مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة النساء — الجزء 2

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 272 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

قال ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (النساء: 11) إذا كان الورثة بنات ليس معهن ذكر يعصبهن فحينئذٍ للبنتين فأكثر الثلثان وهنا قال ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً﴾ (النساء: 11) يعني بنات فوق اثنتين ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (النساء: 11) لم يذكر حكم الثنتين أو حكم البنتين ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر فوق الاثنتين قالوا : ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر ذلك لئلا يتوهم أن حق الإناث يزيد بزيادة العدد فلما قال ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ﴾ (النساء: 11) وبعدها قال ﴿وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةً﴾ (النساء: 11) فإذا ذكر الواحدة وذكر ما هو فوق الاثنتين فعُلِمَ أن الثنتين حكمهما كحكم ما هو فوق ما حكمه آية؟ فوق كما صرح الله في آخر السورة في حكم الأخوات فكذلك هنا، وبناء عليه فحكم البنتين كحكم الثلاث بنات وكحكم الأربع بنات : لهن الثلثان مما ترك ﴿وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ﴾ (النساء: 11) إذا مات رجل وترك بنتاً واحدة فلهذه البنت النصف لها نصف التركة وتأملوا رحمكم الله هذه البنت لها نصف التركة وحدها، فلو فرضنا مثلاً : أن رجلاً وترك زوجة وترك بنتاً وترك أولاد عم مثلاً فإن هذه الزوجة ترث الثمن والبنت ترث النصف وهؤلاء أولاد العم يرثون الباقي لو كانوا خمسة مثلاً من الذكور يرثون الباقي، فكل واحد منهم يأخذ جزءاً يسيراً، والبنت أخذت وحدها النصف إذاً البنت أكثر أم ليست أكثر؟ هي أكثر بكثير لأنَّها أقرب وهي البنت وهذا معناه أن مسألة أن المرأة على نصف الرجل ليس على الإطلاق ﴿أَنَّمَا﴾ هذا إذا كنا في طبقة واحدة طبقة الأولاد وسيأتينا أنه في الأخوات لأم الذكر مثل الأنثى والأنثى مثل الذكر تأخذ مثله لا تأخذ أقل منه ولا تأخذ أكثر منه، ولا يأخذ أكثر منها كما قال الله ﴿فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ﴾ (النساء: 12).

قال الله هنا ﴿وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌ﴾ (النساء: 11)إذا مات شخص وله أبوان وله أولاد فحينئذٍ للأب والأم ﴿لِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ﴾، فميراث الأب السدس، وميراث الأم السدس في حالة وجود الأولاد لكن إذا كان الولد ذكراً فهذا حق الأب لا يزيد عليه.

وإذا كان الأولاد إذا كنّ إناثًا فإن الأب يأخذ السدس ثم يأخذ الباقي تعصيباً، يعني بعد أن يأخذ أصحاب الفروض فرائضهم فإن الأب يأخذ الباقي تعصيباً؛ لـأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر ) قال الله سبحانه ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌ﴾ (النساء: 11) يعني مات شخص وليس له أولاد ليس له أولاد لا ذكور ولا أناث فحينئذ ما ميراث الأم والأب؟ الأم لها الثلث والأب له الثلثان، لكن هذا في حالة إذا لم يكن هناك إخوة لأنه إذا كان هناك إخوة فإن الأم تنزل من الثلث إلى السدس؛ فإن الأم تنزل يقل ميراثها من الثلث إلى السدس عُلِمَ من هذا أن الأم ترث أحياناً الثلث وترث أحياناً السدس، فترث الأم الثلث إذا لم يكن هناك أولاد ولم يكن هناك عدد من الإخوة، وترث السدس إذا كان هناك أولاد للميت أو إذا كان هناك عدد من الإخوة وأمّا إذا وُجِدَ أخ واحد أو أخت واحدة فأن الأم تأخذ الثلث كما هو لا تقل عنه فيشترط في الإخوة أن يكونوا عدداً اثنان فما فوق.

قال الله ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ﴾ (النساء: 11) أي : ولأبيه الثلثان وهنا مسألة معروفة عند العلماء من قوله ﴿فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ﴾ ما يسميه العلماء بالمسألتين العمريتين، وذلك إذا وُجِدَ زوج أو زوجة فإن القول المختار الذي عليه الجمهور : أن الزوج والزوجة يأخذ كل واحد منهما في المسألة حقه يعني لا طبعًا لا يجتمعان معروف أن الزوج والزوجة لا يجتمعان في مسألة لكن إذا كان الميت زوجاً فحينئذٍ الزوجة تأخذ الحق الذي لها وما حقها حينئذ؟ سيكون الربع ثم بقية التركة يكون للأم ثلث الباقي وللأب ثلثا الباقي، وإذا كان الميت امرأة يعني إذا كانت زوجة فأن الزوج يأخذ النصف والنصف الباقي الأم تأخذ ثلثه والأب يأخذ الثلثين؛ لأننا لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن الأم تأخذ الثلث كاملاً فحينئذٍ ماذا فيكون للأب؟ فسيبقى له السدس وهذا أقل من نصيب الأم بل سيكون نصفها، لذلك الذي ذهب إليه العلماء أنه في حالة وجود زوج أو زوجة فأن الباقي يوزع على الأب والأم بنسبة واحد إلى اثنين للأم الثلث وللأب الثلثان.

قال ﴿فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ﴾ (النساء: 11) قالوا هنا ( فللأم الثلث وباقي الميراث لأبيه وإن كان للميت إخوة اثنان فأكثر ذكوراً كانوا أو أناثاً أشقاء أو غير أشقاء فلأمه السدس فرضاً والباقي للأب تعصيباً ولا شيء للأخوة لأن الأب يحجب الإخوة عمومًا ) نعم؛ وإنما الخلاف وقع في مسألة الجد وأما الأب فأنه يحجب الإخوة اتفاقاًًًً قال الله سبحانه وتعالى ﴿مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: 12) يعني هذا ﴿أَنَّمَا﴾ يتم بعد إخراج الوصية، قضاء الدين فرجل مات وترك تركة نغسله ونكفنه ونفعل الحق الذي له، ماذا نفعل أيضاً؟ نقضي ديونه، ونخرج الوصية بشرط ﴿إِلَّا﴾ تتجاوز الثلث، بشرط ﴿إِلَّا﴾ تتجاوز الثلث فأن زادت فلا نجيز منها إلا الثلث وهنا قال الله ﴿مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: 12) قدم الوصية على الدين في الذكر مع أنه مجمع على أن الدين يُقضَى أولاً، وقد قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقضاء الدين قبل الوصية أول يقضى بعد تجهيز الميت وتكفينه على خلاف بين الفقهاء في مثل هذا لكن هذا قول مشهور ومعتبر ثم بعد ذلك يكون قضاء الدين، ثم تكون الوصية؛ فالوصية تؤخر بالاتفاق عن قضاء الدين وإنما قدَّم الوصية قال بعض العلماء ذلك : لأن الوصية جانبها ضعيف فأصحابها لا يملكون شيئًا لأنهم ليسوا أصحاب حق ابتداء ﴿أَنَّمَا﴾ الذي جعل لهم الحق هو الموصي؛ أما أصحاب الدين فهم أصحاب حق يطالبون بمالهم ويقولون لنا كذا وكذا؛ فقدم الله الوصية من أجل ذلك وإلا فالدين يقدم في هذا الباب.

ثم قال الله ﴿ابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ (النساء: 11) بعض الناس تغرُّه نفسه ويسلط عليه أو يأتيه الشيطان فيريد أن يُميِّز ولداً عن بقية الأولاد وربما كتبت التركة كلها لولد دون الآخرين أو للذكور دون الإناث، ما يدريك؟ ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ (النساء: 11) لعل هذه البنت أفضل عند الله سبحانه وتعالى من هذا الذَكَرْ ولعلها هي التي تذكرك بالدعاء، وهذا الابن الذي أخذ مالك لا يلتفت إليك بل يكون سببًا في ضلالك في الدنيا، وسبباً في عذابك في الآخرة ونسأل الله السلامة ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 11) وهذه الآية الكريمة آية غاية في البلاغة والإعجاز والبيان إعجاز في التشريع واعجاز في البلاغة والبيان كم حوت من أحكام ومن تشريعات! وقد فصل فيها الفقهاء، وكتبت الكتب والمصنفات في هذه الآيات القليلة هذه الآية والآية التي تليها والآية الأخيرة مع ما يتعلق بباب العصبات في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه جمعت أحكاماً كثيرة ولكنها جاءت بهذه الطريقة الموجزة البديعة العظيمة فالحمد لله على هذا الكتاب العظيم نعم

من فوائد الآيات

• دلَّت أحكام المواريث على أن الشريعة أعطت الرجال والنساء حقوقهم مراعية العدل بينهم وتحقيق المصلحة بينهم

قال الشيخ حفظه الله :

• دلَّت أحكام المواريث على أن الشريعة أعطت الرجال والنساء حقوقهم مراعية العدل بينهم وتحقيق المصلحة بينهم : هذا واضح فالشريعة بينت الحقوق بوضوح وجلاء، ولذلك سيأتينا بعد ذلك ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ﴾ (النساء: 13) فهي حدود حدها الله هنا قال ﴿فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (النساء: 11).

• التغليظ الشديد في حرمة أموال اليتامى، والنهي عن التعدي عليها، وعن تضييعها على أي وجه كان : قال الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (النساء: 10)

• لمَّا كان المال من أكثر أسباب النزاع بين الناس تولى الله تعالى قسمته في أحكام المواريث : ولذلك قال ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ﴾ (النساء: 11) وقال في آخر السورة ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ﴾ (النساء: 176)نعم.

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: 12)

فبعد أن بين الله سبحانه وتعالى السبب المعروف من أسباب الميراث وهو سبب القرابة انتقل الحديث إلى السبب الثاني من أسباب الميراث وهو سبب المصاهرة والزواج؛ لأن أسباب الميراث ثلاثة سبب يتعلق بالقرابة والنسب والآخر يتعلق بالمصاهرة من زواج والثالث بالولاء العتق الذي يكون بين السيد وعبده قال الله ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ (النساء: 12) وتأملوا ﴿فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ (النساء: 12) فالتعويل على أولاد المتوفى؛ فالزوج يأخذ النصف أن لم يكن للمرأة منه أو من غيره ﴿فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ (النساء: 12) منه أو من غيره ﴿فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ (النساء: 12)فمثلاً لو أن امرأة كانت متزوجة، ثم طلقت ولها أولاد ثم تزوجت آخر ثم ماتت عنه فالآن هي لها أولاد ليست من هذا الزوج، ولكن من زوج آخر فماذا يرث الزوج حينئذ؟ يرث الربع لم؟ لأن لزوجته أولاداً، ولو كانوا من غيره، وكذلك العكس فالمرأة لها الربع ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم﴾ (النساء: 12) وقوله سبحانه وتعالى ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم﴾ (النساء: 12) للواحدة ويشترك فيه جميع الزوجات، فالزوج الذي هو متزوج لأكثر من امرأة لو كانت له زوجتان أو ثلاث أو أربع فإنهن يشتركن في الحق أن كان الربع فالربع وأن كان الثمن فالثمن، بنفس التقسيم الوارد هنا.

قال الله ﴿مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: 12)إذاً تقديم الدين وتقديم ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ﴾ (النساء: 12) قوله ﴿أَوِ ٱمْرَأَةٌ﴾ (النساء: 12) معطوف على ماذا؟ معطوف على الرجل فأصل الكلام : وأن كان رجل أو امرأة قال ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ﴾ (النساء: 12) يورث كلالة، الكلالة : الميت الذي لا والد له ولا ولد من مات لا والد له ولا ولد وهناك كلام طويل في تفصيل معنى الكلالة وأصلها تقدم بيانه في شرح عمدة التفسير، الشاهد هنا قال ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ﴾ (النساء: 12) أو في المواريث قال ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ﴾ (النساء: 12) فالمراد بقوله سبحانه وتعالى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (النساء: 12)يعني رجل مات وليس له والد ولا ولد؛ فإذاً من يرثونه؟ الإخوة، قال ﴿وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ﴾ (النساء: 12) ما المراد بالأخ هنا أو الأخت؟ هم الأخ أو الأخت لأم، ولذلك لا تعارض بين هذه الآية وبين الآية التي جاءت في آخر السورة، فهناك قال ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾ (النساء: 176) فهناك قال ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (النساء: 176) وذكر أنه يرثها جميع ما لديه أما هنا قال السدس لم؟ نقول الإخوة الذين وردوا في آخر سورة النساء هم الإخوة الأشقاء أو لأب؛ أما هنا في هذه الآية التي مرت فالمراد بهم ( الإخوة لأم ) فما ميراث الإخوة لأم هنا؟ السدس للواحد منهم ذكراً كان أو أنثى؛ ﴿فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ﴾ (النساء: 12) وتأملوا لم يقل : ﴿فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ﴾ ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ﴾ (النساء: 12) لذلك من المسائل التي يستوي فيها الذكر والأنثى : الإخوة لأم فالإخوة للأم إذا تعددوا تساووا في الميراث ﴿فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ (النساء: 12) قبول الوصية وتنفيذها أن تكون ليس فيها ضرر فلو أوصى لوارث فهذا فيه ضرر، لو أوصى بأكثر من الثلث فهذا فيه ضرر وهكذا ﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ (النساء: 12) ( ولا ضرر ولا ضرار ) قال الله ﴿وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (النساء: 12)

﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ (النساء: 13)

﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ﴾ (النساء: 13) فهذه حدود الله التي ينبغي ﴿إِلَّا﴾ تُتَجاوز، وأن يوقف عندها ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ (النساء: 13)

﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَـٰلِدًا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (النساء: 14)

هنا قال ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ (النساء: 14) ثم قال ﴿خَـٰلِدًا فِيهَا﴾ فتوعده بالخلود، وقد تقدّم معنا مراراً أن مرتكب الكبيرة دون الشرك لا يخلد في النار، وهنا توعده الله بالخلود فنقول : أن المراد بالمعصية هنا الكفر ومعنى ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ (النساء: 14) أي : بجحود حكم الله، يجحد حكم الميراث، لا أنه يتركه فقط، وإنما يجحده أو يتشكك فيه ولذلك قالوا هنا في المختصر ( ومن يعص الله ورسوله بتعطيل أحكامه وترك العمل بها، أو الشك فيها، ويتجاوز حدود ما شرعه؛ يدخله نارًا ماكثًا فيها، وله فيها عذاب مُذِلٍّ ) لكن قولهم ( بتعطيل أحكامه وترك العمل بها )

إذا ترك العمل بها فهذا وحده ليس كفراً ليس مُخرِجاً من الملة وإنما الخروج من الملة يكون بالجحود أو الإنكار أو التكذيب وما إلى ذلك أو أن نفسر الخلود : بالمكث الطويل فيكون هذا في حق عصاة الموحدين فلننتبه إلى معنى هذه الآية، وهذا قريب مما ذكرناه في سورة البقرة في قوله في شأن الربا ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (البقرة: 275)

فقلنا : أن العلماء قالوا ( أن المراد بالعود هنا الاستحلال يعني من عاد مستحلاً ) أستحل ما حرم الله سبحانه وتعالى وقد تقدم أن المعصية قد تأتي أحياناً ويراد بها الكفر والشرك، كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ في السيئة أيضاً

وهنا ذكر بعض العلماء لطيفة في قوله سبحانه ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا﴾ (النساء: 13) فلما ذكر الجنات قال ﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا﴾ وهناك قال ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَـٰلِدًا فِيهَا﴾ (النساء: 14) فقال خالداً بالإفراد، وكلا الأمرين من حيث اللغة في الأصل صحيح؛ لأن ( مَنْ ) قد يُتعامل معها باعتبار اللفظ فيكون إفراداً وقد يُتعامل معه باعتبار الجمع فيكون جمعاً باعتبار المعنى فيكون جمعاً، يعني : قال ( ومن يطع الله ) فالذي يطع الله كثيرون لذا قال جنات خالدين فيها، تجد ( ومن يعص الله ) ومن يعصي الله فهم كثيرون لكن قال خالداً فيها فعامله باعتبار لفظ مَنْ، قال بعضهم : مِنْ هذا والله أعلم أنه من كمال السرور واللذة أن يجد الإنسان في السرور وفي النعيم رفقاء فأن الإنسان إذا كان منفرداً في نعيم مقيم ربما يشعر بشيء من الوحشة، فإذا وجد من يؤنسه فحينئذٍ تكمل لذته، وعلى العكس في العذاب فأن العذاب يشتد مع الانفراد فإذا كان منفرداً في العذاب اشتد عليه الأمر بخلاف ما إذا شاركه غيره في ذلك فقال لما ذكر النار ذكر فيها ( خالدا ) وأن كان في بعض المواضع جاء الجمع أيضًا والعلم عند الله تبارك وتعالى. نعم

من فوائد الآيات

لا تُقْسم الأموال بين الورثة حتى يُقضى ما على الميت من دين، ويخرج منها وصيته التي لا يجوز أن تتجاوز ثلث ماله

التحذير من التهاون في قسمة المواريث؛ لأنَّها عهدُ الله ووصيته لعباده المؤمنين؛ فلا يجوز تركها أو التهاون فيها.

من علامات الإيمان امتثال أوامر الله، وتعظيم نواهيه، والوقوف عند حدوده

من عدل الله تعالى وحكمته أن من أطاعه وعده بأعظم الثواب، ومن عصاه وتعدَّى حدوده توعده بأعظم العقاب

قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات

لا تُقْسم الأموال بين الورثة حتى يُقضى ما على الميت من دين، ويخرج منها وصيته التي لا يجوز أن تتجاوز ثلث ماله : هذا واضح في الآيات السابقة ﴿مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: 12) ﴿مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: 12) ﴿مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: 12) وقد جاءت السنة تدل على أنه لا يُتجَاوز بوصيته الثلث ( الثلث والثلثُ كثيرٌ ) قاله الرسول عليه الصلاة والسلام.

التحذير من التهاون في قسمة المواريث؛ لأنَّها عهدُ الله ووصيته لعباده المؤمنين؛ فلا يجوز تركها أو التهاون فيها.

من علامات الإيمان امتثال أوامر الله، وتعظيم نواهيه، والوقوف عند حدوده : ولذلك سماها حدود ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ﴾ (النساء: 13) أيضًا وذكر الوعد والوعيد.

من عدل الله تعالى وحكمته أن من أطاعه وعده بأعظم الثواب، ومن عصاه وتعدَّى حدوده توعده بأعظم العقاب :فهذا من كمال عدله وحكمته سبحانه وتعالى. نعم

قال الشيخ حفظه الله :

قال الله سبحانه ﴿وَٱلَّـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء: 15)

فبعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى طرفاً من أحكام حدوده فيما يتعلق بالفرائض والمواريث، ذكر حدوداً أخرى تتعلق بصيانة الأعراض وما يتعلق بانتهاك بعض الناس للأعراض من الرجال والنساء فقال ﴿وَٱلَّـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ (النساء: 15) قال كثيرون : المراد بها فاحشة الزنا؛ فإذا وقعت نساء في الزنا فما حدهن يا ربنا؟ وما عقوبتهن؟ قال الله ﴿فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾ (النساء: 15) هناك شهود أربعة ﴿فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ﴾ (النساء: 15) أي : احبسوهن في البيوت ﴿حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء: 15) قالوا : كان هذا في بادئ الأمر ولذلك قال الله ﴿أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء: 15) أي : طريقاً آخر غير طريق الحبس إذا كان الطريق الأول للنساء الزواني أنها تُحبَس في البيت حتى يتوفاها الموت إلى أن جاء مخرج آخر، وحكم آخر هذا الحكم الآخر فيه تفريق بين البكر والثيب؛ وأمّا هذا الحكم المذكور أولاً فكان عاماً شاملاً للطرفين، وقوله ﴿حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ﴾ (النساء: 15) ما معنى يتوفاهن الموت؟ لأن يتوفى إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنها بمعنى الموت ( حتى يميتهن الموت )! فقال بعض المفسرين يعني : حتى يتوفاهن ملك الموت فجعلوا هناك تقديراً لمضاف، أو المراد : : أو يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن فقوله ﴿وَٱلَّـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء: 15) يعني يستوفي الأرواح كما ذكر بعض المفسرين، وقوله ﴿أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء: 15) جاء في حديث عبادة - رضي الله عنه - عند مسلم ( خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً ) فبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن السبيل قد جاءهم ( البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم ) فالنبي صلوات ربي وتسليماته عليه بين أن السبيل قد جاء لهؤلاء النسوة وبين الله الطريق الآخر الذي جاء بعد الحبس، وهنا قالوا في التفسير ( والاكتفاء بهذا النوع من العقاب كان في أول الأمر، ثم نُسِخ بعد ذلك بجلد البكْر وتغريبه، وبرجم المُحصَن ) بعد أن ذكروا الكلام في الآية الثانية ﴿وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ﴾ (النساء: 16) أيضًا قالوا ( ثم نسخ ذلك بجلد البكر وتغريبه وبرجم المحصن ) وفي الأول قالوا ( ثم بين الله السبيل لهم بعد ذلك ) فجعلوا في الأول ( ثم بين الله لهم السبيل بعد ذلك ) وذلك أن قوله ﴿أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء: 15) فيه إشارة إلى أنه إلى أنه سيأتي سبيل آخر لذلك لا نجعل ما وقع في حد النساء أو في عقوبة النساء من قبيل المنسوخ، وإنما نقول أنه ذكر إحدى العقوبتين، وجعل العقوبة الثانية تبيَّن فيما بعد، ثم جاء بيانها فجاءت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبينت هذا المجمل والله تعالى أعلم، وبعضهم يجعله من المنسوخ.

ثم قال ﴿وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 16)أيضاً قال ﴿يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ﴾ (النساء: 16) يأتيان ماذا؟ قالوا أيضًا فاحشة الزنا؛ وإلا فمن المفسرين من جعلوا الفاحشة في حق النساء هي السحاق : ما يكون بين المرأة والمرأة، وجعلوا الجريمة التي في حق الرجال اللواط ما يكون بين الرجلين، ومنهم من قال : بل هذا في الزنا أيضًا كانت العقوبة في البداية ﴿فَـَٔاذُوهُمَا﴾ يؤذهما بالقول وبالفعل والضرب وما إلى ذلك ﴿فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ﴾ (النساء: 16) ثم بعد ذلك جاء البيان وصارت العقوبة أيضًا بحسب حال هذا الزاني فإن كان بكرًا فالجلد والتغريب وأن كان ثيِّباً فالرجم قال الله سبحانه ﴿فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 16) وهذا فيه أن الشرع كما جاء بحفظ الأموال فقد جاء بحفظ الأعراض، وحفظ النسل.

قال الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 17)

﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ (النساء: 17) وهنا عدة أسئلة وعدة مسائل وإشكالات :

الأولى : : : ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ﴾ (النساء: 17) وهل التوبة على الله؟ أم التوبة على العباد؟ فقوله ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ﴾ (النساء: 17) بأسلوب الحصر كان التوبة لا تكون إلا على الله مع أنَّ العباد عليهم أن يتوبوا؟!

فيقال : أن المراد : ﴿أَنَّمَا﴾ قبول التوبة على الله، يعني : الذي يقبل التوبة ويتقبلها من العباد ﴿أَنَّمَا﴾ هو الله سبحانه وتعالى، فالله يتوب على العباد، فهو يتوب عليهم يوفقهم للتوبة ويتوب عليهم بأن يقبل توبتهم، ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ﴾ (النساء: 17)

الأمر الثاني والمسألة الثانية : قوله ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 17) هل معنى ذلك أن من عصى الله غير جاهل؟ بأن عصى الله عالماً متعمداً ليست له توبة؟ الجواب : بل له توبة فأن العبد إذا أذنب ثم تاب إلى الله تاب الله عليه، إذاً ما معنى قوله ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 17) يعني : أنه حين عصى الله كان جاهلاً بحق الله، قدر الله وعظمة الله إذ ما أوقعه في المعصية إلا غفلة ونسيان وضعف بصيرة وما إلى ذلك، ولذلك قال العلماء : كل من عصى الله فهو جاهل عنده نسبة من الجهل قد تقل وقد تكثر، وبناءً عليه فالعاصي سواء أكان متعمداً أم كان غير متعمد فإنه إذا تاب الله عز وجل عليه، وهذا فيه أن الجهل نوعان فالجهل قد يكون جهلاً بالعلم، وقد يكون جهلاً بترك العمل بالعلم، فمن لم يعمل بعلمه ففيه نسبة جهل، ومن لم يعلم فهذا جهل أيضًا ولذلك قال موسى لقومه ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (الأعراف: 138).

المسألة الثالثة : قال الله سبحانه وتعالى ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ (النساء: 17) هل معنى ذلك أن من تاب من بعيد فلا توبة له؟ فلو أن شخصا أذنب ذنبا ثم لم يتب إلا بعد سنوات يقال : لا تقبل توبته أيضاً!! لذلك بعضهم فسر ﴿مِن قَرِيبٍ﴾ (النساء: 17) يعني : قبل الغرغرة ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يأتي أو يحضره الموت، ولذلك جاء بعدها في الآية التي بعدها ﴿وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٔـٰنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (النساء: 18) وسوى الله بين من يموت مصراً على كفر وبين من يكون أيضًا على هذا لكنّه عند الغرغرة يبادر بالتوبة فمثله مثل من مات على عدم التوبة؛ لأنَّه جاء في وقت لا تنفع فيه التوبة؛ لـأن الرسول قال ( أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر )

قال الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 19)

تأملوا رحمكم الله كيف أن هذه الشريعة الغراء قد جاءت بهذه الأحكام السامية وحفظت النساء مما كان يصيبهن من أذى وضرر ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًا﴾ (النساء: 19) فكانت المرأة تورث كرها، تورث ويتحكم فيها تورث كما يورث المال، فتكون من نصيب فلان، من نصيب الولد الأكبر مثلاً يزوجها لمن شاء أو يتزوجها أو ما أشبه ذلك قال الله ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (النساء: 19) نهى كذلك الرجال عن إعضال المرأة من أجل أن يأخذ حقها أو بعض حقها فيعضلها مع أنه غير راغب فيها، وهو ظالم لها لكن يريد منها أن تقول له : سأترك لك حقي، سأترك لك كل شيء، فلا يجوز أن يُعضِلها وأن يظلمها ﴿إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (النساء: 19) إلا إذا أتت المرأة بفاحشة مبينة فحينئذٍ له أن يُعضِلها حتى يستنقذ منها حقه أو بعض حقه فحينئذٍ جاز له ذلك، ولذلك جاء الاستثناء.

ثم قال الله عز وجل معلماً عباده ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ هذه قاعدة عظيمة وأصل كبير من أصول المعاملة بين الزوجين ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ بما عُرِفَ فضله وخيره ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 19) هذا فيه أن الزوج قد يبقي زوجته مع وجود كراهة بينهما؛ ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ لأن البيوت تقوم على المحبة، وقد تقوم على غير المحبة تقوم على الرحمة وهكذا لكن المهم ﴿إِلَّا﴾ يكون السائد بينهما الظلم والجور؛ فإذا خلت الحياة الزوجية من الظلم فإنها تقوم وتستمر وتدوم بإذن الله تعالى ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 19) أن كرهتموهن لأمر دنيوي فاصبروا عليهن فلعل الله يجعل فيما تكرهون خيراً كثيراً في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ والآخرة، قد يرزقك الله منها بولد ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أو ببنت صالحة تقية وقد يصلحه لك وقد يصلحك الله لها، وقد تكون سببًا في نجاتك ودخولك الجنة بصبرك العظيم عليها وعلى ما تقوم به من أذى، وقد يكون هذا الزوج سببًا في دخولها الجنة بصبرها عليه وعلى إيذائه وهكذا ﴿وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 19) وقد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم ( لا يفرك مؤمن مؤمنة أن كره منها خُلقاً رضي منها آخر ) ومعروف أن الإنسان لا يسلم من القصور، ولا يسلم من الخلط والخلل

من ذا الذي ما ساء قط................... ومن له الحسنى فقط.

من فوائد الآيات

ارتكاب فاحشة الزنى من أكثر المعاصي خطرًا على الفرد والمجتمع؛ ولهذا جاءت العقوبات عليها شديدة

لُطْف الله ورحمته بعبادة حيث فتح باب التوبة لكل مذنب، ويسَّر له أسبابها، وأعانه على سلوك سبيلها

كل من عصى الله تعالى بعمد أو بغير عمد فهو جاهل بقدر من عصاه جل وعلا، وجاهل بآثار المعاصي وشؤمها عليه

من أسباب استمرار الحياة الزوجية أن يكون نظر الزوج متوازنًا، فلا يحصر نظره فيما يكره، بل ينظر أيضًا إلى ما فيه من خير وقد يجعل ﴿ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾

قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات

ارتكاب فاحشة الزنى من أكثر المعاصي خطرًا على الفرد والمجتمع؛ ولهذا جاءت العقوبات عليها شديدة : وهذا واضح لذلك عقوبة الزنا في الشرع شديدة؛ لأن الزنا له عواقب وخيمة وله أضرار كبيرة على الفرد والمجتمع والأمة.

لُطْف الله ورحمته بعبادة حيث فتح باب التوبة لكل مذنب، ويسَّر له أسبابها، وأعانه على سلوك سبيلها : وهذا من فضل الله وكرمه ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ﴾ (النساء: 17) فهذا من فضل الله وإحسأنه لعباده.

كل من عصى الله تعالى بعمد أو بغير عمد فهو جاهل بقدر من عصاه جل وعلا، وجاهل بآثار المعاصي وشؤمها عليه : وهل وقع في المعصية إلا بسبب غفلة منه، وبسبب عدم النظر إلى عواقب هذه المعصية، إلى غير ذلك.

من أسباب استمرار الحياة الزوجية أن يكون نظر الزوج متوازنًا، فلا يحصر نظره فيما يكره، بل ينظر أيضًا إلى ما فيه من خير وقد يجعل ﴿ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ : فيكون عنده نظرة مستقبلية ولذا قال ﴿فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 19) يعني قد يخرج من بطن الشر ما هو خير، قد يخرج من بطن هذا الظلام ما فيه فرج وخير نور بفضل الله سبحانه وتعالى نعم.

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 20)

بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أن العبد إذا صبر فإنه سيجد الخير الكثير في هذه الزوجة، بين الله سبحانه أن الأمر قد يصل إلى الطلاق وإلى الرغبة في الاستبدال وحينئذٍ لا حرج ولا تثريب؛ لأن العشرة قد تستحيل في بعض الأحيان، وحينئذٍ يكون الطلاق هو الحل ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِۦ﴾ (النساء: 130) فقال هنا ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ (النساء: 20) والزوج يطلق على المرأة كما يطلق على الرجل قال الله عز وجل في شأن آمنا حواء قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَيَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ﴾ (الأعراف: 19) [ الأعراف : 19 ] فعبر عنها بالزوج ﴿فَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ (طه: 117) [ طه : 117 ] فالزوج يطلق على المرأة كما يطلق على الرجل فهنا قال ﴿ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ (النساء: 20) يعني استبدال امرأة بطلاقها، قال ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًا﴾ (النساء: 20) أي من المهر وهذا فيه أن المهر وأن كان المطلوب من الناس أن ييسروا فيه، وأن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة وأقله كلفة إلا أنه مع ذلك فقد يكون المهر كبيراً، وهذا ما دل عليه قوله ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا﴾ (النساء: 20) فلا تأخذ شيئًا من هذا المهر، وحق المرأة ﴿أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 20) قالوا هنا يعني ( هذا افتراء مبين وإثم واضح ) لذلك قال بعضهم البهتان يأتي بمعنى الظلم وبمعنى الباطل؛ أو أن الرجل قد يدعي على امرأته البهتأن حتى يأخذ منها بعض المهر فيحملها على أن تضعُف أمامه وحينئذٍ تتنازل عن بعض حقها ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًا﴾ (النساء: 21) وهذا يدل على أن المرأة لها حق عظيم بسبب استحلال الرجل فرجها، بما استحل من فرجها، فلها المهر وعليه أن يتقي الله في ذلك؛ فأن استحلال فروج النساء ليس شيئًا سهلاً بل شيء عظيم يوجب الحقوق، ثم قال الله مبيناً المحرمات من النساء فقال ﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 22)

قالوا هنا في المختصر ( ولا تتزوجوا ما تزوجه آباؤكم من النساء؛ فإن ذلك محرَّم، إلا ما سبق من ذلك قبل الإسلام فلا مؤاخذة عليه ) إذاً ﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 22) يعني : اللاتي نكح أباؤكم من النساء ف ( ما ) هنا لا تنكحوا تلك المرأة التي نكحها الأب؛ فأن زوجة الأب بمثابة الأم، فلا يجوز لك أن تتزوجها وبعضهم يقول : ولا تنكحوا نكاح آبائكم من النساء، وقالوا : نكاح الجاهلية ما كان من أنكحة الجاهلية؛ فأن الإسلام أقر منها النكاح الشرعي دون غيره، ﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (النساء: 22) يعني : ما مضى وسبق، لكن لا تبقوا عليه؛ بل عليه أن يفارقها، وهذا من علم الحق وعرف الحكم لذلك من كان متزوجاً بأكثر من أربع نسوة أُمِرَ بمفارقة ما زاد عن الأربع، وكذلك مفارقة زوجة الأب قال الله ﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 22) فهذا يدل على أنه ذنب عظيم لذلك جمع فيه قال ( فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً )

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 23)

فصَّل الله المحرمات من النساء ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ﴾ (النساء: 23) ما الذي حُرِّم علينا من الأمهات؟ حرم علينا النكاح، وهذا مناسب للآية التي قبلها ﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 22) فقوله ﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 22) أفاد حرمة زوجة الأب، وهنا ذكر حرمة زواج الأمهات، الأقارب من بينك وبينها نسب الأم، أي : ( حرم عليكم نكاح الأمهات ومن علت ) فالأم وجدتك وأم الجدة وما إلى ذلك، وكذلك ﴿وَبَنَاتُكُمۡ﴾وأن نزلت قال ﴿وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ﴾ (النساء: 23) قالوا هنا في المختصر ( وأخواتكم من أبويكم أو من أحدهما ) ﴿وَعَمَّـٰتُكُمْ﴾ وكذلك عمات الآباء وهكذا ﴿وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ﴾ (النساء: 23) هذه محرمات ﴿وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (النساء: 23) الأم من الرضاعة ﴿وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ﴾ (النساء: 23) ولذلك جاء في الأحاديث ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ) ولذلك الرضاع له أثره في حرمة الزواج، وليس له أثر في حق الميراث فالأخ من الرضاع وما إلى ذلك ليس له حق في الميراث، لكن الأخت من الرضاع يحرم الزواج منها إذاً الرضاع له أثر في الزواج وليس له أثر في الميراث

قال ﴿وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ﴾ (النساء: 23) وهنا الآية الكريمة لم تبين لنا عدد الرضعات، لذلك أخذ بذلك فريق من العلماء؛ بل نُسِبَ للجمهور يقولون لا يشترط عدد الرضعات؛ لأن الآية لم تبين عدداً، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : بل هي خمس رضعات، ﴿وَقِيلَ﴾ ثلاث رضعات على اختلاف معروف بين الفقهاء في ذلك، قال الله سبحانه ﴿وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ﴾ أم الزوجة لا يجوز الزواج منها، وهنا لم يقيد ذلك بالدخول لذلك قالوا : العقد على البنات يحرِّم الأمهات فإذا عقد الشخص على بنت عقد مجرد عقد فإنه لا يجوز له أن يتزوج بأمها بعد وإذا فارقها لم يحل له أيضًا أن يتزوج بأمها صارت من المحرمات عليه تحريماً مؤبداً.

قال ﴿وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ (النساء: 23) ما المراد بالربيبة؟ الربيبة : بنت الزوجة قال ﴿ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم﴾ (النساء: 23) يعني تنشأ عندك وتتربى في بيتك، وهذا غالباً فالبنت تكون مع أمَّها فحينئذٍ تربيها فهي بمثابة البنت لك؛ فالمعنى : هي بمثابة ابنتك فكيف تتزوجها؟ ﴿ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ (النساء: 23) إذاً قيض الله عز وجل هذا الأمر ( بالدخول ) بالربيبة ﴿وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ﴾ (النساء: 23) إذاً تأملوا في شأن الأمهات ( وأمهات نسائكم ) لم يقيد الله سبحانه وتعالى بالدخول وأما هنا قيد الله عز وجل ( بالدخول ) فقال ﴿وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ) إذاً هذا مقيد بالدخول، لذلك إذا لم يدخل بها فأن الأمر لا يترتب على هذا والحكم ولا الأثر؛ لكن هنا قيدأن : قيد يتعلق بقول اللاتي في حجوركم والآخر بقوله اللاتي دخلتم بهن فهل معنى ذلك أن بنت الزوجة إذا لم تكن ربيبة في البيت بمعنى أن هذه البنت تربت عند غيرك كان تربت عند أبيها مثلاً أو تربت في بيت أجدادها هل يجوز له أن يتزوج من الربيبة حينئذٍ؟ الجواب " لا " فالذي عليه جمهور العلماء أن قوله ﴿ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم﴾ ليس قيداً للاحتراز؛ وإنما هو لبيأن الغالب، فالغالب أنها كانت تتربى في بيت الزوج، لكن حتى لو لم تتربى في بيته فإنها لا تحل له، ويشهد لهذا المعنى أن الله بعد ذلك قال ﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: 23) لم يقل : وأن لم يكن في حجوركم فلا جناح عليكم لم يتعرض لمسألة الحجور، لم يتعرض لمسألة أنها في حجركم أو في حجر غيركم وإنما تعرض لقضية الدخول فدل على أن قوله ﴿ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم﴾ (النساء: 23) ليس قيداً للاحتراز والعلم عند الله، ثم قال ﴿وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ﴾ (النساء: 23) زوجة الابن فكما أن زوجة الأب لا تحل، فكذلك الزوجة لابن الأب لا تحل ﴿ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ﴾ (النساء: 23) لإخراج ما كان من أمر التبني أو الرضاعة فهذا ليس داخلاً في الحكم، ﴿وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ﴾ (النساء: 23) أيضًا من المحرمات : أنه لا يجوز الجمع بين المرأة وأختها، وجاءت السنة ( لا يجمع بين المرأة وخالتها وبين المرأة وعمتها ) فهذا مما لا يحل وهذا فيه سبب في تقطيع الأرحام، فلا يجمع الرجل بين المرأة وأختها، وبين المرأة وخالتها أو بين المرأة وعمتها، واستفيد من هذا جواز تعدد الزوجات؛ من أين استفيد هذا؟ لأنّّ الله قال ﴿وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ﴾ (النساء: 23) دل على أنه يجوز الجمع لكن بغير الأختين وبغير المرأة وعمتها والمرأة وخالتها؛ فلذلك عندنا في سورة النساء أكثر من دليل على هذه المسألة؛ منها ما جاء في أول السورة ﴿فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 3)ومنها هذه الآية والعلم عند الله تعالى نعم.

من فوائد الآيات

إذا دخل الرجل بامرأته فقد ثبت مهرها، ولا يجوز له التعدي عليه أو الطمع فيه، حتى لو أراد فراقها وطلاقها

حَرَّم الله تعالى نكاح زوجات الآباء؛ لأنه فاحشة تمقتها العقول الصحيحة والفطر السليمة

بيَّن الله تعالى بيانًا مفصلًا من يحل نكاحه من النساء ومن يحرم، سواء أكان بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع

قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات

إذا دخل الرجل بامرأته فقد ثبت مهرها، ولا يجوز له التعدي عليه أو الطمع فيه، حتى لو أراد فراقها وطلاقها : ولذا قال الله سبحانه ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا﴾ (النساء: 20)

حَرَّم الله تعالى نكاح زوجات الآباء؛ لأنه فاحشة تمقتها العقول الصحيحة والفطر السليمة : ولذلك قال ﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 22) فكل ذي عقل يمقته كيف وهو في منزلة ابنها وهي في منزلة أمه!

بيَّن الله تعالى بيانًا مفصلًا من يحل نكاحه من النساء ومن يحرم، سواء أكان بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع : لذلك قالوا المحرمات في الزواج منه ما يتعلق بالنسب ومنه ما يتعلق بالمصاهرة ومنها ما يتعلق بالرضاعة؛ تعظيما لشأن الاعراض وصيانة لها من الاعتداء. نعم.

قال الشيخ حفظه الله

قال تعالى ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۖ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 24)

هذه الآية الكريمة من بقية الأحكام أو تتمة لبقية الأحكام المتعلقة بالمحرمات من النساء فقوله ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 24) أي وحرمت عليكم المحصنات من النساء أيضًا فهي معطوفة على المحرمات المذكورات في الآية السابقة، ولذلك نبهت في مناسبات كثيرة أنه لا يحسُن بالإنسان أن يبدأ بهذه الآية في القراءة كأن يصلي بالناس فيبدأ قائلاً ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 24) بدعوى أنها بداية جزء؛ نقول لكن المعنى لا يتم بذلك لأنه ( المحصنات من النساء ) معطوفة على كلام سابق، وأيضاً هي متعلقة بحكم التحريم ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ﴾ (النساء: 23) وكذا وأيضاً ( والمحصنات من النساء )

فممّا يحرم على الرجل أن يتزوج من المتزوجات من النساء يعني : لا يجوز لرجل أن يتزوج امرأة متزوجة، ولذلك فأن المرأة لا يجوز لها أن تجمع بين رجلين من أجل هذا فقال ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 24) يعني المرأة المتزوجة لا تتزوج من آخر ولا يتزوجها آخر ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 24) أي المتزوجات من النساء ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۖ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: 24) هنا المحصنات : جاءت بمعنى المتزوجات وهذا فيه أن الكلمة قد ترد في كتاب الله على عدة معانٍ وهذا تقدم بيانه في مسألة الوجوه والنظائر؛ فمن ذلك كلمة ( المحصنات ) فالمحصنات جاءت بمعنى المتزوجات كما في هذه الآية؛ وجاءت بمعنى ( الحرائر ) وسيأتينا قريباً ( وجاءت المحصنات بمعنى العفيفات ) ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَـٰنِينَ جَلْدَةً﴾ (النور: 4) [ النور : 4 ] وفي بعض الأحوال فسر العلماء : بالمسلمات؛ إذاً المحصنة قد تأتي بمعنى الحرة وقد تأتي بمعنى العفيفة وقد تأتي بمعنى المتزوجة الذي يحدد هذا هو السياق، وذلك أن أصل الإحصان معناه : المنع؛ فالمرأة المحصنة ( أحصنت نفسها إلا على زوجها أو من زوجها / وكذلك هي أحصنت نفسها منعت نفسها فهي ممنوعة من الرق / وكذلك منعت نفسها من الزنا والفحش فهي عفيفة إلى غير ذلك )

قال ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾ (النساء: 24) هذا مستثنى يعني إلا ما ملكتموهن بالسبي في الجهاد في سبيل الله وهذا هو القول الراجح في تفسير ملك اليمين في الآية؛ وإلا ففيه أقوال لكن رُجِّح أن هذا هو المراد، وقد جاء في سبب نزول الآية : أنها نزلت في سبايا أوطاس بمعنى أنه هناك وقع سبي بعض المملوكات ( هؤلاء النسوة كن زوجات لأزواج كافرين فحينئذٍ ماذا يُصنع؟ وهذا الزوج هي كان زوجته فحينئذٍ تستبرأ بمعنى نطمئن أنه ليس هناك حمل ثم بعد ذلك يجوز لأهل الإسلام وطأ هذه المملوكات؛ إذاً كان هناك قد وقع حرب وما إلى ذلك إذاً المراد بملك اليمين هنا السبايا في الحرب وأما ملك اليمين في القرآن فقد جاء على معان فأحياناً ملك اليمين المراد به : عموم الإماء ليس السبايا، عموم الإماء سواء كانت سبايا حرب كان ببيع أو شراء وما إلى ذلك قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ﴾ (المعارج: 29) [ المؤمنون : 5 - 6 ]، وأحياناً ملك اليمين : يشمل الرجل والمرأة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ﴾ (النور: 58) [ النور : 58 ] فهذا يشمل الرجل والمرأة فملك اليمين أحياناً يأتي يراد به الرجل والمرأة أو يُراد به الإماء فقط يُراد العبد والأمة أو يراد به الإماء فقط أو يراد به السبايا وهذا يدخل في التراكيب القرآنية التي فيها وجوه ونظائر.

قال الله سبحانه ﴿كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: 24) قالوا هنا ( فرض الله ذلك عليكم فرضاً ) يعني كتبه كتاباً ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ﴾ (النساء: 24) يعني إذاً يجوز لكم التزوج من غير هؤلاء المحرمات ثم جاءت السنة وخصصت قوله سبحانه ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ﴾ (النساء: 24) كالجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، وكذلك يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب هذا جاء في السنة، وهذا فيه أن السنة تخصص القرآن؛ لكن ما لم يرد في السنة وليس موجوداً في القرآن فالأصل فيه الحل؛ الأصل فيه الحل ﴿أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ﴾ (النساء: 24) يعني تبتغون بالأموال الإحصأن ﴿غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ﴾ (النساء: 24) غير قاصدين زنا ﴿فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (النساء: 24) إذا أردتم الاستمتاع والزواج فأعطوا النساء حقوقهن مهورهن فالمراد بالأجر هنا : أجورهن المهور وليس المراد بذلك نكاح المتعة؛ ليس كذلك فإن نكاح المتعة محرم حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين حرمته إلى يوم القيامة؛ وإنما أبيح مدة قصيرة ثم حرم كما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ﴿أَنَّمَا﴾ الاستمتاع هنا أي بالزواج، قال ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ﴾ (النساء: 24) قال ( ( ولا إثم عليكم فيما وقع عليه تراضيكم من بعد تحديد المهر الواجب من زيادة عليه أو مسامحة في بعضه ) ) قد تتفقون على شيء ثم يزيد الزوج أو ثم تتسامح المرأة وتغض الطرف عن بعض ما لها فهذا إليكم ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 24)

ثم قال ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَـٰتٍ غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النساء: 25)

﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ (النساء: 25) الأصل أن يتزوج الإنسان من المؤمنة الحرة فإذا لم يستطع ذلك ليس معه المهر الذي يتزوج به حرة فربنا قال ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا﴾ (النساء: 25)أي استطاعة وقدرة وغنىً ﴿أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ (النساء: 25) ما المراد بالمحصنات هنا؟ المراد بالمحصنات هنا الحرائر إذاً عندنا المحصنات جاء بمعنى المتزوجات في قوله ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 24) وجاءت بمعنى الحرائر في هذه الآية، قال ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ (النساء: 25) لماذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن المحصنات هنا الحرائر؟ لأنّّ الله قال ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ﴾ (النساء: 25) ثم قال ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم﴾ (النساء: 25) فملك اليمين جاءت في مقابلة المحصنات فعرفنا أن المحصنات هنا الحرائر، فمن لم يستطع أن يتزوج امرأة مؤمنة محصنة حرة فحينئذٍ لا بأس أن يتزوج بأَمَة لكن الأصل ﴿إِلَّا﴾ يفعل ذلك لئلا يُسترّق أولاده؛ لأن الأولاد يكونون تبعاً لها فإذا كانت المرأة أَمَة فأن الأولاد يكونون تبعاً لها أرقاء والأصل ﴿إِلَّا﴾ يسترق الإنسان أولاده بل يحرص على أن يكونوا أحراراً قال ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ (النساء: 25) أي من الإماء ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (النساء: 25) يعني الله أعلم بحقائق الأمور لكن لنا الظاهر ﴿فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (النساء: 25)أي : مالكهن ﴿وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ المهور ﴿مُحْصَنَـٰتٍ غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ﴾ (النساء: 25) ما معنى محصنات هنا؟ عفيفات لأنَّها في مقابلة المسافحات تأملوا هذا ما قلت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، أنه من المهم من الأهمية بمكان ما يتعلق بالوجوه والنظائر تتكرر اللفظة ولها عدة معاني فهنا محصنات جاءت في آية واحدة بمعنيين، بمعنى : الحرة وبمعنى العفيفة وقبلها في الآية التي قبلها جاءت بمعنى المتزوجة، قال الله سبحانه ﴿وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ﴾ (النساء: 25) من هذا العشيق نسأل الله السلامة.

قال ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ﴾ (النساء: 25) قالوا ( فإذا تزوجنَّ ) إذاً ما معنى ( أحصنّ ) يعني تزوجنّ، هنا الإحصأن بمعنى الزواج ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ﴾ (النساء: 25) يعني إذا أتت هذه الأمة بفاحشة ( فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚما معنى المحصنات هنا؟ يعني حينئذٍ ما حدها إذا زنت؟ فإن عليها نصف الحد وهو خمسون جلدة، وذلك أن الرجم لا يتنصف، فمعروف أن حد المرأة المحصنة المتزوجة الرجم؛ لكن في حق الأمة؛ فإن الجلد خمسون جلدة لِمَ؟ لـأن الرجم لا يتنصف. لكن عُلِمَ أن معنى قوله سبحانه ( فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ يعني الحرائر من العذاب ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ (النساء: 25) إذاً ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يجوز التزوج من الأمة؟ بشرطين الأول : لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا ليس معه سعة ولا قدرة، الأمر الثاني : خشي على نفسه العنت يخاف الوقوع في الفاحشة؛ أمّا إذا صبر فهو أولى لذلك قال ﴿وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (النساء: 25) اصبر حتى تتمكن من الزواج بالحرة فهو خير لكم ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النساء: 25)

﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (النساء: 26) فالله سبحانه وتعالى يريد لعباده الخير، ويبين لهم طريق الصواب سبحانه عز وجل نعم

من فوائد الآيات

• حُرْمة نكاح المتزوجات : حرائر أو إماء حتى تنقضي عدتهن أيًا كان سبب العدة

• أن مهر المرأة يتعين بعد الدخول بها، وجواز أن تحط بعض مهرها إذا كان بطيب نفس منها

• جواز نكاح الإماء المؤمنات عند عدم القدرة على نكاح الحرائر؛ إذا خاف على نفسه الوقوع في الزنى

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة