مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة النساء — الجزء 1

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 271 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

تَفْسِيرُ سُورَة النساء

قال أصحاب المختصر في التفسير : من مقاصد السورة تنظيم المجتمع المسلم وبناء علاقاته وحفظ الحقوق والحث على الجهاد وإبطال دعوى قتل المسيح وسميت بذلك لذكر النساء فيها وتفصيل كثير من أحكامهن

التعريف بالسورة

سورة النساء قالوا ( سورة مدنية ) سورة النساء إحدى السبع الطوال، وهي بحسب ترتيب المصحف : السورة الرابعة، وبحسب السور الطوال هي السورة الثالثة، فهي السورة التي جاءت بعد البقرة وآل عمران قالوا ( وهي مدنية ) وهذا باتفاق فسورة النساء سورة مدنية بالاتفاق، أجمع أهل العلم على أنها سورة نزلت بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيها دلائل كثيرة تدل على هذا.

اختصت هذه السورة ببعض الأحكام : كالتفصيل في أحكام المواريث ( الفرائض )، فهذا مما يوجد في سورة النساء لا في غيرها ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ﴾ (النساء: 11) ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ﴾ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ﴾ (النساء: 176) هذه السورة الكريمة سورة مدنية، وابتدأها الله عز وجل بالنداء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ (النساء: 1) ولذلك القاعدة التي يذكرها بعض العلماء أو الضابط الذي يذكره بعضهم : من أن السورة التي فيها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ (النساء: 1) فهي مكية هذا محل نظر؛ وإنما الصحيح أن يقال السورة التي فيها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ (النساء: 1) وليس فيها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النساء: 144) فيكون هذا قيداً لا بد منه؛ لأن سورة النساء كما تقدم سورة مدنية بالإجماع، وأولها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ (النساء: 170) لكن فيها أيضًا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النساء: 144) فدل ذلك على أنها ليست سورة مكية، هذا من حيث الضوابط؛ وإلا فالدلائل والأحاديث وأسباب النزول في ذلك تقطع بهذا.

إذاً الضابط الصحيح أن يقال : كل سورة فيها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ (النساء: 170) وليس فيها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النساء: 144) فهي مكية أما إذا جاء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النساء: 144) فالسورة مدنية، ومن ذلك سورة الحجرات : ففيها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ (الحجرات: 13) لكن مع ذلك فسورة الحجرات سورة مدنية بالاتفاق أيضًا وفيها خمس نداءات ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النساء: 144).

هذه السورة ابتدأها الله بالنداء كما تقدّم هذا النداء بــ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ (النساء: 170) ونظيرها في ذلك أو نظيرتها في ذلك سورة الحج، وأولها أيضًا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ (النساء: 1) فالسورتان اللتان افتتحهما الله عز وجل بالنداء بـــ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ (النساء: 1) هما سورة النساء وسورة الحج، وكلتا السورتين الأمر الذي تلا النداء هو الأمر بتقوى الله لكن إحداهما حديث عن الخَلْق والأخرى حديث عن الساعة، فبداية الأمر ( خلق ) يعني : خلقنا الله وأمرنا بمراقبته ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1) وهناك قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: 1) تذكير بالآخرة ( بآخر الأمر )، وهناك أخرى افتتحها الله بنداءات أخرى كالاستفتاح بـ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النساء: 144) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾ (المائدة: 1) وهذا سيأتينا بعد ذلك في سورة المائدة.

فمن العلاقات بين سورة النساء وسورة المائدة أن افتتاحهما واحد بالنداء لكن ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ (النساء: 170) افتتاح عام نداء لكل الناس وسورة المائدة افتتاح بنداء المؤمنين ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾ (المائدة: 1) وعندنا سورة الممتحنة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ (الممتحنة: 1) وقبلها وبين هذه وتلك سورة الحجرات ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ (الحجرات: 1)هناك استفتاح بـــــ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ﴾﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ (المزمل: 1)﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ (المدثر: 1) هذا من أنواع الاستفتاحات القرآنية.

بعد ذلك قالوا هنا من مقاصد السورة ) تنظيم المجتمع المسلم وبناء علاقاته وحفظ الحقوق والحث على الجهاد وإبطال دعوى قتل المسيح ) ترون يا أيها الإخوة الكرام أن أصحاب المختصر - وفقهم الله - قد مالوا إلى تعداد المقاصد وذلك أن السورة طويلة، وتقدم أن السورة حينما تكون قصيرة فإن الوقوف على مقصودها يكون يسيراً في الغالب؛ لكن السورة كلما طالت صعب إدراك مقصدها الأم إلا ببحث وجهد جهيد

وهنا تختلف وجهات النظر، وكما قالوا النكات لا تتزاحم فقد يجتهد أحد المفسرين أو أحد المشتغلين بالتفسير فيرى أن مقصود السورة كذا ويستدل على ذلك بدلائل ويأتي الآخر فيقول : أن مقصود السورة كذا، ويستدل على ذلك بدلائل وترى هذا وذاك محقيْن فيما ذهب إليه لكن كلٌ نظر إلى السورة من زاوية أو من جهة، فمن طرائق العلماء أنهم لا يقصرون السورة على مقصد واحد إذا طالت السورة، وإنما يقولون لا حرج أن تكون السورة لأكثر من مقصد، ولا يلزم أن يكون لها مقصد واحد أُم، ومنهم من يقلل فيجعلهما مقصدين مثلاً فيضم كل المقاصد إلى مقصدين، وهناك من يحاول جاهداً أن يضمها كلها إلى مقصد واحد يربطه باسم السورة المباركة؛ لكن الآخرون يقولون : لا يلزم، لأن السورة قد تسمى بجزء منها كما يقال مثلاً للركعة أنها ركعة باعتبار أن فيها ركوعاً، ويقال ﴿وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ﴾ والمراد : صلاة الفجر لأن فيها قراءة وقراءة طويلة قيل لها : قرآن الفجر كما في قوله ﴿وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: 78) [ الإسراء : 78 ] والمراد صلاة الفجر وهكذا.

إذا قُلنا أن لسورة النساء مقصداً واحداً كبيرا فما ذلك؟ أو إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن لها مقصدين أو ثلاثة فأيضاً يحتاج الأمر إلى نظر لأن السورة طويلة؟

هنا قالوا : ( تنظيم المجتمع المسلم وبناء علاقاته ) ثم قالوا ( وحفظ الحقوق والحث على الجهاد ) هذه مقاصد أخرى ( وإبطال دعوى قتل المسيح ) وهذا مقصد آخر يتعلق بجانب عقدي

إذا نظرنا بادئ ذي بدء إلى السور التي قبلها : سورة الفاتحة والبقرة وآل عمرأن تكلمنا من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ سورة الفاتحة أمُّ القرآن، وبينت لزوم سلوك الطريق المستقيم، ثمَّ أن سورة البقرة : بينت لنا معالم الهداية ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ (البقرة: 109) لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن ( سورة البقرة هدت ) بمثابة الطريق الذي ينبغي علينا أن نسلكه، ثم جاءت سورة آل عمران ( وأرست وثبَّتَت ) فسورة البقرة بمثابة التمهيد مهدت وجاءت سورة آل عمران لتثبت لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنها من سور الثبات على الهداية قالوا وهذا الثبات يتأتى بالاجتماع على هذا الدين، وهذا الاجتماع أرسته سورة النساء، فسورة النساء سورة الاجتماع والوحدة ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾؛ لأن المرء قد يكون ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ ولكنه بعد فترة أو مدة يترك الطريق ولا يثبت على الهداية بسبب المشوِّشات من الدواخل والخوارج.

فسورة النساء بينت أن هذه الهداية لكي يثبت عليها العبد لا بد أن يكون المجتمع مجتمعاً متكاملاً، مجتمعاً مسلماً ثابتاً ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، وأن يحذر من الأعداء فجاء ذلك في اسم السورة ( النساء ) لأن النساء هي الطريق إلى التواصل؛ لأن النساء يتكون بهن الأسرة والأسرة : هي النواة التي يتكون منها المجتمع ثم تتكون منها الدولة المسلمة أو الأمة المسلمة.

ففي ذكر النساء إشارة إلى العلاقة القريبة التي تكون بين الرجل والمرأة عن طريق الزواج والنكاح ثم يكون الأولاد، ثم تعظم الأسرة فيكون المجتمع.

ثم بعد ذلك حدثنا عن الأعداء في الداخل وفي الخارج لذلك جاء في السورة حديث عن المنافقين، وحديث كثير؛ لأن هذا يمثل العداء الداخلي، وحدثنا الله عن أهل الكتاب، وما يريدون لأهل الإيمان من الصد عن سبيل الله ومن ترك دينهم فصار فيها بيان للعلاقات الداخلية والخارجية.

تحليل مقارن وربط بين السور

ولذلك هنا لما قالوا في المختصر ( تنظيم المجتمع المسلم وبناء علاقاته ) هذا لا شك أنه من المقاصد العظمى للسورة، وجاء ممثلاً في التعبير بسورة النساء؛ لأن النساء كما قلت محور عظيم في هذا الباب، وبناءً عليه فإنك حينما تفهم هذا المعنى لا تجد تباعداً حينما تقرأ في سورة النساء، فتجد بعض أحكام بالنساء، وأخرى متعلقة بالمنافقين، والجهاد، وأخرى تتعلق بأهل الكتاب؛ لأن المدار واحد حديث عن الوحدة والاجتماع وبناءً عليه : : : فإننا نمنُع من الفرقة، وهذه الفرقة قد تأتي من عدو داخلي أو خارجي، ولذلك جاء في السورة قبل التفصيل فيما يريد أهل الكتاب منا قال الله : ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًا﴾ (النساء: 45) فبدء الحديث عنه لكن قبلها قال ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ﴾ (النساء: 45) إذاً اسمعوا يا عباد الله : فربكم يعلمكم ويعرفكم بأعدائكم، ومن ثم فالحديث عن الجهاد لا يكون بمعزل عن هذا؛ لأن المؤمن يعطى الحجة بالبيان وبالسنان.

من مناسبات هذه السورة الكريمة والله تعالى أعلم ولذلك في صدرها قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ﴾ (النساء: 1) هذا في دعوة للتوحيد للاجتماع ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ﴾ (النساء: 1) كونوا لُحمَة واحدة ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1) هذا من جهة.

ومن جهة أيضًا أخرى يمكن أن يقال والعلم عند الله : أن السورة الكريمة من مقاصدها وهذا ما قرره بعض العلماء أيضًا نشر الفضائل وما يتم به الثبات على الهداية فليس بمعزل عما قررته آل عمران، وذلك أن من أعظم ما يثبت الإنسان على الهداية أن يكون مسلكه صحيحاً في السلوك، ومن أعظم دلائل الثبات على الهداية العدل والإنصاف والإصلاح؛ فالإنسان المهتدٍ يظهر هذا في سلوكه والإنسان يظهر ساعته التعامل مع ساعة الغضب حينئذ يجور ولا يكون عدلًا؛ فالسورة كلها أيضًا كما قال بعضهم : تقرر قضية العدل والإنصاف وقضية الإصلاح لأن بهما قوام الهداية أساسه إذا كنا نقول العدل أساس الملك؛ فإننا نقول أن العدل أثر الهداية؛ أن العدل أثر الهداية.

وتأمل في السورة، فالسورة تتحدث عن النساء، وذلك لأن النساء من أكثر الأجناس التي يقع عليها الظلم والاعتداء فحينما ذكر العدل ذكرت معه النساء حتى يُعلم أن هذا الجانب ينبغي العدل معهن وعدم ظلمهن، ومن كان عادلاً مع النساء مع ضعفها فإنه سيكون عادلاً مع بقية الجوانب ومن دلائل ذلك أيضًا أن هناك جنساً آخر تكرر ذكره في السورة حتى أنه بإمكانك أن تقول أنه لم يذكر في سورة أخرى كما ذكر في هذه السورة أحسنت وهو اليتامى جنس اليتامى هذا مذكور في سورة النساء بقوة؟ ما العلاقة بين النساء واليتامى؟ ( أني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة ) ولذلك في السورة في صدر السورة تأملوا ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ﴾ (النساء: 2)﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: 4) من بادئ الأمر حتى لما ذكر الجهاد ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ﴾ (النساء: 75) الآيات : لذلك تستطيع أن تقول أن الجهاد من أغراضه العظيمة التصدي للأعداء، وحماية الضعفاء، ومن حماية الضعفاء : حماية المرأة وحماية اليتيم، ولذلك جاء في الآيات الكريمة ما يتعلق ببعض أحكام اليتامى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ (النساء: 127) إلى غير ذلك من آيات.

تتأمل في السورة تجد قضية العدل ظاهرة لذلك ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً﴾ (النساء: 3) حتى بداية ذكر التعدد أو ذكر الزوجات أصله كان في ( يتامى النساء ) ومنشأ قضية التعدد : بسبب المرأة اليتيمة، ثم بعد ذلك جاء ذكر العدل وتكرر في السورة الكريمة؛ بل جاء في السورة العظيمة الجليلة ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ (النساء: 58) جاءت في هذه السورة : سورة النساء.

وكذلك جاء في هذه السورة الكريمة : : : الدعوة إلى العدل حتى مع القريب وغير القريب قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ (النساء: 135) فالإنسان : يكون عدلاً حتى وأن حكم على نفسه، وأن حكم على قريبه، ولذلك جاء في السورة الحديث عن أهل الكتاب أنهم لم يكونوا من أهل العدل، ولذلك اختلفت طريقة الحديث عنهم في سورة النساء عن الحديث عنهم في سورة آل عمران : : فهناك إثبات للتوحيد وإبطال للتنديد وإبطال للشرك ودعوى أن عيسى إله، هنا أيضًا ذكر هذا لكن جاء هنا بماذا؟ بالدعوة إلى العدل وعدم الغلو ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾ (النساء: 171) هذا هو العدل : العدل في الاعتقاد ﴿إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ (النساء: 171) فلذلك سميت بسورة النساء للدعوة لهذا المسلك لذلك لو تذكرون قلت في مقاصد سورة الفاتحة ما ذكره بعض العلماء كالشيخ دراز - رحمة الله تعالى - من أن ذلك راجع إلى أربعة أمور : -

وهو معرفة الحق ومعرفة العدل وتقديس الحق والعمل بالخير، معرفة الحق ومعرفة الخير أن تعرف الحق الاعتقاد، وأن تعرف الخير في المسلك والعمل، وإذا عرفت الحق فاعتنق؛ وإذا عرفت الخير فطبقه ونفذه، وجاءت السورة لتبين صور تطبيق هذا الخير.

وأما قضية الصلح فهي ظاهرة أيضًا في السورة الكريمة وفيها ﴿وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ وفيها ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ﴾ (النساء: 35) وفيها ﴿وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء: 128) دعوة إلى الإصلاح؛

بل أن تعجب فاعجب من أن السورة الكريمة اختلفت عن سورة البقرة في قضية المرأة، مع أنَّ السورة تسمى بسورة النساء لا تجد فيها الحديث عن كلمة الطلاق ﴿أَنَّمَا﴾ جاء ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِۦ﴾ (النساء: 130) هذا في نهاية المطاف وجاء أيضًا ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 19) وجاء ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ (النساء: 20) لكن تجد الحديث يحوم حول قضية الإصلاح فسورة البقرة حدثتنا عن الأحكام الواردة بعد الطلاق، وقع الطلاق مع عدة المرأة ﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ﴾ (البقرة: 228) بينت لنا ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 237) بينت لنا ماذا يكون؟ ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يعود لها؟ والطلاق مرتان ومتى يحل ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ لا يحل؟ سورة النساء تكلمت عن القضية ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصل إلى هذا ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (النساء: 35) ﴿وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا﴾ (النساء: 128) يعني هذا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقع الطلاق : دعوة إلى الإصلاح ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 19) هذا مناسب لسورة النساء؛ لأن سورة النساء الحفاظ على إقامة البيت إلا أن وصل إلى مرحلة فيها أنهاء العشرة واستحالة العشرة حينئذٍ ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 130).

أيضاً قضايا العدل والصلح قضايا المهر لذلك أُكِّدَ على هذا في هذه السورة ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: 4) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًا﴾ (النساء: 19) ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 20) إلى غير ذلك من هذه الآيات الكريمة.

فالسورة تقرر قضية العدل والإنصاف، قضية الدعوة إلى الاجتماع تبين العلاقات الداخلية والخارجية الداخلية : كما قلت في ذكر المنافقين ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ (النساء: 145) ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ (النساء: 142) كل هذا ورد في هذه السورة الكريمة.

كذلك حديث عن الجهاد، حديث عن أهل الكتاب ولذلك ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ﴾ (النساء: 60) إلى آخر الآية.

ومن القضايا الظاهرة جدًا في السورة الكريمة ولها تعلق بما نقول : أن الاجتماع يكون اجتماع على ماذا؟ على الامتثال، قضية الامتثال هي قضية الطاعة لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنها تدل على الثبات على الهداية؛ بأن تُرسِي فيهم قضية الامتثال، والامتثال يتأتى في الصعاب أن تعدل مع الضعيف؛ وإلا تجور عليه، لذلك تأمل في جانب الامتثال تجده كثيراً في السورة أيضًا وهو يدعو إلى ما نقول ففيها في هذه السورة ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65)

في السورة أيضًا ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69) في السورة أيضًا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (النساء: 59) في السورة أيضًا ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ (النساء: 81) سورة تقرر قضية الامتثال للدلالة على أن المنافقين ليسوا كذلك فلا تكونوا مثلهم ولا تتخذوهم أولياء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 144) تحذير من هؤلاء ويشهد لهذا كله صدر السورة : فصدر السورة الأمر ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾؛ بل تكرر الأمر ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ في الآية الواحدة ﴿ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ (النساء: 1) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1) إذاً صورة الأمر ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾، والتقوى يدعو إلى العدل والإنصاف والعدل والإنصاف يكون معه الصلح حينئذٍ تستقيم الأمة المسلمة والمجتمع المسلم كل هذا تدعونا إليه سورة النساء

ولما كانت العلاقات المادية يجري فيها من النزاع ما الله به عليم، ناسب أن أحكام المواريث تأتي في السورة، مع أنَّ أحكام المواريث ليست خاصة بالنساء؛ فأحكام المواريث للرجال وللنساء لكن مما يقع فيه الجور المنافي للعادل فناسب أن تُذكَر هذه الأحكام وأن تُبَيَّن بيانًا شافيًا كافيًا ثم إذا كان أول السورة الذي وضَّح بيان أن الله هو الخالق، وأنه الرقيب فأن السورة في آخرها قال ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ (النساء: 176) ففي أولها هو الخالق الرقيب وفي آخرها هو العليم، وإذا علمنا أن الله هو الخالق، وأن الله هو العليم وأنه الرقيب فإننا نتبع شرعه، ونستجيب لدعوته وحينئذ يستقيم أمر الأمة بفضل الله سبحانه وتعالى كل ذلك مما أرسته سورة النساء في جلالها.

وأيضاً من الملحوظات الواضحة الجلية سورة النساء الحديث عن الله كثيراً، والحديث عنه بصيغة الماضي وهذا عجيب في السورة يعني تجد من أول السورة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1) تجد في السورة ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 165) ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ (النساء: 134) ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 152) ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا﴾ (النساء: 126) ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا﴾ (النساء: 133) تجد هذا متكرر، والعلماء يقولون ولعله سيأتينا بإذن الله تعالى بيان ذلك أكثر أنهم يقولون في ( كان ) يقولون : أنها مسلوبة الماضي مسلوبة الزمان، يعني معناها كان ولازال ( نقول كان ولا يزال ) لكن في دخول كان دلالة على ثبوت الصفة وأنها غير منفكة عن الله سبحانه وتعالى فالله لا يزال عليماً، لا يزال قديراً، ولذلك في قوله سبحانه ﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ عَجُولًا﴾ (الإسراء: 11) [ الإسراء : 11 ] في وصف الإنسان فرق بين أن يقال : ( الإنسان عجول ) أو ( كان الإنسان عجولاً ) يعني هذه الصفة راسخة تدل على رسوخ الصفة فهذه من معاني كان مع الزمان الماضي والله أعلم، على كل حال يعني هذا بعض ما يقال في مقصود هذه السورة الجليلة رغم طولها لكنك تجد فيها التعانق والتآلف والتلاحم منذ البداية إلى الختام وهكذا سور القرآن الكريم كلها بفضل الله سبحانه وتعالى، طيب نتوقف عند هذا بإذن الله تعالى ونبدأ في الدرس المقبل ببداية السورة، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضاه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيرًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين،

والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعدُ فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم مع التعليق عليه وكنا في آخر اللقاء السابق قد تحدثنا عن مقصود سورة النساء وبعض المقدمات المتعلقة بهذه السورة ونشرع بتوفيق الله في تفسير السورة المباركة على بركة الله تبارك وتعالى نعم.

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1)

تقدم يا أيها الإخوة الكرام أن هذه السورة الكريمة افتتحها الله عز وجل بهذا النداء العام ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ (النساء: 1) ونظيرتها في ذلك سورة الحج فأن الله قد افتتحها أيضًا بقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ (النساء: 1)وهناك قال ﴿ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ (النساء: 1) وهنا قال ﴿ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ (النساء: 1) فهذا فيه أن أعظم ما يوجه إلى العباد من نصيحة الأمر بتقوى الله والأمر بعبادته سبحانه وتعالى، وهنا جاء الأمر ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾، وتكرر الأمر ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ فقال ﴿ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ (النساء: 1) وقال في آخر الآية ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1).

قال ﴿ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ﴾ (النساء: 1) ما المراد بالنفس الواحدة؟ المراد بها نفس آدم عليه السلام ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (النساء: 1) ما المراد بزوجها؟ هنا الزوج : المراد بها حواء، واسم حواء قد جاء التصريح به في سنة رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كما ثبت في المتفق عليه ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ (النساء: 1) أي : ونشر منهما في أقطار الأرض بشراً كثيراً من الرجال ومن النساء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1) فهنا تذكير بخلق الإنسان وبعلاقة الرجل بالمرأة؛ لأن الحديث كما تقدم حديث عن النساء وعن الصلات وعن العلاقات الداخلية والخارجية فقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1) يسأل بعضكم بعضاً بالله فيقول : أنشدك الله أو بالله عليك أو أسألك بالله قال ﴿وَٱلْأَرْحَامَ﴾ قوله ( والأرحام ) هنا على قراءة النصب وهي قراءة الجمهور ﴿وَٱلْأَرْحَامَ﴾ أي : واتقوا الأرحام أن تقطعوها، إذاً : ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ واتقوا الأرحام أن تقطعوها ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1) فهذا فيه الأمر بصلة الأرحام والتحذير من قطيعتها، وأما على قراءة حمزة ﴿وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1)فنقول القراءة متواترة والقراءة سنة متبعة، فإذا ثبتت القراءة وتواترت فلا يجوز ردها ولا الطعن فيها، والعلماء لهم في ذلك كلام كثير، وكلام طويل في توجيه هذه القراءة من ذلك أنهم قالوا : ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1) أي : تساءلون به وبالأرحام، ولا يلزم دخول حرف الجر هنا لأن الآية القرآنية حاكمة على القاعدة فالمعنى : ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ﴾ وتساءلون بالأرحام فيسأل بعضكم بعضاً ينشدك الرحم الذي بيني وبينك أن تتقي الله فيه أو أن تفعل كذا أو كذا، أو أن الواو للقسم أي : والأرحام فأقسم الله تعظيماً لشأنها ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1).

﴿وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (النساء: 2) هنا قد يرد إشكال : إذا قرأ قارئ قوله ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ﴾ (النساء: 2) هذا فيه أمر بإيتاء اليتامى الأموال وقوله بعد ذلك ﴿وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ﴾ (النساء: 6) هذا فيه أن اليتامى ﴿أَنَّمَا﴾ يعطون الأموال بعد البلوغ وأناس الرشد فكيف هذا؟ والآية الأولى تأمر بإيتائهم الأموال؟ فيقال : أن معنى قوله ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ﴾ (النساء: 2) أي : إذا بلغوا وصاروا في رشد، وعليه فالتعبير بقوله ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ﴾ أي : باعتبار ما كانوا عليه، فالمراد باليتيم هنا ليس اليتيم؛ وإنما البالغ الذي كان يتيماً، وفُهِمَ هذا من الآيات التي جاءت بعد ذلك، وهذا معروف أنه أحياناً يُعبَّر عن الكلمة باعتبار ما سيكون أو باعتبار ما كان، وهنا عُبِّر باليتيم باعتبار ما كان.

قال هنا ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ﴾ (النساء: 2) يعني :وآتوا اليتامى إذا بلغوا وأنستم منهم رشداً كما دلت عليه الآية الأخرى، وهذا معروف في اللغة هذا استعمال اللفظ باعتبار ما كان أو ما سيكون، ولذلك ﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (يوسف: 36) فهو ﴿أَنَّمَا﴾ يعصر عنباً؛ وإنما عبر عنها بالخمر باعتبار ما سيكون وفي قوله ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ﴾ (الذاريات: 28) ﴿فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: 101) فبشر الله بغلام حليم وعليم والحلم والعلم هذا باعتبار ما سيكون وهكذا فهذا معروف في اللغة باعتبار ما كان أو باعتبار ما سيكون، وهنا باعتبار ما كان ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ﴾ (النساء: 2) أي في هذه الآية.

﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ﴾ (النساء: 2) قالوا هنا في التفسير ( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) أي ( الجيد النفيس من أموال اليتامى وتدفعه بدله الرديء الخسيس ) ﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ﴾ (النساء: 2) يعني : لا تضموا أموالهم إلى أموالكم؛ فالأكل هنا : تعدي بإلى فتضمن معنى الضم، وقد يقول قائل : ما فائدة قوله ﴿إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ﴾ (النساء: 2) فقوله ﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ﴾ (النساء: 2) هذا محرم ابتداءً سواء ضم إلى مالهم أم لم يضم؛ لكن مع ذلك رب العزة قال ﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ﴾ (النساء: 2) قال بعضهم : للدلالة على شناعة هذا الفعل الذي كان مشهوراً عندهم، وهو أن الواحد منهم كان مستغنياً بماله مكتفياً به أو كان عليه أن يكتفي به، ومع ذلك فإنَّه يطمع في مال اليتيم فيريد أن يضم مال اليتيم إلى ماله مع أنَّ معه المال الذي يغنيه؛ وإلا في الأصل أنه لا يجوز الاعتداء على مال اليتيم بصفة عامة، وأمّا ما جاء بعد ذلك في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: 6) هذا للقيام على خدمته وهذا شيء بخلاف ﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ﴾ (النساء: 2) فإنه أخذٌ بغير حق واعتداء وظلم قال ﴿إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (النساء: 2) قالوا هنا في المختصر ( أن ذلك كان ذنباً عظيماً عند الله ) فالحوب : الذنب والإثم، وبعضهم يقول الحوب : الهلاك، ولا تعارض ولا إشكال لأن الذنب يودي بالشخص إلى الهلاك.

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟﴾ (النساء: 3)

هنا قالوا في التفسير ( وأعطوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأوصياء اليتامى وهم من فقدوا آباءهم ولم يبلغوا الحلم ) وهذا معنى اليتيم فاليتيم : من فقد أباه في الصغر، ولذلك : ( لا يُتْمَ بعد احتلام ) فمن مات أبوه بعد كبر سنه أو بعد بلوغه لا يُعَّدُّ يتيماً في عداد الشرع أو في نظر الشرع، قالوا هنا في المختصر ( وهم من فقدوا آباءهم ولم يبلغوا الحلم أموالهم كاملة إذا بلغوا وكانوا راشدين ) إلى أن قالوا في قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ﴾ (النساء: 3) ( وأن خفتم ﴿إِلَّا﴾ تعدلوا إذا تزوجتم اليتيمات اللاتي تحت ولايتكم؛ إما خوفاً من نقص مهرهن الواجب لهن أو إساءة في معاملتهن أو إساءة معاملتهن فدعوهن وتزوجوا الطيبات من النساء غيرهن، أن شئتم تزوجتم اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فأن خفتم ﴿إِلَّا﴾ تعدلوا بينهن فاقتصروا على واحدة ) يدل على هذا الكلام الذي ذكروه سبب نزول الآية الكريمة كما ذكرت أُمُّنا عائشة رضي الله عنه عنها ( كانت اليتيمة تكون في حجر وليها ويرغب في نكاحها ويريد ﴿إِلَّا﴾ يقسط لها في صداقها، فنُهوا أن ينكحوهن إلا أن يُحسِنوا أو أن يقسطوا لهن ) قد تكون المرأة اليتيمة عند وليها فيرغب بعد ذلك في الزواج منها يعني اليتيم عند ابن عمها أو عند قريبها فبعد ذلك يريد أن يتزوجها، ويرغب في أن يتزوجها دون أن يقسط لها في الصداق فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، أن رغبتم في الزواج منهن فاتقوا الله فيهن واعدلوا واقسطوا لهن وأعطوهن مهورهن؛ وأن لم ترغبوا في ذلك فالنساء سواهن كثير، فدعوا تلك اليتيمة وتزوجوا غيرها فباب الزواج مفتوح، ولكم أن تتزوجوا امرأة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع، هذا هو بيان الآية الكريمة، ولذلك قال ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ﴾ (النساء: 3) أي بإعطائهن ما لهن من حقوق ومهور ﴿فَٱنكِحُوا۟﴾ أي : فأنكحوا غيرهن ﴿مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 3) وجاء التعبير بقوله ﴿مَا﴾ ولم يقل ( من طاب ) مع أنَّ الأصل أن يُستَعمل ( من ) مع النساء لكن قال ﴿مَا﴾ قالوا : لأن المراد الوصف يعني : فأنكحوا النساء الموصوفات بالطيبة، أو بأنها تطيب لكم ﴿مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ﴾ (النساء: 3) وهذا فيه دلالة على جواز تعدد الزوجات، وقد قُيِّد ذلك بالعدل فقال بعد ذلك ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟﴾ (النساء: 3) وأما قوله سبحانه وتعالى بعد ذلك ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (النساء: 129) فلا تعارض بينه وبين هذه الآية الكريمة فآية ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (النساء: 129)الآية لا تدل على حرمة التعدد لأنَّها لو كانت كذلك لكان هناك تناقض بين أول السورة وآخرها وليس الأمر كذلك؛ وإنما فيه أن العدل نوعان : عدل ممكن، وعدل يخرج عن حدود الإمكان، فعدل الرجل مع زوجته ومع زوجاته في باب النفقة وفي باب القسمة والمبيت هذا ممكن؛ وأمّا العدل الذي هو بمعنى : الميل القلبي فهذا يخرج فوق طاقة الإنسان فحينئذٍ خُفِّفَ فيه ولكن المطلوب منه أن يتقي الله في إنفاقه، وأن يتقي الله سبحانه وتعالى في قسمه ومبيته وما إلى ذلك كما هو معروف في هذه الضوابط الشرعية.

إذاً قوله سبحانه ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟﴾ (النساء: 3) يعني إذا وجد الإنسان من نفسه أنه لن يقدر على العدل فحينئذٍ لا يتزوج بثأنية ولا بثالثة ولا برابعة أن خاف أن يجور وألا يكون عدلاً واختار السلامة فحينئذ لا تثريب عليه في ذلك؛ وأما أن أمن على نفسه وكانت لديه الطاقة والقدرة فحينئذٍ لا حرج عليه في ذلك؛ بل هذا مشروع قال ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً﴾ (النساء: 3) يعني فتزوجوا واحدة ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾، يعني : أن لم يستطع الزواج أو لم يكن له رغبة في ذلك فأمامه ملك اليمين، والمراد بملك اليمين : الإماء اللاتي هن في مقابلة العبيد يعني يقال عبد وأَمَة، وفي زمننا لا يوجد إماء ولا يوجد ملك يمين وبناء عليه فدعوى من يدعي أن الخادمة مثلًا تنزل منزلة ملك اليمين هذا باطل وخطأ شنيع ولا يليق بحال من الأحوال فلا يستعملها على هذا الاستعمال قال ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟﴾ (النساء: 3) يعني أقرب ﴿إِلَّا﴾ تجوروا، يعني الآن إما أن تتزوج اليتيمة فتقسط لها؛ وإمّا أن تعرض عنها وأمامك النساء سواها كثير، وحينئذ لا يقع ظلم ولا جرم.

قال الله سبحانه ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ (النساء: 4)

﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: 4) إذا تزوجت المرأة فآتها حقها، ومن ذلك مهرها فقال ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: 4) والمراد بالصدقات هنا المهور قالوا في المختصر ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ (النساء: 4)يعني ( عطية واجبة ) وهي عطية مستحقة لها ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ (النساء: 4) وقوله ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾ (النساء: 4) فيه دليل على أن المهر حق المرأة، على أن المهر حق الزوجة فهو حقها تتصرف فيه كيف شاءت هذا هو الأصل ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ﴾ (النساء: 4) يعني : رخصت لك وأباحت لك أن تأخذ شيئًا منه ﴿فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ (النساء: 4) فحينئذٍ كلوه سائغاً لا تنغيص فيه ولا حرج ولا تكدير، يكون هذا بإذن منها.

ثم قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (النساء: 5) وتأملوا يا أيها الإخوة الكرام ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ﴾﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ﴾﴿وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ﴾ (النساء: 5) فالآيات تتحدث عن الإعطاء وعدم الإعطاء، وعمن يُعطَى ومن الذي لا يُعطى، وتقدم في الكلام عن مقصود سورة النساء : أن سورة النساء من مقاصدها العظيمة الدعوة إلى العدل والإنصاف والإصلاح؛ ولما كان الظلم يقع على النساء كثيراً، ويقع على اليتامى كثيراً فأن السورة الكريمة ذكرتهما بعناية واضحة وجلية وظاهرة فلذلك جاء التذكير بحق اليتامى وبيأن حق النساء كذلك ﴿وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًا﴾ (النساء: 5) قالوا هنا في المختصر ( ولا تعطوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأولياء الأموال للذين لا يحسنون التصرف ) إذاً هم فسروا السفهاء ما المراد بالسفهاء؟ الذين لا يحسنون التصرف كان يكون صغيراً أو سفيهاً ضعيف العقل أو ما أشبه ذلك وللعلماء في تفسير السفهاء هنا كلام كثير﴿وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًا﴾ (النساء: 5) قوله ﴿وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ﴾ (النساء: 5) قالوا هنا أي ( الأموال للذين لا يحسنون التصرف فهذه الأموال جعلها الله سببًا تقوم به مصالح العباد ) هم لم يبينوا لنا معنى ( أموالكم ) لأن بعضهم يقول : أموالكم أي أموالكم أنتم لا تعطوهم إياها لأنهم سيبددونها، أو أن المراد بقوله ﴿أَمْوَٰلَكُمُ﴾ هنا أموالهم : لكن قيل لهم ﴿أَمْوَٰلَكُمُ﴾ لأنكم مشرفون عليها قائمون عليها فكأنها أموالكم فلا يتصرف فيها إلا بالحكمة قال ﴿ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًا﴾ (النساء: 5) وهذا فيه أن المال يُستفاد منه وأن به قوام الحياة، ولذلك قالوا ( المال عصب الحياة ) وما من شك أن المال يستعين به العبد على طاعة الله وتُقضى به حاجاته، فقال ﴿ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًا﴾ (النساء: 5) ولذلك ( نعم المال الصالح للعبد الصالح ) قاله نبينا - صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال ﴿وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ﴾ (النساء: 5) هذا فيه : أن الرجل يراعي وأن الولي وأن الوصيّ يُراعي المال الذي يعطيه للمُوصى له أو لليتيم أو لمن ولاة الله عز وجل عليه فيراعي في ذلك في جأنب الإعطاء، وفي جأنب المنع ﴿وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (النساء: 5) وقد اختلفوا لمن الخطاب في قوله ﴿وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ﴾ (النساء: 5) فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ أنه لأولياء الأمور بصفة عامة، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : بل هو لولي اليتيم أو لأبيه وما أشبه ذلك، أو لغير اليتيم أي : لولي السفيه بصفة عامة قال الله ﴿وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (النساء: 5) وهنا قال ﴿وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (النساء: 8) فهذا من مما ينبغي للمرء أن يُراعيه، وتقدم معنا في سورة البقرة ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى﴾ (البقرة: 263).

قال بعدها ﴿وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًا﴾ (النساء: 6)

قال هنا ﴿وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰ﴾ اختبروهم ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ﴾ (النساء: 6) فيه مشروعية الاختبار للوقوف على حقيقة الشيء فأنت كيف تعرف أن هذا اليتيم قد عقل مصالحه، وأنه لن يكون سفيهاً في تصرفاته عن طريق الاختبار؛ بأن تجربه مرة وأخرى في البيع والشراء، وفي بعض الأمور المالية التي تبين لك حقيقة أمره، وهل هو مدرك واعٍ أم لا؟ قال ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ﴾ (النساء: 6) ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ﴾ : سن البلوغ وهذا فيه أنه إذا بلغ سن البلوغ فأنه يتمكن من الزواج إذا أطاقه وقدر عليه وكان مستطيعاً الباءة، ولديه القدرة كما هو معروف قال ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ (النساء: 6) أبصرتم علمتم منهم رشداً ﴿فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ﴾ (النساء: 6) إذًا هنا شرطان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يُعطى اليتيم المال، فحينئذٍ ننظر إلى أمرين : الأمر الأول هو البلوغ والأمر الثاني هو إيناس الرشد هو الذي يقولون عنه حسن التصرف.

قال ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟﴾ (النساء: 6) قالوا في المختصر ( ولا تأكلوا أموالهم متجاوزين الحد الذي أباحه الله عز وجل لكم من أموالهم عند الحاجة ) يعني : لا تأكلوها وبذر ﴿أَنَّمَا﴾ تأكلون بقدر الحاجة فمن كان قائماً على مال اليتيم وكان غنياً فليستعفف كما قال الله ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: 6) يعني : يأكل من مال اليتيم بقدر الحاجة كان يكون راعياً لهم فرعايته لهم منعته من العمل، ومن بعض الحقوق اللازمة له فحينئذٍ يأخذ بقدر الحاجة قال ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ﴾ (النساء: 6) حتى لا تُجحَد الحقوق، وحتى يُعرَف أن الحق قد وصل إلى أهله ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًا﴾ (النساء: 6) حسيبا لها عدة معان : في حق الله سبحانه وتعالى، والحسيب من أسماء الله من معاني الحسيب ما ذكروه هنا ( وكفى الله شاهداً على ذلك ) وتقدم معنا أن دخول الباء هنا يتضمن معنى طلبياً أي وكفى بالله حسيبا واكتفوا بالله حسيبا فأفادنا أن الجملة خبرية وفيها معنى الطلب والإنشاء، والمعنى الثاني : ومحاسباً للعباد، إذاً ما معنى ( حسيبا ) شاهداً وأيضاً محاسباً للعباد على أعمالهم نعم

من فوائد الآيات

الأصل الذي يرجع إليه البشر واحد، فالواجب عليهم أن يتقوا ربهم الذي خلقهم، وأن يرحم بعضهم بعضًا

أوصى الله تعالى بالإحسان إلى الضعفة من النساء واليتامى، بأن تكون المعاملة معهم بين العدل والفضل

جواز تعدد الزوجات إلى أربع نساء، بشرط العدل بينهن، والقدرة على القيام بما يجب لهن

مشروعية الحَجْر على السفيه الذي لا يحسن التصرف، لمصلحته، ﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ للمال الذي تقوم به مصالح الدنيا من الضياع

قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات

• الأصل الذي يرجع إليه البشر واحد، فالواجب عليهم أن يتقوا ربهم الذي خلقهم، وأن يرحم بعضهم بعضًا : وهذا واضح في قوله سبحانه وتعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ﴾ (النساء: 1) الآية الكريمة فالواجب عليهم أن يتقوا ربهم، وأن يرحم بعضهم بعضاً ويتقوا ربهم ولا ينبغي أن يتكبر بعضهم على بعض، وأن يرحم بعضهم بعضاً؛ فأن بينهم صلة وقرابة.

• أوصى الله تعالى بالإحسان إلى الضعفة من النساء واليتامى، بأن تكون المعاملة معهم بين العدل والفضل : وهذا واضح ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ﴾ ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: 4) إلى غير ذلك.

• جواز تعدد الزوجات إلى أربع نساء، بشرط العدل بينهن، والقدرة على القيام بما يجب لهن : وهذا واضح في قوله سبحانه وتعالى ﴿فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟﴾ (النساء: 3) وإذا كان الشرع أمر من لا يجد أو من لايستطيع الباءة بالصوم فقال ( من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فأنه له وجاء ) والله قال ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ﴾ (النور: 33) فأيضاً الذي لا يقدر على الإنفاق على زوجة ثانية أو ثالثة من باب أولى إذا كان هذا في حق الزواج الأول فكذلك فيما يتلوه بأن يكون عادلاً وقادراً.

• مشروعية الحَجْر على السفيه الذي لا يحسن التصرف، لمصلحته، ﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ للمال الذي تقوم به مصالح الدنيا من الضياع وهذا واضح في قوله ﴿وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًا﴾ (النساء: 5) الآية الكريمة نعم.

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (النساء: 7)

لما تقدّم الحديث عن الحقوق وعن حق اليتامى وأموال اليتامى ناسب هذا أن يُذكر بعض أحكام الميراث، لأن اليُتم يستدعي حقاً لهذا اليتيم، وحق اليتيم حقه في تركة أبيه وبناء عليه ستكون هناك تركة؛ فإذا كان اليتيم سيُعطِى الحق الذي له فماذا عن بقية الورثة؟ فبين الله - سبحانه وتعالى - أحكام الميراث وأحكام الفرائض وهذا مما اختصت به هذه السورة الجليلة في تفصيل القول في أحكام الفرائض أو المواريث قال ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ﴾ (النساء: 7) وهذه آية عامة تُبَيِّن الحقوق بصفة عامة ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ﴾ (النساء: 7) الأقربون قالوا هنا ( الإخوة والأعمام بعد موتهم ) فهذا استفيد منه أن هناك حقاً في مال الوالدين وفي مال الأقربين لكن من الذي يُقدَّم؟ ومن الذي يُؤخَّر في الأقربين؟ هذا جاء تفصيله بعد ذلك قال الله سبحانه ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (النساء: 7) [ سورة النساء :7 ].

هذا فيه أيضًا أن للنساء حقاً كما أن للرجال حقاً فمن فوائد ذكر هذه الأحكام : بيان حقوق النساء لأن حق النساء كان مهضوماً فيما يتعلق بالميراث؛ بل أنها نفسها كانت تورث ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ لا أنها ترث بل كانت تُورث قال الله سبحانه ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (النساء: 7) فهو محدد ومقدر من الله سبحانه وتعالى.

﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (النساء: 8)

أي : إذا حضر قسمة التركة من لا يرث من الأقارب واليتامى والفقراء قالوا هنا ( فأعطوهم على سبيل الاستحباب ) على هذا حمل أكثر العلماء يعني : إذا حضر القسمة بعض من لا يرث من الأقارب واليتامى والفقراء فأعطوهم شيئًا من المال وأعطوهم شيئًا من التركة على سبيل الترغيب والاستحباب وهذا مَعْلَمٌ جيدٌ وعظيم والآن نرى في واقع الناس أنه ربما تقاتل الإخوان على شبر أو متر لا أن يعطوا بعض الحاضرين ممن ليس لهم حق في الميراث وإنما بسبب وجودهم معهم أو بين ظهرانيهم فما أجمل هذه التشريعات العظيمة الجليلة وما أحوج الناس إلى العودة إلى مثلها، وقد ذكروا أن هذه الآية الكريمة تدل على مَعْلَم عظيم من معالم هذا الدين وهو جبر الخواطر فهذا الفقير أو هذا القريب الذي لا حظ له من التركة قد يجد هذا يرث فدانًا أو أكثر وهذا يرث مليوناً أو أكثر وهو جالس إلى جوارهم لا حظ له ولا نصيب فإذا أعطوه شيئًا ولو كان قليلاً فإنه تطيب نفسه بذلك ويدعو لجميع الورثة بالبركة والخير.

قال الله سبحانه ﴿وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَـٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (النساء: 9)

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا هنا في التفسير ( وليخف الذين لو ماتوا وتركوا خلفهم أولاداً صغاراً ) وهذا معنى ﴿وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَـٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (النساء: 9) أولاداً صغاراً ﴿ضِعَـٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ﴾ (النساء: 9) من الضياع ﴿فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ما معنى ﴿فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ قال بعض المفسرين فليتقوا الله بصفة عامة أو : فليتقوا الله فيمن ولاهم الله عز وجل من أمرهم فيما ولاهم الله من أمر اليتامى، فاليتيم : إذا كنت والياً على أمره اتق الله فيه فما تدري لعل أولادك يكونون أحوج ما يكون الأمر إلى مَن هو مثلك إذا كنت تقياً فالجزاء من جنس العمل قالوا ( فليتقوا الله في من تحت ولايتهم من الأيتام بترك ظلمهم حتى ييسر الله لهم بعد موتهم من يحسن لأولادهم كما أحسنوا هم وليحسنوا في حق أولاد من يحضرون وصيته بأن يقولون لهم قولاً مصيباً للحق بألا يظلم في وصيته حق ورثته من بعده ولا يحرم نفسه من الخير بترك الوصية ) فأيضاً يدخل في هذا أن يتقي الله وأن يقول القول السديد، وأن يوصي بالخير وبالقول السديد الرشيد وألا يظلم فلا وصية لوارث إلى غير ذلك مما هو معروف في الأحكام الشرعية

ثم حذرنا الله من أكل أموال اليتامى لأن أكل أموال اليتيم من الكبائر الشديدة قال الله

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (النساء: 10)

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ تلتهب عليهم بسبب هذا الجرم العظيم ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ثم قال الله عز وجل مبيناً بعض أحكام الفرائض والميراث فقال :

﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 11)

﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ﴾ (النساء: 11) وتأملوا يا أيها الإخوة الكرام هذا دين متين ودين عظيم يعرفنا الله عز وجل فيه بالحقوق : حقوق الناس في حياتهم وحقوق ورثتهم بعد وفاتهم فقال ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ﴾ (النساء: 11) يعني فيما يتعلق بحقوق الأولاد ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ﴾ (النساء: 11) ومعروف أن الشخص إذا مات فإنه لا يملك شيئًا وإنما هذا لعموم المسلمين يعني : افعل هذا في أولاد المسلمين، وافعل أنت أيضًا في أولاد المسلمين كل منكم يتقي الله في أولاد المسلمين، فإذا جلس جلسة من أجل إثبات حق أو من أجل تقسيم تركة فليتق الله في هذا التوزيع ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ (النساء: 11) في هذا المقام وهو مقام الأولاد فمسألة أن المرأة على نصف الرجل هذا ليس في كل أحكام الميراث وسيأتينا بإذن الله تعالى بعض صور تكون فيه المرأة مثل الرجل، بل ربما ربت المرأة على بعض الرجال ممن لم يكن من جنسها أو في طبقتها ودرجتها وهذا معناه أن قوله ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ (النساء: 11) أي في مثل هذا الباب وهو إذا كانوا أولادًا ذكورًا وإناثًا فحينئذ يأخذ الذكر مثل حظ الأنثيين لما تكبده الولد أو يتكبده من حقوق الإنفاق والقيام بأمور المعاش إلى غير ذلك والله هو العليم الحكيم سبحانه وتعالى.

دروس مشابهة