سورة إبراهيم — الجزء 2
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿وَٱسْتَفْتَحُوا۟﴾ قالوا هنا (وطلب الرسل من ربهم أن ينصرهم على أعداءهم)، فالاستفتاح :- طلب الفتح والمراد به طلب النصر، مَنْ الذين طلبوا؟
1-قالوا : الرسل، يعني : أنَّ الرسل دعوا ودعوا فلما وجدوا أقوامهم في إعراض، وفي استمرار حينئذ دعوا على أقوامهم، واستفتحوا طالبين من الله النصر والتمكين والتأييد وإهلاك الظالمين.
2-وقال بعض المفسرين ﴿وَٱسْتَفْتَحُوا۟﴾ أي : استفتح الكفار على أنفسهم كما جاء في قوله ﴿إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32] وقال ﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ﴾ [الأنفال: 19] فهذا فيه أن بعض الناس يستفتح ويطلب العذاب ﴿مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [يس: 48]
﴿وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ - نسأل الله السلامة - خسر كل متكبر معاند للحق لا يتبعه مع ظهوره له.
﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: 1)
﴿مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ﴾ قالوا (من أمام هذا المتكبر يوم القيامة جهنم )، ففسروا هنا (الوراء ) : بالأمام، لذلك يقولون أنَّ كلمة وراء من الأضداد فتستعمل بمعنى خلف وبمعنى أمام وقدام ولذلك هنا في الموضعين في قول ﴿مِّن وَرَآئِهِۦ﴾ فسروها : مِنْ أمامه، وكذلك في قوله ﴿وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ وأيضاً يقال :- لأن الوراء جاء من معنى (الاختفاء)، ففلان توارى : يعني اختفى، فقيل للوراء سواء أكان أمام في الأمام أم كان في الخلف وراء لأنه مستتر فقوله ﴿وَمِن وَرَآئِهِۦ﴾ قال هنا سبحانه وتعالى ﴿وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ﴾ لأن هذا سيأتيه، وهو لم يره بعد.
وكذلك ﴿وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾: لأن العذاب الذي ينتظره أشد.والعلم عند الله.
قال ﴿مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ - نسأل الله السلامة - مِنْ صديد أهل النار الذي يسيل منهم
قال ﴿ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (إبراهيم: 2)
﴿يَتَجَرَّعُهُۥ﴾ يتجرع هذا الماء ﴿يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ﴾ يتجرعه مع شدة مرارته وحرارته ونتنه ولا يقدر على ابتلاعه ﴿وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ تأتيه أسباب الموت من كل مكان، فيأتيه الموت من جنباته، ومن جميع أنحائه وأعضائه ﴿ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍ﴾ (إبراهيم: 3) ولذلك إذا قال قائل كيف نجمع بين هذا وذاك؟ أن الله يقول ﴿وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ﴾ فهذا فيه إثبات الموت وقال ﴿ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍ﴾ (إبراهيم: 3)؟
يقال إنَّ معنى ﴿وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ﴾ يعني :-
تأتيه أسباب الموت، يعني : لو كان هذا لغيره لمات.
أو أن هذا من شأنه أن يُميت - هذا العذاب - وهذا الذي وصل به من شأنه أن يميت صاحبه؛ لكن الله يمنعه من الموت كما قال ﴿فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾ [طه: 74] ما معنى ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾ يعني لا يموت فيها فيستريح ولا يحيا حياة كريمة، قال ﴿وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ نسأل الله السلامة.
ثم قال قوله تعالى ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (إبراهيم: 4)
﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ ضرب الله المثل لأعمال الكافرين ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ ما المراد بالأعمال هنا؟
1- ذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بالأعمال هنا أعمال البر، يعني : ضرب الله مثلاً لأعمال البر والإحسان التي يقوم بها الكفار بالرماد.
قال ﴿ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ يوم شديد هبوب الرياح ومن المعلوم أن هذه الرياح الشديدة في هبوبها لا تبقي شيئًا من هذا الرماد، فكذلك المثلُ : أنَّ أعمال الكافرين التي ظاهرها الإحسان والبر لا فائدة منها؛ لأنهم لم يؤمنوا بالله، ولم يوحدوا الله سبحانه وتعالى، ففيه التذكير بأن أعظم ما على المرء أن يراعيه توحيد ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، والسورة قامت على هذه النعمة، وهي نعمة التوحيد والتذكير بها.
2-ومنهم من فسر الأعمال : بما يصنعون من عبادة الأصنام، يعني : أنهم يتقربون إلى أصنامهم، وإلى ما قالوا في شأنهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ﴾ [الزمر: 3] فأعمالهم ذاهبة لا قيمة لها.
قال ﴿لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍ﴾ فهم لا يستفيدون من ذلك، فلا تنفع أصحابها يوم القيامة، ولذلك لما سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في مسلم ((عن ابن جدعان وصلته للرحم، وعتقه للرقاب وصدقته هل ذلك نافع؟ قال : إنَّه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)) قال الله ﴿ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
أنَّ الأنبياء والرسل بشر من بني آدم غير أنَّ الله تعالى فضلهم بحمل الرسالة، واصطفاهم لها من بين بني آدم : ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ﴾
على الداعية الذي يريد التغيير أنْ يتوقع أنَّ هناك صعوبات جمة سوف تقابله، ومنها الطرد والنفي والإيذاء القولي والفعلي : ولذلك قالوا ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا﴾
أنَّ الدعاة والصالحين موعودون بالنصر والاستخلاف في الأرض : قال الله ﴿فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ﴾
بيان إبطال أعمال الكافرين الصالحة وعدم اعتبارها بسبب كفرهم : قال الله ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾الآية الكريمة
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
بعض العلماء يرى أن هناك مناسبة بين هذه الآية والآيات السابقة لا سيما ما ذكر الله من وعيد أولئك الظالمين إذ قال سبحانه ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ثم ذكر ما لهم في الآخرة. فإذا قال قائل وكيف ذلك وهل ربكم يقدر على إهلاك الظالمين وعلى نصرة المستضعفين من المؤمنين؟ فيقال لهم ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ وهل هذا صعب على الله الذي ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾؟وهذا الاستفهام تقريري، إذا كان الأمر كذلك فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
قال ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ ما معنى بالحق؟ قال بعضهم : بالحكمة، وهذا يناسب ما تقدم من أنه العزيز الحكيم، فهو ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ بالحق، والحق أن يُعبَد الله وحده لا شريك له.
﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إن يشأ إذهابكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس والإتيان بخلق آخر يعبده ويطيعه بدلا منكم لأذهَبَكُم، وجاء بخلق آخر يعبده ويطيعه، فهو أمر سهل يسير عليه، ولذلك تكررت هذه الآية في القرآن الكريم ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ﴾ [النساء: 133] وقال سبحانه وتعالى ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان: 28] على أحد القولين في تفسير الآية الكريمة.
قال ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وقال ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَـٰلَكُم﴾ [محمد: 38]
قال ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ فهو سبحانه وتعالى قادر على ذلك، وليس بشاق ولا صعب ولا يعجزه شيء عز وجل.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (إبراهيم: 5)
﴿وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وبرزوا هنا فعل ماض؛ لكنَّ المراد به المستقبل، هنا قالوا (وخرج الخلائق من قبورهم ) يمكن أن نقول : وسيخرج الخلائق من قبورهم؛ لأنَّ المراد بقوله (برزوا ) أي : سيبرزون؛ لكن عبر عنه بالماضي لتحقق الوقوع، وهذا كثير في القرآن الكريم كقوله ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ﴾ [الأعراف: 44] وهذا سيكون، والمعنى : سيُنَادي، إذًا يعبَّرُ أحيانًا عن الفعل الذي سيقع مستقبلاً بالفعل الماضي للدلالة على أنه متحقق الوقوع.
فقال ﴿وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ظهروا وظهر أمرهم، وليس بخافٍ عليه شيء؛ لكنهم كانوا يسترون أنفسهم في الدنيا، ويسترون معاصيهم؛ وأما في الآخرة فهذا واضح جلي، ليس هناك الإخفاء ولا الاستتار؛ بل إنَّ كثيرًا منهم يُفضَح على رؤوس الأشهاد.
قال الله ﴿وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۚ قَالُوا۟ لَوْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَـٰكُمْ ۖ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ ﴿فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يكون هذا القول؟
1-اختار بعض المفسرين : أنَّ هذا يكون بعد دخول النار استدلالاً بقوله سبحانه ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ﴾ [غافر: 47-48] فقالوا إذًا : هذا حينما يدخلون النار : يقول الضعفاء للذين استكبروا ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾
2-وقال بعض العلماء : لا يلزم هذا؛ بل إنَّ الآية قالت ﴿وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لذلك قالوا في التفسير (وخرج الخلائق من قبورهم إلى الله يوم المعاد فقال الأتباع ) إذًا قالوا : هذا يكون في عرصات يوم القيامة قبل دخول النار.
- أو أن يحمل هذا على الموضع الآخر في سورة غافر والعلم عند الله.
قال ﴿فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟﴾ وتأمل قوله ﴿فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟﴾ ما قال : ( فقال الضعفاء للمستكبرين)؛ بل قال ﴿لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟﴾ يعني : هم تعاظموا في أنفسهم، وليسوا أهلا لذلك فقال ﴿لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟﴾ ادعوا الاستكبار وادعوا العظمة وليسوا أهلا لها.
﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ إنا كنا لكم أتباعا ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ هذا الاستفهام المراد به التبكيت والتوبيخ والعتاب يعني : أضللتمونا وصددتمونا عن سبيل الله ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾
وتأمل ﴿فَهَلْ أَنتُم﴾ لم يقولوا : (فهل تغنون) فجعلوا ﴿أَنتُم﴾ المسند إليه؛ لأنَّ الخطاب لهم، (أنتم) هم يعلمون أنه لا غنى، ولا يدفع عنهم شيء من عذاب الله، وأنهم لا يملكون ذلك لكنه؛ توبيخ لهم.
﴿فَهَلْ أَنتُم﴾ وقد كنتم في الدنيا مستكبرين، وكنتم في الدنيا تقولون وتقولون وتغروننا ﴿بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ [سبأ: 33]
قالوا ﴿لَوْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَـٰكُمْ﴾ لو وفقنا الله للهداية لأرشدناكم إليها، فنجونا جميعا من عذابه؛ لكن هيهات.
﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ﴾ والمعنى : ولكن ضللنا فأضللناكم، لذلك قالوا هنا في التفسير (ولكن ضللنا فأضللناكم) ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا﴾ هي ﴿أَمۡ﴾ التي تستعمل مع التسوية؛ لذلك جاءت مع السواء يعني : يستوي الجزع والصبر /جزعتم /بكيتم /صرختم نسأل الله السلامة.
﴿أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ ﴿مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ أي : ليس لنا من مهرب من العذاب نسأل الله السلامة.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (إبراهيم: 6)
﴿وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ بعد أن ذكر الله المحاورة التي تقع بين الضعفاء والذين استكبروا، ذكر محاورة أخرى تدور بين إبليس وبين الكافرين حينما يدخلون النار.
وتأمل المحاورة الأولى : 1-قولٌ من الضعفاء للذين استكبروا 2- ثم ردٌ من الذين استكبروا.
3-وهنا ذكر قول الشيطان، وهو إمام المستكبرين، وبدأ به فهو الذي يقول فهذا صراخ وحوارٌ من طريق آخر، وعند دخول النار واستفيد هذا من قوله ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: 7) يعني : أخذ كلٌ حسابه، وأُدخل أهلُ النار وأهلُ الجنة، ولذلك قالوا هنا (وقال إبليس حين دخل أهل الجنة وأهل النار )
﴿وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم ۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ ۖ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني الوعد الحق، لذلك قالوا هنا (وعدكم الوعد الحق )، ومن إضافة الموصوف إلى الصفة ﴿وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم ۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ ۖ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
﴿وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ وعدتكم وعد الباطل فلم أفِ بما وعدتكم به، وعدهم وغرَّهم، وقال لهم كذا وكذا كما قال الله ﴿ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ﴾ [البقرة: 268] إلى غير ذلك ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120] ولن تدخلوا النار، والرب غفور، وافعلوا ثم توبوا.
﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى﴾
﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ﴾ ما معنى السلطان هنا؟ يعني : ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن﴾ قوة أقهركم بها في الدنيا على الضلال، ليس لي تسلط عليكم؛ بأن أكون أقوى بل كما قال الله ﴿إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76] لكنكم قبلتم كلامي فجعلتموني قويا عليكم، أنتم الذين جعلتموني أتسلط عليكم، لذلك هنا قد يقول قائل : إن الله قال هنا في الآية ذاكراً قول إبليس ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى﴾ يعني : غير أني دعوتكم فاستجبتم لي، كلُّ ما صنعته أنني دعوتكم، وأنكم استجبتم لي، وكان بإمكانكم أن ترفضوا دعوتي، وكان بإمكانكم ﴿إِلَّا﴾ تقبلوا وساوس الشيطان، وألا تستجيبوا لإغراءاته وألا تستجيبوا لإغواءاته؛ لكنكم ضعفتم ورضيتم، فكيف هذا وقد قال الله في الآية الأخرى ﴿إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100]؟ فهناك قال ﴿أَنَّمَا﴾ سلطانه وهنا قال ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ﴾ وقال ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 99]؟
هنا لما قال ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ﴾
1-قالوا (وما كان لي عليكم من قوة ).
2-وبعضهم قال : المراد بالسلطان : الحجة، أي : ما كان لي من حجة، ما كان معي من دليل، كلُّ ما قلته لكم شبهات، وترهات وأهواء لا تقوم على حجة، ولا تثبت على ساق، أو قدم.
إذا المراد بالسلطان المنفي : سلطان الحجة؛ وأما السلطان المثبت ﴿إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ﴾ [النحل: 100] يعني تسلطه.
أو أن السلطان المنفي : من حيث هو، والسلطان المثبت : بأن جَعَلَهُ الإنسانُ متسلطاً عليه.
قال ﴿إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم﴾
﴿مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ﴾ ما أنا بمغيثكم ولا بمنقذكم ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ﴾ ولا أنتم بمغيثي ولا بدافعي العذاب عني فهم في العذاب مشتركون، أسأل الله السلامة.
﴿إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ كفرت بجعلكم إياي شريكا لله في العبادة بريء من ذلك، ولكن بعد فوات الأوان، قال الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
1-بعضهم قال : هذا من قول الله ابتداء.
2-وبعضهم قال : هذا مما ذكره الله عن إبليس بأن قال ﴿إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقد فسر الظالمون بالكافرين ولذلك جاء بعده :
﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ (إبراهيم: 8)
﴿وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ قالوا هنا (ولما ذكر الله مصير الكفار يوم القيامة ترهيبا منه ذكر مصير المؤمنين ترغيبا فيه)؛ لأنَّ هذا من عادات القرآن أنَّ الله يذكر الترغيب بعد الترهيب، أو الترهيب بعد الترغيب كما هو مشهور ومعروف.
قال ﴿جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ تأمل قوله ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ لعلكم تذكرون القول الذي قلته هناك في الكلام في سورة هود في قوله ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107] فقلنا هناك أي : بإذن ربهم ليعلموا أن الخلود في الجنة؛ ﴿أَنَّمَا﴾ هو بمشيئة الله فهو الذي أنعم، وهو الذي تفضل.
﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ﴾ يحييهم ربهم سبحانه بالسلام كما قال ﴿سَلَـٰمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58]، وفي الحقيقة فتحيتهم سلام - وهي دار السلام - وهناك تحية من الملائكة ﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: 23-24]، وكذلك يسلم بعضهم على بعض قال الله سبحانه وتعالى ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَـٰمًا سَلَـٰمًا﴾ [الواقعة: 25-26]
قال الله سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ﴾
ضرب الله مثلاً لكلمة التوحيد، وهذا لأن السورة تتحدث عن هذه النعمة الجليلة - نعمة التوحيد - وأنه لا ينبغي للإنسان أن يفرط فيها؛ فإنَّ من فرط فيها استحق الهلاك في الدنيا، واستحق العقاب في الآخرة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا﴾ أيضًا الاستفهام للتقرير، وهذا متقرر إذا وجدنا أسلوب (ألم ) فالمراد به التقرير، ثم يكون معه روادف من ذلك الحث والتشويق.
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ ضرب الله مثلًا ذكر الله هذا المثل : كلمة طيبة، وهي على قول الأكثرين كلمة التوحيد - كلمة لا إله إلا الله –
﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال بعضهم : وهي النخلة كما جاء في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم لها في تشبيه المؤمن بها (وأنَّ المؤمن كالنخلة) فقال ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ وهذا يدل على دوام حياتها، لذلك تأمل قوله قال ﴿أَصْلُهَا﴾ لأنَّه إذا كان الأصل ثابت فالمراد أن الحياة دائمة فليس فقط أنه ينتفع بفروعها بل من الأصل، فثبات الأصل معناه : أنه غير مدمر، ولا ذاهب؛ وإنما محفوظ فهذا يدل على دوام الحياة، وفيه دليل أيضًا على الثبات، وعموم النفع فهذا عظيم في هذه الآية الكريمة قال ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ﴾
من فوائد الآيات:
بيان سوء عاقبة التابع والمتبوع إن اجتمعا على الباطل : قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟﴾ إلى آخر الآية الكريمة
بيان أن الشيطان أكبر عدو لبني آدم، وأنَّه كاذب مخذول ضعيف لا يملك لنفسه ولا لأتباعه شيئًا يوم القيامة : قال الله سبحانه ﴿وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ﴾ الآية
اعتراف إبليس أنَّ وعد الله تعالى هو الحق وأنَّ وعد الشيطان ﴿أَنَّمَا﴾ هو محض الكذب : قال ﴿وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾
تشبيه كلمة التوحيد بالشجرة الطيبة الثمر العالية الأغصان الثابتة الجذور قال الله ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ﴾
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه وتعالى ﴿تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
أي : هذه الشجرة المباركة الطيبة تعطي ثمرها الطيب كل وقت، فتعطي بأمر ربها الخير، والعطاء الحسن بفضل الله سبحانه وتعالى، ولذلك كما تقدم فقد جاء تمثيلها بالنخلة في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام والمراد بها كلمة التوحيد، وقد ذكر بعض العلماء أن ضرب المثل بالشجرة؛ لأن الشجرة لا تكون شجرة إلا إذا كان فيها ثلاثة أشياء كان فيها عرق راسخ وأصل قائم ثم كانت فيها الفروع القائمة أو الماثلة أو الفروع وهكذا التوحيد فإنه لا بد فيه من اعتقاد وقول وعمل، وذكر هذا الإمام البغوي رحمة الله تعالى؛ فالشجرة تتضمن ثلاثة عروق، وكذلك أصل وفروع، وكذلك كلمة التوحيد اعتقاد وقول وعمل.
قال الله سبحانه ﴿وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ والمراد بها : كلمة الشرك والكفر بالله سبحانه وتعالى.
﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قالوا المراد بها : شجرة حنظل لخبثها ومرارتها ﴿ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ يعني : اقتلعت من أصلها ليس لها أصل ثابت، قال ﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ فهي ليس لها ثبات على الأرض، ولا ارتفاع إلى السماء، إذًا لا يُستفَاد من ارتفاعها، ولا من قرارها؛ فلا ثبات لها في الأرض، ولا ارتفاع لها في السماء، وهكذا كلمة الكفر - مآلها الفناء -، ولا يصعد لصاحبها إلى الله عملٌ طيبٌ.
إذا ما وجه التمثيل بالكفر؟ أن الكفر مآله إلى الفناء، وكذلك أنه لا يرتفع، ولا يرفع إلى الله سبحانه وتعالى لأنّّ الله قال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ﴾ [فاطر: 10]
ثم قال الله ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآء﴾
﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ﴾ قالوا القول الثابت : كلمة التوحيد التي ضرب الله بها المثل، أو ضرب الله لها المثل في الآيات السابقة قالوا هنا (يثبت الله المؤمنين بكلمة التوحيد الثابتة إيمانا تاما في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ حتى يموتوا وهم على الإيمان وفي البرزخ في قبورهم عند السؤال ويثبتهم يوم القيامة)
إذًا إذا قال قائل ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ التثبيت؟ قال هنا في الآية ﴿فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ﴾ وتشمل ثلاث دور في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾، وفي البرزخ، وفي الآخرة؛ لأن القبر أول منازل الآخرة، ولذلك جاء في حديث البراء رضي الله عنه في الصحيحين عن هذه الآية ((نزلت في عذاب القبر))، ولذلك من الأدلة على عذاب القبر هذه الآية الكريمة، وقد جاء في حديث البراء قال (بعد أن قرأ الآية، نزلت في عذاب القبر) وجاء هذا حين يوضع المؤمن في قبره، فيُسئل مَنْ ربه، فيقول : الله أو ربي الله، ومن نبيك فيقول : نبيي محمد صلى الله عليه وسلم أو قال : فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) لذلك الآية تتحدث عن سؤال القبر، ويترتب على السؤال نعيم أو عذاب.
قال ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ ومن تثبيت المؤمنين في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ الثبات أمام فتن الشبهات، وأمام فتن الشهوات، ومما يعين الإنسان على الثبات أمام فتن الشهوات، وأمام فتن الشبهات اليقين الذي عنده؛ فالإنسان إذا رُزِقَ اليقين لم تغره الفتن، ولم يفتتن بفتن الشبهات؛ لأنه ثابت في عقيدته، ويعين المرء على الثبات أمام فتن الشهوات، ومغريات ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ الصبر، ولذلك جاء الاقتران بين الصبر واليقين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]؛ لأنَّ مَنْ صبر كبح جماح شهواته، واستطاع أنْ يتغلبَ على نزواته، ومن كان مستيقنا؛ فإنَّ الشبهات لا تؤثر فيه بفضل الله سبحانه وتعالى، وهذا من تثبيت الله للعبد.
وفي الآخرة تثبيت في البرزخ، وتثبيت يوم القيامة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله نسأل الله من فضله
﴿وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ وهنا ذكر الظالمين في مقابلة الذين آمنوا؛ فدلَّ على أن المراد بالظالمين الكفار، ولذلك تقدم من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ كلمة الظلم أو الظالم جاءت في القرآن بمعنى الشرك، وربما جاءت بمعنى العاصي فهذا بحسب السياق، فكذلك في الآيات السابقة في قول الله ﴿إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فالظلم يأتي بمعنى الشرك كما في قوله ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] والمراد به الشرك ويأتي بمعنى المعصية
قال ﴿وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ﴾
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تقرير وتعجيب من حال هؤلاء ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا﴾ بدلوا نعمة الله نقمة؛ لكن عبَّر بالكفر المتوقع أن تُقابَل النعمة بماذا (بالنقمة)، ولم يقل : بدلوا الإيمان كُفرًا، فالذي يُقابِلُ الكفر الإيمان، والذي يقابل النعمة النقمة؛ لكنَّه ذكر النعمة في مقام الإيمان، وذكر الكفر في مقام النقمة.
ليدلنا على المراد من هذه السورة ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ فهي نعمة التوحيد : بالدرجة الأولى، والنقمة نقمة الكفر والشرك نقمة الكفر بالله سبحانه وتعالى.
قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا﴾ ما المراد بالنعمة؟
قال بعضهم : إرسال الرسول عليه الصلاة والسلام.
وقال بعضهم توحيد الله وإنزال الكتب لذلك قالوا هنا (لقد رأيت حال الذين كفروا بالله وبرسوله من قريش حين اعتادوا إنعام الله عليهم بالأمن في الحرم وببعثة محمد صلى الله عليه وسلم فيهم) فهذا داخل في معنى النعمة، ولعله لهذا السبب عبَّر الله بقوله ﴿نِعْمَتَ ٱللَّهِ﴾ لتضم هذا وتشمله.
قال ﴿وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ﴾ ما المراد بدار البوار؟ جهنم دار الهلاك؛ لكن تأمل جميل التعبير القرآني - التعبير عن جهنم - بدار البوار لم يأتِ إلا في هذه الآية بهذا التعبير ﴿دَارَ ٱلْبَوَارِ﴾.لأنَّه المناسب للمقام، فقد قال تعالى ﴿فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ هلاك في الدنيا، وهلاك في الآخرة؛ لأنَّ النار هي دار الهلاك وكذلك لما ذكر الكلمة الخبيثة والشجرة الخبيثة قال :- ﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ لأنَّها إلى بوار فهذا مناسب للتعبير عن جهنم بدار البوار.
ثم قال ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۛ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (إبراهيم: 9)
﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ فجهنم بدل من ﴿دَارَ ٱلْبَوَارِ﴾، ﴿وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا﴾ شركاء وأنداد ونظراء
﴿لِّيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا۟﴾ تمتعوا في الدنيا كيف شئتم! ثم اعلموا ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ﴾، كما قال ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلْأَنْعَـٰمُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: 12]
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلْأَنْعَـٰمُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ (محمد: 12)
﴿قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ أمرٌ من الله سبحانه وتعالى لهم بإقامة الصلاة ﴿قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ لذلك لما جاء ﴿يُقِيمُوا۟﴾ في الجواب جاء محذوف النون لأنه في مقام جواب هذا الأمر
قال ﴿قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ وقوله (سراً) أي : في السر والعلانية، هذا فيه أنَّ الإنفاق يكون سرا، ويكون علأنية وأحسنوا هنا إذ قالوا في التفسير (خفية خوفاً مِنْ الرياء وجهرا ليقتدي بكم غيرُكم)، إذًا ينفق الإنسان أحياناً في السر لماذا؟ لتحقيق الإخلاص ونفي الرياء وينفق جهرا؛ ليقتدي به غيره فلِكُلٍ ما يناسبه.
قال الله سبحانه ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَـٰلٌ﴾ لا صداقة حتى يشفع الصديق لصديقه والمراد في حق الكافرين وأما المؤمنون فشفاعتهم ثابتة كما دلت عليه الأدلة
قال الله ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَـٰرَ﴾ تأملوا - يا أيها الإخوة الكرام - السورة انتقلت بنا إلى الحديث عن بعض دلائل قدرة الله، وبعض دلائل إنعامه وعظمته؛ ليعلم العبد أن الله هو الواحد الذي لا شريك له.
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَـٰرَ﴾ لتشربوا منها، وتسقوا أنعامكم.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ﴾ ما معنى دائبين؟ يعني : يجريان باستمرار، وقد مضى معنا في سورة يوسف ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف: 47] يعني : مستمرة متتابعة فمادة (الدأب) تدل على هذا المعنى، فقال هنا دائبين يعني : (يجريان باستمرار).
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ﴾ يعني : يتعاقبان الليل لنومكم وراحتكم والنهار لنشاطكم وكدكم.
من فوائد الآيات
تشبيه كلمة الكفر بشجرة الحنظل الزاحفة، فهي لا ترتفع ولا تنتج طيبا ولا تنتج طيبا ولا تدوم : ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾
الرابط بين الأمر بالصلاة والزكاة - مع ذكر الآخرة - والإشعار بأنَّهما مما تكون به النجاة يومئذ : قال الله ﴿قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ وتقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنَّ الجمع بين الصلاة والزكاة؛ لأنَّ الصلاة فيها تحقيق الإخلاص والزكاة فيها تحقيق الإحسان، ومَنْ جمع بينهما فهو السعيد في الدنيا والآخرة.
تعداد بعض النعم العظيمة إشارة لعظم كفر بعض بني آدم، وجحدهم نعمه سبحانه وتعالى : قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ﴾.
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿۞ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ قَالُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾ (إبراهيم: 10)
﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ يمتن الله عز وجل على خلقه بنعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، فقال ﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ اختار بعض المفسرين أنَّ هُنَا تقديراً، أي : ﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ وما لم تسألوه؛ فالله يُعطِي العبد سُؤلَه، ويعطيه ما لم يسأله، وهذا من عظيم نعمه.
﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ المراد بنعمة الله : نعم الله ومن أعظمها وأجلها التوحيد، ونعمة الإيمان بالله، والثبات على الإيمان، ثم بعد ذلك دخول الجنة، ورؤية الرب الكريم في الجنة.
﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ﴾ فالمراد بالنعمة : جنس النعم، المراد بها النعم وبعضهم يقول أنه هنا (أُضِيفَ)، (مفرد مضاف) : فيكون المراد به النِعَمْ، أو أن المراد الجنس ابتداء.
﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ ما معنى لا تحصوها؟ قالوا (لا تطيق عدها )، لا يستطيع الإنسان أن يُعدِّدَ نِعمَ الله، كيفَ وفي الشيء الواحد نعمٌ كثيرة! فاليد تأكل بها وتشرب وتقبض وتبسط وتلبس الأشياء فتستفيد منها في اللمس وفي القبض وفي البسط، وتستفيد منها في البطش، وتستفيد بها في حركتها إلى غير ذلك، وكذلك في نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، وكذلك لا تطيق بحصرها لكثرتها، أي : لا تستطيعون حصرها. قال الله ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ كثير الظلم وكثير الكفر، وهذا في مقابلة ما جاء في سورة النحل ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: 115] فالله غفور رحيم /والإنسان ظلوم كفار
قال الله ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ﴾
انتقلت بنا السورة إلى هذا المشهد العظيم لخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وهو الذي دعا إلى التوحيد وأمر النبي عليه الصلاة والسلام باتباعه، كما قال الله ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123] وتقدم معنا أنَّ تسمية السورة - بسورة إبراهيم - فيه هذه الدلالة، وهي أنَّ هذه السورة : سورة الدعوة إلى التوحيد، بذكر والد الأنبياء والمرسلين، وهو الخليل إبراهيم عليه السلام، وبيان أنه دعا إلى الله عز وجل.
﴿رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا﴾ وفي سورة البقرة ﴿رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا﴾
1-فبعضهم قدَّر هناك : قال يا رب اجعل هذا البلد بلداً آمناً، هناك قدَّرُوه.
2-ومنهم من قال في البداية : دعا لها بأن تكون بلداً آمناً؛ فلما صارت بلداً قال ﴿ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا﴾
فإذًا الدعاء هناك بجعلها بلداً، ثم حينما صار بلداً دعا له بالأمان بعد أن صار بلداً بهذا قال فريق من أهل العلم - والعلم عند الله -؛ وإلا فالأصل أنَّ سورة البقرة مدنية، وأنَّ سورة إبراهيم هنا سورة مكية؛ لكن هذا على سبيل ذكر السابق وذكر الماضي، لذلك جاء ﴿وَإِذْ﴾ يعني : اُذكر.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ﴾ يقول إبراهيم : ﴿وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ﴾ لذلك قال إبراهيم التيمي (ومَنْ يأمنُ البلاءَ بعدَ إبراهيم)؛ فإبراهيم الخليل يقول ﴿وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ﴾ لذلك جدير بالإنسان أن يحرص على تعلُّمِ العقيدة، وتعلُّم التوحيد، وتعلُّمِ نواقض التوحيد؛ لئلا يقع فيما ينقض توحيده - نسأل الله السلامة -، ونسأل الله أن يثبتنا على دينه.
﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَـٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ (إبراهيم: 11)
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ قد يقول قائل : لماذا ندعو بهذه الدعوة؟ قال ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي الأصنام ﴿أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ - نسأل الله السلامة-، وتأمَّلْ قوله ﴿أَضْلَلْنَ﴾ هكذا بنون النسوة؛ وكأنَّهن عاقلات؛ لأنَّ مَنْ عبد الأصنام - جعل الأصنام - بمثابة العقلاء فقال ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وهذا من رفق الخليل إبراهيم عليه السلام، فهو رفيق بأمته ولذلك قال الله ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: 114]
قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌ﴾ (التوبة: 114)
﴿رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ﴾ ما المراد بالذرية هنا؟ هاجر وإسماعيل عليهما السلام.
﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ﴾ والمراد بقوله ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ﴾ المراد به : وادي مكة في هذا الوقت، كان غير ذي زرع - لم يكن فيه زرع ولا ماء- ﴿عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ﴾ عند الكعبة ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ هنا تقدير يعني : ربنا أسكنت من ذريتي ليقيموا الصلاة - من أجل إقامة الصلاة -وهذا فيه أن الإنسان يعيش ويحيا ويأكل وينعم من أجل إقامة الصلاة فهي الغاية، ولذلك إقامة الصلاة تُورِثُ الإنسان التمكين، وإذا تمكن فعليه بإقامة الصلاة ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]
قال ﴿فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي : قلوب الناس ﴿تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ فحينئذ يجتمع لهم الرزق والأمن، ولذلك طلب إبراهيم عليه السلام لهذا المكان الأمان، والرزق الحسن والمؤانسة بوجود فريق من الناس ﴿أَفْـِٔدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ﴾ والحمد لله صارت مكة مَهْوَى، وصارت أفئدة الناس تهوي إلى هذا البلد كما قال ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125]
قال ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ أي الله وتأمل ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ﴾ وهنا ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ ذكر النعم وهذا مناسب للسورة الكريمة ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ لذلك بعضنا يقول : ذكرَ النعمة وذكرَ النقمة، وأعظم النعم التوحيد وأعظم النقم الكفر.
﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (إبراهيم: 12)
﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ﴾ ما نُسِرُّ وما نُعلِنُ ﴿وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ سبحانه وتعالى
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يحمد الله ويثني عليه الخليل عليه السلام ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ فقد رُزِقَ عليه السلام على كبرٍ بإسماعيل من هاجر، وإسحاق من سارة.
﴿إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ والمراد بالسماع هنا : سماع الإجابة ﴿إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ يسمع ويستجيب.
﴿رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ﴾ هذا فيه فضل إقامة الصلاة، وفضل الدعاء بإقامة الصلاة والدعاء للذرية بإقامة الصلاة.
﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ﴾ وسؤال الله عز وجل القبول والخليل دعا بذلك ما جاء في البقرة ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]
﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ﴾ فيه أن المرء يدعو لنفسه بالمغفرة ويدعو لوالديه فلهما أعظم الحق عليه قالوا هنا (قالها ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يعلم أن أباه عدو لله) ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: 114] فحينئذ تبرأ إبراهيم عليه السلام من ذلك، ولذلك نهانا الله عز وجل عن الاقتداء به في هذا الباب ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: 4] وقال ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: 114]
قال ﴿رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ﴾ إلى أن قال ﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ﴾ ولذلك قيل ليوم القيامة - يومُ القيامة -؛ لأنَّه اليوم الذي يقوم فيه الناس للحساب، وهو اليوم الذي يقوم فيه ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [المطففين: 6] فقيل له : يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (المطففين: 6)
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ ثم بعد ذلك جاء الوعيد للظالمين بما ينتظرهم في يوم القيامة فذكر الله لنا بعض مشاهد يوم القيامة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ وتأمل ذكر كلمة الظالمين في السورة تكررت، وفي مقابلة الإيمان بالله سبحانه.
﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ قالوا (ترتفع فيه الأبصار خوفا من هول ما تشاهده)
فمعنى ﴿تَشْخَصُ﴾ ترتفع، وبعضهم يقول : لا تطرَفُ مِنْ شدة الهول - لا تطرف لا هنا ولا هناك - نسأل الله السلامة.
من فوائد الآيات:
بيان فضيلة مكة التي دعا لها نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام : لذلك قال ﴿رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ﴾ إلى آخر الآية الكريمة.
أنَّ الإنسان مهما ارتفع شأنه في مراتب الطاعة والعبودية، ينبغي له أن يخاف على نفسه، وذريته من جليل الشرك ودقيقه : قال ﴿وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ﴾
دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام يدل على أنَّ العبد مهما ارتفع شأنه يظل مفتقراً إلى الله تعالى ومحتاجاً إليه : وهذا واضح، ولذا قال ربنا وتقبل دعاء ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (إبراهيم: 13)
من أسباب التربية الدعاء للأبناء بصلاح وحسن المعتقد والتوفيق في إقامة شعائر الدين : من ذلك قوله ﴿وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ﴾ ومن ذلك قوله ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (إبراهيم: 14)
ونقف عند هذا الحد، ونكمل بإذن الله في الدرس المقبل، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضاه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد :-
فمرحبا بكم - يا أيها الإخوة الكرام - في مجلس من مجالس التعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم، وما زلنا مع آيات سورة إبراهيم عليه السلام
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾
هذه الآية الكريمة متصلة بالآية التي قبلها فهي تبين حال الظالمين يوم القيامة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ قال بعدها ﴿مُهْطِعِينَ﴾ إنهم في هذا اليوم بهذا الوصف.
قال الله ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ﴾ قالوا : مسرعين إلى الداعي فمعنى ﴿مُهْطِعِينَ﴾ : مسرعين إلى الداعي كما قال ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ۖ يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: 8] قال ﴿مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ﴾ قالوا هنا (رافعي رؤوسهم) إذًا معنى ﴿مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ﴾ رافعي رؤوسهم.
﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ قالوا : (ينظرون جزعا إلى السماء لا ترجع إليهم أبصارهم )، والمعنى : أنَّهم لا يلتفتون، ولا يعرفون مواطن أقدامهم من شدة الفزع والهلع والخوف.
قال ﴿وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾
1-قالوا : (وقلوبهم فارغة لا عقل لها، ولا فهم من فزع المشهد) فمِنْ شدة هول الموقف قلوبهم فارغة، ولا عقل لهم؛ بل هي خالية من العقل والفهم.
2- وقال بعضهم : لا قوة لها ولا رأي
3-وبعضهم قال : في قوله ﴿وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ أي : تتحرك هذه القلوب من الفؤاد من الصدر، وتنتقل إلى الحناجر كما قال الله ﴿إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18] فتخرج من الصدور، وتتجه إلى الحناجر دون أن تخرج فيستريحوا، وفي الوقت ذاته لا تعود إلى أماكنها، وهذا من شدة الهول والفزع الذي هم فيه.
ثم قال ﴿وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (إبراهيم: 15)
﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ﴾ فهنا عمم فقال ﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾
1-بعض العلماء قال : المراد بالناس : الظالمين باعتبار أنَّ السياق عنهم، أو أنَّ السياق يتحدث عنهم.
2- ومنهم من قال : بل الأصل العموم للتعبير بلفظ عام وهو قوله ﴿ٱلنَّاسَ﴾؛ ولأنَّ الإنذار يحتاج إليه الجميع.
﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟﴾ هنا خصَّصَ (فالذين ظلموا) : هم الذين يقولون هذا القول حين يندمون وقت لا ينفع الندم.
﴿فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾ يريدون أن يؤخروا إلى أجل قريب؛ ولكن فات الأوان.
﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾ أي أمهلنا وأخر عنا العذاب وردنا إلى الدنيا مدة يسيرة نجب دعوتك التي دعوتنا إليها ونتبع الرسل فيما دعونا إليه
قال الله ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾
﴿أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟﴾ هذا الاستفهامُ المراد به : التقرير والتبكيت والتوبيخ ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾ أي : حلفتم في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ أنكم لا انتقال لكم من ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ إلى الآخرة مُنكرِين البعث بعد الموت فالمراد بقوله ﴿مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾ أي : أنَّكم لن تُبعَثوا فقد كانوا في الدنيا يقسمون أنَّه لا بعث كما قال الله ﴿وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: 38] فهؤلاء كانوا يقولون كما قال الله أيضًا ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ﴾ [سبأ: 3] فهؤلاء في هذا اليوم يريدون أن يعادوا إلى الدنيا ليعملوا عملا صالحا كما قال أيضًا وهم فيها ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [فاطر: 37] فالآية تبين لنا مشهد الظالمين، وأنهم يريدون أن يردوا إلى الدنيا ليعملوا صالحا، وليُقِرُّوا بالآخرة هذا بعد فوات الوقت المسموح به وهو الدنيا فالإنسان في الدنيا بإمكانه أن يتوبَ، وأن يعود إلى رشده، وأن يهتدي بهديِ القرآن، وبهديِ الله سبحانه وتعالى.
قال ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ٤٥﴾
والمعنى أنكم لم تستفيدوا من سنن الله في خلقه، فكانت أمامكم عبر وعظات، وبلغكم ورأيتم آثار الأمم المكذبة، وكيف أنَّ الله أهلكها فهلا استفدتم؟ وهلا اعتبرتم أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يهملكم في الدنيا! بل أقام عليكم الحجج، وأرسل إليكم الرسل، وأنزل الكتب، وجعل في خلقه سُنَنَا لا تتبدل ولا تتغير كل هذا كان من شأنه أن يدعوكم إلى الإيمان بالله وبرسل الله وبكتب الله؛ لكنَّكم أعرضتم عن هذا كله.
قال ﴿وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ﴾ أي : مِن الأمم السابقة ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ﴾ أيْ : ضربنا لكم الأمثال في كتاب الله لعلكم تنتفعون بها؛ لكنكم لم تنتفعوا بها فحينئذ لا مجال لطلبكم أن تردوا إلى الدنيا بعد أن انتهى الأمر، وصارت الآخرة.
قال الله ﴿وَقَدْ مَكَرُوا۟ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴾
﴿وَقَدْ مَكَرُوا۟ مَكْرَهُمْ﴾ قالوا هنا (وقد دبَّر هؤلاء النازلون في مساكن الأمم الظالمة) ومن أشهر هذه المكايد والمكر الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمكر به، وإرادة قتله صلى الله عليه وسلم ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]
﴿وَقَدْ مَكَرُوا۟ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ يعني : مكرهم عند الله معلوم لا يخفى عليه، وهو قادر على القضاء عليه سبحانه وتعالى.
﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴾ قالوا هنا (وتدبير هؤلاء ضعيف فهو لا يزيل الجبال ولا غيرها لضعفه خلافا لمكر الله بهم) فقوله ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴾ يكون قوله هنا و﴿وَإِن﴾ نافية أي : وما ﴿كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴾ - يعني - : أنَّ مكرهم مكر محدود، وأنَّ كيدَهُمْ كيدٌ ضعيف، وهم لا على الله ولا على رسول الله ولا على دعوة الله الحق؛ فالمعنى : وماذا صنعوا بمكرهم فمكرُهُمْ ذاهب، ومضمَحلٌ ومتهافت وضعيف.
﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ أي : ما كان مكرهم ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴾ والمعنى : أنَّ الجبال لا تزول من هذا المكر. والإسلام أعظم من الجبال، وأقوى من الجبال، وهذا الدين أرسخ وأمتن؛ فإذا كانت الجبال لا تزول منه فإنَّ الدين لا يزول بفضل الله سبحانه وتعالى، وكأنَّ الآية في معنى قوله ( إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ) فهؤلاء يتبعون الشيطان، وكيد الشيطان ضعيف، وكذلك فان قوله سبحانه ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴾ لما دلَّ القرآن الكريم على أنَّ الله ناصر نبيه صلى الله عليه وسلم، وناصر دينه ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [الصف: 8]
والقراءة الأخرى ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴾ بفتح اللام فللعلماء في توجيه هذه القراءة أقوال كما أنَّ القراءة الأولى ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴾ بكسر اللام فيها أوجه أيضاً؛ لكن من أشهرها أيْ : القراءة التي سبقت، والتي نقرأُ بها برواية حفص عاصم ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴾ بالكسرِ تُفَسَّرُ ﴿وَإِن﴾ على أنها نافية، وهذا ما فسَّروه هنا أو ما قالوه هنا.
وأما القراءة الأخرى ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴾ بالفتح قالوا إنَّ ﴿وَإِن﴾ هنا هي (المخففة من الثقيلة) أي : وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ، فهذا فيه إثبات أنَّ مكرهم يكاد تزول منه الجبال، والمعنى: أنَّ مكرَهُم كان مكرًا شديدًا، فقد مكروا بكل ما أوتوا من قوة، ومكرهم يكاد تزول منه الجبال لكن مع ذلك؛ فإنَّ الجبال وإن زالت؛ فإنَّ هذا الدين لا يزول لأنَّه أمتَن من الجبال، فيكون المراد بذلك الدلالة على أنَّ مكرهم - مهما بلغ - فإنَّه لن يصل إلى هذا الدين، ولن ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى كلٍ فلا تنافي بين القراءتين؛ لأنَّ وجه النفي غير وجه الإثبات، فهذا وذاك ينتهي بهما أو ينتهي الأمر بالقراءتين إلى بيان أنَّ الدين محفوظ بحفظ الله سبحانه وتعالى.
﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴾ وتكون هذه لتزول منه الجبال على هذه القراءة بالفتح يكون هذا شبيها بقوله سبحانه ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا۟ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 90-91] فإنَّ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ من شدة هذا المكر وخبث هذا المكر؛ لكنَّ الله سبحانه وتعالى سلم وحفظ دينه وحفظ نبيه، وحفظ كتابه سبحانه وتعالى.
ثم قال ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِۦ رُسُلَهُۥٓ﴾ وهذا يؤكد الكلام؛ فالله سبحانه قد وعد رسوله، أو وعد رسله بالنصر والتمكين، فمَنْ وعد الله عز وجل لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يتم نوره، وأن يحفظ ملته، وقد كان الأمر كذلك بفضل الله سبحانه وتعالى.
﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِۦ رُسُلَهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾
وأنت إذا تأملت قوله ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِۦ رُسُلَهُۥٓ﴾ تجد أنَّ قوله (﴿مُخۡلِفَ﴾ وهو اسم فاعل، وقد نَصَبَ مفعولين، والمفعول الأول هو قوله ﴿رُسُلَهُۥٓۚ﴾ والمفعول الثاني : هو قوله ﴿وَعْدِهِۦ﴾ لكنَّه جاء مجرورا باعتبار الإضافة؛ فأصلُ الكلام : ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ﴾ رسله وعدَه - فأصلُ الكلام : لا يخلِفُ الله رسلَهُ ما وعدهم - هذا هو الأصل - لكنَّ الله قدَّم الوعد على الرسل، فلم يقل ( ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ﴾ رسله وعده ) وإنَّما قال : ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِۦ رُسُلَهُۥٓ﴾ وفي هذا لطيفة - والعلم عند الله - وهي لطيفة التعميم قبل التخصيص فالله حين قال ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِۦ رُسُلَهُۥٓ﴾ صار هذا حُكمَاً عاماً بأنَّ الله لا يخلف وعده سواء وعد بذلك الرسل أم وعد بذلك المؤمنين عموماً؛ فالله لا يخلف وعدَه لأحدٍ ثم خَصَّصَ فقال ﴿رُسُلَهُۥٓۚ﴾ إذا كان الله لا يُخلِف وعدَه مع عموم المؤمنين فكيف بِرُسلِهِ! لا شك أنَّه يفي سبحانه وتعالى ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 111] فعمَّم الله ليبين أنَّه لا يخلف الوعد بصفة عامة، ثم خصص في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام كما قال الله ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِىٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: 21]
وقال هنا ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾ وتلاحظون ما سبق معنا في أوائل السورة في ذكر العزيز الحكيم فهذا يناسب أيضًا ما سبق في صدر السورة والعلم عند الله.
قال ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ هذا يوم القيامة
قال ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ﴾ قال : يوم تُبدل هذه الأرض أرضاً أخرى، بعض العلماء يقولون : بتبديل ذاتها، وبعضهم يقولون : تُبدّل أيْ : تُبدَّل أوصافها.
قال ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ﴾ قالوا هنا (يوم تبدل هذه الأرض أرضا أخرى بيضاء نقية)، وهذا يدل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (أنَّها تصير أرضا بيضاء نقية لا معلم فيها لأحد).
فلا يكون هناك مَعْلَمٌ لأحد، ولا مكان يختبئ فيه الإنسان ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: 11-12]
قال ﴿وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ أي : ظهر الناس من قبورهم بأبدانهم وأعمالهم للوقوف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وتأمل ما جاء في السورة سابقا في قوله ﴿وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وهنا قال ﴿وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾
﴿وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ﴾ وترى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناظر ﴿ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ﴾ قوله ﴿مُّقَرَّنِينَ﴾ ما معنى ﴿مُّقَرَّنِينَ﴾؟
1-قال : قد شُدَّ بعضُهُم إلى بعضٍ في القيود، هذا قولٌ فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ شُدَّ بعضُهُم إلى بعضٍ في القيود
2-ومنهم من قال : قُيِّدَ كُلُّ واحد منهم مع قرينه الشيطان.
3-ومنهم من قال : قُيِّدَ الواحد منهم بقيود في يده ورجله ورقبته، فهي قيود تتعلق بالشخص نفسه.
قال سبحانه وتعالى ﴿مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ﴾ في القيود والأغلال.