،فالأنبياء والمرسلون يذكّرون بالله ويذكّرون بالطريق إلى الله ويذكّرون بالبواعث التي تبعث الإنسان على العمل والتفكير بالآخرة.

﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ كما قال أيضًا )‌مهدٗا( وقال أيضًا )‌ذلولٗا( كل هذا في معنى بساطاً.

﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى وَٱتَّبَعُوا۟ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارًا وَمَكَرُوا۟ مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا۟ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا۟ كَثِيرًا ۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَـٰلًا﴾ ٢٤ (

)‌لّتسلكوا منها سبلٗا فجاجٗا قال نوحٞ رّبّ إنّهم عصوني وَٱتَّبَعُوا۟ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارًا ( فالغنى كثيراً ما يطغي، كما قال الله ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ﴾ ﴿أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾ [العلق: 6-7].

﴿وَمَكَرُوا۟ مَكْرًا كُبَّارًا﴾ ﴿وَقَالُوا۟ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾

وقد جاء في أثر ابن عباس - رضي الله عنهما – )أن هؤلاء أسماء رجال صالحين، فقالوا لو صورنا لهم صوراً حتى يذكروننا بالله، يذكرونا بالله، فلما تنسّخ الأمر وتوفي هؤلاء ومات هؤلاء، عبدوهم ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ( وهذا فيه أنّ الغلو في الصالحين قد يضل الإنسان؛ بل يوقع الناس فيما يسخط الله سبحانه وتعالى.

فكان المقصود في البداية أن يتذكروا بهم عبادة الله، ثم بعد ذلك صرفت العبادة إليهم ) وقد أضلّوا كثيرٗا ولا تزد ٱلظّلمين إلّا ضللٗا(.

﴿مِّمَّا خَطِيٓـَٔـٰتِهِمْ أُغْرِقُوا۟ فَأُدْخِلُوا۟ نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا۟ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارًا﴾

)مّمّا خطيٓـٔتهم ( ما معنى )مما(. أيّ : بسبب خطيئاتهم، كما قالوا هنا في المختصر )بسبب خطيئاتهم ( إذن «مِن» هنا سببية؛ بمعنى )بسبب ( )مّمّا خطيٓـٔتهم أغرقوا ( كان هذا سببًا في غرقهم، )فأدخلوا نارٗا ( قالوا هنا في المختصر )فأدخلوا النار بعد موتهم مباشرة ( من أين أخذوا هذا. أخذوا هذا من ذكر )الفاء( التي تدل على التعقيب والسرعة؛ ولذلك استدل بعض العلماء بهذه الآية على إثبات عذاب القبر، قالوا لأن النار التي تعقب غرقهم ﴿أَنَّمَا﴾ هي في القبر، وكل قبرٍ بحسب صاحبه.

إن قيل :- هؤلاء ماتوا في البحر، فأين القبور! التي دفنوا فيها.

فالجواب : القبر بحسب موضع صاحبه ومكانه، فقد يكون القبر لبعض الناس في البحر وهكذا. ﴿فَلَمْ يَجِدُوا۟ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارًا﴾

﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا﴾ ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا۟ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓا۟ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾

﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا﴾ ربّما كان من المتوقع أن تختم السورة بقوله )مّمّا خطيٓـٔتهم أغرقوا ( لأن الله ذكر الجزاء، لكن ذكر الجزاء في وسط الكلام الذي فيه، قبل ذكره دعاء نوح - عليه السلام - كأنها جملة معترضة : لبيان أنهم أُغرقوا بسبب خطاياهم، لا بسبب دعاء نوح وحده.

وإنما دعا نوح - عليه السلام - لعلمه أنهم لا يستجيبون؛ وإلا فإنَّ هؤلاء هالكون، لما أجرموا ولما أسرفوا ثم جاءت بعد ذلك دعوة نوح عليه السلام مع أنها أسبق، أسبق من الغرق لكنها ذُكرت بعده هنا للدلالة على هذا والعلم عند الله

قال ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا﴾ يعني أحداً يدور ويتحرك، ما معنى ديارا. يعني أحداً يدور ويتحرك قالوا هنا في التفسير وأحسنوا )وقال نوح لما أخبره الله أنّه لن يؤمن من قومه ﴿إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ (

لأنه قد يكون قائل :- لماذا دعا نوح - عليه السلام – بهذا. لأن الله قد أعلمه )‌﴿وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ ( [هود: 36] فحينئذٍ دعا نوح - عليه السلام- ما الفائدة من وجودهم وهؤلاء سيستمرون على الكفر، ومن يأتي بعدهم ينسج على منوالهم، لذلك قال )‌﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا۟ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓا۟ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ ( يعني مثلهم لما أعلمه الله به ولذلك قالوا )الحية لا تلد إلا حية( وهذا لا يعارض ما جاء في قوله )‌يخرج ‌ٱلحيّ من ٱلميّت ويخرج ٱلميّت من ٱلحيّ ( [الروم: 19] على تفسير عدد من العلماء،فهذا شأن آخر ﴿أَنَّمَا﴾ هذا أخبره الله به؛ بأنّ هؤلاء سيستمرون على هذا الكفر، فحينئذٍ دعا الله - سبحانه وتعالى - بهذا الدعاء. وكان من دعائه الجميل

﴿رَّبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارًۢا﴾

فبدأ بنفسه، ولذلك في الدعاء يستحب البدء بالنفس. كما كان هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم ثم بعد ذلك دعا لوالديه لما لهما عليه من الحق العظيم، ثم لمن دخل بيته مؤمناً، ثم عمَّم: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارًۢا﴾ أي هلاكاً وخسراناً. نعم.

من فوائد الآيات

• الاستغفار سبب لنزول المطر وكثرة الأموال والأولاد.

• دور الأكابر في إضلال الأصاغر ظاهر مشاهد.

• الذنوب سبب للهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

• الاستغفار سبب لنزول المطر وكثرة الأموال والأولاد.

﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ الآيات.

• دور الأكابر في إضلال الأصاغر ظاهر مشاهد.

ولذلك قال )﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارًا﴾ (

• الذنوب سبب للهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

ولذلك قال )مّمّا خطيٓـٔتهم أغرقوا ﴿فَأُدْخِلُوا۟ نَارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَجِدُوا۟ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارًا﴾(

بهذا نكون قد انتهينا بفضل الله وتوفيقه من التعليق على تفسير سورة نوح. لننتقل إلى تفسير سورة الجن.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة