سورة آل عمران — الجزء 7
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
• لا ينبغي للعبد أن يغتر بإمهال الله له، بل عليه المبادرة إلى التوبة، ما دام في زمن المُهلة قبل فواتها: ولذلك حذرنا النبي -صلى الله عليه وسلم – ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: 102) ثم قرأ قول الله ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: 102) [هود: 102] والعبد يعرف حاله من واقع أمره، فإذا مَنَّ عليه وأعطاه الله عز وجل وهو مقيم على الطاعة مستقيم عليها فهي بشارة له وتيسير من الله وبركة؛ وأمّا إذا كان مقيماً على المعصية ومع ذلك يُعْطَى فليعلم أنّ هذا استدراج كما بين -صلى الله عليه وسلم -.
• البخيل الذي يمنع فضل الله عليه ﴿أَنَّمَا﴾ يضر نفسه بحرمانها المتاجرة مع الله الكريم الوهاب، وتعريضها للعقوبة يوم القيامة: كما قال الله ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ (آل عمران: 180)نعم.
قال الشيخ حفظه الله
﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ (آل عمران: 181)
يبين الله -سبحانه وتعالى -أنّه لا تخفى عليه خافية، فهو سبحانه قد سمع قول هؤلاء اليهود ﴿ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ (آل عمران: 181)حينما دعاهم للصدقة وحينما دُعُوا إلى القرض، وهذا منهم من باب التلبيس فمعلوم أنّ الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين، وأنّ قرض الله معناه قرض عباده، وأنّ الله سبحانه وتعالى عنده الخُلْف، وعنده العوض لكنهم اتبعوا المتشابه كما قال الله في أول السورة ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ﴾ (آل عمران: 7) كما قال الله أيضًا ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ (المائدة: 64) قال ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (آل عمران: 181) فهم جمعوا بين القول الخبيث والفعل الشنيع. ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ (آل عمران: 181) أي: العذاب المحرق، ﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (آل عمران: 182) والذي جعلنا نقول إنهم اليهود سياق الآيات الكريمة؛ فإنّ الله بعد ذلك قال: ﴿ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ﴾ (آل عمران: 183) هذا معناه أنّ لديهم كتباً، ولذلك بعدها ﴿قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (آل عمران: 183) فلذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّ المراد بهم اليهود ﴿ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ﴾ (آل عمران: 183) أي وصانا ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ﴾ (آل عمران: 183) قالوا هنا في المختصر أي {﴿إِلَّا﴾ نؤمن لرسول حتى يأتينا بما يصدق قوله، وذلك بأن يتقرب إلى الله بصدقة تُحْرقُها نار تنزل من السماء} يعني أن تكون له معجزة، ما هذه المعجزة؟ وذلك: بأن يتقرب إلى الله بصدقة تحرقها نار تنزل من السماء، قالوا {فكذبوا على الله في نسبة الوصية إليه وفي حصر دلائل صدق الرسل فيما ذكروا} أنهم قالوا ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ﴾ (آل عمران: 183) فهم حصروا النبوة أو دلائل النبوة في أن يتقرب كل مدع للنبوة بقربان إلى الله وتأتي النار لتحرقه وهذا الحصر منهم باطل؛ فليس هناك حصر لذلك ولا إلزام بأن تكون المعجزة هكذا؛ وهذا ليس في التوراة ولا في الإنجيل؛ وإنما هو افتراء وكذب منهم. وقد H0. فجاء الرد عليهم من طريق آخر؛ لو سلمنا جدلاً -وهذا من محاسن المناظرات -لو سلمنا جدلاً: أنكم لا تؤمنون للرسول حتى يأتي بهذه الآية فقال الله ﴿قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ (آل عمران: 183) حينئذٍ انقطع عذركم ولا مناص من الإيمان به ويجب عليكم أن تؤمنوا به وأن تنقادوا له، فقد أتاكم بما تريدون ﴿قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ (آل عمران: 183) ولذلك قالوا هنا في المختصر {فلم كذبتموهم وقتلتموهم} يعني جمعتم بين الكذب والقتل؛ لكنه اقتصر على القتل لأنه أسلم، والكذب سبب له، فالكذب أدى بهم إلى قتله، أو إلى قتلهم. ﴿إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ فَإِن كَذَّبُوكَ﴾
﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ﴾ (آل عمران: 184)
هذه الآية فيها تسلية للرسول -صلى الله عليه وسلم -يعني هوِّن على نفسك يا رسول الله؛ ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ (آل عمران: 184) أنت مع قوم معروفين بالتكذيب، فلست وحدك الذي كُذِّب، بل قد كُذِّبَ رسل وقوله ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ (آل عمران: 184) هذا التنكير للتكثير، أي: فقد كذب رسل كثيرون من قبلك، ولذلك قالوا هنا في التفسير {فقد كذب رسل كثر من قبلك} يعني هذا كثير وليس قليلاً في شأن الرسل ﴿جَآءُو بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ﴾ (آل عمران: 184) قالوا في المختصر {جاءوا بالكتب المشتملة على المواعظ والرقائق، والكتاب الهادي بما فيه من الأحكام والشرائع}
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185)
تذكير بالموت؛ لأنّ المنافقين يغفلون عن ذلك، ولأنّ اليهود يكرهون الموت أيّمَا كراهية، ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ﴾ (البقرة: 96) فبين الله عز وجل لهم أنّ هذه الدنيا الرخيصة التي يلهثون وراءها لن يخلدوا فيها ولذلك سيأتينا أيضًا بعد ذلك في خواتيم آيات السورة ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾ (آل عمران: 196) فقال هنا سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ (آل عمران: 185) وهذه كلية من كليات القرآن الكريم وقد تكررت صراحة في ثلاثة مواضع ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ (آل عمران: 185) قال هنا ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (آل عمران: 185) يعني: أنّ الدنيا دار عمل؛ وأما توفية الأجور كاملة غير منقوصة فهذا يوم القيامة وهذا معنى ﴿تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ (آل عمران: 185) لأن الإنسان قد ينال من الأجر في الدنيا فقد يجعل الله له الأجر الطيب والسمعة الطيبة والأثر الحسن والرزق الوفير هذا من عاجل بشرى المؤمن، لكن توفية الأجر هذا يوم القيامة؛ لأن أجر الآخرة أعظم وأجَّل! ولا وجه للمقارنة بين ما يكون في الدنيا وما يكون في الآخرة.
قال الله ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (آل عمران: 185) يصبح أبعد عن النار لكن التعبير ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185) للدلالة على أن الأمر شديد، وأنّ من أُبعِد ولو إبعاداً يسيراً فقد أوشك على النجاة؛ فإذا أُدخِل الجنة فقد تمت له النجاة قال ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185) فالزحزحة من النار نجاة، وتتم تلك النجاة وتكمل بدخول الجنان في الجمع بين النجاة من المرهوب وحصول المرغوب أو المطلوب. قال ﴿وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185) قالوا هنا في المختصر {وما ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ إلا متاع زائل، ولا يتعلق بها إلا المخدوع} ففُهِم أنّ المعنى ﴿مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185) أي: المتاع الذي يغر فمتاع الدنيا يغرُّ أصحابه ويخدعهم، وبعضهم فسر الغرور: يعني متاع باطل وقالوا: قال بعضهم: المراد به الفاني يعني متاع فان زائل غير دائم
ثم قال الله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (آل عمران: 186)
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: 186) بعد أن قال الله ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ (آل عمران: 185) عاد الحديث إلى قضية الابتلاء ليوطن المسلمون أنفسهم على هذا الأصل، فلئن كانوا قد ابتلوا في أُحد وسلاهم الله وسرَّ عنهم؛ فإنّ الله يذكرهم بأنّ المستقبل سيكون فيه ابتلاءات أخرى، فلا ينبغي أن يركن المؤمن أو أن يضعف؛ بل عليه أن يتيقظ، فلذلك الآية فيها تسلية من جهة وفيها كذلك توطين المؤمنين توطين نفوسهم على ما سيلقون من جهة الكفار من الابتلاءات، وأيضاً ما يلقون في أموالهم وفي أنفسهم، وهذا يحمل الإنسان على الاستعداد، ولذلك قالوا {الاستعداد للكروب يهون الخطوب} الاستعداد للكروب يهون الخطوب، أنت إذا كنت تعلم أنّ الابتلاء آت؛ فإنك توطن نفسك وتستعد. فإذا أتاك الابتلاء كان أيسر عليك، بخلاف ما إذا فاجأ الإنسان وهنا قال ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: 186) وهذا أسلوب فيه تأكيد وفيه قسم مقدَّر أي: والله لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ والابتلاء قد يكون في المال قد يبتلى في النفس قال ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًى كَثِيرًا﴾ (آل عمران: 186) وهذا فيه أنّ الابتلاء بالكافرين ليس مقصوراً على القتال؛ فأهل الإيمان يبتلون بالكافرين من جهة ترصدهم لهم، ومحاولة الفتك بهم والقضاء عليهم ومن جهة السماع والأذى، فهناك أذى نفسي وأذى جسدي، أذى حسي وأذى معنوي، أذى كلامي. وأذى قتالي، كل هذه أنواع من أنواع الإيذاء التي يتعرض لها أهل الإيمان قال الله -سبحانه وتعالى -﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًى كَثِيرًا﴾ (آل عمران: 186)من هؤلاء ومن هؤلاء أذىً كثيراً، فوطِّنوا أنفسكم.
ما سلاح المؤمن حينئذ؟ ﴿وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟﴾ (آل عمران: 186) وعاد التذكير بالأمرين: الصبر والتقوى، كما مر معنا أنّ التذكير بالصبر والتقوى تكرر في هذه السورة ﴿وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (آل عمران: 186) يعني من الأمور التي تحتاج إلى عزم ويتنافس فيها المتنافسون، إذاً الصبر والتقوى يحتاجان إلى مجاهدة؛ لأنهما من عزائم الأمور جعلنا الله من الصابرين المتقين.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• من سوء فعال اليهود وقبيح أخلاقهم اعتداؤهم على أنبياء الله بالتكذيب والقتل: قال الله سبحانه وتعالى ﴿قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (آل عمران: 183) وقال ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ (آل عمران: 184)
• كل فوز في الدنيا فهو ناقص، وإنما الفوز التام في الآخرة، بالنجاة من النار ودخول الجنة: قال الله سبحانه ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (آل عمران: 185) فالأجر الواسع التام يكون يوم القيامة.
• من أنواع الابتلاء الأذى الذي ينال المؤمنين في دينهم وأنفسهم من قِبَل أهل الكتاب والمشركين، والواجب حينئذ الصبر وتقوى الله تعالى ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (آل عمران: 186). نعم
قال الشيخ حفظه الله:
﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (آل عمران: 187)
هكذا نرى يا أيها الإخوة الكرام أن السورة الكريمة في أواخرها وفي خواتمها تحدثنا عن أهل الكتاب كما جرى حديث عنهم في صدر السورة الكريمة، وبيانٌ لبطلان ما هم عليه من اعتقاد جاء في الختام أيضًا ما يدل على أنهم كتموا الحق، وأنهم ﴿ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ مع أخذ العهد المؤكد عليهم بتبليغ الحق الذي في كتبهم ومنه صدق رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم -وأنّه رسول من عند الله معه الآيات البينات على أنّه رسول الله حقاً وصدقاً ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ﴾ (آل عمران: 187) لتوضحن للناس كتاب الله ولا تكتمون ما فيه من الهدى، ولا ما دل عليه من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ (آل عمران: 187) نبذوا هذا الكتاب الذي معهم وراء ظهورهم لم يلتفتوا إليه ﴿وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (آل عمران: 187) أي: استبدلوا بعهد الله ثمناً زهيداً كالجاه والمال، ومعلوم أنه مهما غلا سعره فهو ثمن قليل؛ لأنّه عرض دنيوي زائل ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (آل عمران: 187)
﴿لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 188) ذمٌ شديد لهؤلاء ﴿ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟﴾ أي: بما فعلوا من القبائح فهم لا يتوبون من هذه القبائح التي ارتكبوها بل هم مسرورون بأنهم فعلوها وهم مع ذلك ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟﴾ (آل عمران: 188) يحبون أن يمدحهم الناس بما لم يفعلوه من الخير؛ ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ (آل عمران: 188) وقد ورد في سبب النزول أنّ هذه الآية في أهل الكتاب أيضًا هؤلاء الذين يفعلون القبائح ويحبون أن يُحمَدوا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم -فالله عز وجل يقول ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ (آل عمران: 188) ومن ذلك: أنهم كتموا ما في كتابهم وأرادوا أن يحمدوا عنده فيكونون في موضع المدح عنده مع أنهم كتموا الحق ولم يظهروه، وذلك أنّ بعض الناس حينما قرأ الآية أُشكِلت عليه وأرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما ليسأل عن الآية؛ لأنّ المرء قد يفرح بما أوتي فلئن كان كذلك لنعذبنّ أجمعون! فبين له أنها في شأن أهل الكتاب أي: ومن كان على شاكلتهم ممن يفعل القبيح ويكتم الحق، ويريد أن يُنسَب إليه فعل الخير، والنبي -صلى الله عليه وسلم -قد قال {المتشبع بما لم يعطْ كلابس ثوبي زور} قال الله ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ (آل عمران: 188) وتكرر قوله ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم﴾ لتأكيد هذا المعنى: لا تظن يا رسول الله، لا تحسبن ﴿ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟﴾ ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ﴾ (آل عمران: 188)
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 189) قالوا في المختصر {ولله وحده دون غيره} لأنّ تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 189) قالوا {خلقاً وتدبيراً} أي لله ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ وتدبير وملك السماوات والأرض ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 189)
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾
ما معنى ﴿وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ (آل عمران: 190) قالوا هنا في المختصر {تعاقب الليل والنهار} إذاً معنى {اختلاف الليل والنهار} أي: تعاقب الليل والنهار وتفاوتهما طولاً وقصراً، فالليل والنهار يتفاوتان كما قال ﴿تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ﴾ (آل عمران: 27) وبعضهم يفسر الاختلاف: بأن أحدهما يخلف الآخر، كما في قوله ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (الفرقان: 62) ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ قد كان النبي -صلى الله عليه وسلم -يقرأ العشر آيات الأخيرة ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ (آل عمران: 190) إلى آخر السورة، قد كان يقرأ هذه الآيات حينما يستيقظ من نومه لقيام الليل -صلى الله عليه وسلم -فكان إذا استيقظ من الليل قرأ خواتيم آل عمران ثم قام إلى شنٍّ معلقة ليتوضأ منها -صلى الله عليه وسلم -، فمن بادئ اليوم وعند بداية التيقظ يتفكر الإنسان في ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾، ويتذكر قدرة الله ويدعو ربه سبحانه وتعالى، وقد جاء أنّ النبي سأل أمنا عائشة رضي الله عنها قد سئلت حدثينا عن أعجب شيء رأيتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عبيد بن عمير كما عند ابن حبان وغيره، فقالت {لما كانت ليلة من الليالي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم ذريني أتعبد لربي الليلة، فقالت يا رسول الله إني أحب قربك وأحب ما يسرك، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي من الليل فلم يزل يقرأ ويصلي ويبكي صلى الله عليه وسلم، حتى بل لحيته ثم بل حجره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من كثرة بكائه وH0
فهذا يدل على مكانة هذه الآيات وجلال قدرها {ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها} فكم في ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ من آيات، ثم في تعاقب الليل والنهار من آيات، وقوله ﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ (آل عمران: 191) فيه أنّ الذكر في كل الأحوال، ويدل عليها أيضًا حديث عائشة -رضي الله عنها – {كان النبي -صلى الله عليه وسلم -يذكر الله على كل أحيانه} يذكر الله كل أحيانه يذكره قائماً وقاعداً وعلى جنبه -صلى الله عليه وسلم -﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ (آل عمران: 191) وتأملوا ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ لم يقل ويفكرون ﴿أَنَّمَا﴾ قال يتفكرون، فالتفكر: يحتاج إلى كدح وإلى جهد وإلى عمل. لذلك جاء بصيغة {يتفعل} ويدل على تجدد هذا ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا﴾ (آل عمران: 191) أي: يقولون ربنا ﴿مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا﴾ (آل عمران: 191) كما قال الله ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ (ص: 27) قال الله هنا ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾
قالوا هنا في التفسير ربنا {يا ربنا من تدخل النار من خلقك فقد أهنته وفضحته، وليس للظالمين يوم القيامة من أعوان يمنعون عنهم عذاب الله وعقابه} هناك من أهل التفسير ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: المراد {بالظالمين} هنا: الكفار، ودليل ذلك قوله ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ﴾ (آل عمران: 192) لأنّ الذي يفدى في النار ويدخلها ويخلد فيها ﴿أَنَّمَا﴾ هو الكافر؛ وأما غيره فإنه لا يخلد في النار إذا دخل النار فإنه لا يخلد فيها، لذلك قالوا ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (آل عمران: 192) وهنا أيضًا جاء الاسم الظاهر في موضع الضمير لم يقل {وما لهم من أنصار} ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ﴾ لذلك إذا قال قائل أن من دخل النار لا يخرج منها؛ لأنّ الله يقول ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ﴾ (آل عمران: 192) فنقول هذا في شأن الكفار؛ وأما عصاة الموحدين فقد دلت النصوص على أنهم يخرجون من النار ولا يبقون فيها ولا يخلدون فيها. فلا يخلد في النار إلا مشرك بالله سبحانه وتعالى.
﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَـٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾ (آل عمران: 193)
﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَـٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا﴾ (آل عمران: 193) وهذا المنادي هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ﴿رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ (آل عمران: 193) وتوسل إلى الله بالإيمان فيتوسل العبد إلى الله بالإيمان ﴿رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ أي: وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك، ما معنى ﴿عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ (آل عمران: 194) يعني على ألسنة، ما وعدتنا على ألسنة رسلك من الهداية والنصر في الدنيا ومن النجاة من النار في الآخرة ودخول الجنان، ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾ (آل عمران: 194) ولعلكم تتذكرون بهذا ما جاء في صدر السورة ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾ (آل عمران: 9) فهذا من المناسبة بين المطلع والمقطع.
من فوائد الآيات:
• من صفات علماء السوء من أهل الكتاب: كتم العلم، واتباع الهوى، والفرح بمدح الناس مع سوء سرائرهم وأفعالهم.
• التفكر في خلق الله تعالى في السماوات والأرض وتعاقب الأزمان يورث اليقين بعظمة الله وكمال الخضوع له -عزّ وجلّ -.
• دعاء الله وخضوع القلب له تعالى من أكمل مظاهر العبودية.
قال الشيخ حفظه الله
• من صفات علماء السوء من أهل الكتاب: كَتْم العلم، واتباع الهوى، والفرح بمدح الناس مع سوء سرائرهم وأفعالهم: قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ (آل عمران: 187) هذا فيه إثبات أنهم كتموا العلم ﴿وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ففيه اتباع الهوى والفرح بمدح الناس مع سوء سرائرهم وأفعالهم.
• التفكر في خلق الله تعالى في السماوات والأرض وتعاقب الأزمان يورث اليقين بعظمة الله وكمال الخضوع له -عَزَّ وَجَلَّ -: وهذا واضح في قوله ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ (آل عمران: 191)
• دعاء الله وخضوع القلب له تعالى من أكمل مظاهر العبودية: ولذلك تأملوا {ربنا} هذه دعوات وافتقار إلى الله سبحانه وتعالى، {وربنا} معناه: يا ربنا حذف حرف النداء، وذلك أنّ العبد الداعي إلى الله يشعر بالقرب وأنه ليس بينه وبين الله واسطة، فحتى يا النداء لا يذكرها ﴿أَنَّمَا﴾ يقول {ربنا} نعم.
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَـٰمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ﴾ (آل عمران: 195)
﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَـٰمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾ (آل عمران: 195) بعد أن ذكر الله دعوات أولي الألباب، ذكر الله أنه يجيبهم إلى سؤلهم، ويتقبل منهم طاعتهم فقال ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ (آل عمران: 195) ما معنى فاستجاب؟ يعني فأجابهم ربهم فالألف والسين والتاء للمبالغة لتأكيد هذا المعنى، وليس بمعنى الطلب كقوله فيما تقدم معنا في سورة الشورى ﴿وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ (الشورى: 26) [الشورى: 26] على قول من قال من المفسرين أي: ويجيب ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ، ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَـٰمِلٍ مِّنكُم﴾ (آل عمران: 195) وتأمل هنا لم يقل ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ قال {عمل عامل} وهذا معناه: أن الداعي إلى الله وأنّ من يدعو الله ينبغي أن يقدم بين يدي دعائه العمل الصالح فيدعو ربه والدعاء عبادة ولكن لا يغفل عن بقية أنواع العبادات فهؤلاء توسلوا إلى الله بإيمانهم بربهم سبحانه وتعالى فكانوا صالحين ودعوا ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فتقبل الله دعاءهم، ﴿أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَـٰمِلٍ مِّنكُم﴾ (آل عمران: 195) ولذلك يقول الإنسان حينما يسأل ويقول: ادعو فلا يستجاب لي يقال له اعمل صالحاً فإنّ العمل الصالح يعين على قبول الدعاء، قال الله ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَـٰمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ﴾ (آل عمران: 195) يعني سواء كان العامل ذكراً أم أنثى، ولذلك هناك آيات كثيرة تدل على المساواة بين الذكور والإناث في كثير من الأبواب، من ذلك {أنّ النساء شقائق الرجال في الأحكام في الأصل؛ إلا ما جاء الشرع بالتفريق فيه بين الرجل والمرأة}، من ذلك الثواب والعقاب، فهنا قال ﴿مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾ (آل عمران: 195) فكما يقبل الله دعاء الذكر، يقبل الله دعاء الأنثى والعكس، ﴿فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟﴾ (آل عمران: 195) ما جزاؤهم؟ ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 195) وهذا عظيم أنه ثواب من عند الله ﴿وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ﴾ (آل عمران: 195) ثم جاء في ختام السورة التحذير من الاغترار بالدنيا، ولعلكم تذكرون ما جاء في صدر السورة ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾ (آل عمران: 10) وكذا قوله ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ وهنا قال ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾
فهؤلاء قوم عُجِّلتْ لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا
قال ﴿لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ (آل عمران: 198)
أما أهل التقوى فلهم شأن آخر لهم جنات ولهم أجور عظيمة عند الله سبحانه، وتأمل قال ﴿نُزُلًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ (آل عمران: 198) لم يقل {وما عند الله خير لهم}؛ ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ (آل عمران: 198) ففيه أيضًا وضع الظاهر في موضع المضمر على هذا الوجه، وفيه أيضًا أنّ المتقين: أبرار، فالمتقون هم أهل البر وهذا مناسب لما تقدم ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾ (آل عمران: 193) فإذا أردت أن يتوفاك الله مع الأبرار فكن من الأتقياء، فمن اتقى الله توفاه الله مع الأبرار، ثم قال الله ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ (آل عمران: 199)
إنّه الرب العظيم سبحانه الذي لا يظلم أحداً، لما ذمَّ الله عز وجل أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا وقتلوا وكذبوا والذين كتموا وحرَّفُوا ذكر الله أنّ منهم طائفة ليسوا كذلك ففي ختام السورة مدح الله فريقاً من أهل الكتاب من أمثال النجاشي -رضي الله عنه -ورحمه الله -فقال ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 199)هناك من أهل الكتاب من يؤمن بالله، وهذا كما في قوله ﴿لَيْسُوا۟ سَوَآءً ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران: 113) وهذا من إنصاف القرآن لأهل الكتاب قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ (آل عمران: 199) ما الذي دفعهم؟ إلى هذا؟ ﴿خَـٰشِعِينَ لِلَّهِ﴾ (آل عمران: 199)هذا كونهم خاشعين لله فالخاشع لله الخاضع لله ينقاد لشرع الله فيؤمن بكتب الله ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ (آل عمران: 199) سبحانه وتعالى
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200)
بهذا تختم السورة الجليلة بهذه الآية الجامعة العظيمة، وبهذه الأوامر الجليلة، ونداء لأهل الإيمان ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟﴾ (آل عمران: 200) فمدار الأمر على الصبر، صبر بجميع أنواعه: صبر على الطاعات، صبر على المعاصي، صبر على الابتلاءات، وكلها موجودة في السورة ﴿ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟﴾ قالوا هنا في المختصر: {اصبروا على تكاليف الشريعة وما على ما يعرض لكم من مصائب الدنيا} قولهم على تكاليف الشريعة: يشمل فعل المأمور وترك المحظور، وغالبوا الكفار في الصبر وهذا المعنى {وصابروا}: لأنّ صابروا فاعل من المغالبة قال ﴿وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200) أمر بالمرابطة والجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى ولزوم الطاعة قالوا {وأقيموا على الجهاد في سبيل الله}، ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200) لعلكم تنالون بذلك الفلاح كما قال الله أيضًا في السورة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَـٰفًا مُّضَـٰعَفَةً ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 130) وختم الله هنا السورة بقوله ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200) نسأل الله أن يجعلنا من المتقين، وأن يجعلنا من المفلحين، وبهذا نكون قد فرغنا بفضل من الله وتوفيقه من التعليق على تفسير سورة آل عمران وبقي لنا ذكر الفوائد. نعم
• الأذى الذي ينال المؤمن في سبيل الله فيضطره إلى الهجرة والخروج والجهاد من أعظم أسباب تكفير الذنوب ومضاعفة الأجور.
• ليستِ العبرة بما قد يُنَعَّم به الكافر في الدنيا من المال والمتاع وإن عَظُم؛ لأن الدنيا زائلة، وإنما العبرة بحقيقة مصيره في الآخرة في دار الخلود.
• الصبر ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، ومغالبة المكذبين به، والجهاد في سبيله، هو سبيل الفلاح في الآخرة.
قال الشيخ حفظه الله [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الأذى الذي ينال المؤمن في سبيل الله فيضطره إلى الهجرة والخروج والجهاد من أعظم أسباب تكفير الذنوب ومضاعفة الأجور: وهذا واضح من قوله ﴿فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى﴾ (آل عمران: 195) ما أجمل الإيذاء إذا كان لله، ما أجمل أن يُؤذَى العبد لأنّه ثابت ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، كما قالوا: من أجلك جعلت خدي أرضا* للشامت والحسود حتى ترضى
فهو يؤذى في سبيل الله قال ﴿وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ (آل عمران: 195) الآية.
• ليستِ العبرة بما قد يُنَعَّم به الكافر في الدنيا من المال والمتاع وإن عَظُم؛ لأن الدنيا زائلة، وإنما العبرة بحقيقة مصيره في الآخرة في دار الخلود: ولذلك ينبغي ﴿إِلَّا﴾ نغتر ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾ (آل عمران: 196) العبرة بالختام، العبرة بالنهاية، العبرة بالآخرة.
• من أهل الكتاب من يشهدون بالحق الذي في كتبهم، فيؤمنون بما أنزل إليهم وبما أنزل على المؤمنين، فهؤلاء لهم أجرهم مرتين: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 199) الآية، وقد جاء.... ورجل منهم رجل آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران}.
• الصبر ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، ومغالبة المكذبين به، والجهاد في سبيله، هو سبيل الفلاح في الآخرة: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200) جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وبهذا نكون قد فرغنا من التعليق على تفسير سورة آل عمران لننتقل إلى مقدمات في تفسير سورة النساء. نعم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته