سورة يوسف
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
بسم الله الرحمن الرحيم
لمحة في سورة يوسف الجز الأول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعدُ:
فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة: "لمحة في سورة"، وموعدنا الليلة بفضل الله تعالى مع سورة يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وهذه السورة المباركة تسمى بسورة يوسف؛ لأن السورة كلها قائمة على قصة يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، ثم جاء في آخرها ختام يُبيّن لنا بعض الفوائد والعبر التي ينبغي للمسلم أن يتعلمها، وختم الله السورة بقوله:﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾1.
هذه السورة سورة جليلة عظيمة، وكما قال عطاء -رَحِمَهُ اللهُ-: "لم يقرأها محزون إلا ذهب عنه حزنه"، فهم كانوا يوصون بها المحزون والمكروب، فإنه إذا قرأ هذه السورة المباركة عرف أن الفرج بعد الشدة، وأن﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾2، وأنه مهما ضاقت الأمور فإنَّ الله -جَلَّ وَعَلَا- يفرج الكروب وييسر الأمور -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.
هذه السورة المباركة افتتحها الله -عَزَّ وَجَلَّ- بالحروف المقطعة﴿الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾3، وفي هذا تشترك هذه السورة مع سور سابقة ولاحقة لها، فسورة يونس أولها كذلك، وكذا سورة هود، وكذلك جاء بعد ذلك سورة إبراهيم أولها، وأما الرعد بينهما فـ﴿الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾4كما تقدم؛ ولذلك جاء الحديث بعدها عن القرآن الكريم كما هو الغالب في السور المفتتحة بهذه الفواتح:﴿الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾.
وقد ورد في سبب نزول هذه السورة المباركة أن بعض الصحب الكرام قالوا للرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لو قصصت علينا؟ فأنزل الله السورة وفيها:﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾5، فكأن هذا إجابة لطلب الصحابة أو لطلب بعضهم حين رغبوا في أن يقص عليهم القرآن الكريم بعض قصصه، فقص الله -عَزَّ وَجَلَّ- عليهم هذه السورة الجليلة المباركة، وهي على هذا مكية باتفاق، نزلت قبل هجرة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وقد نقل الاتفاق غير واحد من أهل العلم كالبقاعي وغيره.
سورة يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- تحدثنا عن قصة يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- ومشاهد من حياته، فحدثتنا عن يوسف وإخوته، وحدثتنا عن يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- في بيت العزيز، عن يوسف مع امرأة العزيز، عن يوسف في السجن، عن يوسف وهو على خزائن الأرض، عن يوسف وهو مع إخوته بعد أن صار إلى ما صار إليه من التمكن والرفعة والمنصب العالي في الدنيا قبل الآخرة.
مشاهد عديدة ذكرتها لنا هذه السورة المباركة، وفي كل مشهد منها فوائد كثيرة وعظيمة، حقيق بالمسلمين أن يتعلموها ويعوها، لكن المقام معنا مقام لمحة في سورة، فتفصيل القول فيها بإذن الله سيأتي في الحديث عن قصص الأنبياء والمرسلين في سلسلة "في قصصهم عبرة"، فهناك يأتي تفصيل القول فيها بإذن الله تعالى.
وأما في موقفنا هذا وفي مجلسنا هذا والذي يتبعه بإذن الله نقف بعض الوقفات اليسيرة مع فوائد من هذه السورة الجليلة، وبين يدي السورة نتحدث عن مقصود السورة وموضوعها الأساس كما يمضي معنا في كل سورة من سور القرآن الكريم.
قال بعضهم: إن مقصود هذه السورة المباركة بيان أن الله يمكّن لأوليائه، فالسورة تحدثنا عن تمكين الله للأولياء والأنبياء أعلى الأولياء، فالله يمكّن لأوليائه، يمكّن لرسله وأنبيائه، السورة تتحدث عن لطف الله -عَزَّ وَجَلَّ- بالمؤمنين، كيف أن الله لطيف بهم.
السورة تحدثنا أنه بعد الابتلاء المبين يكون التمكين، فالإنسان يبتلى فيُمكّن، ويوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- ابتلي ومُكّن له، فالسورة تعرفنا بهذا، تحدثنا عن أن الفرج بعد الشدة، وأن مع العسر يسرًا، فمن كان يتوقع أن يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- الذي أُلقي في غيابة الجب، وقد كان مخططًا له أن يُقتل ثم عدلوا عن القتل إلى هذا الإلقاء، يصير على خزائن الأرض؟ يصير على خزائن الأرض وإخوته يقولون له:﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَـٰعَةٍ مُّزْجَىٰةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾6، فمن الذي يتصدق على من؟ الذي في غيابة الجب، الذي في السجن يصير أمره إلى أن يعطي، إلى أن يقدم لإخوته ويتصدق عليهم ويجود ويسخو؟ هذا يدلك على فرج الله ولطفه بعبادة وأوليائه.
ولذلك حينما انتقل يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- إلى عزيز مصر وهو مسترق عنده يكون قائمًا عندهم مقام العبد، لكن الله قال:﴿وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾7، فذكر التمكين بعد الشراء، ذكر أنه قد اشتراه، ومع ذلك في آية الشراء قال:، حريته قد سُلبها صار رقيقًا عندهم يأمرون وينهون ويقولون ويفعلون وما عليه إلا أن يسمع ويطيع، وسماه الله تمكينًا؛ لأنه طريق للتمكين، وصل به إلى أعلى المراتب، وعُرف قدره في مصر بفضل الله، لا لتجود مصر على أهل مصر فحسب، وإنما على أهل مصر وعلى غيرهم كما جادت على أهل الشام.
فانظر يا رعاك الله إلى هذه السورة الجليلة التي تُبيّن لك أن الله -جَلَّ وَعَلَا- لا يخذل أولياءه ولا يضيعهم، بل هو -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يحفظهم ويرعاهم وينصرهم ويؤيدهم وإن ضاقت عليهم الدنيا في وقت من الأوقات، لكن هذا الضيق يصحبه السعة والفرج والخير الكبير بفضل الله الكبير سبحانه -جَلَّ وَعَلَا-، السورة تحدثنا عن هذا.
ثم لك أن تقول أيضًا إن السورة تحدثنا عن معلم مهم، وهو معلم الإحسان، وأن الإحسان طريق الإكرام، فإذا أردت أن يُكرمك الله فكن من المحسنين؛ ولذلك من أجل الأوصاف التي وصف بها يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- في مقامات متعددة من السورة وصفه بالإحسان، فيوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- محسن، ومن بداية الأمر سمى الله القصة بأحسن القصص، فهي أحسن القصص، وهذا فيه معنى الحسن.
وكذلك قال الله -جَلَّ وَعَلَا-:﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ﴾8، قال الله سبحانه:﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾9، وكذلك ذكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- لنا ماذا قال الفتيان وما قالا وهما في السجن ليوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، قالا له:﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ ٱلْءَاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾، حتى من كان معه في السجن شهد له بالإحسان،﴿قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾10.
فهو محسن -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، مكن الله -عَزَّ وَجَلَّ- له،﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾11، فيوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- محسن،، فهو محسن -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.
وفي قول الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-:، لم يقل ولا نضيع أجره، للدلالة على أن من أحسن فإنَّ الله لن يضيع أجره أيضًا، فالله لا يضيع أجر كل محسن، والله كذلك يجزي كل محسن بالخير والإحسان بفضل الله -عَزَّ وَجَلَّ-.
وهل فوق أن يقول يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وقت التمكين:﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾12؟ ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾ وهم قد آذوك! ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾ وهم أرادوا قتله! ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾ وهم أسقطوه في غيابة الجب! ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾ وهم أحزنوا أباه! ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾ وهم فرقوا بينه وبين أبيه! ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾ وقد أساءوا بعد وتكلموا في حقه أمام عينيه:﴿قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾13، حتى في هذا المشهد يقولون:﴿قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾.
من يتحمل ما تحمل يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؟ لو كان في هذا المقام شخص لا يدرك معنى الإحسان ولا يعرف حقيقته وفضله لجهر ولصدع وقال: إلى هذا الحد يصل بكم إلى أن تتهمونني بكذا وكذا؟ لا، صبر وثبت وما نطق، ومع ذلك يحسن إليهم ويعطيهم، بل ليس هذا فحسب، بل كما قال الله -جَلَّ وَعَلَا- في آخر كلام يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- الذي ذكره الله سبحانه وتعالى عنه وهو يقول لأبيه:﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾14، هو محسن لأن الله أحسن إليه، أحسن ﴿كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾،﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، ولم يقل إذ أخرجني من غيابة الجب، قال: ﴿إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ﴾؛ لا يريد أن يذكر إخوته بما وقع منهم، بل يقول: ﴿إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ﴾ مع أنه أُخرج قبل من غيابة الجب بسببهم،﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، مِنۢ ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ، وبدأ بنفسه، لم يقل حتى: ﴿مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ بين إخوتي وبيني، ﴿مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ﴾ إخوته، جعل هذا نزغًا من الشيطان، سبحان الله! ما أكرمه! ما أكرم يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-!
يوسف الذي لما فعلت امرأة العزيز به ما فعلت ما كان منه إلا أن نطق على قدر الضرورة حينما قال:﴿قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾15،﴿قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ وهي تقول ما تقول في شأن يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-:﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾16، فما يكون منه إلا أن يقول:، ﴿إِلَّا﴾ ما أكرمه وما أشرفه!
هكذا تعلمنا السورة المباركة، وهذا ليس بعجيب، فالرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما قيل له من أكرم الناس؟ قال: «الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ» [صحيح البخاري، 3390]،﴿ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾17، نعم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فماذا يُنتظر منه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؟ وإذا كان قد أُعطي شطر الحُسن، وإذا كان قد أُعطي الجمال، فلقد أعطاه الله ما هو أعظم من حُسن الصورة، وهو حُسن ما في القلب من أخلاق، حسن ما في القلب من سرائر، أو من سريرة، حُسن ما في القلب من سريرة، وحُسن ما فيه من أخلاق وشيم أكابر الرجال، ولا يصل إليها إلا الأنبياء والمرسلون.
من أهل العلم من قال: ابتدأ الله سورة يوسف بقوله:﴿الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾، بينما في سورة يونس قال:﴿الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ﴾18، فالسورة فيها إبانة، قالوا: فمن مقاصد السورة، وهذا يمكن أن يقال مقصد ثالث من المقاصد الكبيرة على قول بعضهم: إثبات أن القرآن حق وأنه من عند الله؛ إذ انظر انظر إلى هذه السورة وإلى ما فيها من بلاغة وجلال وعظمة، وقد يبدو لأول وهلة أن طريقة القرآن في سورة يوسف هي طريقة الإطناب، أن القرآن لم يختصر ووسع في الكلام، طريقة الإطناب، وهذا ربما يصح إذا ما قارنّا بين سورة يوسف وبين كثير من قصص القرآن الكريم الذي جاء بطريقة مختصرة أو موجزة.
لكنك إذا نظرت في السورة نفسها سترى فيها إيجازًا كبيرًا وجليلًا جدًا، يعني السورة على قدر ما نحن نرى أنها واسعة كل مقطع هل يستطيع أحد أن يصوغه بمثل هذا؟ لا يكون من أحد من البشر،﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾19، هذه الجملة لما قرأها بعض الناس قال: أشهد أن هذا القرآن من عند الله، من يستطيع أن يأتي بمثل هذه الجملة في هذا الموقع؟ يعني السورة تظن أنها طويلة لكن فيها حذف، إيجاز بالحذف، وإيجاز بالقصر كثير جدًا تُطوى، لذلك لو أراد أحدنا أن يقص القصة وأن يعيدها بطريقته لأسْهَبَ إسهابًا كثيرًا، وما بلغ ما في القرآن الكريم من أسلوب بديع وعجيب؛ لذلك قالوا: فيها دلالة على إعجاز القرآن.
قالوا: ومن أوجه ذلك أن رب العزة سبحانه لما قص علينا القصص القرآني قصه علينا بطرائق متعددة، فمرة يذكر قصة مختصرة موجزة، ومرة تأتي السورة طويلة كما في سورة يوسف أو قصة يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، مرة تتكرر القصة ومرة لا تتكرر القصة، هذا إعجاز كأن الله يقول لهؤلاء المعاندين والمستكبرين: هذه قصة طويلة، وهذه قصة قصيرة، هذه قصة متكررة، وهذه قصة لم تتكرر، هل تستطيعون أن تأتوا بقصة كقصص القرآن فيما هي عليه من أسلوب بديع ونظم عجيب ولغة راقية عالية وأهداف سامية؟ لا يمكن.
يعني لو أن القرآن جاء بطريقة واحدة ممكن شخص يقول: ما هي القصة لا يمكن أن تصاغ إلا بهذه الصيغة أو بهذه الصيغة، لا، تأتي قصة كقصة موسى مرة توجز ومرة تطول، هات مثلها، هل تستطيع؟ إذا أردت أن ترى قصة طويلة فانظر، تريد أن ترى قصة قصيرة فانظر، يعني عندنا قصة أصحاب الفيل في آيات قصيرة، سورة كاملة وهي معجزة هذه قصة من أسطر قليلة:﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ﴾20 ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ﴾21 ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾22 ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾23 ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍۭ﴾24، مُتحدى بها، سورة من السور التي تُحدي بها، فأين القصاص وأين هؤلاء هل يستطيعون أن يأتوا بشيء من مثل ذلك؟ لا يستطيعون، فالقرآن معجز، هذا كله مما تنحويه السورة المباركة من إعجاز وبيان.
فإذا دخلنا على السورة لنستنشق من أريجها، ولنأخذ شيئًا من عبرها وعظاتها وفوائدها نقتبس من أنوارها، فإنَّ الله -جَلَّ وَعَلَا- في أول السورة قال:﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾، وكثير من العلماء قالوا: المراد بأحسن القصص هنا يوسف سورة يوسف، ومنهم من قال: بل القرآن كله أحسن القصص، فكأن المعنى: نحن نقص عليك القصص الأحسن، فيكون من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، والأول قال به الكثيرون.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾، هذا فيه يا أيها الإخوة الكرام أن كثيرًا من الناس يغفلون عن قصص القرآن الكريم، والحري بهم أن يراجعوا أنفسهم وأن يتأملوا في قصص القرآن، لذلك من المناسبات بين أول السورة وآخر السورة أن الله قال في أولها:، وفي آخرها:﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، فقصص القرآن من أجل الاعتبار ليس كالقصص المعروف الذي يبتعد عن الحق كثيرًا ويقصد منه التفكه، ويقصد منه التسلي، قصص القرآن قصص هادف فيه أخذ العبرة والعظة التفكر،﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾25.
وقوله: في معنى قوله:﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾26، يعني ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أحد الناس أن يفسر قوله: ما معنى ضالًا؟ يعني لم تكن عالمًا فعلمك الله، هذا هو المراد بالضلال، وهو:، يعني الغفلة، فقوله: يعني لم تكن عالمًا بهذا الشيء ثم علمك، فالرسول لم يكن يعلم قصة يوسف حتى علمه الله، هذا معنى الضلال وليس الضلال معناه أنه فارق الحق عن علم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بل هو كما قال الله عنه:﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾27 ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ﴾28 ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾29.
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ﴾30 ﴿قَالَ يَـٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾31، هذا يدلك على أهمية الرؤيا، ولذلك رؤيا الأنبياء حق، وكذلك الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، والرسول قال: «لَمْ يَبْقَ مِنَ المُبَشِّرَاتِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا المُؤْمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ» [مسند أحمد، 6940]؛ ولذلك كان الأصحاب إذا رأى أحدهم رؤيا قصها على رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولذلك فإنَّ علماء المسلمين دونوا في دواوين السنة أبوابًا تتعلق بباب الرؤيا والتعبير، فهناك كتاب التعبير كتاب كامل يتحدث عن الأحاديث المروية عن الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الرؤيا وفي تعبير الرؤى.
، وفي آخر السورة بين أن هذا هو تأويل الرؤيا:﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، فرؤياه حق ووقعت بفضل الله سبحانه، ويعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أدرك هذا ووعاه، فهو نبي مبارك -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، فقال:، يستفيد من ذلك علماء التربية وكذا غيرهم من أهل العلم والبصيرة أن الأب ينبغي له أن ينظر إلى ولده وأن يتفقده وأن يعرف أسراره ومخبوءاته.
فيوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لم يجد أفضل من أبيه في أن يقص عليه رؤياه، وكثير من الأولاد يكتمون عن آبائهم ما دق وما جل، والأصل ﴿إِلَّا﴾ يكتم الابن عن أبيه، وذلك ﴿أَنَّمَا﴾ يكون إذا وجد منه القرب والأنس، فـ -حينئذٍ- قص على أبيه، وأبوه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قال:، إنه الحسد، داء الحسد، وهل وقع إخوة يوسف فيما وقعوا فيه إلا بسبب الحسد؟ ما الذي دفعهم إلى أن يقتلوه ثم إلى أن يلقوه في غيابة الجب؟ ما هو؟ الحسد، الحسد يضر صاحبه مع أنَّ يوسف ما أساء إليهم، ولذلك أنت إذا قرأت القصة أين إساءة يوسف لهم وهو صغير أو وهو كبير؟ لا تجد، لا توجد، أقصى ما فيه أنهم ذكروا أباهم -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وماذا كان يصنع مع يوسف فيما يتوهمون، ويوسف أو ويعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بريء من ذلك كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
، فيه أن الإنسان يكتم النعمة عند من يظن أنه قد يحسده عليها؛ ولذلك الرسول أوصانا إذا رأى أحدنا رؤيا صالحة أو طيبة لا يخبر بها إلا من يحب،، وهذا جعل يوسف يقول في آخر المقام:﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، هذا تعلمه ممن؟ ابتداءً من أبيه يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.
﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾32، هذا فيه بث الأمل في روح الولد، وكذلك يجتبيك، كما منّ الله عليك بهذه الرؤيا فأبشر، سيجتبيك ربك وسيكون لك شأن وسيعلمك، فإذا وجد الأب في ابنه فِراسة، إذا وجد الأب في ابنه قوة واتقاد ذهن، ووجد فيه ذكاءً فلينمّ عنده هذه القدرات، لا يجعلها تخفت، وكم من أطفال كان من شأنهم أن يكون لهم شأن فضُيعوا؛ ولذلك يذكر علماؤنا في تراجم كثير من العلماء أن هذا الولد رأى رؤيا فقصها، أو رأى أبوه رؤيا فقصها على العلماء، فأخبروه بأن ابنه سيكون له شأن حينما رأى ابنه في هذه الرؤيا، فيعتني بولده أيما عناية، يعتني بولده أيما عناية ويكون له شأن في حياته يستمر معه بفضل الله -عَزَّ وَجَلَّ- إلى أن يشاء الله، هذا كثير في تراجم أهل العلم، فهنا يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يبث الأمل في ولده، يجتبيك ربك، يعطيه الثقة.
ثم تمضي الآيات المباركة:﴿لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَـٰتٌ لِّلسَّآئِلِينَ﴾33 ﴿إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾34 ﴿ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ﴾35، تأمل بعد هذه المقدمة:، وسموا أباهم بالضلال المبين! هو نبي مبارك كيف يكون ضالًا وضلال مبين؟ لكن هذا وهم، ومن المعروف أنه إذا كان هناك ولد ضعيف وولد صغير فإنَّ الأب تتوجه عنايته إليه أكثر لاحتياجه إليه؛ ولذلك تجد الأب يعتني بالولد المسافر عن الولد المقيم، يعتني بالولد الذي يمر بظروف معينة عن غيره، هذا أمر من الفقه ومن الفطنة ولا يضيره لكنهم لم يعوا هذا.
ثم إن يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- رأى مخايل النجابة والذكاء والفطنة والخير في يوسف، فهو يعتني به، سيكون نبيًا سيكون رسولًا، كيف لا يُعتنى به؟ إذًا هناك مقدمات، لكن يعقوب ما ظلمهم ولا قصر في حقهم ثم مع ذلك كان توجههم أكثر إلى يوسف لا أخيه، يعني مع أنهم قالوا: ﴿إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا﴾، لكن كان التوجه إلى مَن؟ يوسف؛ لأن يوسف كان له حظ أكبر، وذلك لما هو عليه من ذكاء وفطنة -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.
وهذا فيه أن الأب لا ينبغي له أن يقدم ولدًا على ولد دون أن تكون ثمة حجة له في ذلك، يعني كما قلت إذا قدم ولد على ولد يبقى لعله لسبب، أما الأصل اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، وإلا فانظر ما الذي يجعل ما الذي يجعل الإخوة يتفرقون وما الذي يجعلهم يتقاتلون ويؤذي بعضهم بعضًا ويكره بعضهم بعضًا؟ سبب ذلك تفريق الأب أو الأم بينهم من البداية، فهذا خطر عظيم، والرسول قال: «اشْهَدْ عَلَيْهِ غَيْرِي؛ فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» [صحيح مسلم، 1623] في قصة البشير والد النعمان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كما تعلمون.
ثم قالوا، قال الله:، طب يوسف عمل لكم إيه؟ ما تهمته؟ ما جرمه؟ لا شيء،، إذًا ما المشكلة؟ ما الطلب؟ يخلو لكم وجه أبيكم، نحن نريد أن يهتم بنا أبونا، وأن لا يهتم بغيرنا، يفرغ لنا وأن لا يشغل بيوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-،، ما هذا؟ الإنسان ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يُسهل على نفسه الذنب وأن يسوغه لنفسه، ذكر الاعتذار لنفسه، وسوف التوبة وجعل نفسه يتمنى، أو تمنى على الله الأماني ووعد نفسه بالعودة إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-.
القتل شيء مش قليل:، ده أمر خطير، طب هم يقولون إيه:، ده ذنب هنرتكبه ونرجع نتوب إلى الله، نخلص عليه وبعد كده نتوب إلى الله، نرجع تاني لصوابنا ونتوب إلى الله، خلاص يعني اقتلوه وخلاص:، زي ما قال لك إيه هي صفقة واحدة هتفرق معانا وبعدين نرجع تاني نبقى إيه على الاستقامة! وما يدريك؟ وما يدريك أنك إذا ارتكبت ذنبًا ستوفق إلى التوبة؟ وما يدريك ﴿إِلَّا﴾ يُعاجل الله العقوبة لك؟ وما يدريك ﴿إِلَّا﴾ يأخذك العذاب بغتة؟ ما يدريك؟ وهذا فيه رد أيضًا على القاعدة الباطلة حينما يقولون: الغاية تبرر الوسيلة، هي الغاية: يخلو ﴿لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ﴾، غاية قد تبدو جميلة، لكنها باطلة؛ لأن الوسيلة إليها باطلة، وهي ماذا؟ وهي قتل يوسف أو القضاء على يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.
﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَـٰصِحُونَ﴾36 ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾37. أين النصح؟، هكذا يظنون أنهم أو يوهمون يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أنهم من الناصحين، لا، وليسوا بذلك، وإنما هو تخطيط خططوه، فرد عليه، قال:﴿قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ﴾38، تأمل ماذا قال يعقوب:، هذا شيء يحزنني، يعني لا يحب فراق ولده، كان يحب أن يكون يوسف إلى جواره، ليستفيد يوسف من يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- ولما يرى من نجابة فيه ثم هو في صغره.
، قالوا: كأنه لقنهم الحجة، وهم بعد ذلك قالوا: فأكله الذئب، ولذلك أحيانًا الإنسان أو تجد من يرتكب ذنبًا ربما يأخذ هذا الذي يسوغ له الذنب أو يعتذر به من فم من يكلمه، لذلك الأب حينما ينصح لأولاده لا بد أن يعي مثل هذا، ما الذي يكلمهم به؟ وما الذي لا يكلمهم فيه؟ قال:﴿قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ﴾ ﴿قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًا لَّخَـٰسِرُونَ﴾39، كيف يأكله الذئب ونحن عصبة، نحن شوكة وقوة وعدد؟ كل هذا من أجل أن يطمئن يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.
وهنا فائدة فيما مضى أيضًا في قولهم:، يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لم يعترض على هذا، لم يقل: كيف يرتع وكيف يلعب؟ لن أرسله معكم من أجل هذا، هو ما اعترض على، هذا فيه أن ترك الأب ولده أو طفله من أجل أن يرتع أو يلعب في بعض الأحوال لا إشكال فيه، لكن المهم الصحبة، المهم المخاطر وما إلى ذلك، وأن لا يكون هذا شغله الشاغل، وإلا فأصل اللعب للأطفال لا حرج فيه، والآية تدل على أن يعقوب ما اعترض على ذلك، ﴿أَنَّمَا﴾ كان تخوفه من أمر أو من أمرين آخرين والعلم عند الله تبارك وتعالى.
لا أريد أن أُطيل عليكم أكثر من هذا، سنكمل إن شاء الله تعالى، قد يبدو أنني أطلت لكنني في الحقيقة قصرت، وإلا فالوقوف على كل آية يستوجب درسًا كاملًا، وهذا ما سيكون بعد في قصص الأنبياء والمرسلين "في قصصهم عبرة"، لكن سنمر مرورًا أسرع بإذن الله تعالى في الدرسين الباقيين بإذن الله، ممكن نأخذ معها درسين إذا أحيانا الله، وفقنا الله وإياكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
لمحة في سورة يوسف الجزء الثاني
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة: "لمحة في سورة"، وهذا هو المجلس الثاني في سورة يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وقد توقفنا في اللقاء السابق عند الحوار الذي جرى بين يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وأولاده إخوة يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- حينما قالوا لأبيهم:﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَـٰصِحُونَ﴾ ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ ﴿قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ﴾ ﴿قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًا لَّخَـٰسِرُونَ﴾.
فرب العزة -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بين لنا أن إخوة يوسف طلبوا من يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أن يترك لهم أخاهم يوسف ليكون رفيقًا لهم في اللعب واللهو، لكن يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أبدى تخوفه أو أبدى حزنه فقال:، فبين لهم أن هناك أمرين لا يريدهما يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أو لا يحب أن يذهب يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- معهم من أجلهما.
أما الأمر الأول: فهو الحزن على فراق ولده حتى ولو كان لوقت قليل.
والأمر الثاني: خوفه عليه من أن يأكله الذئب في حالة غفلتهم عن يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؛ وذلك لتركهم له في موضع من المواضع أو مكان من الأماكن.
وهذا فيه أن يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كان يحب يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- حبًا جمًا، وأنه كان متعلقًا به لما رأى من مخايل النجابة فيه فعلم أن له شأنًا، وقلنا إن هذا من أسباب حب يعقوب ليوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فهو يدخل في الحب الشرعي، فأنت حينما تحب الصالحين ومن يُرجى فيهم الخير والبركة هذا من الشريعة وهذا من الدين، ويوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لا شك أنه منذ صغره ونعومة أظفاره على ذلك ويدل على ذلك الرؤيا التي رآها -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.
، أرادوا أن يطمئنوا أباهم -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- في هذا الأمر،﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾40، فقضى ربي -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أن يأخذوا يوسف وأن يخططوا له هذا المخطط، واستجاب يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لطلب أولاده مع خوفه ومع حزنه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، والله ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ شيئًا هيأ أسبابه، وتمضي الأيام بل وتمضي السنون، وبعد ذلك ينبئهم يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بهذا الأمر حينما مكن الله -عَزَّ وَجَلَّ- له وأتاه يعقوب وأتاه إخوته كما سيأتي في آخر القصة بإذن الله تبارك وتعالى.
قال الله:﴿وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾41 ﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ﴾42 ﴿وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾43.
قال الله:، هذا يستفاد منه فائدة، وهي أن البكاء على أنواع، وأنه ليس كل بكاء يدل على صدق صاحبه، فلربما بكى الإنسان وليس بصادق، ولذلك بعض العلماء، ولعل منهم الشعبي -رَحِمَهُ اللهُ-، حينما أتته امرأة تشكو إليه وتطلب منه القضاء، فصبر فقال له آخر: لم لا تقضِ لها؟ ﴿إِلَّا﴾ ترى بكاءها؟ فقال له: يا هذا، وما يدرينا؟ ألم يقل الله:؟ يعني أنا لست متعجلًا حتى أتثبت، فلعلها بكت دون أن يكون لها الحق، وبعض الناس إذا رأى بكاء غيره تعجل في الحكم أو في الفتوى، والأمر ليس كذلك.
، وهذا فيه أن الاستباق لا بأس به، وإنما الذي جاء في الشرع ضبطه بمسائل، وهو ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يسوغ أخذ العوض في المسابقات ومتى لا يسوغ، وإلا فأصل الاستباق المجاني الذي ليس عليه أجر لا بأس به، قال الله سبحانه:، هذه علامات تدل على كذبهم، ولذلك يقولون دومًا إن صاحب الجريرة أو الجريمة أو الخطأ يترك خلفه ما يدل على جريرته أو على ذنبه، فقال بعض العلماء من ذلك إن التعبير جاء هكذا:، بفاء التعقيب التي تدل على السرعة، يعني مباشرة أكله الذئب! ليس هناك وقت للذهاب والإياب؟ ألم يصرخ يوسف فحاولتم إدراكه؟ حاولتم الذب عنه والدفاع عنه؟ كل هذا انتهى فأكله الذئب مباشرة! ثم تقولون:.
وهنا أثار بعض الناس لغطًا وغلطًا، فقالوا: إن هذا التعبير القرآني "فأكله الذئب" يُنافي بلاغة القرآن وفصاحته، أو ينافي البلاغة والفصاحة، فطعنوا في القرآن من أجل ذلك، وقائلو ذلك ما هم إلا جهلة، إن القرآن الكريم عجز العرب الفصحاء عن الإتيان بمثله، بل الإتيان بعشر سور من سور القرآن أو بسورة من مثله كما هو معلوم، قالوا: إن السبع أو الذئب، لأن الذئب من السبع، يُستعمل معه ليس الأكل، وإنما يستعمل معه الافتراس، فيقال: افترسه السبع، افترسه، لكن القرآن قال "فأكله"، أو ذكر الله قولهم: "فأكله الذئب"، فقالوا: هذا الاستعمال ليس بذاك في البلاغة، فأنت لا تقول أكله الذئب، ﴿أَنَّمَا﴾ تقول افترسه الذئب كما تقول افترسه السبع.
فرد العلماء على هؤلاء ردًا جليلًا جميلًا، مع اعتقادنا التام أنه كما قال ابن عطية -رَحِمَهُ اللهُ-، وأحسن فيما قال، أنه "لو نزعت كلمة من كتاب الله -عَزَّ وَجَلَّ- ثم أدير لسان العرب على أن توضع كلمة في موضعها ما أدت المعنى الذي تؤديه بأتم ما يكون" أو كما قال -رَحِمَهُ اللهُ-، يعني أن كل كلمة لها دلالتها، لكن علمها من علم وجهلها من جهل، فالإنسان يُعطى من العلم بقدر ما يفتح الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عليه.
افتراس السبع أو افتراس الذئب معناه أنه نهشه وافترسه وأصابه فيبقى منه شيء، يبقى منه شيء، يبقى منه العظام، يعني إذا افترسه السبع ماذا يُنتظر؟ أنه أبقى شيئًا، أبقى الجمجمة، أبقى العصب، أبقى العظام، فـ -حينئذٍ- الواقع سيقال لهم: وأين باقية؟ فين الباقي؟ طب هاتوا لي عظام يوسف، هم يريدون أن ينفوا وجود شيء من يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وأن يوسف قد ذهب كلُّه، فماذا يقولون وبماذا يكون التعبير؟ التعبير يأتي بـ "فأكله"؛ لأن الأكل معناه لا تنتظر منا شيئًا، لا تنتظر منا ذراعًا، لا تنتظر منا عظامًا، لا تنتظر منا عصبًا، فكان هذا هو الأدل على المقصود، فهذا أبلغ في المعنى، وهو موافق أيضًا لقول يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: لم يقل يفترسه.
لذلك بعضهم قال: كأنه لقنهم حجتهم، يعني أحيانًا الإنسان يقول كلامًا فيسمع منه الغير هذا الكلام فيقول به، وهذا يجري أحيانًا، تجد الأب يقول لابنه في بداية تمرس الولد على فعل بعض الأشياء إياك أن تفعل كذا وكذا ليحدث، يقول: يا أبي حدث كذا، وهو الذي لقنه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ هذا، والعلم عند الله كذا قال بعضهم.
فقالوا: "فأكله الذئب" على أن استعمال الأكل مع الذئب أو السبع معروف لغة، ولذلك في القرآن الكريم قال ربي سبحانه: إلى أن قال:﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾44، الشاهد هنا:، لم يقل: وما افترس السبع، والسبع يدخل فيه الذئب، فهذا يدل على أن هذا الاستعمال معروف في كتاب الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.
قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-:، كان الدم نفسه كذبًا، فكيف بمن جاءوا به؟، هنا يعقوب -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- ظن بهم هذا الظن، وكان ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ في ظنه، مع أنه في الموضع الذي سيأتي بعده قال:﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾45وهم لم يكذبوا في المرة الثانية في أن أخا يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قد حُبس عنهم، لكن لأنه جرب عليهم الكذب وجرب عليهم هذا الفعل؛ ولذلك الإنسان قد يسيء الظن بغيره إذا وجدت أماراته، هذا الذي يقتضيه الأمر.
الأصل أن الظن أكذب الحديث، لكن أحيانًا تكون هناك أمارات وعلامات تدل على أنَّ هذا الظن له وقعه، وربنا قال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾46ولم يقل اجتنبوا كل الظن، يبقى الأصل أن الظن لو موضع التهمة أنك أنت تتهم البريء هذا لا يجوز، لكن إنسان أوقع نفسه في مواضع التهم، وإنسان يُعرف عنه الكذب، ويُعرف عنه الغش، ويُعرف عنه السرقة، ويُعرف عنه كذا، فإذا حدث هذا يتوقع أنه هو القائم بهذا الأمر.
، قالوا: الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه، الذي لا يشكو فيه الإنسان ربه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، ولذلك بعد ذلك سيأتينا أن يعقوب قال:﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾47، فهو شكى إلى الله ولم يشكُ الله، إذًا الإنسان إذا شكى إلى ربه وسأل ربه رفع الضر وكشف الضر عنه لا حرج عليه.
﴿أَنَّمَا﴾ الذي ينافي الصبر الجميل أن يشكو العبد الله إلى المخلوقين، فهذا هو الممنوع أو هذا الذي ينافي الصبر الجميل، وتجد أن الجمال وصف في صفات جليلة وعظيمة وخطيرة كالصبر والصفح وحتى السراح والهجر، يعني ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ ذكر الله أو وصف الله بالجمال بعض الأوصاف؟ وصف الهجر:﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾48،﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌ ۖ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ﴾، وهنا قال:، وقال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾49، فإذا كان الجمال يقع حتى في السراح، في الطلاق، ويقع مع الصفح ممن أساء إليك، وفي الصبر في تحمل الشدائد، فكيف بالصفات الأخرى؟ هذا يدلك على أن الإسلام كله دين الجمال، دين الجمال في كل أوصافه..
﴿وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَـٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلَـٰمٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةً ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾50 ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ﴾51، يعني أنا أمر مرورًا سريعًا كما ترون لأن السلسلة كما تعرفون "لمحة في سورة"، لكنني أيضًا أبطئ بعض الشيء على العادة الجارية لكثرة الفوائد الموجودة في هذه السورة، ويعني تلهف الناس عليها غالبًا وهذا حق السورة المباركة فهي أحسن القصص على قول بعض العلماء، وإلا بعضهم يرى أن أحسن القصص في أول السورة القرآن كله، فالقرآن كله فيه أحسن القصص إذا ما قورن بغيره من القصص الذي يقوله البشر فقصص ربي هو أحسن القصص بلا شك.
، هنا فائدة وهي أنه هناك بعض الألفاظ القرآنية التي استعملها الناس بعد استعمالات أخرى فلا ينبغي لهم أن يفهموا الكلمة القرآنية إلا بحسب ما كانت تُستعمل وقت نزول الوحي، يعني هناك ألفاظ قرآنية استعملها الناس فيما بعد استعمالات أخرى حادثة لا ينبغي إذا فسر القرآن أن يفسر بالمصطلحات الحادثة وإنما يفسر بحسب اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، يعني ما يأتي أحد ويقول: "وجاءت سيارة" يعني كان معاهم سيارة، فيطلع واحد علينا يقول إيه: وكان أيامها سيارات! أدي مشكلة في القرآن أثبت أن في سيارة وأول سيارة اكتشفت أو صنعت في سنة كذا وكذا! هذا جاهل ما يعرف شيئًا، السيارة لا تطلق على هذا، السيارة قافلة تسير.
إذًا ما يُقال إن سيارة هي السيارة التي نعرفها، ﴿أَنَّمَا﴾ سيارة يعني قافلة تسير، وكذلك مثلًا في قول الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-:﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِى تُـْٔوِيهِ﴾52، الفصيلة التي انفصل منها العشيرة القبيلة، وليست الفصيلة المعروفة اليوم، فيقول فصيلة: كان عندهم تحاليل وتفاصيل موجب وكذا! هذا ليس هو.
إذًا هكذا يفهم القرآن الكريم، أن بعض الناس يأتينا بالأعاجيب والخلل عنده هو لأنه لم يفقه كيف يُفهم القرآن الكريم؛ ولذلك كان من المتعين واللازم على من يفسر القرآن الكريم أن يكون على دراية باستعمالات الكلمات العربية في الوقت الذي نزل فيه الوحي الذي نزل فيه القرآن، فكيف فهمه الأصحاب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؟
، العلماء لهم قولان مشهوران في قوله:، ما معنى؟ "شروه" فيها معنيان، المعنى الأول: باعوه، والمعنى الثاني: اشتروه. يعني "شروه" اشتروه و"شروه" باعوه،﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾، ما معنى؟ يعني باعوا به أنفسهم، فقالوا: يعني باعوه، وبعضهم يقول اشتروه، ولذلك وقع الخلاف على ما يعود الضمير، على من يعود الضمير في الآية؟ فكثير من المفسرين يقول: المعنى أن هؤلاء باعوه أي هؤلاء من السيارة الذين تلقفوا يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وأخذوه أسروه بضاعة، خافوا أن يشعر بهم أحد فهرولوا وأسرعوا ثم باعوه في مصر ﴿بِثَمَنٍۭ بَخْسٍ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ﴾، بدليل ما جاء بعد:، إذًا هم باعوه له وهو اشتراه منهم وهذا أقرب.
ومنهم من قال: بل معنى ذلك أن إخوة يوسف وصل بهم الحد إلى أنهم لما رأوا السيارة، القافلة، وهي تأخذ يوسف وقفوا أمامهم وقالوا: كيف تأخذونه؟ هذا لنا وملكنا عبدنا أو نحو ذلك، فقالوا نشتريه منكم فاشتروه من إخوة يوسف، فكأن إخوة يوسف جمعوا بين هذا وذاك، بين أن ألقوه في غيابة الجب وأن باعوا أخاهم، لكن هذا فيه نظر والعلم عند الله وإن قال به فريق.
رده بعض العلماء، قالوا: الضمائر تعود على هذه القافلة والسيارة، فهم أقرب في الدلالة، ثم إن الله قال: وإخوة يوسف لم يكونوا من الزاهدين فقط لكن ده هم ضيعوه أصلًا، ﴿أَنَّمَا﴾ الزهد أنه أراد ثمنًا قليلًا وهذه هي المشكلة، فشأن البضاعة والتجارة والبيع والشراء ﴿أَنَّمَا﴾ كان من القافلة الذين حملوه، أو من القافلة التي حملته -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.
﴿وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، سبحان الله! يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- الحر الحر يصير عبدًا، يصير مسترقًا يباع! يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يحال بينه وبين أبيه! ومع هذا كله يُسمي الله هذا تمكينًا ليوسف:.
يوسف دخل مصر على أنه عبد، على أنه رقيق سيكون خادمًا، لكن الله سمى هذا تمكينًا، إذ كيف كان سيأتي يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- من بلاده إلى مصر ليقيم عند العزيز وليتعرف عليه العزيز، وليكون بعد ذلك له شأن كبير عند الملك وليكون على خزائن الأرض؟ ولذلك قالوا: العبرة ليست بنقص البدايات، وإنما هي بكمال النهايات، فالإنسان ما يدري، يعني أنت قد تبتلى ابتلاءً فتقول خلاص، بعض الشباب يقول خلاص المستقبل راح عليه العوض خلاص انتهت، وما يدريك؟ لعل هذا بداية المستقبل، هذا بداية الفرج، أنت تراها محنة وهي في الحقيقة نعمة، أنت تراها بلية وفي الحقيقة هي عطية، ولا يتفطن إلى ذلك إلا من رزقه الله البصيرة، قال الله:﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
ثم انتقلت بنا السورة إلى مشهد آخر، إذًا هذا مشهد أول وهو مشهد يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مع إخوته وما وقع منه إلى أن بيع -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وصار عند عزيز مصر.
قال الله سبحانه:﴿وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾53،﴿وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾، ولم يسمها الله لنا ﴿أَنَّمَا﴾ قال:، هذا يسمى في علوم القرآن بالمبهمات، مبهم يعني لم يصرح رب العزة بها الآن في هذا الموضع، بعد ذلك سميت بأنها امرأة العزيز، لم تسمى باسمها ﴿أَنَّمَا﴾ قيل لها امرأة العزيز.
وهنا قال:؛ لأن الحديث عن النساء ينبغي أن تصان به الألسنة أو أن تصان عنه الألسنة، ﴿إِلَّا﴾ تلوكه الألسنة فيما لا يليق، ليس مانعًا أن تذكر المرأة باسمها فقد كانت تُسمى الصحابيات على عهد الرسول هذه عائشة هذه أم سلمة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- لا إشكال، لكن أن تذكر في مثل هذا الموضع، الموضع الذي فيه أنها طلبته وأنها رغبت فيه وأنها راودته لا، يكنّي عن المرأة: يكون هناك ستر، ليس هناك مجالًا، ليس هناك مجال للفضيحة وإظهار العورات كما يجري من الناس اليوم، نسأل الله السلامة إلا من رحم الله، نسأل الله أن يرحمنا برحمته.
قال:، للدلالة على إحكام هذا التغليق والرغبة الشديدة منها،، وهذا أصعب ما يكون في المرأة أن يصل بها الحد إلى أن لا أن تراود فقط ولكن أن تسعى بكل سبيل وأن تعلن أنها هي المريدة وهي الطالبة وهي الرغيبة وهذا خلاف الأصل، بل إن المرأة الزوجة تتدلل على زوجها ليبقى لها شأن عنده، فكيف وهذه تطلبه وتراوده بل وتغلق الأبواب وتقول:؟ بعض العلماء فسر "هيت لك" يعني هلم إلي أقبل علي، وبعضهم قالوا هي بمثابة الصيحة التي تصيحها المرأة حينما تصل بها الشهوة إلى أعلى حد، يعني أن المرأة وصلت إلى حد غريب وكبير، ويوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- شاب وغريب ومسافر وهو عبدها وهي الطالبة له، وهناك أمان من أن يطلع عليهما أحد، ومع هذا كله قال:، وهذا تثبيت من الله ليوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.
، وقالت هِيتَ لك، هِئْتُ لك، هذه أربع قراءات متواترة كلها تدل على هذا المعنى، قالت:، العلماء لهم قولان مشهوران. يستعيذ بالله سبحانه ويطلب من الله أن يعيذه وأن يجنبه الزلل،، هل المراد برب العزة فيكون الضمير عائدًا على قول "معاذ الله"؟ أو "إنه ربي" "إنه" يعود على ما سيأتي ويكون بمثابة ضمير الشأن وقد تقدم معنا قريبًا في دروس التفسير في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ وإن كان بعضهم له في ذلك كلام وتفصيل ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يكون الضمير ضمير شأن.
الشاهد قالوا: يعني سيدي الذي أحسن مثواي فكيف أسيء إليه؟ وهذا مناسب لما جاء قبل:، وهنا قال:، يعني هل هذا رد للجميل؟ سيدي أحسن مثواي إنه ربي أحسن، ثم أنا بعد ذلك أفعل ما هو كذا وكذا! هكذا يبين يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أنه بريء من هذا، وأنه بعيد عنه كل البعد.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ﴾.﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ﴾، من العلماء من يختار الوقف فيقول: ويقف،، لأن همها ليس كهمه وهمه ليس كهمها. ومنهم من يختار الوصل ويقول: مع الوصل لا إشكال فالمعنى واضح أيضًا وجلي، وأهل التفسير لهم في تفسير الهم ثلاثة أقوال لها حظ من القبول وإن كان بعضها أقوى من بعض.
القول الأول: وينسب لجمهور المفسرين، أن يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- همّ همًا، لكن هذا الهم لم يتبع بالعزيمة، ومثله في ذلك ما جاء في الحديث، حديث ابن عباس القدسي، أي فيما يرويه الرسول عن ربه: «وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً» [صحيح البخاري، 6491]، وكأن هذا في بيان أن يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لم يمتنع عنها بسبب عجز عنده، بل عنده وفور الشهوة وعنده القوة لكنه ما كان ليقدم على هذه المعصية، فقالوا: الهم هو مجرد الخاطر الذي لم يستقر ولم يبقَ له أثر، فصاحبه مأجور مثاب عند الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، و-حينئذٍ- يرون الوصل في الآية ولا إشكال فيه.
القول الثاني: أن هم يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لم يقع أصلًا، لأن معنى الآية: هذا بإثبات الهم، كأن المعنى: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، إذًا لم يقع هم أصلًا، فيكون هذا لنفي الهم لا لإثباته، أي: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، لكنه لما رأى برهان ربه لم يهمّ بها، واضح المسألة؟
القول الثالث: أن هم يوسف كان هم دفع، يعني هي أقبلت عليه وهو همّ ليدفعها لكن لطف الله -عَزَّ وَجَلَّ- جرى به أنه لم يدفعها من الأمام، وإنما جرى وهي تجري وراءه، فكأنه كان يدفعها دون أن تكون من قبله من جهته؛ لأنه لو دفعها من الأمام لقيل هو المقتحم عليها كما سيأتي بعد في شأن القميص والعلم عند الله، هذه ثلاثة أقوال مشهورة والعلم عند الله.
قال الله:، وما برهان ربه؟ قيل برهان ربه: استحضار عظمة الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، رأى البرهان تذكر عظمة الله وجلال الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، ذكر الله، بعضهم قالوا صورة يعقوب تصورت أمامه، إلى غير ذلك مما قيل، حتى وصل ببعضهم أنه قال: تصورت أمامه﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾54، ولا أدري ما الدليل على ذلك؟ وهذا بعيد كل البعد، ولم ينزل القرآن بعد، لكن عمومًا بعض المتكلمين في التفسير يتوسعون في مثل هذا توسعات كبيرة، ولا حاجة إلى ذلك، هو برهان من عند ربه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.
، فكل تفسير يزعم صاحبه أن يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أقبل على امرأة العزيز وراودها وجلس منها ما يجلس الرجل من امرأة كل هذا باطل وزور، ولا ينبغي أن يُقال في حق يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وهو نبي كريم مكرم معصوم يحفظه ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، والله قد صرح وقال:، إذًا ما أقبل لا على سوء ولا على فحشاء،.
ومن المعروف أن عباد الله المخلصين لا تسلط للشيطان عليهم، لأن الشيطان قال كما قال الله عنه:﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾55 ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾56، فلا تسلط له على المخلصين، ومن أعظمهم وأجلهم، بل أعظمهم وأجلهم أنبياء الله ورسله.
﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾،﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، يعني كأن حدث شيء من المناوشات، اتقي الله، يقول لها: لا تفعلي، والرسول قال: سبعة يظلهم الله في ظله ومنهم: «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتَ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ﴾» [صحيح البخاري، 660]، وصل به الحال إلى أن يجري، سبحان الله! هذا الشاب المبارك يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يجري هربًا من أن يقع في الفاحشة، هربًا ممن تراوده على الفاحشة، وهذا يدل على أن المسلم ينبغي له أن يبتعد عن مواضع الفتنة، لا يقول أنا الحمد لله ما شاء الله ثابت على ديني وأنا قوي فيقلب الصفحات ويقول ما في مشكلة أنا محافظ على ديني بفضل الله تعالى ويرى ويرى يقول عادي ما في مشكلة أنا الحمد لله قلبي سليم، فأي سلامة هذه؟ الإنسان يبعد ويبتعد، «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ» [سنن أبي داود، 4319]، الإنسان يبتعد عن مواضع الفتنة.
من سيدها؟ زوجها، وسمي بسيدها هذا فيه أن الزوج سيد لامرأته، وهذه السيادة ليست سيادة استبداد، وإنما سيادة قوامة ورعاية، يعني مش معناه بقى يقول لك خلاص أنت بقى إيه يبقى سيد، لا، هذه سيادة ثابتة، لكنها معناها قوامة ورعاية وحياطة وهكذا، ويرحم الله أم الدرداء -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- حينما قالت كما في صحيح مسلم: "حدثني سيدي أبو الدرداء"، تقول عن زوجها سيدي، تقول سيدها، وهي لا ترى في ذلك غضًا ولا ترى في ذلك إشكالًا -رَضِيَ اللهُ تبارك وتعالى عَنْهَا-.
قالت:، انطلاقة، هجوم، تهاجم من البداية حتى تقضي على ما يكون من يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، والعجيب أن يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- ما بدأ بالكلام ولا بادر به، وإنما تكلم كلام المدافع، ولما تكلم أحسن في الكلام فقال:﴿قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾، تأمل: هي ما أنا لست أنا، ولذلك جاءت الجملة اسمية، لم يقل راودتني عن نفسي، هي راودتني، وهذا كما ذكره الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز له مدلول ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يتقدم الاسم ومتى يتأخر ومتى تكون الجملة اسمية وفعلية، هذا كلام نفيس وجليل في بابه "هي راودتني" منها، لكن هي راودتني ليس المقام مقام امرأتي العزيز امرأتك كذا، لا،.
﴿قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾57 ﴿فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾58 ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ﴾59، والكلام في الشاهد وما يتعلق به طويل ليس المقام مقام الحديث عنه، لكن الفائدة المذكورة هنا وهي الاستدلال بالقرائن أنه يحكم بالقرائن، يعني الإنسان قد لا يجد دليلًا لكن يجد قرينة، يجد قرينة، فهم قالوا ما القرينة؟ أن القد جاء من الدبر من الخلف، يبقى إذًا من المقبل؟ هي المقبلة عليه، يعني لو كان القد أو القميص قد من القبل إذًا فيه إقبال، مواجهة، لكن من الدبر إذًا فيه فرار، هو يفر.
فعُلم من ذلك أن يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- هذا استدلال بالقرائن، كما وقع من سليمان -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- في الحديث المتفق عليه في شأن المرأتين اللتين تحاكمتا إلى داود ثم تحاكمتا إلى سليمان عليهما السلام، وهذه تقول حينما عدا الذئب على أحد الولدين وهذه تقول هذا ابني وهذا ابني ماذا يصنع سليمان؟ قال: ائتوني بالسكين، ائتوني بالسكين حتى أشقه بينكما نصفين كل واحدة تأخذ نصفًا، فقالت الأم: لا هو لها، أنا ابني يبقى ولو عند هذه المرأة أفضل من أن يشاقّ، فحكم لها به؛ لأن الأم لها شأن معروف، الأم لا تتحمل مثل ذلك، فهذه قرينة، لذلك قال: يستفاد من ذلك العمل بالقرائن.
، وهذا فيه كلام، كيف قال ذلك زوجها:؟ والتعبير بالخاطئين يعني المذنبين، لذلك قالوا: فرق بين الخاطئ والمخطئ، فأنت تقول أخطأ فلان فهو مخطئ إذا كان عن غير عمد، وتقول خطئ فلان فهو خاطئ إذا كان عن عمد، يبقى فرق بين خاطئ ومخطئ،﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾60، فرق في التعبير كل لفظ له دلالة.
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾61.﴿۞ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ هنا أيضًا أزيل إشكالًا يقع عند بعض الناس؛ لأن هذا من مهام هذه السلسلة وهو "لمحة في سورة"، نتكلم عن المقصود العام ثم نذكر بعض الآيات، وإن أطلنا بعض الشيء في سورة يوسف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مع إزالة بعض الإشكال في فهم بعض الآيات، وهو أن الله قال: بعض الناس يشكل عليهم الأمر يقول: النسوة مؤنث، قال: "وقال"، ما قال: وقالت، "وقال نسوة" مؤنث!
نقول لا إشكال؛ لأن النسوة هذا جمع، هذا جمع أو اسم جمع على خلاف بين علماء النحو في ذلك، والجمع إذا لم يكن سالمًا، وبعضهم يقول إذا لم يكن مذكرًا سالمًا، فإنه يجوز التذكير معه والتأنيث، يعني الجمع غير المفرد، لذلك ربنا قال:﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾62، "قالت" مع أنهم أعراب، الأعراب ذكور ولا إناث؟ ذكور، وقال: قالت، قالوا: إذًا قالت يعني قالت جماعة الأعراب، جماعة الأعراب يبقى فيه تقدير كأنه جماعة، طب "وقال نسوة"؟ يعني وقال جمع نسوة، وقال جمع نسوة، إذًا التعامل مع الجمع أن ممكن يُذكَّر معه الفعل أو يُؤنَّث، هذا هو معروف بس، أما إذا كان جمعًا مذكرًا سالمًا فيجب التذكير -حينئذٍ-، وإذا كان جمع مؤنث سالم فظاهر كلام ابن مالك -رَحِمَهُ اللهُ- أنه يجوز أيضًا، وبعضهم يمنع كابن هشام ويقول: بل يؤنث معه وجوبًا باعتبار المفرد، وهذه قضية معروفة عند أهل اللغة والتاء مع جمع سوى المذكر من سالم كالتاء مع إحدى اللبن، يعني مثلها مثل المؤنث المجازي كما قال ابن مالك -رَحِمَهُ اللهُ-.
الشاهد من ذلك أنه "وقال نسوة" لا إشكال فيها لغة، بل بعض العلماء قال: لم يقل وقالت للدلالة على السرعة التي وقعت منه فحذفت التاء، وقال بعضهم: للدلالة على قلتهن، أن هذا جرى من عدد قليل فناسبه أن يقول وقال جمع نسوة، لأن التذكير يذكر معه مع غالبًا مع القلة، والتأنيث يذكر كثيرًا مع الكثرة، كذا قيل، والكلام في ذلك طويل.
، وهذا أعظم ما يكون من الشغف هذه مشكلة كبيرة جدًا، ولذلك عند هذه الآية يذكر العلماء ما يكون مما يقع بين الشباب والفتيات، نسأل الله السلامة والعافية من داء العشق، العشق أن يقع عشق فتعشق المرأة وتشغف رجلًا من الرجال، نسأل الله السلامة.
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾63 ﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾64 ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾65 ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾66.
يبدو لي أنني ما أستطيع أن أنا أمر عليها أيضًا هكذا، خلاص، يبقى نضطر للقاء القادم بإذن الله، هذا والله أعلم نقف عند هذا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم.
لمحة في سورة يوسف الجزء الثالث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة: "لمحة في سورة"، وهذا هو المجلس الثالث في بيان سورة يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وما يتعلق بها من مقاصد وفوائد، نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.
توقف بنا الحديث في اللقاء السابق يا أيها الإخوة الكرام عند أمر النسوة اللاتي ذكرهن الله عَزَّ وَجَلَّ فقال:﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾، فهذا الخبر بدأ يجري بين هؤلاء النسوة يتحدثن في أمر امرأة العزيز وما كان منها تجاه يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ،﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.
فلما سمعت بمكرهن لم يقل: "فلما سمعت بحديثهن" أو "بقولهن"، وإنما قال:؛ فهذا من مكر النساء، وكأن امرأة العزيز علمت أن هؤلاء النسوة حينما يتكلمن في حقها فإنَّ هذا كلام في امرأة الرجل الثاني في الدولة؛ فامرأة العزيز تلي امرأة الملك، وبناءً عليه فغالبًا ما يكون الحديث في شأنهن من الحديث المراد به المكر، فقالت:، في كثير من الأحوال إن المرأة تستعد بفرش البيت أو بإعداد ما تعده للضيوف، لكن الآية جاءت هكذا: للدلالة على المبادرة والسرعة بهذا الإرسال.
؛ أعدت لكل واحدة منهن المتكأ الذي تجلس عليه أو تستريح فيه من الفرش أو البسط أو الوسائد وما إلى ذلك، ﴿وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا﴾، قالوا: لأنَّها قدمت شيئًا من الطعام أو من الفاكهة أو ما أشبه ذلك، وقالت:، ويوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ استجاب لطلبها منه، وقالت: أي: عظمنه، أي: من شدة جماله فشُغلن بجماله عن السكين التي في يد كل واحدة منهن، وهذا لا شك لا يقع إلا إذا كان هذا الجمال جمالًا باهرًا يأسِرُ من نظر إليه، حتى إنه بالنظر إليه يتناسى ويغفل عن كل شيء سواه.
ذهب كثير من المفسرين إلى أن القطع هنا الإصابة بالجرح، يعني جرحن أيديهن،؛ وقد أرادت امرأة العزيز من وراء ذلك أمرًا، وهي أن تريهم لماذا راودت فتاها؛ فلا ينبغي أن تظن هؤلاء النسوة أن امرأة العزيز حينما راودت يوسف راودته لأنه فتًى كأي فتًى، ولكنه فتًى من طراز خاص؛ جمالًا في الأخلاق وجمالًا في المنظر والجسد، فأرادت أن تبين لهن عذرها فيما صنعت.
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾؛ ها أنا ذا أريتكم إياه، رأيتم يوسف عيانًا، فانظرن ماذا صنعتن؟ قطعتن أيديكن، فكيف لو أنكن تعشن مع يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أو لو أنكن تبقين في هذا المنزل مع يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ ماذا كنتن ستصنعن؟ ماذا كان سيقع منكن؟
؛ وكأنها لما رأت أن عذرها قد اتضح وظهر واستبان، فما كان منها إلا أن جهرت بما كانت لا تبديه ولا تظهره، فقالت مؤكدة: تصرح بذلك،؛ أي: فامتنع امتناعًا شديدًا، وأبى إباءً كبيرًا، فاستعصم وتماسك وامتنع ولم يستجب لي،، بهذا الظهور والوضوح، وكأنها بهذا تسمعه بل تريد إجبار إسماعه، فهي تريد أن تقول هذا وذاك لتسمع النسوة حقيقة الأمر، وليسمع يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أن امرأة العزيز لن تتراجع عما قررت وعما طلبت.
، فحينئذٍ تضرع يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلى ربه، لم يقل: "أنا مغلوب على أمري وأنا معذور أيضًا وهي لن تتركني"، ﴿أَنَّمَا﴾ لجأ إلى الله وتضرع إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأيضًا أيقن أنه لا بد من الافتقار إلى الله؛ فإنَّ العبد مهما أوتي علمًا وذكاءً وزكاءً وتقوى، فإنه لا يستغني عن الافتقار إلى الله عَزَّ وَجَلَّ؛ لأن المعصوم من عصمه الله، والموفق من وفقه الله، والمحفوظ من حفظه الله، فتضرع إلى ربه قائلاً:﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾.
وتأمل: بدأ بالسجن، قال:، لم يقل: "ربي ما يدعونني إليه مكروه إلي لا أريده"، بل قال:؛ أي ليس عندي إشكال في أن أبتلى ولو بالسجن، لكن لا أريد أن أبتلى بالمعصية، فإنَّ الابتلاء بالمصائب أخف من الابتلاء بالمعايب، ولئن يبتلى العبد بمصيبة يصبر عليها فيؤجر، خير له من أن يبتلى بمعصية تجره إلى نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية.
، وتأمل لم يقل: "أحب إلي مما تدعونني إليه"، ﴿أَنَّمَا﴾ قال:؛ إذًا الداعية ليست امرأة العزيز وحدها، قال بعض العلماء: وكأنهن لما رأين إصرار امرأة العزيز وعذرها فيما طلبت وافقنها في طلبها، فكأنهن بموافقتهن أو بسكوتهن عن الباطل أو الخطأ الذي تريد أن ترتكبه وتحمل يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عليه صرن كأنهن داعيات إلى هذه المراودة.
قال:؛ يعني اجتمعن عليه،؛ يعني أمل إليهن وإلى رغبتهن وإلى مراودتهن،؛ لأنه حينئذٍ سيعمل ما لا يقتضيه العلم، ومن لم يعمل بما يقتضيه العلم فهو جاهل؛ لأن الجهل كما تقدم في مناسبات كثيرة جهلان: جهل علم، وجهل عمل بالعلم، فالذي لا يعلم يقال عنه جاهل، والذي علم فلم يعمل بمقتضى ما علم فهو جاهل أيضًا، ولذلك السفيه جاهل،﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾67، وربنا ذكر المعصية وأنها جهالة:﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾68، ولذلك قالوا: كل من عصى الله فهو جاهل، وهذا بحسب تلك المعصية.
قال الله سبحانه:، تأمل قوله:، فمن الذي يصرف الكيد؟ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذا معنى قولك: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، لكن الإنسان يقول: "أنا رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ورجل تقي وأنا أحافظ على نفسي ولا يهمني ذلك ولو كن ألف امرأة فأنا محافظ على ديني"، ما يدريك أنك ستثبت؟؛ لذلك كان العلماء وأهل الفضل يخافون من فتنة النساء، وقد جاء عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المتفق عليه: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» [صحيح البخاري، 5096، وصحيح مسلم، 2740].
عطاء بن أبي رباح، وقد تقدمت ترجمته ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ونحن نتحدث عن تراجم بعض الأئمة والعلماء، وهو من هو في العلم والفضل والعبادة والتقوى، ومع ذلك كان مبتلًى في جسده، فقالوا عنه: كان أعور، أفطس، أعرج، إلى غير ذلك مما ذكروا في وصفه، ولازم بيت الله الحرام ما يزيد عن عشرين عامًا، وكان ينادى في الموسم: "لا يفتي الناس في الحج إلا عطاء"، يعني عطاء هو الإمام البارز ذو الشأن العالي في الفقه وفي العلم وفي الحديث، ومع ذلك كان يقول: "لو ائتمنوني على بيت مال المسلمين لكنت أمينًا، ولو ائتمنوني على امرأة شوهاء ما أمنت على نفسي"، سبحان الله! يخاف على نفسه.
وقد قال بعضهم في قوله:﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾69، قالوا: "في الصبر عن النساء"، هذا يدلك على خطر هذه الفتنة، وأن العبد عليه أن يلجأ إلى الله ليحفظه الله عَزَّ وَجَلَّ.
﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾؛ فصُرف عنه هذا الكيد، وسلم من شر المرأة ومن تتبعها له وتخطيطها له؛ لأنه ماكث عندها وكان بإمكانها أن تعاود المرة تلو المرة وتحدث مشكلات وقضايا، لكن حفظه الله من ذلك.
ثم مضت مدة،﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْءَايَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍ﴾، قال بعضهم: وكان الخبر لما بدأ ينتشر شيئًا ما، فوجد العزيز أن أفضل حل لذلك أن يسجن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فحينئذٍ سيظن أن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قد ارتكب جريمة أو أخطأ في حق امرأة العزيز أو ما أشبه ذلك، فيداوي بسجن يوسف تلك الإشاعة التي أُشيعت أو هذا الخبر الذي انتشر، فَسُجِنَ يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ظلمًا وهو بريء من ذلك عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بريء من هذه التهمة التي وُجِّهَت إليه أو التي رُمِيَ بها.
فقال:﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ ٱلْءَاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾؛ الآيات كما تقدم، مع أنَّ سورة يوسف فيما يبدو للرائي لأول وهلة أنها طويلة، لكنها في حقيقة الأمر فيها إيجاز عجيب، لذلك يقول: "فأخذوه وأدخلوه السجن وسُجِنَ"، كل هذا لم يُذكَر، ﴿أَنَّمَا﴾ قال:؛ إذاً معناه أنه سُجِنَ.
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ ٱلْءَاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾؛ انتقلت بنا السورة الكريمة إلى مشهد آخر، وهو ما يتعلق بيوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وهو في السجن، هذا مشهد آخر بعد أن كان يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في بيت أو في قصر العزيز، إذا به ينتقل إلى السجن، فلما كان معه هذان الفتيان وقع لكل واحد منهما رؤيا، فأراد أن يقص تلك الرؤيا على يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أو أن يقص كل واحد منهما رؤياه على يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
فقال له احدهما، قال الله عَزَّ وَجَلَّ:، أعصر خمرًا يعني: أعصر عنبًا، هذا العنب يصير بعد ذلك خمرًا، أي أنه يرى فيما يرى النائم أنه يعصر هذا العنب الذي يصير بعد ذلك خمرًا، وهذا كما ذكروا تعبير عن الشيء بما سيؤول إليه.
؛ هنا في قوله ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أي أرى أن فوق رأسي خبزًا وهذا الخبز تأكل الير منه؛ كأنهما ألتمسا في يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ العلم والحكمة والإحسان، وأنه لن يخطئ في هذه الرؤيا وفي تعبيرها.
وقولهما: دليل على أن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ظهرت عليه علامات الإحسان وهو في السجن، وهكذا المؤمن الصادق دوماً يُعرَف في كل الأحوال وفي كل الأمكنة والأزمنة لا يتغير؛ إذا سَافَرَ فهو على خُلُقِه، وإذا أَقَامَ فهو على خُلُقِه، وإذا كان في بَيْتِه فهو على خُلُقِه، وإذا كان بين النَّاسِ فهو على خُلُقِه أيضًا.
فأجاب يوسف، وتأملوا هنا:؛ تقدم أننا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: من مقاصد سورة يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بيان الإحسان، وأن الإحسان فيه انفراج الكربات وتيسير الصعوبات، ولذلك تكرر في سورة يوسف وصف يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بأنه من عباد الله المحسنين.
﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ ۚ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ ﴿وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾70.
مهَّد يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بتمهيد وبمقدمة، فقال لهما:؛ يعني إذا رأيتما في المنام رؤيا أنكما ستاكلان طعام كذا وكذا فساخبركما بهذا الطعام ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يأتيكما.
والقول الثاني: أي إذا أتاكما طعام من الملك أو من غيره فأنا أخبركما به ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصل إليكما، فيكون هذا مما علمه الله ليوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وأطلعه عليه من العلم الغيبي الذي يُطلع عَزَّ وَجَلَّ على شيء منه بعض أنبيائه ورسله:﴿عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا﴾71 ﴿إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًا﴾72، وهذا كقول عيسى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾؛ فعيسى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كان يعلم هذا أيضًا وينبئهم بهذا، ينبئهم بأكلهم وبالذي يدخرونه في البيوت.
ثم قال لهما:؛ أنا بريء من الشرك ومن عبادة الأوثان،.
إن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يبين لهما حقيقة التوحيد، فدعاهما إلى التوحيد ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يفسر الرؤيا، ويوسف مع أنه سجين لم يجد غضاضة في أن يقر بالتوحيد ويعلنه ويدعو إليه، ولو كان في الزنزانة ولو كان في داخل السجن، لا يترك الدعوة إلى التوحيد، بل يجهر بها ويصرح بها، ولذلك دعاهما ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يفسر الرؤيا، فقال لهما:﴿يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾ ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾73.
هذا فيه فائدة عظيمة وهي: البدء بالأهم، البدء بالأهم؛ دعوة المسلم أو دعوة الإنسان إلى عبادة ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فكأن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ استثمرها فرصة؛ هما يلجآن إليه ويستفتيان ويريدان منه تفسير الرؤيا، فأراد أن ينبئهما بما هو أهم وما هو أعظم، وهو أن يدلهما على الله وحده لا شريك له، فجهر بالدعوة وبالدعوة إلى التوحيد، وهكذا ينبغي للمسلم ﴿إِلَّا﴾ يجد فرصة من الفرص فيها دعوة إلى التوحيد إلا دعا يستثمرها في تبلیغ دين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فدعاهما إلى التوحيد ونبذ الشرك، وذكر أنه متبع لملة أباءه إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
وفي قوله:؛ "وعلى الناس" لأن وجود الأنبياء فضل من الله على الأنبياء وعلى الناس؛ لأن الخير يأتي من قبلهم، فالعالم يعطيه الله العلم فينتفع به العالم وينفع العالم غيره، فيكون هذا من فضل الله عليه وعلى الناس،.
ثم تمضي الآيات، فأراد أن يفسر الرؤيا، ففسرها في جملة كثيرة موجزة واضحة:﴿يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾، يفسر الرؤيا ويعبرها لكل واحد منهما،؛ هذا الذي رأى في المنام أنه يعصر خمرًا سيخرج من السجن وسيرجع إلى عمله ويكون قريبًا من الملك فيقدم له الخمر، فيسقي ربه، ما المراد بربه هنا؟ يعني: فيسقي سيده، وقال بعضهم: المراد به الملك يسقيه خمرًا، يعني سيكون من أصحابه وسيكون من رواده وسيكون من المجالسين له العاملين عنده.
؛ هذا جزاؤه، فتأكل الطير من رأسه، أي حينما يصلب تأكل الطير من رأسه من لحمه،؛ وهذا فيه أن الرؤيا أحيانًا إذا فُسِّرَت فإنها تكون مما يسر الإنسان، وقد تكون مما يكره، لكن هذه الرؤيا وهذا تعبيرها، ويوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عبَّر الرؤيا، وأنت إذا قرأت سورة يوسف علمت أن للرؤيا شأنًا كبيرًا في قصة يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ولذلك قال يعقوب:، وفي أول القصة:، وبعد ذلك ستأتينا قصة الملك مع ما رأى، وأن هذا كان سببًا في خروج يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ من السجن، ثم في آخر القصة:.
وقوله: صار هذا مثلًا؛ فإذا حُلَّت مشكلة من المشكلات يقال: ﴿قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾، وهذا يسمونه بالمثل السائر الذي يسير بين الناس ويطلق في مواقف كثيرة.
ثم قال:﴿وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾74، يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بما رأى علم أن أحدهما وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا أنه سيخرج وسيمكّن له وسيكون قريبًا من الملك، فحينئذٍ وجدها فرصة اذكرني عند الملك، اذكرني عند سيدك، اذكر له أمري وحالي حتى يبحث فيه، إلى هذا مال كثير من أهل التفسير.
؛ فأنساه الشيطان، من الذي نسي؟ الذي نسي هو ساقي الملك، هو صاحب الرؤيا وليس يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وإن كان بعض المفسرين قالوا إنه يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، والذي دفعهم إلى ذلك قالوا: لأن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لما لجأ إلى هذا الساقي ابتلي بالسجن مدة بعد ذلك، وكأن المراد بذلك أن يكون تعلقه بالله جَلَّ وَعَلَا وحده، لكن الأول أقرب، وأن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لم يخطئ فيما صنع، وإنما الذي صنعه هو من قبيل الأخذ بالأسباب، فماذا عليه؟ وكون الإنسان يسعى في تبرئة نفسه وإظهار حقيقة أمره، هذا لا حرج فيه ولا إشكال، بل هو من باب الأخذ بالأسباب.
، ولذلك جاء بعد ذلك:﴿وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ﴾75؛ يعني تذكر بعد مدة؛ لأنه لم يبلغ الرسالة التي كان يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يرغب في أن يبلغها للملك أو لسيده،، من الذي لبث ﴿فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾؟ يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، والبضع من ثلاثة إلى تسعة أو إلى عشرة، لذلك قال بعضهم: مكثت سبع سنوات أو ما قارب ذلك، والعلم عند الله.
ثم انتقلت بنا السورة إلى مشهد آخر يعقبه فرج كبير من الرب الكبير ليوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ ۖ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾76 ﴿قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ﴾77.
وقال الملك في مجلس من مجالس، يقول لجلسائه:؛ سبع بقرات سمان ضخمة سمينة يأكلهن سبع عجاف؛ يعني هزيلات ضعيفات، وهذا غريب؛ لأن القوي في الأصل هو الذي يأكل الضعيف، أما أن يأكل الضعيفُ القويَّ فهذا غريب! وقوله: هكذا جاء الأسلوب بالفعل المضارع كأن الرؤيا تجددت عليه وتكررت كما قال بعضهم:، والعدد سبعة له أسرار كثيرة.
، وتأمل قوله:؛ إذاً تعبير الرؤيا فتيا، تعبير الرؤيا فتيا، لذلك لا ينبغي أن يُتجرأ عليه بدون علم،؛ هذه تخاليط أحلام، كيف يأكل الضعيف القوي؟ بسبع بقرات أعجاف تأكل السبع الكبيرات أو السمان، كيف هذا؟؛ ما عندنا خبرة ولا علم، وكانوا صادقين في قولهم:، وإن لم يكونوا مصيبين في قولهم:، لكن هذا من الصدق؛ لأنه في الغالب إذا وجد أمثال هؤلاء مع ملك أو مع صاحب قيادة فإنهم لا يصدقونه بل يتكلمون بكلام يفرحه ويسره وإن كان غير مطابق للواقع، فقد يقول أحدهم: "نعم هذه رؤيا جميلة وأنت ستفعل وتفعل"، حتى يحل له المشكلة، لكنهم ما تجرؤوا على أن يتكلموا بلا علم.
﴿وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ﴾؛ ﴿وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا﴾؛ أي من الفتيين،؛ تذكر بعد مضي زمان، وهنا كلمة بمعنى مدة زمنية:﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾78يعني إلى زمن فترة، ولذلك كلمة أمة في القرآن لها عدة معانٍ جاءت بعدة أوجه:﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾79جامعًا لخصال الخير أو قانتاً عابداً،﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾80جماعة من الناس،﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾81يعني ملة واحدة، وهذا ما يذكره العلماء في علم الوجوه والنظائر.
؛ سآتيكم بالنبأ اليقين؛ لأنه تذكر يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ والخبرة التي هو عليها،﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾82؛ أيضًا هنا إيجاز واضح جدًّا، كأن الملك قال له: "انطلق، اذهب إلى هذا الذي تريد أن تذهب إليه"، فذهب إليه ودخل عليه السجن، كل هذا حُذِف، ﴿أَنَّمَا﴾ قال مباشرة:، وتأمل قوله:، الذي كان معه في السجن يشهد له بالصديقية.
، يقول ما قاله الملك دون تصرف، هذه أمانة في النقل؛ يعني أنت سمعت رؤيا تريد أن تقصها على غيرك حتى يعبرها، لا تتصرف فيها، قلها كما قيلت لك، نرى دقة من هذا الناقل،﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾83 ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾84 ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾85.
لم يأتِ في السورة أن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قال: "أين أنت؟ وأين ذهبت؟ وأين وصيتي لك؟ لِمَ لم تسأل عني؟ الآن جئت لتسألني عن الرؤيا؟ لِمَ لم تتذكرني عند الملك؟"، ما جاء في هذه السورة شيء من ذلك، ولعل يوسف لم يفعل هذا أصلاً، وهذا فيما يبدو لأنه كريم ابن كريم ابن كريم ابن كريم، والكريم إذا قُصِدَ بالسؤال أعطى ولم يمتنع، وقد وُجِّهَ إليه سؤال علمي، فما كان ليترك الجواب عنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
والعجيب أن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لم يعبر الرؤيا فقط، بل عبر الرؤيا وبين ماذا ينبغي لهم أن يصنعوه وزادهم ما لم يذكر في الرؤيا، وهذا مما أعلمه الله به، يعني يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عبر الرؤيا وزادهم ما لم يُذكر في الرؤيا وبين لهم كيف يتعاملون مع الرؤيا، ما المخرج منها؟ وهم لم يسالوه عن المخرج ﴿أَنَّمَا﴾ أرادوا أن يعبروا الرؤيا، وهذا مهم جدًّا في تعبير الرؤيا لمن رزقه الله البصيرة.
قال:؛ مستمرة بجد واجتهاد، شيء فيه دأب ودوام واستمرار وجهد، وجِد،؛ يعني سنة وراء سنة بجد واجتهاد،؛ يعني عليكم أن تدخروا وأن تقتصدوا، فأخرجوا من الحبوب على قدر الاستعمال واقتصدوا فيها، والباقي أبقوه في السنابل؛ لأنه إذا بقي حُفِظ، وإذا خرج من السنابل أو مما هو فيه من السنبل يفسد ويتعرض للسوس وما إلى ذلك،؛ على قدر أكلكم وحاجتكم.
؛ إذاً هناك سبع سنوات ستكون الأمور ميسرة فادخروا وحافظوا على محصولكم، ثم ستأتي بعد ذلك سبع سنوات شداد؛ أي فيها قحط وجدب، فماذا تصنعون؟ قال:، والذي يأكل ليست السنة، وإنما الذي يأكل الناس، لكن كأن السنة هي التي تأكل من شدة الفقر والحاجة والفاقة فيها، يقال: "أكلته السنون" من شدة الفاقة، مما كنتم تدخرونه، يبدأ يخرج كل واحد منهم أو يخرجون الاحتياطي، ما كان احتياطيًّا وما كان مختزنًا يبدأون في إخراجه، مما يكون بذرًا يستفيدون منه بعد.
؛ بعد ذلك يأتي المدد وتنفرج الكربة، فيكون في هذا العام الرخاء، يُغَاثُ الناسُ: تنزل الأمطار بعد قحط وجدب، وفيها يعصرون: يعصرون ما يشاؤون من عصير، وهذا ليس مذكورًا في الرؤيا نفسها؛ يعني هل الملك حينما ذكر ذكر شيئًا يتعلق بهذا العام؟ لا، ما ذكر هذا، ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر ما يتعلق بالسبع سنين وما إلى ذلك، لذلك قال بعضهم: هذه زيادة أعلمه الله عَزَّ وَجَلَّ بها، وأعلمهم كيف يدخرون وكيف يتعاملون مع سني القحط وكذلك مع سنوات السعة والرخاء بفضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وجاء التعبير بقوله:، ثم جاء في الأخير:، قالوا: لأن السنة يناسبها الجدب والقحط، وأما العام فيُذكر في الرخاء، فيقال: مرت عليه سنة؛ يعني فيها شدة، ومر عليه عام؛ أي فيه رخاء، وهذا تفسير رائع وتعبير جليل من يوسف الكريم عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فيه مخرج لأزمة الأمة، لأزمة مصر كلها، ومصر كانت تضخ لغيرها، ففتوى يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فيها تفريج كربة لأمة.
فوصل هذا الرجل إلى الملك وأخبره بالخبر، هذا كله أيضًا حُذِف في الآيات، ﴿أَنَّمَا﴾ جاء بعدها:﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾86؛ هكذا يقول الملك:، أي حينما سمع هذا الملك من يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أو سمع من الساقي الذي صار معه وذهب إلى يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، سمع منه هذا التفسير، طلب أن يُقابل يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وأن يُجَاءَ بيوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ليلقاه وليتعرف على هذه الشخصية الفذة العجيبة الذكية الألمعية التي توصلت إلى هذا الحل وإلى تعبير الرؤيا بهذه الطريقة المحكمة.
﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾، جاء عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المتفق عليه: «وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ» [صحيح البخاري، 3372، وصحيح مسلم، 151]؛ يعني أنت إذا أتاك داعٍ وقال لك بعد سنوات: "تعال كلم الملك"، مش كلم فلان ولا اخرج فرجة يوم ولا يومين، لا، كلم الملك! الملك ينتظرك ويريدك، يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كما قال كثيرون أراد أن تثبت براءته ابتداءً، وأنه حين يخرج يخرج لأنه بريء، لا يخرج من أجل أنه عبر الرؤيا فقط، فيُقال إنه قد تجاوز عن خطئه، يعني: "أنت يا يوسف أخطأت وفعلت وفعلت ونحن نتجاوز من أجل هذا المعروف"، لا، ما يريد ذلك، يريد أن يتبين أنه بريء عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وهذا حقه.
؛ إلى سيدك إلى الملك،، والعجيب أنه لم يقل: "ما بال امرأة العزيز"، ﴿أَنَّمَا﴾ قال:، فهو لا يزال حافظًا لجميل العزيز ولا يذكرها، ﴿أَنَّمَا﴾ يقول: "هؤلاء النسوة"،، استدعاهن الملك،﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾87؛ ولم يقل: "هل راودتن يوسف عن نفسه؟"، ﴿أَنَّمَا﴾ مباشرة:، وكأنه لما سمع ما سمع من يوسف أو من رسول يوسف، أيقن أن يوسف ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، ولكنه أراد أن يسمع إلى الطرف الآخر ليكون هذا أظهر في براءة يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
؛ حاشا لله قالوها ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ واليوم يقولونها في بيان براءته،؛ وتأمل: لم يقلن: "ما رأينا"، بل؛ يعني لا رأينا ولا سمعنا في حقيقة الأمر هذه دعوة،، مع أنها ليست المقصودة ابتداءً، لكنها وجدت أن البراءة جارية وظاهرة،، قالوا: "حص" معناها بان، فحصحص يعني استبان استبانة وبوضوح وجلاء بحيث لا لبس فيه ولا غموض.
تصرح بذلك أمام الملك وأمام الجمهور أمام هؤلاء أمام النسوة:، وقد ذكروا أنها تابت توبة صادقة، وبعض المفسرين يذكرون ما يذكرون من أمرها، وأن يوسف تزوجها بعد ذلك، وهذا مما ليس لدينا دليل عليه يثبت في كتاب الله ولا في سنة الصادق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن قال به كثيرون، والعلم عند الله، فهذا أمر لم يذكره الله فنسكت عنه.
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ ﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ﴾88، على من يعود هذا؟، قال بعضهم: يعود على امرأة العزيز؛ يعني تقول: "حتى يعلم يوسف أنني قلت الحقيقة في غيبته وهو غير موجود، وأنا الآن أبين أنه ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وأنه صادق كما تكلمت في حقه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، فأرد إساءته وأحسن إليه"، هذا معنى، أو أنها تقول لزوجها إنني لم أخن زوجي، بمعنى أنه لم يصل الأمر مع يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلى خيانة الفراش فهذا لم يحدث، هذان قولان قال بهما بعض المفسرين إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه يعود على امرأة العزيز.
وقول آخر قالوا: بل المراد به يوسف، كان المعنى: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ، انتقلت السورة لذلك يقولون هو من الموصول لفظًا المفصول معنى، أي ليعلم العزيز أنني لم أخنه بالغيب وأنني بريء كل البراءة، ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ﴾.
﴿۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾89، إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنها امرأة العزيز فالأمر واضح: تعترف أن، وأما من قال إنه يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فكأن يوسف مع هذا كله يقول: ومع هذا كله فأنا ما أبرئ نفسي، ﴿أَنَّمَا﴾ ألجأ إلى ربي فهو الذي حماني، ﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ﴾، فمن رحمه الله فهو المرحوم المحفوظ، ﴿إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
حين اتضح الحق وظهر، ما كان من الملك إلا أن قال:، لكنه هذه المرة زاد فقال:﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾90، ليس فقط ائتوني به حتى أتكلم معه وحتى أنس به، لا، مثل هذا استخلصه لنفسي، سأجعله في مقام رفيع وفي منزلة عالية، سيكون أقرب الناس إليه، وبعد أن كان في بيت العزيز سيصير قريبًا من الملك ذاته وسيُولَّى أعلى المراتب في مصر.
﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾، مكين ذو مكانة متمكن لك التمكن، أمين تُستَأمَن على مصر كلها؛ لأنه بفضل الله حفظ فرجه وغض بصره وقال الحق وصدق فيه ولم يفترِ على الله كذبًا.
﴿قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾91، وقد يقول قائل: ولِمَ طلب يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذلك؟ الجواب: هل طلب يوسف ذلك في وقت تكون مصر فيه في رغد، يكون أهل مصر في رغد فيه أم أنهم سيعيشون قحطًا وجدبًا وأزمة؟ سيعيشون أزمة، فيوسف ما طلب المنصب من أجل المنصب، وإنما طلبه ليكون سببًا في فك الحصار أو الأزمة وإزالة الكربة، ولئلا يقع المصريون ثم من كان تابعًا للمصريين في حرج اقتصادي، حينئذٍ قال:، ومن كان حفيظًا عليمًا فهو أحق بأن يولى ويتوج وتكون له الكلمة النافذة.
نقف عند هذا ونكمل بإذن الله في الدرس المقبل، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
لمحة في سورة يوسف الجزء الرابع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام مع مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة: "لمحة في سورة"، وما زلنا بفضل الله وتوفيقه مع سورة يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ووقفنا في المجلس السابق عند قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴾.
عرفنا يا أيها الإخوة الكرام أن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حينما كلمة الملك ورأى من يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ما رأى من النباهة والفطنة والذكاء والعدل والحكمة، أراده في مكان عالٍ ورفيع، فقال له:، وتأمل قوله:؛ أي مع ثبوت صدقك وأمانتك وقوتك وحجتك وحكمتك مكين أمين؛ أي في مكانة عالية أو متمكن لك تمكنك ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ مكان شئت من بقاع مصر، أمين تؤتمن على كل شيء.
حينئذٍ قال يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:، والمراد بخزائن الأرض هنا: خزائن مصر؛ أي اجعلني على خزائن مصر أحفظ أموالها أحفظ نقودها زروعها إلى غير ذلك من كنوز وفيرة، وهذا فيه أن أرض مصر كان فيها خير ولا يزال بفضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ونسأل الله أن يحفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وأن يجعلها بلدًا آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
قال:، قالوا: ومصر كانت تمد الناس ليس بالطعام فقط، وإنما تمدهم بالكنوز والذهب وما إلى ذلك، وتعرفون أن بني إسرائيل حين خرجوا من مصر في عهد موسى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ استعاروا من أهلها؛ أي من الأقباط من أهل مصر استعاروا منهم الحلي، وهو الذي صيره فيما بعد السامري عجلاً له خوار، وهذا يدل على أن الذهب واكتنازه كان معروفًا في هذا البلد زيادة في الرخاء والقوة والتمكن.
قال:، وهذا فيه أن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ طلب هذا السؤدد أو طلب هذه الولاية، ولكنه طلبها لمصلحة عامة، فهو لم يطلبها رغبة فيها من حيث هي، وإنما من أجل أن يقيم مصالح الناس، ومن أجل أن يُزيل الله عَزَّ وَجَلَّ به الكربة والغمة التي ستلحق مصر في البلاد التي ستأتيها أو في المحن التي ستأتيها من الجدب كما بين ذلك في السبع سنوات التي هي سبع عجاف.
والأصل أن الإنسان لا يطلب الإمارة، ولا يسعى إليها، وإنما تأتيه دون رغبة منه فيها؛ فإنَّه إن فعل ذلك وأتته دون طلب منه لها فإنه يُوفق عليها ويُعان عليها، وإلا وُكِلَ إليها، ولذلك حذر الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ من الحرص على الإمارة وقال: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً وَحَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ» [صحيح البخاري، 7148]، لكن يستثنى من ذلك إذا اقتضى المقام ذلك، أو كان سيتولى ذلك من ليس كفئًا، فتصدر الكفء من أجل الحفاظ على المصلحة العامة، فحينئذٍ تقدم المصلحة العامة على الخاصة، وهذا ما صنعه الكريم يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
ثم إن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مؤهل بلا شك، بل إنه أعظم ما يكون وأعظم من يكون في مثل هذا الباب عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قال:، فقد جمع بين هذين الوصفين الجليلين وهو وصف الحفظ والعلم؛ فهو حافظ حفيظ يؤتمن على أي شيء فيحفظه لا يضيعه ولا يخربه ولا يفسده، ثم هو عليم ذو خبرة.
وبعض الناس قد يكونون أمناء لكن ليس لديهم من العلم ما يؤهلهم، هو أمين ولكنه لا يصلح لهذا المقام، وآخر لديه خبرة ولديه مهارة ولديه ثقافات لكنه ليس صاحب ذمة أمينة وإنما هو غدار وخائن، فهذا وذاك لا يصلحان لتولي شيء، وإنما الذي يصلح: الحفيظ العليم، كما وصف يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نفسه، وهو صادق في ذلك عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
، تأمل:، كما تقدم في بيان أن الله ذكر التمكين ليوسف في بداية الأمر مع أنه كان مبتلًى وقد أُخِذَ في بيت هذا الرجل الذي تربى عنده وهو عزيز مصر، ومع ذلك فإنَّ الله قال هناك:﴿وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ لأن إقامته عند هذا الرجل كانت سببًا في أن يقع ما وقع من الأحداث من مراودة امرأة العزيز له، ثم كان ما كان إلى أن وصلنا إلى هذا الذي وصلنا إليه من خبر يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وهو مُمَكَّن على خزائن الأرض،.
؛ هذه رحمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قال:، وتأمل ذكر وصف الإحسان الذي تكرر في السورة ليدلك على أن عطاء الله للمحسنين كبير وعظيم وجليل، فإذا كنت من المحسنين فأبشر فإنَّ الله سيعطيك في الدنيا وسيعطيك في الآخرة سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قال:؛ يعني إذا كان هذا هو ما يكون لهم في الدنيا، فما يكون لهم في الآخرة أعظم وأجل،.
ثم انتقلت بنا السورة الكريمة نقَلة كبيرة أخرى، وهي نقَلة إلى حوار آخر عظيم كأن السورة مهدت له، وهي لقاء إخوة يوسف مع يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بعد أن صار مُمَكَّنًا؛ لتعلم ما بينه الله قبلُ في قوله:﴿وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾،﴿وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ مهما دبر الناس، ومهما خطط الناس، ومهما أراد الناس، ومهما كاد الناس، فالله غالب على أمره، فهذه حقيقة ينبغي ﴿إِلَّا﴾ يغفل عنها الإنسان.
قال الله:﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾92، هذا مشهد عجيب!؛ ترى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم اللبيب أن السورة طوت لنا أحداثًا؛ لأن يوسف تولى هذا الذي تولاه من خزائن الأرض، وابتليت مصر بما ابتليت به من محن، وزالت المحن وأمور كثيرة، وفي هذا الصدد يذكر الله لنا قصة أخرى يأتي فيها غير المصريين إلى مصر لياخذوا من مصر، إذاً صارت مصر أمانًا ومصدر رزق لا لأهلها فحسب، وإنما يأتيها الناس من هنالك من بلاد كنعان من بلاد الشام يأتون مصر طالبين الرزق والعون بفضل الله عَزَّ وَجَلَّ.
؛ عرفهم مع أنَّ يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كان ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ صغيرًا وقد أخذوه وألقوه في غيابة الجب وهو صغير، لكن هذا لا يخفى على يوسف؛ لأن يوسف أُعطِيَ حكمة وأُعطِيَ فطنة، والمؤمن له فراسة فكيف بالنبي؟ يعني المؤمن تكون عنده فراسة يتفرس ويعطيه الله من الفطنة ما لا يُعطَى لغيره، فكيف بنبي كريم؟
؛ وهم لا يعرفونه لا يدركونه، وتأمل التعبير القرآني:؛ يعني ما يتصورون أنه يوسف، ولا يدور في ذهنهم ولا في عقلهم أنه يوسف، ولذلك قال:، يعني لو أنه بإمكانهم أن يعلموا أنه يوسف ما علموا؛ لأنهم لا يتصورون، يوسف انقضى أمره وذهب شأنه، لذلك قال كثيرون: هذا أقل ما يمكن أن يُقال بينه وبين موقفهم الأول من إلقاء يوسف في غيابة الجب ما لا يقل عن عشرين سنة، وقد يزيد إلى فوق الثلاثين، يعني عدد سنوات طويلة مدة طويلة، كان صغيرًا الآن كبيرًا، ثم هذا أُلْقِيَ في غيابة الجب والناس اشتروه وباعوه، إذاً هو عبدٌ، هل الذي يجلس على كرسي كهذا؛ كرسي خزائن الأرض، أو إن شئت فقل: بيت مال الناس يومئذٍ، أو إن شئت فقل: وزارة المالية مثلاً، الذي يجلس في هذا المقام هو يوسف الذي ألقيناه في غيابة الجب؟ ما يمكن!
بعض المفسرين ذكروا آثارًا أن يوسف كان ملثمًا، فكان يقابل بعض الوفود وهو ملثم، ومن أجل ذلك لم يتفطنوا له، هذا لا دليل لنا عليه، لكن ذُكِرَت منه الآثار، وقد يقال أن بعض ملامحه قد تغيرت، لكن الذي دفعهم إلى ذلك في الأول أن جمال يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ طافح، جمال يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ظاهر فلا يخفى، لكن يمكن أن يُقال أخفاه شيء من تقدم سنه بعض الشيء، ثم كذلك بُعد التصور، أنت إذا لم تكن في نفسك أو إذا كنت لا تظن أنه بالإمكان أن ترى فلانًا، فإذا رأيته تقول: "لا لا ليس هو ليس هو"، مع أنه هو، لكن ما تريد أن تتصور.
ومن جهة أخرى فإنَّ المظلوم مكلوم، المظلوم مكلوم والمظلوم لا ينسى من ظلمه ولو بعد حين، ولذلك الإنسان قد يظلم ما يظلم ويظلم من يظلم ثم ينسى، لكن المظلوم ما ينسى! لذلك ربما رأيت طالبًا صغيرًا يقابل معلمًا وقد بلغ الخمسين أو الستين، يقول: "أنا أذكرك يوم أن فعلت بي كذا وكذا"، لا ينسى! يقول موظف صغير لرجل كبير: "أنا اتذكرك فعلت كذا"، هو ينسى لأنه مر عليه كثيرون.
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا
فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبهٌ
يدعو عليك وعين الله لم تنم
فيوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مكلوم ومظلوم فما كان لينسى إخوته، ثم هم عشرة وبجملتهم دخلوا على يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كما حرره كثير من أهل التفسير، فهذا العدد وبهذه الصفة لا يخفون عليه، ثم هم أكبر منه في السن فمعالمهم لا ﴿تَكَادُ﴾ تختفي مثله إذا كان صغيرًا ثم كَبُرَ، إلى غير ذلك.
على كلٍّ، يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كما اتصف بالكرم فهو متصف بالصبر والحلم في أعلى صوره، وأنت تضع نفسك في مثل هذا الموضع، من يصبر على ﴿إِلَّا﴾ يجهر بحاله: "تعالوا أما تتذكرون؟ ﴿إِلَّا﴾ تعرفون؟ جئتم بأنفسكم إلي"، ما يصنع شيئًا من ذلك، وكأن أمرًا لم يكن، يعطيهم ضيافتهم ويكرمهم غاية الإكرام دون أن ينتظر منهم شيئًا كما سترون.
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾93 ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ﴾94 ﴿قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ﴾95.
العلماء لهم كلام طويل وأنا كما قلت ليس المقصود هنا أن أفصل القول في التفسير فهذا سيأتينا إن شاء الله في مقام آخر، يعني كيف عرف أن لهم أخًا؟ بعضهم قال: هم الذين ذكروا ذلك وهو يتكلم معهم ويحدثهم ويثبتون، قالوا: "لنا أخ"، قال: "نعم تريدون معكم كَيْلاً، ائتوا بهذا الأخ حتى أعطيكم كيلاً زائدًا، فإنَّ لم تأتوني به إذاً أنتم كاذبون، وإذا كنتم كاذبين فلا تأتوني مرة أخرى، أنتم تقولون معنا أبونا وهو شيخ كبير ومعنا أخ لنا هاتوه، فإنَّ صدقتم زدتكم وإلا فعلت كذا وكذا"، إلى غير ذلك مما قيل في هذا الباب من روايات أخرى.
فحينئذٍ قال: إذا أوفى لهم الكيل،؛ خير من يكرم من ينزل عليه،، وتأمل قولهم:؛ يعني أن الأمر ليس باليسير، هم يعلمون أن الأمر لن يكون يسيرًا؛ لأن أباهم لن يفرط في أخيه كما وقع في الأمر في يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فيحتاج إلى مراودة،.
-والقراءة الأخرى لِفِتْيَتِهِ-:﴿وَقَالَ لِفِتْيَـٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾96؛﴿وَقَالَ لِفِتْيَـٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾قول كثير من أهل التفسير يقولون إن المراد بالبضاعة هنا: الأجرة، الثمن الذي جاؤوا به، يعني هم الآن يأتون بشيء ويأخذون مقابله، فالشيء الذي دفعوه سواء كانت نقودًا أو كانت غير ذلك؛ لأنه معروف مسألة البدل؛ يُعطي شيئًا ويأخذ مقابله، فالشيء الذي أتوا به لياخذوا مقابله قال لهم: ردوه إليهم، إذاً سيعطيهم هذا العطاء دون مقابل، إذاً أعطاهم وحَمَّلَهم ومعهم كذلك ما أتوا به.
قال بعضهم: وهذا سيحملهم حتمًا على الرغبة في العودة من جهتين:
أولًا: أنهم يقولون: "كيف نأخذ شيئًا بدون أجر؟ لا بد أن نرد حقه لعلّه نسي لا بد أن ندفع"؛ لأنهم مهما كان هم أولادٌ من أولاد يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أولاد نبي مبارك، وبناءً عليه هذا سيضطرهم إلى العودة هذا من جهة.
ثانيًا: ومن جهة أخرى سيثقون أكثر وأكثر في كرم يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يقولون: "إذا كان قد أكرمنا هكذا فكيف إذا جئنا بأخينا كما طلب منا؟ سيزيدنا وسيعطينا".
﴿فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾97؛ أرسل معنا أخانا نكتل؛ يعني إن ترسله معنا نكتل؛ لأنه وعدنا بذلك، وليس معنى ذلك أن أخاهم كان اسمه "نكتل"؛ لأن بعض المفسرين ذكر قولًا غريبًا قال: "اسمه نكتل"، وهذا بعيد...
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾98، ما معنى هنا؟ يعني: في حكم الملك، يعني ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى﴾ حكم ملك مصر إلا أن يشاء الله، لكن الله رزقه الذكاء حينما أحال عليهم وقالوا: "أنتم قولوا ما عقوبته؟"، فقالوا: عقوبته أن يُستَرَقّ، فرضوا بذلك وحينئذٍ أخذ أخا يوسف طواعية عنهم، يعني المفروض لا يترددون في ذلك؛ أن هذا هو الحق.
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، وجملة: فيها كلام جليل وكل كلام الله جليل، لكن كما ذكر العلماء هناك ما يسمونه بإيجاز القصر، يعني جملة في القرآن تجد جملة من ثلاث أو أربع كلمات لكن تتكلم فيها ما تتكلم لا ينتهي حديثك من بلاغتها واتساعها وثرائها، مملوءة بالمعاني التي لا تنتهي:.
﴿قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾؛ يا الله! هذا موضعه؟ يوسف أكرمكم، يوسف ما أساء إليكم، وأنتم الآن لا تتهمون أخا يوسف فقط، بل تثبتون عليه التهمة ومعه أخوه يوسف! كأنهم أرادوا أن يبعدوا عنهم التهمة، قالوا: "هو أخونا بس أخونا ليس شقيقًا لنا"، كما قال أكثر المفسرين.؛ في أخ له، لم يقولوا: "فقد سرق أخ لنا" أو "فقد سرق أخونا" فيكون لنا أسبقيات، لا! قالوا: "ده في سبقة بس لأخ له"، فهذا بعيد عنا! تقولون هذا لِيُوسُف؟!
؛ هذا الذي أُلْقِيَ في غيابة الجب! هذا الذي ظُلِم! هذا الذي فُعِلَ به ما فعلتم! هذا الذي كان سيُقْتَل لولا أن الله قدر حفظه وهو إلقاؤه في غيابة الجب، ومعناها القضاء عليه! تقولون عنه إنه سارق؟! من يتحمل أن يصبر في مثل هذا الموضع؟ يعني أظنك أنت لو كان عندك من الصبر ما عندك وبعد هذا كله اتهموك بالسرقة كمان، يعني مش حتى ظلم واقع عليكم فقط!
﴿قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾؛ أكثر المفسرين على أن قوله: حديث نفس؛ يعني ما جهر بها، لكن هو يقول لنفسه: "أنتم شر مكانًا ما هذا الله أعلم بما تصفون".
﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾99؛ يتحولون الآن إلى العزيز، أين هو وقد كان يُلْقَى في غيابة الجب حين تحدثونه بهذا الحديث؟!؛ يريدون أن يسترحموه،، كأنهم يسيرون بين خطين متقابلين وهذا عجيب! لذلك يا عباد الله الطاعة خط مستقيم، والمعصية خط مستقيم، المطيع تراه يسير على استقامة، أما العاصي تراه يتخبط، يعني الكلام الأول تهمة ليوسف، الكلام الثاني استرحام ويقولون: خذ واحدًا مكاننا! يعني أنتم الآن تقولون:، لماذا؟ هذا عجيب! لذلك الإنسان تجد إذا وقع في بعض المعاصي تجد بعضها يرد بعضًا ويصدم بعضها بعضًا وقد يجر بعضها إلى بعض، أما المطيع فالطاعة تجر إلى طاعة.
؛ عجيب أيضًا! هم يقولون في يوسف:، والآن:، الذي تقولون فيه: هو الذي تقولون إنه سرق! يعني كان بإمكانه في هذا الوقت يقول: "الذي تقولون فيه إنا نراك من المحسنين هو الذي تقولون إنه سرق"، لكن لم يقولها.
﴿قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًا لَّظَـٰلِمُونَ﴾100؛ قال: معاذ الله! نستعيذ بالله من ذلك ما كنت لأصنع هذا، نحن لا نظلم أحدًا، كيف يكون الصواع عنده ونأخذ واحدًا آخر؟، هذا يرسيه يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أنه لا يظلم،.
﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾؛ هذه الجملة حينما قرأها بعض العرب أو بعض الأعراب قال: "والله إنني أسجد لفصاحة هذا القرآن"، أو نحو هذا الكلام، جملة عجيبة! جملة ما تستطيع أن تضع كلمة في موضعها أبداً، لكن تستطيع أن تضع جملة ولا كلمة منه.
، كلمة استيأسوا هي معناها إيه؟ حاولوا محاولات شديدة: "أبوه شيخ كبير"، "وأبوه نحن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ سنرجع به"، محاولات.؛ نجوى بعضهم يقول متناجين وكلام بين التمييز والحال في ذلك،؛ يعني خلاص خرجوا هم سالمين لم يؤخذوا؛ لأنه لن يأخذهم لأنهم لم تثبت عليهم تهمة.
حينئذٍ جرى حديث آخر من كبيرهم،﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾؛ كبيرهم الآن يتكلم بمنطق آخر، يقول كلامًا مع أنه من قبله كان أحد المشاركين في إلقائه في غيابة الجب، لكن أرى أن الوقت أيضًا زاحمني، أاخذ مرة ثانية ولا...؟ لأن لو كملت طويل ممكن أخذ ثلاثة أرباع ساعة كمان، خلاص يبقى معنا مرة قادمة إن شاء الله تعالى حتى نختم السورة على شيء من التؤدة، وإن كان أيضًا ليس بالتؤدة المطلوبة.
هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لمحة في سورة يوسف الجزء الخامس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة: "لمحة في سورة"، وما زلنا مع مجالس سورة يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وهذا هو المجلس الخامس فيها.
وقد توقفنا عند قول رب العزة سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾ ﴿ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾101 ﴿وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ﴾102 ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
تقدم أن قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾فيه إعجاز في أسلوبه، ولذلك قالوا إن هذه الجملة غاية في الإيجاز بالقصر كما يُسميها أهل البلاغة،﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾أي أنهم حاولوا بشتى الطرق ليخلصوا أخاهم وليرجعوا بأخيهم لئلا يكون في قبضة العزيز، ولكنهم لم يجدوا مخرجًا لذلك؛ لأن البينة قد ظهرت، وأن أخاهم قد سرق، سرق فيما يبدو في الظاهر بالمكيدة التي قدر الله أن تكون كذلك:﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾بهذا الكيد، وهو هنا حيلة مشروعة للوصول إلى أمر قدره الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ليوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
فقال:﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾فوقع بينهم مناجاة، وهذا فيه أن الإنسان إذا وقع في ضائقة لا حرج عليه أن يجلس مع أقاربه أو ذوي الخبرة أو ما أشبه ذلك ممن يكونون سببًا في حل هذه المشكلة القائمة.
﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾، قال كبيرهم: هنا جرى حديث لكبيرهم، وهذه أول مرة في السورة المباركة يأتي التصريح بكبيرهم، وإنما قال قبل:﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ﴾103ولم يبين لنا من هذا القائل.
هنا قال كبيرهم، وهذا هو المعهود أن أكبر الأولاد يكون أنضجهم عقلًا وأحسنهم فكرًا ورأيًا، فالإنسان كلما كبرت سنه علا فقهه وفهمه هذا في غالب الأحوال، ولذلك: «البَرَكَةُ مع أكابِرِكُم» [صحيح ابن حبان: 1912] كما بين الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾وأيضًا فهو القائم على شؤونهم، فأول من يُسأل هو، يقال له: أين العهد الذي أخذ عليك لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ؟﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾104، فهناك ميثاق وعهد.
﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾يعني: نسيتم ماذا جرى منا من سابق؟ يعني: عندنا سابقة، وبناء عليه فنحن في موضع التهمة، ولذلك الإنسان إذا وقع في خلل فتكرر الخلل ولو كان فيه معذورًا، فإنه يُتوقع ﴿إِلَّا﴾ يُقبل منه العذر، ولذلك قالوا في شأن الكاذب: "كفى بالكاذب شؤمًا" أو "بالكذب شؤمًا أن صاحبه لا يأتمنه الناس ولا يصدقونه ولو صدق"، يعني: أنت إذا جربت على شخص كذبًا فجاءك في مرة فصدق، أنت لا تقبل كلامه وتحتاط في أمره مع أنه صدق في هذه المرة، لكنك جربت عليه كذبًا قبل ذلك.
ولذلك استدل الرسول على صدقه حينما قال: «أَرَأَيْتُمْ لو أخْبَرْتُكُمْ» ثم قالوا: «ما جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا» [صحيح البخاري: 4770]، فالذي لا يجرب عليه الكذب المتوقع أنه لن يكذب في مرة من المرات أو في حال من الأحوال والله أعلم.
﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾، هذا تصريح منهم بأنهم فرطوا في يوسف ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾: زين لهم الشيطان:﴿ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ﴾، فوقت المعصية ووقت الخطأ الشيطان يزين للإنسان العمل، لكن بعد ذلك جاء التصريح:﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾، ما وقع منا كان تفريطًا في يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾والمعنى: أنا ماكث في مكاني وباقٍ، ليس عندي وجه أقابل أبي به، ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟ فلعل مكثي هنا وابتعادي عنه ورجوعكم إليه دوني دليل على صدقنا فيما نخبره به، يعني: أخونا الكبير ما الذي منعه من المجيء؟ ما يجد ما يقوله لك، فنحن صادقون يا أبانا.
﴿ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾، يعني: هذه شهادة علمناها لأنه استخرج هذا من ماذا؟ من وعاء أخيه، هذه السقاية أين وجدت؟ وجدت في وعاء أخيه، وبناء عليه فالأصل أن الذي سرقه هو أخوهم، فهذا معنى﴿ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾، وهذا فيه أن الإنسان لا يشهد إلا بعلم:﴿وَلَا يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾105، إذا شهدت فاشهد على ما تعلم، أما أن تشهد بدون علم فهذا لا ينبغي أن يكون.
وقولهم:﴿ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾دون أن يقولوا: "وما شهدنا إلا بما رأينا" لأنهم ما رأوه وهو يأخذها، وهذا فيه أن الشهادة تكون على ما يُرى وعلى ما يُعلم.
﴿ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾، يعني: نحن نعم بالفعل أخذنا العهد والميثاق أننا سنعود بأخينا أخي يوسف، وقد سماه الأكثرون بأنه بنيامين، ولم يأتِ التصريح باسمه، لكن على كلٍّ هذا مشهور لديهم.
الشاهد من ذلك: نحن عاهدناك أن نرجع به، ولكن ما كنا نتوقع أن يقع منه ما وقع، وبناء عليه هذا أمر خارج عن استطاعتنا وعن احتمالاتنا وعما كنا نتوقعه أو نظنه:﴿ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾.
وأيضًا قال بعضهم: قولهم﴿ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾بمثابة الاحتراز، كأنهم يقولون: هذا الذي شهدنا بما علمنا فيما يبدو، لكن الأمر الغيبي لا نحفظه، كأنهم يعلمون أن يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يعلم أن بنيامين أو أن أخاهم لم يكن ليسرق وهم ما يعرفون منه سرقة سابقة، يعني: ما عرفت منه السرقة، فكأن قوله:﴿ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾لا نعلم أنه سيقع أمور، لكن هذا الذي علمناه ﴿وَقِيلَ﴾ عنه كذا وكذا واستخرج منه هذه أو استخرجت منه هذه السقاية أو الصواع كما جاء في الآيات بعد.
قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:﴿ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾، يعني: قال أخوهم الكبير: ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وما كنا للغيب حافظين، أو أن المعنى: نحن لا نحفظ الغيب، لنا الظاهر، لكن حقيقة أمر ابنك حقيقة أمر أخينا عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فهذا أيضًا من باب الاحتراز.
﴿وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ﴾، إن كنت لا تصدقنا يا أبانا، اسأل ﴿ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا﴾، سَلهم فأمره قد انتشر وفشا وظهر، أسأل القافلة التي أقبلنا فيها ومعها سَلهم، فإنَّ الخبر قد شاع وانتشر وذاع وليس لنا في ذلك شيء وليس منا سبب وإنما هو أمر خارج عنا.
﴿وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ﴾كثير من أهل العلم من المفسرين والبلاغيين يمثلون بهذه الآية الكريمة لما يسمونه بالإيجاز بالحذف أو المجاز، فيقولون معنى﴿وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ﴾يعني: واسأل أهل القرية، لأن القرية لن تُسأل، يعني واسأل القرية كيف سيسأل القرية؟ ﴿أَنَّمَا﴾ المراد واسأل أهل القرية، فيقولون هذا إيجاز بالحذف أو يقولون إنه مجاز.
وبعضهم يقول إنه إن القرية تطلق على إطلاقين: قد تطلق القرية على الأماكن نفسها تدل على المساكن، على البنيان، على الحيز العمراني الموجود في مكان أو في بقعة من البقاع، وقد تطلق القرية على أهل القرية أصلًا، فتقول: "كلمت من في القرية" أو "كلمت القرية" أي تقصد بها رجال القرية أو أهل القرية.
وبعضهم ذكر شيئًا وهو أنهم يقولون إن أمره قد عُرف حتى أنك لو سألت جدران القرية لأخبرتك، قالوا: وهذا ليس بعجيب؛ لأنهم يعلمون أن يعقوب نبي من أنبياء الله، والنبي يجري على يديه ما لا يجري على غيره، فكأنه يقال لهم: أنت لديك دراية والله يؤيدك فبإمكانك أن تسأل حتى الجدران فإنها تخبرك عن ذلك لو شاء الله أن تكلمك، هذه أقوال قيلت والكلام فيها كثير في هذا الباب.
﴿وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ﴾ ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾،﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾زينت وسهلت، هذه الجملة قالها يعقوب مرتين، قالها في المرة الأولى في شأن قميص يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حينما ادعوا ما ادعوه قال:﴿وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾.
وقوله:﴿وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾كان محقًا فيما قال حينما بين أنهم قد زينت لهم أنفسهم شيئًا وأن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ما أكله الذئب كما زعموا، لكن في هذه المرة هم صادقون أو غير صادقين؟ هم صادقون، ومع ذلك قال:﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، فكيف هذا؟ فقالوا: لأنهم أوردوا على أنفسهم الموارد، كما قلتُ الإنسان هو الذي يوقع نفسه في التهمة، يعني الآن حينما يُعرف بين الناس أن فلانًا يكذب أو أن فلانًا يسرق أو أن فلانًا يفعل المشكلات والمصائب وما إلى ذلك، فإذا وقع شيء من ذلك فإنَّ الأبصار ترمقه وإن الظنون تتوجه إليه، فهم أوقعوا أنفسهم في التهمة وإن كانوا براء في هذا الموقف، فقال يعقوب فيما يبدو له:﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، هذا شيء.
الأمر الثاني: أن يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قال ذلك لأنه يعلم أن ولده لا يسرق فكيف يُدعى أنه سارق؟ فهذا أمر لا يقع وهو يعلمه ويخبره جدًا، فقال:﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، يعني بقرينة أن أخاكم لا يُعلم منه أنه يسرق فكيف تأتون وتقولون إنه قد سرق؟ فمن أجل هذا قال:﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
وقوله:﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾كما تقدم يعني: صبر لا أذى معه، صبر لا شكوى فيه، وهذا فيه أن الصبر يوصف بالجمال كما تقدم في أوائل السورة، فهنا كذلك صبر جميل، وفيه أيضًا أن الصبر الجميل لا ينافي التضرع إلى الله، لا ينافي الشكوى إلى الله، ﴿أَنَّمَا﴾ ينافيه شكوى الله إلى المخلوقين، الذي ينافي الصبر الجميل أن تشكو الله إلى مخلوق، أما أن تشكو حزنك وهمك وكربك إلى الله فلا حرج عليك، ولذلك بعدها قال:﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ولم يُعد هذا مخالفًا للصبر الجميل.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، الآن المصاب متعلق بمن؟ متعلق بأخي يوسف، لكن المصائب تجمعت عليه، قالوا: والمصائب يذكر بعضها ببعض، يعني الإنسان قد ينسى المصيبة أو تخف عنه بعض الشيء، لكن إذا جاءت مصيبة أخرى ذكرته بالتي سبقتها، لذلك يتجدد الحزن، وهنا اجتمعت عليه ثلاث مصائب: فقد يوسف، وفقد أخيه، وفقد ولده الكبير، الثلاثة، هذا مصاب كبير:﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، وهذا فيه أن يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كان واثقًا في وعد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أو كان عنده يقين في الله أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لن يخذله، وأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قادر على إعادتهم إليه:﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾106أعرض عنهم، أعرض عن هذا الذي ذكروه وقالوه،﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾،﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾يذكر يوسف الآن، يعني كان متوقع "يا أسفى على الكبير" أو "على بنيامين"، لا،﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾لأن المصائب إذا اجتمعت اشتغل الإنسان بأكبرها وأعلاها، وأعلى أولاده قدرًا وشأنًا يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الذي رأى الرؤيا في صغره وعرف أبوه يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أن له شأنًا، فقال حينئذٍ:﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
ولذلك من لطف الله جَلَّ وَعَلَا بالمسلمين في غزوة أحد أن أُشيع بين الناس أن الرسول قد قُتل، مع أنه قُتل عدد كبير من الصحابة، قالوا: ذكروا قتل سبعين صحابيًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، والعدد هذا كان له شأن في مثل ذلك، قتل عدد من الصحابة، وكذلك جُرح كثيرون وأصيبوا بإصابات شديدة، وأشيع أن الرسول قد قُتل، وقد كُسرت رباعيته وشُج رأسه، كان أكبر هم عندهم ماذا؟ ما يتعلق بدعوى أن الرسول قد قُتل، فلما علموا أن الرسول لم يُقتل هان عليهم كل شيء.
ولذلك إذا لطف الله بالعبد هوّن عليه بأن زال المصاب الأكبر كما ذُكر من قبله في مثل هذا، يعني الإنسان عفانا الله وإياكم إذا بُلغ بأن أسرته وقع لهم حريق واحترق البيت بمن فيه، الأمر جد خطير عليه، فلما وصل وجد أن البيت هو الذي أصيب لكن الحمد لله أهله بخير، يهون عليه الأمر، لأن هذا عنده أشد، الخطب فيهم جلل وأكبر.
﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، هذا فيه أن قول "يا أسفى" في مثل ذلك من باب الحزن، "يا أسفى" كأنه ينادي الأسف، حزن يا أسفى، قالوا: وقد رزق الله الأمة المحمدية بالاسترجاع، فإننا إذا أصبنا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾:﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾107.
﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ومن جميل ما في القرآن من هذا الجناس اللطيف:﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، فكلمة "يوسف" وكلمة "الأسف" بينهما ما بينهما من التجانس:﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، وهذا يدلك على أنه حزن كبير جدًا، وبعضهم قال: المراد بقوله وابيضت عينيه يعني ضعف البصر، وهذا فيه أن كثرة البكاء تؤثر على العين فيقع لها هذا الذي ذكره الله:﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، وعند علماء العيون يعرفون ذلك ويقررونه أيضًا بفضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
بعضهم قال: بل عمي بصره واستدلوا بما جاء بعده في قوله:﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾108بأن البصر قد عاد إليه، والآخرون يقولون:﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾يعني فارتدت إليه قوة البصر بعد أن ضعف عاد قويًا، وهذا فيه كلام مشهور عند المفسرين حينما يطولون النفس في بيان المعاني التحليلية والمقصود هنا المرور مرورًا سريعًا كما ترون.
قال:﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، مملوء حزنًا.
﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ﴾109، ما زلت إلى اليوم تذكر يوسف، نحن نتكلم عن أخي يوسف ونتكلم عن كبيرنا ونتكلم وأنت الآن لا زلت ما زلت تذكر يوسف، "تَاللَّهِ تَفْتَؤُا" يعني: لا تفتأ، يعني: لا تزال تستمر، فهنا "لا" مقدرة: تفتأ تذكر يوسف يعني لا تزال تذكر يوسف:﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ﴾، طريح الفراش، مريضًا مرضًا كبيرًا،﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ﴾، من الأموات، يعني: لا تزال تذكر يوسف إلى أن تكون طريح الفراش من شدة المرض أو أن تصير من الهالكين الميتين.
﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ﴾، بعض العلماء يقولون: الآية جاءت بهذا التعبير الجليل الذي فيه ألفاظ تستعمل عند الغرابة والعجب، تالله القسم المشهور والله قالوا لكن تالله يأتي في الأمر العجيب، وكلمة تفتأ كذلك جاءت في الأمر العجيب، وكلمة حرضًا لم تتكرر في القرآن، فاجتمعت هذه الألفاظ للدلالة على الغرابة، والغرابة تحتمل اتجاهين:
أحدهما والعلم عند الله الغرابة أنك لا تزال تذكر يوسف إلى هذا الوقت، إلى هذا الوقت وقد مضى عليه ما مضى من سنين كثيرة.
والوجه الثاني: أن الآية تذكر موقفًا جرى من إخوة يوسف يدل على التعجب من حالهم، أو تظنون أن الأب ينسى ابنه؟ فهذا غريب، تعتبون على الشيخ الكبير وعلى الأب النبي المبارك يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في أنه يتذكر ولده هذا غريب، حينما تُطالب الأب بأن ينسى فلذة كبده وينسى ولدًا رأى فيه النجابة فأنت تأمره بشيء غريب، كيف ينساه؟﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ﴾ ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، نبي يوحى إليه:﴿يَـٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾110.
هذا فيه الأخذ بالأسباب، ما بقى يبكي وفقط، لكن هناك أخذ بالأسباب:﴿يَـٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾، التحسس يعني البحث، لكنه بحث بكل الحواس، فتأمل التعبير:﴿يَـٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾، تحسسوا من كل جانب بأعينكم بآذانكم بمشيكم بذهابكم وإيابكم، لا تترددوا ولا تعجزوا، وإنما جدوا واجتهدوا.﴿يَـٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾، قالوا: ولم يذكر الكبير لأن مكانه معروف لديهم هو موجود غير خافٍ، أما أمر أخيهم أمر صعب شاق ويوسف أصعب.
﴿يَـٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾، ما معنى من رَوح الله؟ من رحمة الله، عندنا رُوح ورَوح، رَوح رحمة الله، لكن عيسى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قال:﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾111يعني روح مخلوقة من عند الله خلقها الله عَزَّ وَجَلَّ فيه وليس جزءًا من الله، أما رَوح الله رحمة الله، فَرَوْح صفة من صفات الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يعني معناها الرحمة، والرحمة صفة من صفات الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على الوجه الذي يليق به.
﴿يَـٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾، ولذلك قال الخليل إبراهيم:﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ﴾112، وهذا يدل على ما كان عليه يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ من الأمل والثقة فيما عند الله، ليس عنده يأس، يفقد ولدًا والثاني والثالث وما زال واثقًا في وعد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيما عند الله.
فلما دخلوا عليه، الآيات تطوي كأنهم قالوا حاضر يا أبانا سنستجيب لك ونفعل ما تريد، وتحركوا وذهبوا إلى مصر، هذا تطويه السورة لكنه معروف،﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَـٰعَةٍ مُّزْجَىٰةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾، ضعف حالهم ضعف حالهم ورق أمرهم ما صار لديهم،﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَـٰعَةٍ مُّزْجَىٰةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾، كانوا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ عندهم البضاعة كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ما يدفعونه من أجل جلب المتاع أو من أجل جلب البضائع منه، صارت البضاعة مزجاة لا ﴿تَكَادُ﴾ تقبل قليلة ضعيفة لا يكاد يقبلها، فلذلك طالبوه بالإحسان:﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَـٰعَةٍ مُّزْجَىٰةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾.
وليس في الآية أنهم سألوه عن أخيهم، يعني لم يقولوا له ماذا عن أخينا هل ستطلق سراحه هل ستتركه؟ قال بعضهم: كأنهم ما وجدوا وجهًا للكلام فيه حينما استيأسوا منه وخلصوا نجيًا، فأرادوا أن يذكروا له حالهم وأن يذكروا له ضعفهم فإذا رأى ضعفهم لعله يرق لهم فيقول لهم: وخذوا أخاكم معكم، يعني كأنهم أرادوا الإيماء بذلك.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَـٰعَةٍ مُّزْجَىٰةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾، هنا مسألة أثارها بعض العلماء: هل معنى ذلك أن الأنبياء يقبلون صدقات؟ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» [صحيح مسلم: 1072]، هل هذا خاص بالرسول أم أن هذا عام بالأنبياء؟ مبحث يذكره العلماء بذلك في ذلك.
وحان الوقت ليجهر يوسف بما أسر، هذا الوقت كله، ﴿إِلَّا﴾ ما أصبرك يا يوسف، ﴿إِلَّا﴾ ما أحلمك وما أكرمك، فحينئذٍ ماذا نطق يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ﴾113، أنتم الآن جئتم لتكلموني في البضاعة لتكلموني في العطاء، أما تفكرون فيما صنعتم؟﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ﴾، قالوا: والجهل هنا أنهم لم يعملوا بمقتضى العلم، لأن الجهل كما تقدم نوعان: جهل علم وجهل عمل بالعلم، فالذي يعلم الحق ولا يعمل به جاهل، الذي يعرف أن هذا حق ولا يعمل بمقتضى الحق هذا جاهل،﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وقالوا: "كل من عصى الله جاهل".
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ﴾وكأنه سكب عليهم ماءً باردًا شديدًا، يوسف؟ أنت أيضًا تعرف يوسف؟ يوسف؟ وكأن الذي مضى وهم له منكرون حينما رأوه ما توقعوا أن هذا يوسف، كأن الذكريات عادت بهم، يوسف؟ أنت يوسف؟ أنت أنت أخونا؟ أنت من كنت صغيرًا؟ أنت من ألقيناه في غيابة الجب؟ أنت من ظلمناه؟ تجلس على كرسي العرش وتجلس في هذا المقام ونحن الضعفاء الذين نلجأ إلى عطائك؟.
﴿قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾، كأني بيوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وهو يقولها من منطلق القوة والعزة، لكنها الرحمة في أعلى تصورها وفي أعلى ما تكون من صور:﴿قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾، ما قال أنا العزيز، أنا من أنا من حصلت، أنا من ظُلمت، أنا من نصرني الله عليكم،﴿قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾، يوسف في عزته وفي قوته وفي سلطانه وفي مكانته لا يزيد على أن يقول﴿قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾، المنة لله ليس مني، من ذكائي، من تعبير الرؤيا، مما أنا عليه، لا، هذه منه من الله:﴿قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾، إن كنتم تريدون أن تعرفوا المفتاح، لماذا وصلت إلى ما وصلت إليه ولم تصلوا إليه؟﴿قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾، ولم يقل: لأنني اتقيت لأنني صبرت، ما قال هذا، إن الحكم عام:﴿قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
وتأمل﴿قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ولعلك على ذكر مما تقرر مرارًا في السورة أن السورة سورة الإحسان، ويوسف عنوان للإحسان عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فما كان منهم إلا أن قالوا:﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ﴾114فضلك الله علينا فنصرك علينا أعطاك وحرمنا، أعزك وهكذا، كنا نحن وما زلنا في هذا الوقت كما ترى،﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ﴾نصرك فضلك﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ﴾، أي: وإننا كنا لخاطئين، "إن" هنا المراد بها "إن" المخففة من الثقيلة، يعني "إن" التي هي أصلها "إنَّ"، فليست نافية بدليل دخول اللام التي يسمونها باللام الفارقة فهي تفرق بين النفي والتأكيد،﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ﴾كما في قوله:﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾115هذا ليس نفيًا، ﴿أَنَّمَا﴾ هو أي وإننا كنا من قبله لمن الضالين.
والخاطئ هو الذي يرتكب الذنب عن عمد، فهناك فرق بين المخطئ والخاطئ، خاطئ ارتكب الذنب عن عمد، فماذا يقول يوسف؟ جملة يقولونها له:﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ﴾، خاطئين أي خطأ أخطأتموه؟ فرقتم بين الأب وابنه، فرقتم بيني وبين أبي، فعلتم بي، جعلتموني مستارقًا، كنتم سببًا في دخولي السجن، فمن غيابة الجب إلى السجن، ومع ذلك ماذا يقول؟﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾سبحان الله!.﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾لا مجال للوم ولا للعتاب ولا للتأنيب، ﴿أَنَّمَا﴾ أخبرتكم حتى تعلموا الحقيقة،﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾، ﴿يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾، ﴿إِلَّا﴾ ما أجمل هذا الكلام وما أهداه وما أطيبه، وما أحوجك أن تقرأه وأن تتأمل فيه لتتسلى في مصابك ولتعفو عمن ظلمك ومن حرمك.
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾، لكن نريد أن نعيد لصاحب الحق حقه، أبونا يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ له حق،﴿ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾116، كأن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رق عليه أو شق عليه، شق عليه أمر إخوته، أنتم جئتم ببضاعة مزجاة، لا أريدكم أن تعيشوا معي في مصر عيش العز والكرامة، وأنتم إلى جوار عزيز مصر فيما هو فيه من خير وبركة لتهنؤوا ولتسعدوا،﴿ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾وكان هذا القميص علامة سيعلم من خلالها أبي أنني يوسف وأنكم صادقون فيما تقولون له.
وسبحان الله قميص ثم قميص ثم قميص، قميص جيء به كذبًا:﴿وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾، ثم جاء قميص آخر:﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وجاء الحديث عن القميص من قُبل أو من دبر وتصديق وتكذيب، ثم يجيء هذا القميص الثالث ولا تقل ﴿إِنَّهُۥ هُوَ﴾، لأن هذا مقام يختلف عن هذا المقام، والقميص الأول جيء به إلى يوسف وقد كان على سن يوسف وقت أن كان صغيرًا، هو قميص آخر لكنها علامة يعلم بها أنه يوسف بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فلله في خلقه شؤون، فقميص علامة كان علامة على كذب، وقميص يصير علامة على صدق.
ومن جهة أخرى قال بعض العلماء: لعل القميص الذي يرتديه وقتئذٍ هو قميص الأعزاء قميص الملوك فهو الآن عزيز مصر، فأمثال هؤلاء لهم قمصان، فحينما يقولون هذا قميص العزيز، أي نعم هذا قميص عزيز، إذا الذي أخبركم بهذا هو العزيز وهو يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أيًا ما كان فهذا أمر شاع.
﴿ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ﴾117 ﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ﴾118، وهنا يأتي إشكال عند بعض الناس،﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ﴾انفصلت، خلاص، تركت الشام تركت مصر متجهة إلى الشام، تركت مصر متجهة إلى ديار يعقوب عائدة،﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ﴾، تعيبون علي وتسفهوني وتقولون إنك تقول كلامًا غير مقبول، وتضللونني أو تضللوني لولا أن تفندون.﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ﴾، وهنا يأتي السؤال: من القائل؟ إخوة يوسف رأوا الحقيقة وعرفوا أنه يوسف، فكيف يصفون أباهم حينئذٍ:﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ﴾وقد تابوا إلى الله؟ قال بعض العلماء: الجواب عن ذلك أن يقال إن بعضهم ذهب وبعضهم بقي مع يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كأنه في المرحلة التي ذهبوا إلى يوسف ذهب بعضهم وبقي بعضهم مع أبيهم، فالذين بقوا لا يعلمون شيئًا، يعني: الذين في مصر مع يوسف علموا الخبر وعرفوا أنه يوسف، أما الذين مع أبيهم من أين لهم أن يعرفوا شيئًا من ذلك؟ هذا وجه.
الوجه الثاني: أن الذين قالوا ذلك هم الأحفاد، الأحفاد من كان في البيت، يا جدنا ماذا جرى لك؟ هل أصابك خرف ما هذا ريح يوسف؟ أين يوسف؟ يوسف قُتل، يوسف مات، يوسف ذهب، لا تتذكر؟ صرت تقول كلامًا ينبئ عن أنه قد أصابك هرم أو خرف.
﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقبلها قف مع قوله:﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ﴾، لله درك يا يعقوب! انظر إلى الفارق الكبير والبون الشاسع بين المسافتين، يتركون مصر يتوجهون إلى هذه الديار يعقوب يجد ريح يوسف، هذا توفيق من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، نبي كريم مكرم من عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ يجد ريح يوسف، هذه المسافة ليست مسافة متر ولا أمتار ولا كيلو ولا كيلوات مع هذه المسافة الكبيرة.
﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ﴾119، وهذا يدل على أن المراد بقوله:﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ﴾إثبات الخطأ،﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾120، وهنا ذكر بعض العلماء وقفة في قول﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾، سوف في المستقبل، قالوا: كأنه أراد أن يتثبت من صدقهم فأخر الاستغفار حتى يظهر صدقهم فيما طلبوا، وقال آخرون: كأنه التمس وقت الإجابة فسوف أستغفر لكم ربي في وقت لاحق، ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾121، تأمل السورة تطوي شيئًا، استعد يعقوب واستعد الأولاد وارتد بصيرًا وقوي بصره وصار بصره حديدًا قويًا وهو في شوق إلى لقاء يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وانتقل ودخل، كل هذا تطويه السورة لا تذكره لكنه معروف،﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾، إنها ضمة وأي ضمة، اجتماع وأي اجتماع بعد فراق كان سببه الإخوة، كان سببه الأولاد أولاد يعقوب وإخوة يوسف وهذا أشد ما يكون.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾وهنا كلام للمفسرين: ما المراد بالأبوين؟ يعقوب قطعًا، ﴿وَقِيلَ﴾ المراد به أم يوسف، ﴿وَقِيلَ﴾ بل خالة يوسف لأن أم يوسف ماتت، قيل هذا لكن ليس معنا دليل صريح في ذلك، والأصل أنهما أبواه.﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾، إما أن يقال﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾أي دخول أمن، لأنه قد يقول: هم دخلوا عليه فكيف قال ادخلوا وقد دخلوا عليه؟ فيحتمل أنهم لما دخلوا أراد دخولًا آخر وهو دخول الأمن، لأنك قد تدخل في مكان لكن لا تأمن، لكن المراد دخول آمن، أو أن يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خرج بنفسه لاستقبال أبيه على مشارف مصر فحينها قال:﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾متضرعًا إلى الله آمنين.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾تواضعًا وإكرامًا لهم، ولكن مع ذلك تحققت الرؤيا﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، وقد كان السجود معروفًا في شرائعهم أنه لا حرج فيه أن يُسجد للشخص إكرامًا، ﴿وَقِيلَ﴾ إن المراد بسجود الانحناء وليس المراد به العبادة في كل الأحوال، وهذا تفسير ما جاء في أول السورة:﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ﴾، وكذلك حينما قال لهم يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ﴾، هذا تصديق ما سبق في قوله:﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾،﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، ما معنى﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾؟ يعني: هذا وقوع الرؤيا، التأويل هنا ليس مجرد التفسير ﴿أَنَّمَا﴾ الوقوع، لأن قد تفسر الرؤيا لكنها لم تقع بعد، لكن التأويل يعني وقعت.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾وقعت،﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، قالوا: أحسن تتعدى بالباء وباللام، لم يقل أحسن لي يقال أحسن إلي، هنا أحسن بي، قالوا: لأن الحسن هنا أو الإحسان تضمن معنى اللطف، أي أحسن ولطف بي لُطف﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ولم يقل إذ أخرجني من غيابة الجب، لأنه إذا قال أخرجني من غيابة الجب فهو يذكر إخوتهم بذنوبهم بخطئهم ترك غيابة ما ذكره، لذلك أنت إذا عفوت عن صاحبك لا تؤنبه بعد، تقول له فاكر حصل منك كذا، كل ما تقول يلا ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ فعلت وقد عفوت، قد عفوت فانس ما مضى اتركه.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، هنا قد يأتي إشكال، لأنَّه جاء في آخر السورة بعد:﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾،﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾فهنا معناه أن الرسل يأتون من أهل القرى وهنا قال:﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾فكيف ذلك؟ بعضهم يقول هذا استثناء، أو أنه في الأصل يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بُعث في حاضرة، في الحضر في القرية يعني الحضر ثم انتقل إلى البدو فهذا باعتبار ما انتقل، أو أن البادية كانت بجواره الحاضرة فنسبت إليه، والله تعالى أعلم على ذلك كله، قيل ﴿وَقِيلَ﴾ بل كان في مكان يقال له بدا فهذا معنى﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾وهو قول ضعيف.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، تأمل﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾، يعني: جعل نفسه فيه أن الشيطان هو الذي نزغ بيني وبين، كأنهما كأنهما على طرفي سواء، مع أنَّ الخلل منهم منهم، مع أنَّ الخلل منهم مع أنَّ الذنب منهم، لكن جعل النزغ من الشيطان، ولذلك يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في أول الأمر قال:﴿قَالَ يَـٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
تجد أن السورة تتلاحم يتلاحم أولها مع آخرها، فقال:﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ ﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾، قال بعض العلماء: الإنسان إذا حقق ما يريد ووصل إلى ما يريد اشتاق إلى ما هو أعظم إلى رؤية الملك الكريم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، يوسف حقق الآمال وصل إلى أعلى مكانة وها هو أبوه يجمع الله بينه وبينه، فطلب حينئذٍ:﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾، ولا يكون هذا من قبيل تمني الموت، أو أن يقال المعنى حينما تتوفاني وقت أن تتوفاني فتوفني ﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾.
﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾122، هل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجد هذا عرف هذا؟ من أين للرسول؟ هل الرسول كان يعيش في زمان يعقوب في زمان يوسف؟ من أين له أن يعرف تلك الأخبار لولا أن الله أخبره بذلك؟
لذلك ختم الله السورة بقوله:﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، فهذا هو القرآن الكريم وهذه بعض أوصافه بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
يا أيها الإخوة الكرام في آخر السورة ذكر الله بعض العبر والعظات منها قوله:﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾123، كما قال أيضًا:﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾124، فبعض الناس يعتقد أن الله هو الخالق والرازق ومع ذلك يصرف العبادة لغيره سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وقال فيما قال:﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾125. فطريق الدعوة إلى الله ينبغي أن يسير فيه الداعي ﴿إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ على علم على نور ليس على جهالة وأن يخلص لله:﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾.
هذا غيض من فيض مما يتعلق بهذه السورة الكريمة وهذه القصة الجليلة، رزقنا الله الصبر والحكمة ووفقنا لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ — يوسف: 111 ↩
- آية: ﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ — الشرح: 6 ↩
- آية: ﴿الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ — يوسف: 1 ↩
- آية: ﴿الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — الرعد: 1 ↩
- آية: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾ — يوسف: 3 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَـٰعَةٍ مُّزْجَىٰةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾ — يوسف: 88 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ — يوسف: 21 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ — يوسف: 24 ↩
- آية: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — يوسف: 22 ↩
- آية: ﴿قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — يوسف: 90 ↩
- آية: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — يوسف: 56 ↩
- آية: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ — يوسف: 92 ↩
- آية: ﴿۞ قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ — يوسف: 77 ↩
- آية: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ — يوسف: 100 ↩
- آية: ﴿قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ — يوسف: 26 ↩
- آية: ﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ — يوسف: 25 ↩
- آية: ﴿ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ — آل عمران: 34 ↩
- آية: ﴿الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ﴾ — يونس: 1 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾ — يوسف: 80 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ﴾ — الفيل: 1 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ﴾ — الفيل: 2 ↩
- آية: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ — الفيل: 3 ↩
- آية: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾ — الفيل: 4 ↩
- آية: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍۭ﴾ — الفيل: 5 ↩
- آية: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ — الأعراف: 176 ↩
- آية: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾ — الضحى: 7 ↩
- آية: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ — النجم: 2 ↩
- آية: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ﴾ — النجم: 3 ↩
- آية: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ — النجم: 4 ↩
- آية: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ﴾ — يوسف: 4 ↩
- آية: ﴿قَالَ يَـٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ — يوسف: 5 ↩
- آية: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ — يوسف: 6 ↩
- آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَـٰتٌ لِّلسَّآئِلِينَ﴾ — يوسف: 7 ↩
- آية: ﴿إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ — يوسف: 8 ↩
- آية: ﴿ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ﴾ — يوسف: 9 ↩
- آية: ﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَـٰصِحُونَ﴾ — يوسف: 11 ↩
- آية: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ — يوسف: 12 ↩
- آية: ﴿قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ﴾ — يوسف: 13 ↩
- آية: ﴿قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًا لَّخَـٰسِرُونَ﴾ — يوسف: 14 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ — يوسف: 15 ↩
- آية: ﴿وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾ — يوسف: 16 ↩
- آية: ﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ﴾ — يوسف: 17 ↩
- آية: ﴿وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ — يوسف: 18 ↩
- آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — المائدة: 3 ↩
- آية: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ — يوسف: 83 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ — الحجرات: 12 ↩
- آية: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ — يوسف: 86 ↩
- آية: ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ — المزمل: 10 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ — الأحزاب: 49 ↩
- آية: ﴿وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَـٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلَـٰمٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةً ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ — يوسف: 19 ↩
- آية: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ﴾ — يوسف: 20 ↩
- آية: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِى تُـْٔوِيهِ﴾ — المعارج: 13 ↩
- آية: ﴿وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ — يوسف: 23 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ — الإسراء: 32 ↩
- آية: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ — ص: 82 ↩
- آية: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ — ص: 83 ↩
- آية: ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ — يوسف: 27 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ — يوسف: 28 ↩
- آية: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ﴾ — يوسف: 29 ↩
- آية: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — البقرة: 286 ↩
- آية: ﴿۞ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ — يوسف: 30 ↩
- آية: ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — الحجرات: 14 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ — يوسف: 31 ↩
- آية: ﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ — يوسف: 32 ↩
- آية: ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ — يوسف: 33 ↩
- آية: ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ — يوسف: 34 ↩
- آية: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ — الفرقان: 63 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ — النساء: 17 ↩
- آية: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ — النساء: 28 ↩
- آية: ﴿وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ — يوسف: 38 ↩
- آية: ﴿عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا﴾ — الجن: 26 ↩
- آية: ﴿إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًا﴾ — الجن: 27 ↩
- آية: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ — يوسف: 40 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ — يوسف: 42 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ﴾ — يوسف: 45 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ ۖ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾ — يوسف: 43 ↩
- آية: ﴿قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ﴾ — يوسف: 44 ↩
- آية: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ — هود: 8 ↩
- آية: ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ — النحل: 120 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ — النحل: 36 ↩
- آية: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ — الأنبياء: 92 ↩
- آية: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ — يوسف: 46 ↩
- آية: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ — يوسف: 47 ↩
- آية: ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ — يوسف: 48 ↩
- آية: ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ — يوسف: 49 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ — يوسف: 50 ↩
- آية: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ — يوسف: 51 ↩
- آية: ﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ﴾ — يوسف: 52 ↩
- آية: ﴿۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — يوسف: 53 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ — يوسف: 54 ↩
- آية: ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ — يوسف: 55 ↩
- آية: ﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾ — يوسف: 58 ↩
- آية: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ — يوسف: 59 ↩
- آية: ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ — يوسف: 60 ↩
- آية: ﴿قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ﴾ — يوسف: 61 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَـٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ — يوسف: 62 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ — يوسف: 63 ↩
- آية: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ — يوسف: 76 ↩
- آية: ﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — يوسف: 78 ↩
- آية: ﴿قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًا لَّظَـٰلِمُونَ﴾ — يوسف: 79 ↩
- آية: ﴿ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ﴾ — يوسف: 81 ↩
- آية: ﴿وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ﴾ — يوسف: 82 ↩
- آية: ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ﴾ — يوسف: 10 ↩
- آية: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ — يوسف: 66 ↩
- آية: ﴿وَلَا يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ — الزخرف: 86 ↩
- آية: ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ — يوسف: 84 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ — البقرة: 156 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ — يوسف: 96 ↩
- آية: ﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ﴾ — يوسف: 85 ↩
- آية: ﴿يَـٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ — يوسف: 87 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ — النساء: 171 ↩
- آية: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ﴾ — الحجر: 56 ↩
- آية: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ﴾ — يوسف: 89 ↩
- آية: ﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ﴾ — يوسف: 91 ↩
- آية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ — البقرة: 198 ↩
- آية: ﴿ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ — يوسف: 93 ↩
- آية: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ — يوسف: 94 ↩
- آية: ﴿قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ﴾ — يوسف: 95 ↩
- آية: ﴿قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ﴾ — يوسف: 97 ↩
- آية: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ — يوسف: 98 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ — يوسف: 99 ↩
- آية: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ — يوسف: 102 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ — يوسف: 103 ↩
- آية: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ — يوسف: 106 ↩
- آية: ﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ — يوسف: 108 ↩
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)