مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة إبراهيم — الجزء 1

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 329 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

تَفْسِيرُ سُورَةِ إبراهيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعدُ:

فمرحبا بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم وننتقل الليلة بفضل الله وتوفيقه إلى تفسير سورة إبراهيم عليه السلام.

قالوا في المختصر (سورة إبراهيم : سورة مكية، ومن مقاصد السورة : إثبات قيام الرسل بالبيان والبلاغ وتهديد المعرضين عن اتباعهم بالعذاب)

التعريف بالسورة

سورة إبراهيم سورة مكية هذه السورة الكريمة تسمى بـ (سورة إبراهيم ) وكما تعلمون فهناك بعض السور القرآنية تسمى بأسماء بعض الأنبياء والمرسلين، فعندنا (سورة يونس، وسورة هود، وسورة يوسف، وسورة إبراهيم، وسورة محمد صلى الله عليه وسلم) عدة سور بأسماء الأنبياء والمرسلين، والمُلَاحظ أن عدداً من هذه السور جاء متقارباً - كسورة يونس وهود ويوسف وإبراهيم - فقد جاءت متتابعة إلا أنَّ سورة الرعد جاءت بين سورة يوسف وسورة إبراهيم.

وتجدون أن سورة يونس وسورة هود وسورة يوسف وسورة إبراهيم تجتمع هذه السور الأربعة في أنها افتتحت بافتتاح واحد ولذلك هي من ذوات الألف واللام والراء ﴿الٓر﴾ فلذلك سميت السورة بسورة إبراهيم كما هو الحال في السور الأخرى التي افتتحها الله عز وجل ب ﴿الٓر﴾ وأيضاً لأن فيها حديثا عن خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ﴾

وأيضاً لأنَّ قصة إبراهيم عليه السلام، واسم إبراهيم عليه السلام له علاقة بمقصود السورة الكريمة وتقدم معنا أننا نتعرف على مقصود السورة من عدة جهات ومن هذه الجهات التي نتعرف بها على مقصود السورة اسم السورة.

فهذه السورة تسمى بإبراهيم عليه السلام لصلة ذلك بموضوع السورة الأم ومقصودها الأهم وهذا ما سيأتي بيانه بعد قليل بإذن الله تعالى.

سورة إبراهيم سورة مكية، وهذا بإجماع كما نقله عدد من المفسرين فهناك اتفاق بين المفسرين على أن هذه السورة سورة مكية؛ إلا أن بعض المفسرين استثنى من ذلك آية أو آيتين فاستثنوا قول الله سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ﴾ ومنهم من زاد مع هذه الآية ما جاء بعدها ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ﴾ فقالوا هذه الآية أو هاتان الآيتان مدنيتان والأقرب والله أعلم أن السورة كلها مكية، ويشهد لذلك جو السورة وموضوعاتها فإنها تتحدث عن العقيدة لا سيما ما يتعلق بأمر الرسالة والدعوة إلى توحيد ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا هنا (من مقاصد السورة إثبات قيام الرسل بالبيان والبلاغ وتهديد المعرضين عن اتباعهم بالعذاب)

إذًا : هم يذكرون من مقاصد هذه السورة الجليلة : إثبات قيام الرسل بالبيان والبلاغ.

تدلل السورة على أن رسل الله سبحانه وتعالى قد بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، وأنهم بينوا لأقوامهم ومن دلائل ذلك في السورة ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ فهذا فيه أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أنزل الله عز وجل عليه الكتاب وبين الحكمة والغاية من ذلك ﴿لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ وهذا يستلزم بياناً.

وقال الله سبحانه وتعالى أيضًا بعد ذلك ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾

إذا السورة تتحدث عن دعوة الرسل وأنها دعوة بينة وأن الرسل أقاموا الحجة وبينوا لأممهم وأيضاً قال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾

وأيضاً قال ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۛ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فهذا يدل على أن هذه الدعوة دعوة عامة قام بها الرسل عليهم الصلاة والسلام، إذًا هذه السورة كما ذكروا فيها إثبات قيام الرسل بالبيان والبلاغ.

بل إنك تلحظ أن ذكر إخراج ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ تكرر في هذه السورة فالله بين أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت إخراج ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ، وذكر الله دعوة موسى عليه السلام فذكر من قوله سبحانه وتعالى ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ فإذا هذه هي دعوة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وكذلك جاء بعد ذلك ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا﴾ وفي أنه عليه الصلاة والسلام حرص على أن يكون قومه على الإيمان بالله وعلى إقامة الصلاة كما سيأتي أيضًا.

(إثبات قيام الرسل بالبيان والبلاغ وتهديد المعرضين عن اتباعهم بالعذاب)

فالسورة الكريمة هددت الذين لم يستجيبوا للرسل بالوعيد والهلاك، وبيَّن الله سبحانه وتعالى فقال ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ إلى آخر الآيات الكريمة؛ بل ذكر الله سبحانه وتعالى لنا ما توعد به أولئك الكافرين من هلاك في الدنيا، ومن عذاب في الآخرة، ولذلك جاء في السورة الكريمة الحديث عن جزاء الآخرة كما جاء فيها الحديث عن الهلاك في الدنيا.

وقال ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ إذًا هذا هو مقصود السورة كما ذكروه هنا.

وبعض العلماء يرى أن هذه السورة الكريمة مقصودها قضية التوحيد فيقولون أن مدار السورة على إثبات والحديث عن قضية التوحيد من أول السورة إلى آخرها.

خلاصة وتثبيت الفكرة

فإنْ قال قائل : هذا متكررٌ في بعض السور؛ بل في كثير من السور : فإننا نعلم أن السور المكية مدارها على إثبات ثلاثة أصول على إثبات التوحيد والرسالة، والبعث أو الإيمان باليوم الآخر؛ فهذا متكرر في عامة السور المكية ربما ذكر فيها أصل أو أصلان، وربما ذكرت الأصول الثلاثة في هذه السورة!

فإنْ قال قائل : فكيف نقول أن مقصود السورة هو التوحيد؟

يقال: إنَّ الحديث عن التوحيد متنوع، فمثلاً تقدَّم معنا أن مقصود سورة آل عمران على قول كثير من العلماء التوحيد، فقالوا : مقصود سورة آل عمران التوحيد، وهنا نقول أنَّ مقصود سورة إبراهيم عليه السلام التوحيد فكيف ذلك؟ فيقال أنَّ سورة آل عمران - والعلم عند الله - حدثتنا عن قضية التوحيد من طريق معين، وهو طريق إثبات حياة وقيومية الله، وأن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للإلهية فذكرت لنا خصائص الإله، وبينت لنا أن عيسى عليه السلام لا يصلح أن يكون إلها، ﴿وَلَآ أَن﴾ يكون ابنا لله، ولذلك جاء في هذه السورة المحاجة أو جاءت المباهلة وجاء قول الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59] ولذلك قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآيات على نصارى نجران كما هو معلوم.

إذًا سورة آل عمران : ذكرت لنا خصائص الإلهية، وأنَّ عيسى لا يصلح أن يكون إلها، ودعت الناس إلى التوحيد، وحدثت أهل الكتاب عما يقع أو عما وقع منهم، وعما ينبغي لهم أن يكونوا عليه، وأنه لا ينبغي لهم؛ بل يحرم عليهم أن يلبسوا الحق بالباطل إلى غير ذلك مما تقدم بها.

أما سورة إبراهيم فهي تحدثت عن قضية التوحيد من جهة أخرى : وهي بيان أن التوحيد نعمة، وأن الكفر نقمة، وأن الله أنعم على الناس بنعم كثيرة، وأعظمها نعمة التوحيد، وأنَّ هذا التوحيد قد دعا إليه الرسل فذكرت لنا الدعوة إلى التوحيد، وأنَّ التوحيد نعمة، وكيف تعامل الناس مع قضية التوحيد لذلك ذكرت لنا والد الأنبياء وهو الخليل إبراهيم عليه السلام؛ لأنه داعية إلى التوحيد فتمثل هذا في الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ﴾ وهذه الدعوة لم تتكرر في القرآن الكريم كله.

فدعوة الخليل إبراهيم التي جاءت في هذا الموضع ﴿وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ﴾ لم تأتِ في موضع آخر من القرآن الكريم، وفيها أن الخليل إبراهيم عليه السلام يخشى على نفسه أن تقع منه عبادة للأصنام مع أنه الذي دعا إلى التوحيد، والذي حورب من أجل دعوته إلى التوحيد، وأُلْقِيَ في النار من أجل دعوته إلى التوحيد كل ذلك ليدلنا على أن أنبياء الله ورسله ثبتوا على التوحيد، ودعوا الناس إلى التوحيد، وبينت لنا كيف واجه الناس أمر التوحيد، وكيف واجه الناس قضية التوحيد، وتمثل ذلك في التكذيب بالرسل وضرب الله لنا أمثلة في ذلك على سبيل الإيجاز فذكر لنا طرفا من موقف موسى عليه السلام إذ قال لقومه ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ مع أنَّ قصة موسى عليه السلام قد تكررت في القرآن؛ إلا أنها لما جاءت في هذا الموضع جاءت لسياق إثبات التوحيد، وإثبات أن التوحيد نعمة، وأنه ينبغي للعباد أن يؤمنوا بالله، وألا يكفروا به، وأنهم إن كفروا فإنَّ الله غني عنهم؛ فإنَّ إيمانهم ينفعهم، وأما الله سبحانه وتعالى فهو غني عن العالمين، ويؤكد هذا المعنى - والعلم عند الله تعالى - ما ذكر الله سبحانه وتعالى من مثل بالشجرة الطيبة للكلمة الطيبة والشجرة الخبيثة للكلمة الخبيثة

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ وقال ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ قال ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ﴾ والمراد بالقول الثابت : الشهادتان، والمراد بالكلمة الطيبة " كلمة لا إله إلا الله ".

إذا هذا كله يدلنا على أن هذا هو المراد وقال الله في السورة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ﴾ فالله أنعم عليهم بالرسول وبإنزال الكتاب، وهذا كله فيه دعوة إلى التوحيد؛ لكنهم بدلوا نعمة الله كفرا؛ فالسورة إذا تتحدث عن قضية التوحيد كنعمة بل كأكبر نعمة، وتتحدث عن الكفر كنقمة؛ بل أكبر نقمة يترتب عليها أعظم العذاب يوم القيامة.

وكذلك فإنَّ السورة ذكرت لنا موقف الناس من قضية التوحيد لذلك بعض العلماء يقولون أن مقصود السورة الحديث عن الرسالات أو دعوة الرسل إلى التوحيد ومواقف الناس من دعوتهم لا ينفك عن القول وعن التوحيد فهذه أقوال تقال في مقاصد السورة والعلم عند الله وهي متلازمة ولا ينفك بعضها عن بعض بل هي مترابطة ومتسقة ويعين بعضها بعضا ويعاضد بعضها بعضا والله أعلم.

فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن المحور هو التوحيد فالأمر واضح، وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن المحور الأساسي في السورة الحديث عن الرسالات وهذا صحيح بالفعل؛ لأن قضية الرسالات جاءت في السورة الكريمة بوضوح وجلاء لكن هذه الرسالة علام تقوم؟ تقوم على التوحيد ولذلك ماذا قال الله في أمر الرسل ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾

إذا القضية قضية التوحيد هذه دعوة الأنبياء ودعوة الرسل.

ثم بيَّن الله مَنْ آمن، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ وجزاء المؤمنين ﴿وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ﴾ (إبراهيم: 23) [سورة إبراهيم:23].

وذكر الله جزاء الكافرين، وما يجري بينهم يوم القيامة من محاورات فذكر الحوار الذي يقع بين الضعفاء والمستكبرين، والحوار الذي يقع بين الشيطان، وبين أولئك الكافرين حينما يدخلون النار فهذا كله مما يدل على مقصود السورة، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

ويشهد لهذا أيضًا أن سورة الرعد في آخرها قال الله ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [الرعد: 43] وكأن سورة إبراهيم جاءت لتقول لهم كلا بل هو مرسل والله يشهد له برسالته، وكيف لا يكون مرسلاً! وقد أنزل الله عليه هذا الكتاب ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ وكأنَّ المعنى : الرسول مرسل، وليس كما تزعمون أنه ليس بمرسل، وهذه دعوة هذه رسالته، وهذه ليست رسالته فحسب؛ بل إنَّ الأنبياء والرسل أرسلوا بهذه الرسالة التي هي دعوة إلى التوحيد الخالص.

وأيضاً نجد أن هذه السورة ذكرت لنا نماذج - هذه النماذج - منها نماذج واقعية تمثلت في الخليل إبراهيم ولذا سميت السورة به، فهو أنموذج للموحد الداعي إلى التوحيد الذي بذل في ذلك أقصى ما لديه عليه الصلاة والسلام، وذكرت لنا أيضًا طرفا من قصة موسى كما تقدم وذكرت لنا بعض الأنبياء والمرسلين ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآية

وذكرت لنا أيضًا ما يتعلق بجانب المثل وهو ما تقدم المثل للكلمة الطيبة وللكلمة الخبيثة فذكرت نماذج واقعية، وذكرت لنا الأمثال للانتفاع بالتوحيد، ولضرر الشرك بالله سبحانه وتعالى فلعل هذا يعني حاصل ما يقال في هذه المسألة، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾

﴿الٓر﴾ تقدم الكلام على نظائر في بداية سورة البقرة، وتقدم الكلام على ذلك، والتعليق عليه مرارا فهي الحروف المقطعة التي تحدي الخلق بها لبيان عجزهم.

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ﴾ والمراد به : القرآن الكريم، وقال هنا ﴿أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ﴾ : لكنه في سورة الأعراف قال ﴿كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ فلعل هذا - والعلم عند الله -؛ لأن المقام هنا مقام امتنان على الخلق، فلذلك جاء التصريح فيه ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ﴾ فجاء التصريح بالفاعل.

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ فقوله ﴿لِتُخْرِجَ﴾ يقال لهذه اللام : لام التعليل لذلك يقال من مقاصد القرآن الكريم إخراج ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وهو معنى الهداية.

فالسورة من بدايتها تبين لنا مقصد إنزال القرآن، وهذا ما ذهب إليه بعضهم فبعضهم رأى أن مقصود هذه السورة، وأنَّ غاية هذه السورة إخراج ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ، أو بيان القرآن الكريم، وأن من مقاصد القرآن الكريم إخراج ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ، وسيأتينا في آخر السورة الكريمة ﴿هَـٰذَا بَلَـٰغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ فهذا أيضًا من مقاصد القرآن الكريم

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ قالوا هنا (من الكفر والجهل والضلالة إلى الإيمان والعلم والهداية)

إذا ما المراد بالظلمات؟ المراد بالظلمات : ظلمات الكفر والجهل والضلالة.

﴿إِلَى ٱلنُّورِ﴾ ما المراد بالنور؟ نور الإيمان والعلم والهداية، لذلك يقول العلماء إنَّ في هذا استعارة تصريحية حيث أنه سبحانه وتعالى عبر عن الكفر بالظلمات، وعبر عن الإيمان بالنور، وهنا جمع الظلمات فقال ﴿ٱلظُّلُمَٰتِ ﴾ هكذا الظلمات بصيغة الجمع للدلالة على أن طرائق الشرك والكفر كثيرة، وأن على كل طريق من هذه الطرق شيطان يدعو إليها؛ وأما طريق التوحيد فهو طريق واحد، ولذلك يُذْكَرُ النور فيفُرَد فقال ﴿لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾.

وتأمل قوله ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ للدلالة على أن الهداية بإذن الله سبحانه وتعالى، ومن تأمل هذه السورة الكريمة يجد أن هذا التعبير تكرر في السورة وهو بيان أن كل شيء بإذن الله عز وجل، ولذلك لما قال الأقوام للرسل ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ رد عليهم الأنبياء والمرسلون﴿إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَـٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ فأحالوا الأمر على الله سبحانه وتعالى وكذلك لما ذكر الله حال أهل الجنة ﴿وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾

إذًا هذه السورة تبين أن الهداية بإذن الله سبحانه وتعالى، قال ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾.

قوله ﴿إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ هو تفسير للنور، وكأنَّ قائلا يقول (إلى النور)؟ وما المراد بالنور؟ ما تفسير هذا النور؟ فتكون الإجابة : ﴿صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾

ولذلك بعضهم قال : كأنها في حكم البدل مع إعادة العامل، يعني هنا قال ﴿إِلَى ٱلنُّورِ﴾ بعدها قال ﴿إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ ولكن جاء الاعتراض بينهما بقوله ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ يعني قال عنها (جملة معترضة) بينهم كأنَّ المعنى : إلى النور إلى صراط العزيز الحميد.

وقال هنا ﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ فالله هو العزيز : الغالب الذي لا يُغْلَب، وهو الحميد : المستحق للمحامد كلها سبحانه وتعالى، وهذا مناسب لما ذكر الله عز وجل من النعم؛ فهذه النعم الكثيرة التي ذكرها الله في هذه السورة الكريمة - وأعظمها نعمة التوحيد - تستوجب حمد الله فهو الحميد سبحانه وكذلك إهلاك الله للظالمين هذا يناسبه العزة فلذلك جمع بينهما فقال ﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾

﴿ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾

﴿ٱللَّهِ﴾ هذا بدل مطابق من قوله ﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ كما يسميه علماء اللغة أو النحو فنقول ﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٱللَّهِ﴾ ومنع كثيرون من أهل العلم أن يقال عنها نعت؛ قالوا لأنَّ اسم الله يَنْعت ولا يكون نَعتاً.

يعني اسم الله عز وجل يتبع بتوابع، وتأتي الأوصاف له، ولا يكون هو وصفا لغيره فلذلك قالوا :إِنَّه بدل والقراءة الأخرى ﴿ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾

1-فيمكن أن نقول ﴿ٱللَّهُ﴾ إذًا مبتدأ،و﴿ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ هو الخبر.

2-أو أنَّ ﴿ٱللَّهِ﴾ خبر لمبتدأ مقدر أو غير ذلك من إعرابات معروفة.

قال ﴿ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾

2-وبعضهم قال الويل : بمعنى الهلاك وهو الوعيد الشديد.

﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ وهذه الآية أو هذا الجزء من الآية يناسب ما جاء في خاتمة سورة الرعد ﴿وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّـٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ [الرعد: 42]، وهنا قال ﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ مَنْ هؤلاء يا ربنا؟ مَنْ هؤلاء الكافرون الذين تتوعدهم بالعذاب الشديد؟

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ (إبراهيم: 24)

﴿ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ﴾ أي : هم الكافرون الذين يؤثرون ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ على الآخرة فيقدمونها، فيقدمون الدنيا على الآخرة، وقال ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ بعض المفسرين : فسَّر (سبيل الله) : بالتوحيد؛ لأن المقصد كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ - هو الحث على التوحيد - والدعوة إليه فقالوا يعني : ويصدون عن التوحيد، لا يصرفون الناس عن طريق الله، ويطلبون لطريقه التشويه والزيغ عن الحق، والميل عن الاستقامة وهذا معنى ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يعني : يبغون هذه الطريق معوجة فيرمون طريق التوحيد بأنها طريق مشوشة ويقولون :﴿أَجَعَلَ ٱلْءَالِهَةَ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]

قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍ﴾ أولئك أي : هؤلاء المضلون في ضلال بعيد.

قال ﴿تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم: 25)

تحليل مقارن وربط بين السور

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ الله عز وجل في فاتحة السورة بين أن هذا الكتاب أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم ليخرج ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ، وهذا يستلزم أن يكون هذا الكتاب كتاباً مبيناً، وأن تكون الدعوة دعوة واضحة، لذلك بيَّن هنا أن رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم مناسبة :

فقال ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ﴾ والمعنى : وأنت قد أرسلناك بلسان قومك، إذًا هذا حكمٌ عامٌ أن يُرسَل الرسول بلغة قومه، ولذلك لا عتب على الرسول صلى الله عليه وسلم حينما يُقال لماذا نزل القرآن بلسان عربي مبين؟ ثم أنتم تقولون أن القرآن لجميع الخلق! أو أنَّ القرآن يُخاإذاً به جميع الناس على اختلاف لغاتهم!

فيقال : لأنَّه ولا بد أن ينزل الكتاب بلغة معينة، هل ينزل الكتاب لكل قوم بلغة أخرى أم ينزل بلغة فلتكن هذه اللغة لغة القوم الذين كان فيهم هذا الرسول /أو أقام بين ظهرانيهم؛ لا سيما إذا كانت هي اللغة الأعظم والأفصح والأجل والأوسع في المعاني كما هو معلوم ومقرر.

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وهذا فيه : أنَّ اللغة عندما تكون لغة القوم؛ فإنه يسهل عليهم فهمها فقال ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ واستفيد من ذلك أهمية اللغة العربية لما لها من قدر، ومكانة في معرفة معاني القرآن الكريم وبيان التنزيل الذي أنزله ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

قال ﴿فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ وهذا فيه أن الضلال والهداية يكون بعد البيان ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115]

قال ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ إذًا : هو العزيز الحميد الحكيم هذا في صدر السورة، فإذًا ما هو مذكور في السورة يتعلق بعزة الله، ويتعلق باستحقاق الله المحامد ويتعلق بحكمة الله سبحانه وتعالى

قال الله عز وجل ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا﴾ يمكن أن يقال أن هذا شروع في التفصيل بعد الإجمال ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ نريد أمثلة /نريد نماذج : فذكر الله موسى عليه السلام، ولعل موسى عليه السلام خص بالذكر - والعلم عند الله -لأن موسى أُرسِل بآيات كثيرة، وكان قومه من أكثر الناس عناداً فذكر موسى عليه السلام لما كان في دعوته من عناد الناس معه؛ ولأنَّه أوتي آيات كثيرة فكان مناسبا للمقام.

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ اربط هذا بقوله ﴿لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ إذا هناك عامل مشترك بين دعوات الأنبياء والرسل، فدعوتهم كلها قائمة على إخراج ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ، وهذا يتم بإخراج الناس من الشرك، وإدخالهم في توحيد ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، وهو ما يراد من هذه السورة من تقرير قضية التوحيد والدعوة إليها.

قال ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ قوله ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ قالوا هنا (وأمرناه أن يُذَكِّرُهم بنعم الله التي أنعم عليهم فيها).

إذا ما المراد ﴿بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ قالوا (هي الأيام التي أنعم الله عز وجل عليهم فيها )؛ فالمراد بالأيام :-

أيام مخصوصة هم يعرفونها أنعم الله عز وجل عليهم فيها، فيدخل في ذلك إنجاءهم، وإغراق فرعون ومن معه، فهذه الأيام يعرفونها ويحفظونها فهذا معنى ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ يعني : ذكرهم بما وقع لهم من نجاة، وما وقع لخصمهم وهو فرعون من هلاك فالمراد ( بأيام الله) : الأيام نفسها لما فيها من أحداث.

أو المراد بالأيام : النعماء.

وبعضهم يقول : النعماء والبلاء - النعمة والنقمة - فقوله ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ تشمل الأمرين ولذلك قال ابن جزي (واللفظ يعم النعم والنقم) إذًا ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ يعني : ذكِّرْهُم بنعم الله، وذكِّرْهم بالنقم؛ لأن الله أهلك الظالمين، وأهلك الكافرين، وأهلك فرعون ومن معه فهذا مما يذكرهم به موسى عليه الصلاة والسلام.

ولذلك في قصة الخضر عليه السلام جاء في رواية مسلم من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه (أنَّ موسى عليه السلام خإذاً في قومه يُذَكِّرُهم بأيام الله سبحانه وتعالى قال ( وأيام الله نعماؤه وبلاؤه )) جاء هذا في الرواية إذًا هذا في تفسير ﴿بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ بالسنة فجاء في حديث أُبَيِّ عند مُسْلِمٍ يُذَكِّرُهم أي : موسى يذكرهم بأيام الله، (وأيام الله نعماؤه وبلاؤه ) لذلك قالوا : إنَّ أيام الله تشمل هذا وذاك.

وهذا فيه أن الداعية إلى الله عليه أن يذكر الناس بأيام الله بأن يذكر لهم الأحوال السابقة، ويذكر لهم من التاريخ ما يكون عبرة وعظة لهم، ويذكر لهم أيام الله فيذكرهم بالنعم التي أنعم الله بها على المؤمنين والنقم التي انتقم الله عز وجل بها من الظالمين الكافرين.

قال الله سبحانه ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي : إن في ذلك التذكير - إنَّ في ذلك الذي أُمِرَ به موسى عليه السلام من إخراج الناس من الظلمات للنور، قالوا (إنَّ في تلك الأيام دلالات جلية على توحيد الله وعظيم قدرته وإنعامه على المؤمنين وهذا ما ينتفع به الصابرون على طاعة الله المداومون على شكر نعمه وآلائه) لذلك قال ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ يعني من الذي ينتفع بأيام الله؟ الصبار الشكور حينما يذكر له ابتلاءات السابقين، وكيف أنَّ الأنبياء قد ابتُلوا، وكيف أنَّ المؤمنين قد امتحنوا، وكيف أنَّ الله نصَرَ أولياءه، وكيف أنَّ الله أهلك أعداءه كل هذا من المستفيد منه؟ الصبار الشكور - كثير الصبر - كثير الشكر، الذي يصبر والذي يشكر ربه سبحانه وتعالى.

قال الشيخ حفظه الله

أنَّ المقصد من إنزال القرآن هو الهداية بإخراج الناس من ظلمات الباطل إلى نور الحق : وهو واضح في قوله في أول السورة ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ وإخراج ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ هو الهداية، وقد جاء التصريح بالهداية في قوله ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] فهذا من مقاصد القرآن العامة، ولذلك من مقاصد القرآن العامة تحقيق الهداية، والمقاصد هنا المراد بها الغايات والحكم التي من أجلها أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن؛ لأنَّ المقاصد كما تقدم في بعض المناسبات ربما أريد منها الغايات والحكم، وربما أريد بها الموضوعات العامة والكلية التي ذكرت في القرآن الكريم.

إرسال الرسل يكون بلسان أقوامهم ولغتهم لأنَّه أبلغ في الفهم عنهم فيكون أدعى للقبول والامتثال : ولذا قال الله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ فهذا يكون أدعى للقبول والامتثال والبيان.

وظيفة الرسل تتلخص في إرشاد الناس وقيادتهم للخروج من الظلمات إلى النور : قال ﴿لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ وقال في حق موسى ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ السورة تتحدث عن التذكير بنعم الله، ولا سيما نعمة الإيمان، فهنا يقول موسى ﴿ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وقبلها وذَكِّرْهُم بأيام الله، ويدخل فيها النعماء والبلاء.

﴿إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ فمن نعم الله العظيمة على بني إسرائيل ﴿إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ﴾ أي :- يذيقونكم شر العذاب ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ تجدون هنا أنه في هذه السورة الكريمة جاء قوله ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ بذكر الواو ليس كما جاء في سورة البقرة ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ [البقرة: 49]؛ ﴿أَنَّمَا﴾ جاء هنا قال ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾.

فقوله ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ هناك في سورة البقرة تفصيل بعد إجمال وبيان لمعنى قوله ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ﴾ هي بدل منه ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ﴾ ماذا يصنعون؟ يذبحون أبناءكم ويستحون نساءكم؛ أما هنا عطف ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ على قوله ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ﴾ وكأن هذا عذاب آخر؛ فذلك لأنَّه لون شديد، وهو ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ ومن المعروف أنَّ التذبيح عذاب شديد، فكيف إذا كان تذبيحاً للأبناء!! ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ فخصه بالذكر عليه كأنه لون آخر، وكأنه جنس آخر من العذاب.

وفيه أن الإنجاء من هذا نعمة كبيرة، والمقام مقام امتنان وتعداد للنعم، وفي مقام تعداد النعم يحسن التفصيل بأن يقال كذا وكذا فتُعْطَف النعمة على النعمة الأخرى، ويناسبه التفصيل والعلم عند الله.

﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ القول المشهور في معناها : يستبْقُون نساءكم على قيد الحياة للخدمة، إِذًا معنى ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ يعني : يستبقونهم، وهنا النساء أُطْلِقت قالوا المراد بالنساء : البنات الصغيرة - الأطفال.

فقوله ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ المراد بهن البنات، وهن صغيرات؛ لكن عبر عنهن بالنساء فقيل : - لا مانع هذا صحيح اللغة أن يُطلَق على البنت ولو كانت صغيرة، ويطلق على البنات وهن صغيرات النساء أو أن هذا باعتبار ما يصير إليه أمرهن فإنهن إذا كبرن صرن نساء.

لكن قوله ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ هنا قد يقول قائل : إنَّ استبقاء النساء هذا أمر لا يعد عذابا حتى يقال أن الله أنعم عليكم بأن خلصكم منه فكيف قال ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ وهذا فيه أن الله عز وجل خلصه من هذا العذاب؟

فيقال : لأن استحياء النساء ليس من باب الإحسان إليهن؛ وإنما من باب إذلالهن وإهانتهن، وهذا لا شك أنه شديد على النفوس؛ فإنك إذا علمت أن ابنتك ستحيا عند عدوك، وأن عدوك سيؤذيها وربما فعل بها ما يشاء من أفعال، لا شك أن هذا أشد من قتلها، فلذلك كان هذا من جنس العذاب الشديد على بني إسرائيل فقال ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾

﴿وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، ﴿وَفِى ذَٰلِكُم﴾ قالوا (وفي أفعالهم هذه اختبار لكم عظيم على الصبر)

فقوله ﴿وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ﴾ تقدم معنا في سورة البقرة أن بلاء في الآية فيها قولان فقوله ﴿وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ﴾

1- إما أن يقال أن المراد بالبلاء : النعمة يعني وفي ذلكم نعمة أو نعم من ربكم ﴿وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ﴾ إنعام من ربكم عظيم لأن الآية في أولها ﴿ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم﴾

إذًا ﴿وَفِى ذَٰلِكُم﴾ يعني : في هذا الإنجاء فيكون اسم الإشارة وهو ﴿ذَٰلِكُم﴾ يعود على الإنجاء من العذاب من تذبيح الأبناء، واستحياء النساء.فيكون المراد بالبلاء الإنعام.

2-ويحتمل أن قوله ﴿وَفِى ذَٰلِكُم﴾ يعود على العذاب نفسه، فيكون معنى البلاء : الاختبار ﴿وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ قالوا هنا ( وقال لهم موسى اذكروا حين أعلمكم ربكم إعلاما بليغا لئن شكرتم الله على ما أنعم به عليكم من تلك النعم المذكورة ليزيدنكم عليها من إنعامه وفضله)، فجعلوا الآية بالآية السابقة وأنها من تتمة قول موسى عليه الصلاة والسلام ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ يعني :- أعلمكم ربكم ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾ وأعظم الشكر، وأهم الشكر الإيمان بالله، لذلك لا بد أن نذكر هذا المعنى، وألا نغفل عنه ونحن نفسر السورة الكريمة، ولذلك نركز على الحديث عن مقصود السورة في أولها ليسير معنا في أثناء السورة الكريمة، فالشكر كما فسره بعض المفسرين : المراد به الإيمان بالدرجة الأولى ثم يراد به بعد ذلك أبواب الطاعات؛ إن شكرتم ابتداء بالإيمان بدليل بعدها ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ﴾ وبدليل قوله بعدها ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾

والسورة تتحدث عن قضية التوحيد، ودعاة التوحيد، وماذا فعل الرسل؟ وماذا فُعِلَ معهم؟.

قال ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ وهذا فيه :- أنَّ الشكر طريق المزيد، فإذا سأل سائل وقال : أريد أن يزيدني الله؟

الشكر قيد الموجود : يعني إذا كانت عندك نعمة حاضرة، فأردت أن تحفظها فعليك بالشكر.

وهو صيد المفقود : إذا كان هناك شيء تفتقده، وتريد أن تحصل عليه فعليك بشكر الله، لذلك كانوا يسمون الشكر بـ "الجالب الحافظ " يسمون الشكر الجالب : الذي يجلب لك ما تريد، ويحقق لك مطالبك وأيضاً هو الحافظ : الذي يحفظ الله به النعم التي أنعم بها على عباده.

قال ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ قالوا هنا (وقال موسى لقومه يا قوم إن ﴿تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ﴾، ويكفر معكم جميع من في الأرض فضرر كفركم يعود عليكم فإنَّ الله غني بنفسه مستوجب الحمد بذاته لا ينفعه إيمان المؤمنين ولا يضره كفر الكافرين) سبحانه وتعالى ما معنى هذا الكلام؟

قد يتصور إنسان حينما يقال له : اعبد ربك - آمن بربك - اشكر ربك، يقول؟ إذًا ربي بحاجة إلى هذا الشكر، أو بحاجة إلى هذا الإيمان؛ فأزال عنهم هذا الوهم، وأزال عنهم هذا التصور.

فقال ﴿إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ يعني : أنا آمركم بالإيمان، وأدعوكم إلى شكر الله - لا لأن الله يحتاج ذلك - أو لأن الله يفتقر إلى ذلك - معاذ الله -؛ فالله غني عني وعنكم وعن العالمين سبحانه وتعالى.

﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ وهو المستحق للمحامد لذاته سبحانه وتعالى؛ فالله هو المستحق للمحامد كلها جل وعلا، ولذلك تقدم أن الإنسان يُحمَد، أو أن الإنسان يشكر إذًا أنعم بنعمة، أو إذا كان موصوفاً بصفات جميلة! فكيف بالله سبحانه وتعالى هو المستحق للمحامد كلها، وللشكر التام الخالص؛ لأنه سبحانه وتعالى هو المتصف بنعوت الجلال، وأوصاف الكمال، وهو المحسن للخلائق سبحانه وتعالى.

قال ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۛ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾

3-ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : بل هو من خطاب الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم مباشرة بصفة عامة.

﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ألم يأتكم هذا التقرير والتوبيخ والتبكيت إذًا ما المراد بالاستفهام ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾؟ ﴿أَلَمْ﴾ تقدَّم معنا أنَّ هذا الأسلوب يراد به التقرير، ثم يكون مع التقرير روادف أخرى منها التوبيخ والتبكيت ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أَمَا تذكرون؟ أَمَا بلغتكم أخبار الأمم السابقة؟ كيف أنَّ الله أهلكها حين لم تؤمن برسل الله سبحانه وتعالى؟

﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۛ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ﴾ إذًا ذكر الله لنا موسى، ثم بعد ذلك قال ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ قوم نوح وعاد وثمود والمراد بذلك : أنَّ الله سبحانه وتعالى أرسل نوحا إلى قومه، وأرسل هودا إلى قوم عاد، وأرسل صالحا إلى قومه وهم ثمود.،

﴿وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ قوله ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ قالوا : هذا كناية عن الكثرة فقوله ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ يعني :- أنهم عدد كثير، وجمع غفير ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ﴾.

﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ تأمل قوله ﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ﴾ جاءتهم رسلهم والمراد بهم : جاء كل قوم رسول؛ فأرسل الله عز وجل إلى كل قوم من هذه الأقوام، وإلى كل أمة من هذه الأمم رسول من الرسل.

﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ ماذا صنعوا؟ قال ﴿فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ﴾ قوله ﴿فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ﴾ فيها أقوال كثيرة للمفسرين تبلغ على قول بعضهم عشرة أقوال، ففيها أقوال كثيرة لكن هنا قالوا في تفسيرها قالوا (أتتهم رسلهم بالدلائل الواضحة ووضعوا أيديهم في أفواههم عاضين على أصابعهم من الغيظ على الرسل)

إذًا ﴿فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ﴾ ما سبب الاختلاف بين المفسرين في تفسير الجملة؟

1- الاختلاف ابتداء في عود الضمائر ﴿فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ﴾ مَنْ الذين ردُّوا؟ وما المراد من قوله سبحانه ﴿فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ﴾ أفواه مَنْ؟ فاختار عدد من المفسرين، ولعلهم الأكثرون أنَّ قوله ﴿فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ﴾ يعني فردَّ الكفار أيديهم في أفواههم هُمْ، إذًا المراد أنَّ الكافر ردَّ يدَه ووضع يدَه على فمِهِ فكيف هذا؟ قالوا هنا في التفسير (عاضين على أصابعهم من الغيظ على الرسل ) كقوله ﴿عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ﴾ [آل عمران: 119] فبعض الناس حينما يغتاظ ويتضايق يضع يده في فمه مغتاظا، إذًا هذا كناية عن غيظهم للدلالة على غيظهم الشديد من الأنبياء والرسل هذا قول.

2- والقول الثاني أن الكفار هم الذين ردوا أيديهم في أفواههم؛ ولكن على سبيل الضحك والسخرية فالإنسان ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يضحك ربما وضع يده على فمه؛ لئلا يصدر منه صوت عال ومرتفع، فيكون هذا للدلالة على استهزائهم، وأنَّ ما قاله الأنبياء والمرسلون لا يعبأون به ولا يلتفتون إليه، ومعروف أنَّ هؤلاء قد سخروا من أنبياء الله ورسله، واستهزأوا بهم.فهذا قول ثاني.

3-والقول الثالث أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم - إشارة إلى الأنبياء والمرسلين - أن اسكتوا، كأنَّهم يقولون : لا تتحدثوا، ولا تتكلموا اسكُتُوا لا نريد كلامكم.

4-والقول الآخر أن ﴿فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ﴾ فردُّوا : أي الكفار أيديهم في أفواه الرسل، كأنَّ هؤلاء الكافرين وصل بهم الأمر إلى الاعتداء على الرسل، فوضعوا أيديهم في أفواه الرسل، يريدون بذلك إسكات الرسل، يقولون لهم : لا تتكلموا ولا تزيدوا في الكلام.

5-أو أنْ يُقالَ : أنَّه كناية عن تهويل الموقف، لما سمعوا من دعوة الرسل؛ لأن الإنسان إذا هاله الموقف فإنه يضع يده في فمه إشارة إلى أن الموضوع خطير، وإلى أنه مما لا يقبله، ولا يصدق به.

على كل هذه معان في قوله ﴿فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ﴾

﴿وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ﴾ هكذا قالوا ﴿وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ يعني : يُورِث الريبة والقلق، وقد يقول قائل : أنهم قالوا في الأول ﴿كَفَرْنَا﴾ ثم بعدها يقولون ﴿وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ﴾ فكيف هذا؟ فيمكن أن يقال - والله أعلم - : أنَّهم قالوا ابتداءً ﴿كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ﴾ ثم عادوا إلى أنفسهم فقالوا : أقل شيء ﴿وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ﴾؛ فإن لم يكن كفرًا فهو شكٌّ، وهذا الشك كفر بالله أيضاً، والمعنى : لن نصدق لكم ولن نؤمن بكم، فنحن ما بين جاحدين مباشرة وبين شاكين مرتابين وفي كل الأحوال فإنهم يريدون بذلك أنهم لن يصدقوا الأنبياء والمرسلين.

ولعل هذا أفضل من أن يقال ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ﴾، وهناك من قال ﴿وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾

﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ (إبراهيم: 26)

﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ﴾ لماذا تشكون في دعوتنا؟ هل في دعوتنا ما يُشَكُّ فيه؟ ﴿أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ﴾، قوله ﴿أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ﴾ المراد بهذا الاستفهام :- الإنكار والإفحام، إذًا ما المراد بالاستفهام في قوله ﴿أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ﴾؟ الإنكار والإفحام.

وما معنى ﴿أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ﴾؟ فيها قولان أو وجهان :-

قالوا هنا في التفسير (أفي توحيد الله، وإفراده بالعبادة شكٌ)، إذًا ما معنى ﴿أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ﴾؟ أفي توحيد الله شك! أفي إفراد الله بالعبادة شك؟ هل هناك عاقل يعود إلى فطرته وإلى عقله وإلى الدلائل الواضحة والبراهين الساطعة يشكُّ في أن المستحق للعبادة هو الله؟ وأنتم تشهدون بأنه الخالق الرازق؛ فإذا كان هو الخالق وهو الرازق فهو المستحق للعبادة وحده، فهذا فيه إنكار عليهم، كيف يعتقدون أن الله هو الخالق ويقرون بذلك ثم يشركون به ﴿أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ﴾.

ووجه ثان ﴿أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ﴾ أي : أفي وجود الله سبحانه وتعالى شك؟ وذلك لأن الفطرة السليمة تشهد بوجود الله سبحانه وتعالى، وكما قالوا : ليس يصح في الأذهان شيء......إذا احتاج النهار إلى دليل

فكيف يُطلَبُ الدليل على من هو دليل على كل شيء ﴿أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ فهو فاطر السماوات والأرض سبحانه وتعالى، فهو خالق السماوات والأرض، ومبتديء ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ ومبدع السماوات والأرض، بديع السماوات والأرض، فكيف يكون له شريك سبحانه وتعالى؟

﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وقوله ﴿أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ اقتصروا هنا على قولهم (أفي توحيد الله) باعتبار أن هذا موضع الريبة والشك والتنازع إذ لم ينازعوا في وجود الله، هذا هو الأعمُّ فالمنازعون في وجود الله ليسوا هم المشهورين - وأغلبهم - كان من المنكرين، أو كان ممن جحد بها ظاهرا واستيقن بها في نفسه كشأن فرعون إذ قال﴿فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ (النازعات: 24) [سورة النازعات:24].

قال الله في شأنه ﴿وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]

قال ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ فذكر هنا ﴿لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾

قالوا هنا ( ليمحو عنكم من ذنوبكم السابقة)

1 - قال بعضهم " لأنَّ الكلام مع المشركين، والمشركون لهم ذنوب سابقة تتمثل في الشرك والذنوب السابقة فهو يدعوهم إذا آمنوا بالله غفر لهم ما تقدم من الذنوب - من الشرك وغير الشرك - لكن بقيَ ماذا؟ ما يستقبلون من الذنوب، وهذا أمره إلى الله، فلذلك قال ﴿مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ بخلاف ما جاء في حق المؤمنين كما في سورة الصف قال ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: 12] لأن الخطاب كان مع المؤمنين ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: 10] هذا وجه

والوجه الثاني والعلم عند الله تبارك وتعالى أن الله قال ﴿لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ لأنَّ الذنوب على نوعين أ-هناك ذنوب تتعلق بحق الله فهذا يغفره الله ب - وأما الذنوب التي تتعلق بحق العباد..فهذا موقوف على سماحة العباد، ورضا العباد؛ وإلا فلهم أن يطالبوا بحقوقهم، فلذا قال ﴿مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ والعلم عند الله.

﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ يعني :- إلى حين استيفاء آجالكم المحددة في حياتكم

﴿قَالُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ فهنا ﴿إِنۡ﴾ بمعنى مَا أنتم؟ ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ بأسلوب القصر، وهنا قصر موصوف على قوله ﴿إِنْ أَنتُمْ﴾ هذا هو المقصود ﴿إِنْ أَنتُمْ﴾ يعني : ﴿مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ﴾، والمعنى : لستم ملائكة فكيف نؤمن لكم؟

﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾ فأتونا بحجة واضحة تدل على صدقكم فيما تدعونه من أنكم رسل من الله إلينا.

من فوائد الآيات

من وسائل الدعوة تذكير المدعوين بنعم الله تعالى عليهم خاصة إن كان ذلك مرتبطا بنعمة كبيرة مثل نصر على عدو أو نجاة منه : وذلك في قوله ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ إلى آخر الآية.

من فضل الله تعالى أنَّه وعد عباده مقابلة شكرهم بمزيد الإنعام، وفي المقابل فإنَّ وعيده شديد لمن يكفر به : قال الله ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾

كفر العباد لا يضر الله ألبتة كما أنَّ إيمانهم لا يضيف له شيئًا فهو غني حميد بذاته : سبحانه وتعالى ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ ولذلك جاء في الحديث القدسي حديث أبي ذر رضي الله عنه عند مسلم (يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا )

قال الشيخ حفظه الله

﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآء﴾ (إبراهيم: 27)

قال الله سبحانه ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ هم يقولون للرسل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ﴾ (إبراهيم: 28) والرسل أجابوهم نحن لا ننكر ذلك﴿إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ هذا حق؛ ولكنكم غفلتم عن شيء هل الناس متساوون؟ إنَّ الله فضل بعض الناس على بعض فقالوا ﴿إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ﴾، ولذلك علم الله الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ [الكهف: 110] فهذا فرق فهناك بشر يوحى إليه وآخر لا يوحى إليه.

فهم قالوا ﴿إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ ولكنكم غفلتم عن الفرق ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَـٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ ولذلك قالوا هنا (ولكن لا يلزم من تلك المماثلة في كل شيء)، وهذا مهم فلا يلزم من التساوي في المظهر مثلاً التساوي في الحقيقة /أو في الحكمة /أو في العقل وما إلى ذلك فهذا بشر، وهذا بشر؛ لكنَّ هذا بشر أوحى الله عز وجل إليه، وهذا لم يوحي الله سبحانه وتعالى إليه.

ثم أيضًا هم طلبوا منهم شيئًا آخر ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾ فبينوا لهم أن ذلك بإذن الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَـٰنٍ﴾ ليس هذا في مقدورنا ﴿إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ فهو الذي يأتي بالآيات - يأتي بالمعجزات-

﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ على الله وحده يجب أن يعتمد المؤمنون في شؤونهم كلها هذا اللائق بكم أن تتوكلوا على الله وحده سبحانه وتعالى، وأن تثقوا فيه عز وجل، ويكون في ذلك علم القلب وعمله لذلك التوكل على الله يشمل علم القلب وعمله؛ فالقلب يعلم ويوقن بأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يُعطى وهو الذي يمنع سبحانه وتعالى، وكذلك يعمل القلب : فيسكن القلب ويطمئن القلب إلى عطاء الله سبحانه وإلى منع الله عز وجل فيجمع الإنسان بين الأمرين.

قال الله سبحانه ذاكراً قول الرسل ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا﴾ وما لنا يعني إنكار ترك التوكل، وهذا المراد به : إنكار الوقوع، فهم لا يقع منهم ذلك، والمراد به : إنكار الترك، يعني : ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ نتوكل على الله سبحانه وتعالى، فنحن ليس هناك صارف يصرفنا عن ذلك، فنحن أمامنا التوكل ولا نرى باباً غيره، فهذا باب عظيم، ونحن نطرقه، ونحن ثابتون عليه.

﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا﴾ أرشدنا الله إلى أقوم طريق، وإلى أهدى طريق فكيف نترك التوكل عليه، وهذا فيه أن أعظم الناس توكلا، وأعظم الناس هداية من وفقه الله للتوكل ولذلك قال بعضهم ﴿وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا﴾ فصار لديهم يقين، ومن رُزِقَ اليقينَ فهو المتوكِّلُ على الله سبحانه وتعالى حقاً وصدقًا.

﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا﴾ يعني : على إيذائكم لنا نصبر على هذا الإيذاء ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى، وهذا فيه أن الأنبياء والمرسلين يتعرضون للأذى من أقوامهم.

﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا﴾ ومن ذلك : التكذيب والسخرية والاستهزاء وما إلى ذلك ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ﴾ أي وعلى الله وحده ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾.

وتأمل هنا في الأولى قال ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ثم يلي ذلك ﴿ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ لأن الإيمان سبب التوكل فبدأ بالإيمان في الآية الأولى، ثم بعد ذلك بالتوكل؛ لأنه ثمرة الإيمان، ويمكن أن يقال ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أنه من باب مجاز مرسل - باعتبار ما سيكون - يعني : وعلى الله فليتوكل الذين سيكونون متوكلين باعتبار أنهم سيتوكلون قيل لهم متوكلون.قال ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾

ثم قال ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ﴾ (إبراهيم: 29)

هكذا توعّدوا رسل الله، وهذا كثير ولذلك هذا جار منهم كما ﴿أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56] قال الله ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ﴾ وقال ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَـٰشُعَيْبُ﴾ [الأعراف: 88] كما تقدم معنا في سورة الأعراف ﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ﴾ [الأعراف: 88] الجملة التي قيلت لشعيب قيلت للأنبياء والرسل عمومًا ﴿لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾

ما معنى ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾؟ قالوا هنا (أو لترجعن عن دينكم إلى ديننا)، وهذا معناه : أنَّه لا يلزم أنهم كانوا على دينهم فقولهم ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾ لا يلزم أنهم كانوا على دين الكفر ابتداء.

1-لذلك بعضهم فسر العودة هنا بالصيرورة فمعنى ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾ أي : أو لتصيرُنَّ في ملتنا، فالعودة تأتي بمعنى الصيرورة، كما ورد في حديث أنس المتفق عليه ( وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) يعني : يكره أن يصير في الكفر فالعودة تأتي بمعنى الصيرورة.

2- أو لأنهم مكثوا مدة مع قومهم دون الإنكار عليهم؛ لأنَّهم لم يكونوا رسلاً ثم بعد ذلك أرسل الله عز وجل إليهم، فدعوا قومهم إلى التوحيد، فقد كانت فطرتهم سليمة؛ لكنهم لم يكونوا في مقام الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فظنوا لسكوتهم لعدم إرسال الله لهم في هذا الوقت أنهم موافقون لهم فالمعنى ﴿لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾ : كما كنتم ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تدعوا أو النبوة.

3-وقال بعضهم : بل المراد بهم الاتباع ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾ أي : ليعودنَّ هؤلاء الأتباع - أتباعكم - ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾

4-أو أنَّ هذا كلامهم؛ لكنه ليس في الحقيقة من باب عودتهم إليها؛ بل هذه أقوال قيلت في توجيه ذلك، ومن أشهرها أنَّ المراد بالعودة هو الصيرورة والعلم عند الله.

﴿فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ فأوحى الله إلى الرسل مثبتاً لهم ﴿لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾،

﴿وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا۟ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ (إبراهيم: 30)

﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ﴾ وهذا من التمكين والاستخلاف في الأرض ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ﴾ من الذي يستحق الاستخلاف في الأرض والتمكين؟ من خاف مقام الله وخاف وعيد الله، ﴿خَافَ مَقَامِى﴾ قالوا : 1-قيام الله عليه /خاف قيام الله عليه وأنَّ الله ﴿قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ﴾.

2- أو ﴿خَافَ مَقَامِى﴾ خاف الوقوف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سبحانه كما تقدم في سورة الرحمن ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]، ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ خاف وعيد الله، وخاف عذاب الله

﴿وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾

دروس مشابهة