سورة يوسف — الجزء 5
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
أتاه الله من الملك، وصار عزيزاً لمصر؛ بل بعض من يتكلم في هذا الباب في التفسير يذكرون أنَّ يوسف عليه السلام صار حكم مصر إليه، وبعضهم يذكر أنَّ الملك مات، وتولى ولده وكان صغيراً فصار يوسف عليه السلام في حكم الوالد له وهذا كله لا نجزم به، ولا يعنينا؛ لأنَّه غير مذكور في السورة لكن الشاهد أنَّ يوسف كما يظهر من السورة كان يتصرف في العطاء والمنع دون أن يمنعه أحد عليه الصلاة والسلام ﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ﴾ هذه نعمة ﴿وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ﴾ وما أجمل أن يجمع للإنسان الأمرين: مال أو ملك وعلم فهذا جميل ثم جميل فجمع الله ليوسف بين الأمرين، بين الملك وبين العلم ﴿وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ﴾ وتقدم معنا أنَّ تأويل الأحاديث فيه وجهان :-
1-الوجه المشهور :- تعبير الرؤيا 2-والوجه الثاني :- تأويل الرسالات والوحي، وما أنزل الله سبحانه وتعالى من الكتب.
﴿فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ يعني : يا فاطر السماوات والأرض يتوسل إلى الله ويدعو ربه باسمائه ﴿أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ﴾ أنت الذي تتولى شؤوني في الدنيا وفي الآخرة، فهو يتولى الله سبحانه – والمعنى : أنَّ المُلك لن يصرفني عن طاعتك، وأنَّ الدنيا لن تصرفني عنك فأنت وليه فهو الذي تولاه، وهو الذي كفاه وهو الذي أغناه هو الذي أعطاه ﴿تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾
هنا قد يرد إشْكَال في ظاهر الأمر - إذ يقول قائل - كيف يطلب يوسف عليه السلام الوفاة؟ والأصل أنَّ المؤمن لا يطلب الوفاة، وقد جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم (لا يتمنينَّ أحدكم الموت بضر نزل به ) الحديث
والجواب : فيقال ومن قال أنَّ يوسف عليه السلام تمنى الوفاة، ولذلك أحسنوا هنا في المختصر إذ قالوا (اقبضني عند انتهاء أجلي مسلماً ) إذًا هو ما قال (توفني الآن مسلماً)؛ إنمّا المقصود حين تتوفاني فتوفني على الإسلام وكأنَّه يقول : يا رب أنا في الدنيا في نعم عظيمة من ملك وعلم وخير وطاعة، وأسألك أن تثبتني على الدين، وأن تميتني حين أموت على الدين، وهذا لا بأس به أن يسأل الإنسان ربه سبحانه وتعالى أن يتوفاه على الإسلام، ومنه قول أولي الألباب ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾ فهذا لا حرج من هذا القبيل ﴿تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ أي: وألحقني بالأنبياء الصالحين من آبائي فهنا عبر بالصالحين والمراد بالأنبياء الصالحين لأن الصلاح يعم فيدخل فيه الأنبياء وغير الأنبياء والمراد به هنا الأنبياء الصالحون ولذلك من دعاء الأنبياء هذا الدعاء وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ فهذا لا بأس به ومن هنا قول يوسف عليه السلام ﴿تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ ثم في ختام القصة قال الله :-
﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾
﴿ذَٰلِكَ﴾ هذه يقال لها جملة تذييلية، تذييل في نهاية القصة ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ﴾ أمور غيبية ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾
قال بعضهم ما ذكره الله سابقاً حين قال ﴿وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ﴾ ما كان للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، ما كان ليعلم هذا التدبير الذي وقع من إخوة يوسف وما آل إليه أمرهم وما آل إليه أمر يوسف، من أين للرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلم هذا كله؟
فهذا فيه أنَّ هذه القصة من مقاصدها إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنَّ القرآن وحي أوحاه الله عز وجل إليه قال :
﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾
مع هذه الحجج القاطعة والبراهين الساطعة ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مع الجهد والبذل الذي تبذله ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ﴾ احتمل أنَّ المراد به العموم، فأكثر الناس ليسوا على الإيمان؛ وإنمّا كما قال الله ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص: 24]
أو أنَّ هذا عام أُرِيد به الخصوص ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ﴾ من كفار قريش من قومه ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
· بر الوالدين وتبجيلهما وتكريمهما واجب ومن ذلك المسارعة بالبشارة لهما فيما يدخل السرور عليهما : مما ورد في حق يوسف عليه السلام ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ ومن ذلك ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ﴾ من باب المبادرة ببشارة أبويه أو ببشارة يعقوب عليه السلام، وأيضاً من المسارعة بالبشارة ﴿ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا﴾ فيما تقدم من آيات.
· التحذير من نزغ الشيطان ومن الذي يسعى بالوقيعة بين الأحباب ليفرق بينهم : ولذلك قال يوسف عليه السلام ﴿وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ﴾
مهما ارتفع العبد في دينه أو دنياه فإنَّ ذلك كله مرجعه إلى تفضل الله تعالى وإنعامه عليه : ولذلك قال ﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ الآية، وأيضاً مضى معنا قوله ﴿مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾
سؤال الله حسن الخاتمة والسلامة والفوز يوم القيامة والالتحاق برفقة الصالحين في الجنان ﴿تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾
· من فضل الله تعالى أنَّه يطلع أنبيائه على بعض من أمور الغيب لغايات وحكم : ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾
· أنَّ الداعية لا يملك تصريف قلوب العباد وحملها على الطاعات وأنَّ أكثر الخلق ليسوا من أهل الهداية ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾
لماذا لا يؤمن هؤلاء؟ لماذا يعرضون عنك وأنت لا تطلب منهم أجراً؟ ولذلك قالوا هنا (ولوعقالوا لآمنوا بك لأنَّك لم تطلب منهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول على القرآن، ولا على ما تدعوهم إليه ثواباً فليس القرآن إلا تذكيراً لجميع الناس فأنت تدلهم على ما ينفعهم ولا تريد منهم شيئًا ولا تطلب منهم أجراً) ثم قال ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ أي :- ما هو إلا ذكر للعالمين وهو القرآن الكريم.
﴿وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾
﴿وَكَأَيِّن﴾ هنا بمعنى كم الخبرية التي تدل على معنى التكثير، لذلك قالوا (وكثيرة هي الآيات) ﴿وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍ﴾
يعني كم من آية - آيات كثيرة ﴿فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ فهناك آيات كثيرة ﴿فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ﴾، في ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾، إذا نظر الإنسان إلى السماء، وإذا نظر إلى الأرض، وما فيه من آيات لوجدها آيات كثيرة لا تعد ولا تحصى تدل على قدرة الله، وعلى عظمة الله وعلى استحقاقه الوحدانية ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ وهذا فيه دعوة إلى التفكر وذم لمن ترك التفكر وأعرض عنه.
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾
فهذا من باب تأكيد الشيء بما يشبه ضده على وجه التهكم ففيه تهكم بهم ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ يعني : يزعمون الإيمان، وهم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين قالوا هنا (وما يؤمن أكثر الناس بالله أنَّه الخالق الرازق المحيي المميت إلا يعبدون معه غيره من الأصنام والأوثان ويدعون أنَّ له ولداً سبحانه) يعني أنَّهم يؤمنون في باب ويكفرون بباب آخر فهم يؤمنون بأنَّه الخالق الرازق، ومع ذلك يعبدون غيره فأين هذا الإيمان؟ هذا إيمان غير نافع لصاحبه لأنَّ من اعتقد أنَّ الله هوالخالق والرازق لزمه أن يعبد الله وحده لا شريك له، وكذلك من علم أنَّ الله هو الخالق لزمه أن يعلم أنَّ الله منزه عن الشريك، ومنزَّه عن الولد.
وقال بعض المفسرين : يدخل في ذلك ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ أي :- الرياء فيقع منهم الرياء
قال ﴿أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَـٰشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
تهديد ووعيد لهؤلاء ﴿أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَـٰشِيَةٌ﴾ أعند هؤلاء أمان؟ أفأمن هؤلاء المشركون ﴿أَن تَأْتِيَهُمْ غَـٰشِيَةٌ﴾ ما معنى غاشية؟ يعني عقوبة وعذاب في الدنيا قالوا (عقوبة في الدنيا تغمرهم وتظللهم) وهذا معنى غاشية ولذلك أطلق على يوم القيامة أيضًا غاشية ﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ﴾ ومنه ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ فقالوا هنا ﴿غَـٰشِيَةٌ﴾ يعني (تغمرهم وتظللهم من عذاب الله) ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فجأة دون أن يستعدِّوا لها فتفجأهم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ كما قال الله سبحانه ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ [الأعراف: 97-99]
ثم قال ﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾
هكذا في ختام السورة يبين الله سبحانه ويأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يبين أنَّ سبيل الله هوالسبيل الحق هو الصراط المستقيم ﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ﴾ هذه طريقتي، هذه طريقتي التي أدعو الناس إليها أو هذه طريقي التي أدعو الناس إليها على حجة واضحة، وهذا معنى ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ وهنا قال ﴿هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ﴾ فأنّثَ السبيل لأنّ السبيل كما تقدم يستعمل معه التذكير ويستعمل معه التأنيث، ففي قوله ﴿وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 146] الضمير بالتذكير وهنا قال ﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ﴾ أشار إليه بالتأنيث فهذا وذاك معروف في اللغة وفي الشرع.
﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ﴾ هذه السبيل هذه طريقي التي أدعو الناس إليها من التوحيد والإيمان بالله ونبذ الشرك وادعاء الولد لله ﴿أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ﴾ فالرسول داع إلى الله، وفيه أنَّ أتباع الرسول عليهم أن يدعوا إلى الله أيضًا ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾
فيه : أنَّه يدعو ﴿إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ فمن دعا إلى الله ينبغي أن يدعو على حجة؛ فإذا لم تكن معه حجة، ولم يكن معه استبصار فحينئذ توقف حتى يتعلم، ولذلك لا بد من العلم قبل الدعوة وإلا فكيف يدعوالجاهل!
وأيضاً إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى﴾ فيه إشارة إلى أن الرسول على بصيرة وأنَّ اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم على بصيرة فمن أراد أن يكون من أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فلابد وأن يكون على بصيرة وعلم؛ وإلا لم يكن مستحقاً لدعواه أنه متبع للرسول صلى الله عليه وسلم وهذا فيه : أنَّ اتباع الرسول ليس فقط بمجرد العمل؛ وإنمّا بالعمل المسبوق بالعلم لأنه إذا لم يعلم فكيف يعمل؟ إذا لم يعلم فكيف يعمل؟.
قال ﴿وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ أي :- وأسبح ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ، فأيضاً من دعوته إلى الله أنه يسبح الله، وينزه الله عن النقائص قالوا هنا (وسبحان الله عما نسب إليه مما لا يليق بجلاله أو ينافي كماله ولست من المشركين بالله بل أنا من الموحدين له سبحانه) إذًا طريق الرسول صلى الله عليه وسلم هو طريق التوحيد والرسول يدعو إليه وعلى اتباعه أن يدعو إلى ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يكونوا على بصيرة، وأن يسبحوا الله وينزهوه عن النقائص ثم قال مسلياً رسوله عليه الصلاة والسلام ورادًا على هؤلاء :
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
لماذا تكذبون بالرسول؟ هل الرسول بدع من الرسل؟ الرسول صلى الله عليه وسلم قد سبقه آخرون، وأرسل آخرون إلى أقوامهم؛ فالرسول كغيره أرسل إلى أمة من الأمم ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
قالوا هنا (إلا رجالا ) يعني : ليسوا ملائكة فالرسل يكونون من البشر، ولا يكونون من الملائكة، وإن استدل بعض العلماء بذلك على أن الرسالة لا تكون في النساء وهذا حق وإنمّا تكون في الرجال لهذه الآية ولغيرها مما يدل على هذا الأمر قال : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾
الاستفهام هنا : يراد به الإنكار والتقريع لهم، لماذا ينكرون نبوتك؟ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أرسل الله إِلَيْهِم الرسل فلمَّا كذبوهم أهلكهم الله عز وجل.
﴿وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
﴿وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ ﴾ ولدار الآخرة هذا من إضافة موصوف إلى الصفة فأصل الكلام وللدار الآخرة قال ﴿وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ ﴾ فأضافها إلى الآخرة كما جاء في الحديث ( يا نساء المسلمات ) قال ﴿وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟﴾ وتكرر ذكر التقوى في السورة الكريمة للدلالة على أن الإنسان يصل إلى مرضات الله بتقواه ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ولم يقل أفلا يعقلون لكنَّه جاء في قراءة أخرى فقوله ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ على ذلك، والقراءة التي معنا ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فيها التفات فالالتفات على إحدى القراءتين، ولذلك الالتفات قد يأتي على قراءة دون قراءة.
ثم قال الله ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾
قال هنا ﴿حَتَّىٰٓ ﴾ ماذا؟ حتى ماذا؟ قبل حتى هنا قالوا (هؤلاء الرسل الذين نرسلهم نمهل أعداءهم ولا نعاجلهم العقوبة استدراجاً لهم حتى إذا تأخر إهلاكهم ) إذًا هنا تقدير ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ﴾ أن يتمادى المشركون في غيهم ويتمادى الأقوام الذين أرسل إِلَيْهِم الرسل في تكذيبهم ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ﴾ إذًا ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ﴾ غاية لتمادي أولئك الكفار، ولتمادي هؤلاء المشركين في تكذيبهم وفي غيهم حتى إذا استيئس الرسل، وأيضاً يدعو الأنبياء والرسل إلى الله ويصّر هؤلاء على التكذيب ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟﴾
استيأس قالوا هنا (حتى إذا تأخر إهلاكهم ويأس الرسل من إهلاكهم) يأس الرسل من إهلاكهم قال ﴿وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟﴾أي :- وظن الكفار أنَّ رسلهم قد كذبوهم فيما وعدوهم به من العقاب للمكذبين، وإنجاء المؤمنين.
هنا في قوله ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ﴾
قال بعض العلماء هنا قالوا : يأس الرسل من إهلاكهم! كيف يأس الرسل من إهلاكهم؟
1-وكأن الرسل عليهم الصلاة والسلام اتهموا أنفسهم في أنَّ هناك تقصيراً فهذا الذي منعهم من أن يُجَابوا إلى دعوتهم، ومن أن يهلك الله المكذبين بهم.
2-أوأنَّ هذا مجرد خاطر خطر عليهم ثم لم يستقر وزال هذا وجه آخر.
3-أو أن يكون المعنى ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ﴾ أي :- من إيمانهم وحينئذٍ لا يتعلق الأمر بالهلاك، وإنمّا بالإيمان أي ﴿إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ﴾ يئس الرسل من إيمانهم.
﴿وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟﴾ على من يعود الضمير في قوله ﴿وَظَنُّوٓاْ ﴾ قالوا هنا (وظنَّ الكفار) يعني الكفار حينما رأوا رسل الله سبحانه وتعالى يحذرونهم، ومع ذلك لا يقع بهم ما حذروه منه، ويتوعدونهم ولا يقع بهم الوعيد الذي توعدوه أو توعدوهم به فحينئذٍ يظن الكفار أنَّهم قد كذبوا! يعني أنَّ الرسل قد كذبوهم فيما ادعوا قالوا سنهلك ولم يهلكهم الله، وقالوا سيحدث لكم ولم يحدث! فيكون الضمير عائداً على هؤلاء الكفار ﴿وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟﴾ قال ﴿وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ والقراءة الأخرى ﴿وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟﴾ ﴿وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟﴾ يعني (قد كذَّبهم قومهم) هذا هو المراد إذًا على القراءة الأخرى ﴿وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟﴾ ويكون المراد بقوله :- وظنوا الرسل فيكون الضمير عائدا على الرسل.
إذًا عندنا قراءتان﴿وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟﴾ ﴿وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟﴾ وهما قراءتان متواترتان فعلى القراءة الأخرى ﴿ وَظَنُّوٓاْ ﴾ أي وأيقن الرسل أنَّ أقوامهم قد كذبوهم ولا مجال للإيمان بهم حينئذٍ : ﴿جَآءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ فيجيء النصر عند إقامة الحجة على الكفار؛ والاستيقان بأنهم لن ولم يؤمنوا بالله سبحانه وتعالى قال ﴿جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾
قال هنا ﴿فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ﴾ قال بعضهم هنا أي :- المعنى فنجي من شئنا وننجي من نشاء فهنا أسلوب احتباك لأنَّ المناسب (لنجي من شئنا) والمناسب (لمن نشاء : ننجي) فقالوا هنا احتباك أي :- فنجي من شئنا وننجي من نشاء قال ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا﴾ أي :- عذابنا ﴿عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ أي :- عندما ننزله بهم فالله سبحانه وتعالى يؤخرهم لأجل مسمى لكنَّه إذا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ، والله سبحانه جعل لكل أجل كتاباً ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾
قال الله سبحانه ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ والمراد بهذه الآية تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتصبيره، وإعلامه أنَّ الله ناصره، وأنَّ الله قادر على مؤاخذة المشركين؛ فإنَّ أجلهم وأخرهم فلحكمة يريدها سبحانه وتعالى، ولعل بعض هؤلاء المشركين يتوبون إلى الله ويؤمنون بالله رب العالمين كما وقع على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.
ثم ختم الله السورة الجليلة الكريمة بقوله :
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ كما قال في أولها ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾ وهنا يبين لنا لماذا قص الله علينا هذا القصص؟
فقال ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ وهذا مناسب أيضًا لما ذكر ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ فكما أنَّه يراد من ذكر هذا إثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأيضاً يراد من ذلك أخذ العبرة لذلك قالوا ( هذا من رد العجز على الصدر ) ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾
فمن الحكم من القصص ومن ذكر القصص في القرآن العبرة، والعبرة أن يأخذ الإنسان مما يعلم إلى ما لا يعلم ومن الظاهر إلى الخفي فأنت لديك عبرة تعبر بها أخذت العبرة وعرفت القصة فتستفيد منها في الأمور الأخرى ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ ومن حكم القصص وأهدافه ما ذكره الله في قوله فقصص ﴿فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176] وهو التفكر.
ومن أهداف القصص أيضًا تثبيت الفؤاد كما تقدم معنا في آخر هود ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: 120]
إذًا للقصص أهداف من ذلك أخذ العبرة، ومن ذلك تثبيت الفؤاد، ومن ذلك التفكر، ومن ذلك إثبات أنَّ هذا القرآن من عند الله لا من عند الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ﴾.
﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ﴾ هذا ليس حديثاً مفترى إنمّا هي قصة حقيقية واقعية، ولذلك أخطأ من زعم أنَّ القرآن الكريم يأتي بقصص غير واقعي، وأنَّ القرآن يأتي بقصص خيالي وهذا باطل فالله عز وجل قصص علينا قصص الحق وقال ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 62].
﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾
قالوا هنا (ما كان القرآن المشتمل على ذلك كلاماً مختلقاً مكذوباً على الله ولكن كان تصديقا للكتب السابقة المنزلة من عند الله) فمعنى ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني الكتب المتقدمة ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ﴾
كيف أنَّ القرآن تفصيل لكل شيء؟ قالوا هنا (لكل ما يحتاج إلى تفصيل من الأحكام والشرائع) إذ قد يقول قائل ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: 89] تبيانا لكل شيء كيف يكون القرآن تبيانا لكل شيء؟ وكيف يكون تفصيلا لكل شيء؟
فنقول لكل شيء يحتاجون إليه في إصلاح أمر دينهم لذلك قالوا هنا (من الأحكام والشرائع وارشاداً لكل خير) وذلك في قوله ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ إذ هم الذين ينتفعون بهذا القرآن الكريم.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
ذم المعرضين عن آيات الله الكونية ودلائل توحيده المبثوثة في صفحات الكون : قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: 105] فالمقام مقام ذم لهم على الإعراض وعدم التفكر.
شملت هذه الآية كلها ﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ﴾ ذكر بعض أركان الدعوة ومنها أ- وجود منهج ﴿أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ﴾ ب-ويقوم المنهج على العلم ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ لأنَّ البصيرة العلم والحجة والاستبصار ج- وجود داعية ﴿أَدْعُوٓا۟﴾ ﴿ أَنَا۠ ﴾ د- وجود مدعوين ﴿وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى﴾.
وبهذا وبفضل الله وتوفيقه نكون قد فرغنا من التعليق على تفسير سورة يوسف.