مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة النجم

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 39 من 103 · 40 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

سورة النجم

ســــــورة النجم

سورة النجم - مَكيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] إثبات صدق الوحي وإنه من عند الله.

قال الشيخ حفظه الله:

التعريف بالسورة

سورة النجم سورة مكية. وقد نُقِل الاتفاق على هذا، فهي سورة نزلت قبل هجرة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - إلى المدينة النبوية. سورة النجم.

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا هنا من مقاصد السورة )إثبات صدق الوحي وإنه من عند الله) وهذا مقصد كبير من مقاصد هذه السورة الجليلة. فسورة النجم تدور حول هذا المعنى، حول إثبات صدق الوحي، وأنّه من عند الله -تبارك وتعالى - وأيضاً فيها بيان أنّ الحقائق التي جاء بها أنبياء الله ورسله هي حقائق حقيقية وصحيحة، بخلاف ما يقوله أهل الباطل فإنها أباطيل وأنها تخرُّصَات وتخمينات وأكاذيب؛ فإذا كانت سورة الطور قد دللت على إثبات الوحي واحتجت له واحتجت للتوحيد والرسالة. فإنّ سورة النجم جاءت لتبين لنا بعض مظاهر الصدق الموجود في الوحي، وأن هذا الوحي حق، وأنه العلم الحقيقي، وليس كتلك الظنون والـوهام. ولذلك تجد في هذه السورة الكريمة حديثا عن العلم والظن. فالوحي علم وأما هؤلاء فهم قد اتبعوا فهم من اتباع الهوى. ولذلك في صدر السورة ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ (النجم: 2) إذاً سورة النجم تتحدث عن العلم الحقيقي، عن العلم الثابت، يقين في الله، اليقين في رسل الله ثم قال الله سبحانه ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ﴾ (النجم: 11) أيضًا هناك دلائل وبراهين وقال ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ﴾ (النجم: 13) إلى غير ذلك من آيات.

لكن اسمع ماذا قال الله في شأن أولئك الكفار. قال الله سبحانه : ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ (النجم: 19) إذاً فرقٌ بين من يتبع الوحي وبين من يتبعه وبين من يتبع الظنّ.

ثم مضت الآيات وقال الله ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا﴾ (النجم: 29) وقبلها قال ﴿وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ ۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا﴾ (النجم: 28) ثم إنّ السورة الكريمة ذكرت لنا بعض ما في صحف إبراهيم وموسى. عليهما الصلاة والسلام. ثم بين الله سبحانه أنّه القادر على كل شيء. فهو الخالق وهو الرازق وهو مالك الملك. ثم ذكر الله - سبحانه وتعالى - في إيجاز واضح جلي بعض هلاك الأمم السابقة؛ لأنهم لم يستجيبوا للوحي، ولم يستجيبوا للرسل والأنبياء. ثم بين أنّ الرسول الخاتم محمدًا - صلى الله عليه وسلم -نذير من جنس النذر الأولى، لكنّ هؤلاء ما زالوا في إعراض ولا يزالون في إعراض إلا من هداه الله. نسأل الله الهداية والتوفيق.

وبإمكانك أيضًا أن تقول من مقاصد السورة الجليلة ذم الهوى : ذم الهوى، مدح الاتباع والهدى ففيه ذم الهوى في مواضع وفيه الدعوة إلى اتباع الهدى، إلى اتباع الإيمان، إلى اتباع الوحي، ومن المناسبات بين سورة الطور وسورة النجم. أنّ الله ختم سورة الطور بقوله ﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ﴾ (الطور: 49) وبدأ سورة النجم بقوله ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ (النجم: 1) فأقسم بالنجم. وقد سبق ذكره في سورة الطور إلا أنّ النجم في صدر السورة فيه أقوال. في معناه : أهو نجم السماء أم غيره كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى بعد قليل. نعم.

قال الشيخ حفظه الله :

﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ (النجم: 1)

قال سبحانه وتعالى ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ (النجم: 1) هذا قسمٌ من الله - سبحانه وتعالى - بالنجم. وتقدم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام أنّ استفتاحات القرآن الكريم متنوعة، ومن أنواع هذه الاستفتاحات التي افتت الله عز وجل بها بعض سور القرآن الافتتاح بالقسم. ومنه هذه السورة، ومنه السورة السابقة سورة الطور فقد ابتدأها الله بالقسم أيضاً، وهنا قال ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ (النجم: 1) وتقدّم مراراً أنّنّا حينما نرى قسماً فإنّنّا نبحث عن المقسم عليه. وهو جواب القسم، وهنا جواب القسم مذكور بعدها مباشرة ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ (النجم: 1) أين جوابه؟ ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ (النجم: 2) إذاً هذا هو المقسم عليه ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ (النجم: 2) وصاحبكم هو نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم - وفي وصفه بأنّه صاحبنا ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ (النجم: 2) يعني : أنتم تعرفونه، والعرب وقريش تعرف أخلاقه فهو صاحبكم ليس بغريبٍ عنكم تعرفون هديه وأخلاقه، ولم تكونوا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ تلقبونه إلا بالصادق الأمين. فكيف يكون ضالاً أو غاوياً - صلوات الله وتسليماته عليه - هنا قالوا في المختصر ﴿وَٱلنَّجْمِ﴾ (أقسم سبحانه بالنجم إذا سقط) إذاً فسروا النجم ( بالنجم المعروف في السماء) لذلك بعضهم قال : النجم هنا معناها النجوم. فهو اسم جنس، وأحيانا تأتي ( الكلمة المفرد ) بمعنى (الجمع ) ﴿وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ يعني الأدبار ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر: 22) يعني : والملائكة وهكذا ومثل هذا كثير، فقالوا المراد بالنجم هنا : النجوم، وقال آخرون : بل المراد به نجم الثريا وإذا أُطلِق النجم انصرف إليه غالباً فيكون إطلاقاً عليه بالغلبة.

تحليل مقارن وربط بين السور

وقالوا : لأنّ هذا هو المعروف بقوله ﴿إِذَا هَوَىٰ﴾ (النجم: 1) فالذي يوصف بأنّه إذا هوى هو النجم، يعني : إذا سقط وغاب. قالوا : عند الصبح يغيب أو عند غروبه. فحينئذ قال ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ (النجم: 1) فأقسم به : ما ضلّ صاحبكم يعني : إذا كان النجم يغيب، وإذا كان النجم يهوي؛ فإنّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - لا يضِلُّ ولا يغوى؛ بل هو ثابتٌ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ والهدى، ومال فريق من المفسرين إلى أنّ المراد بالنجم هنا : القرآن الكريم، تنزلات القرآن الكريم. ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ (النجم: 1) يعني : ونزول القرآن الكريم منجماً وقالوا : لأنّ هذا هو المناسب؛ لأنّه جاء في القرآن الكريم القسم بالقرآن على صدق الرسول - عليه الصلاة والسلام- في مواضع كثير كقوله ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ وتقدم معنا في سورة يس. على كلٍ : ليس المقام مقام التفصيل في ذلك؛ لكنهم اعتمدوا هنا أنّ المراد بالنجم هو : نجوم السماء، وحينئذ تكون هناك مناسبة بين أول سورة النجم وبين ختام سورة الطور.

﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ (النجم: 1) هل هناك فرقٌ بين الضلال والغواية؟ الجواب نعم، بعضهم يقول : هذا من قبيل التأكيد؛ لكنّ الأقرب أنّ هناك فرقاً.

فبعضهم يقول : الضلال يكون في القول، والغواية تكون في الفعل؛ فالمعنى :- ما ضل صاحبكم في قوله ولا غوى صاحبكم في فعله، هذا من جهة -صلوات الله وتسليماته عليه - الضلال : يقابله الهداية، والغواية : يقابلها الرشاد، فالمعنى : أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -مهتد وراشد، ويمكن أن يُفَرَّق أيضًا أنّ الضال يكون عن جهل بالحق، وأما الغواية تكون للحق عن عمد. فالرسول - صلى الله عليه وسلم -ليس تاركاً للحق، لا يترك الحق. فليس بجاهل به؛ وليس بمتعمدٍ تركَ الحق بل هو ممتثلٌ للحق ثابت عليه - عليه الصلاة والسلام - إذاً قوله ﴿مَا ضَلَّ﴾ (النجم: 2) أي : ما ضل صاحبكم بجهل، ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾ : بقصد الغواية فإنّه لم يقصدها، بل كان متبعاً -صلوات الله وتسليماته - عليه راشداً، ومن المعاني أيضًا والفروق : أنّ الضلال فيه عدم العلم بالحق، والغواية عدم اتباع الحق. وقد مضى معنا من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ سبيل النجاة :- العلم النافع والعمل الصالح، فالمُوَفَّقْ من وفقه الله للعلم النافع والعمل الصالح. ولذا امتن الله على بعض أنبيائه ورسله كما تقدم معنا في سورة (ص)، وصفهم الله عز وجل وقال عنهم ﴿أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ (ص: 45) أي : في تنفيذ الحق ومعرفته، وهنا قال ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ (النجم: 2) إذن النبي - صلى الله عليه وسلم -عارف بالحق وعامل بالحق - صلى الله عليه وسلم -.

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ﴾ (النجم: 3)صلى الله عليه وسلم - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم: 4) أي : هذا القرآن الذي جاء به وحي من عند الله - سبحانه وتعالى - لم يفتره ولم يخترع - صلى الله عليه وسلم -وإن كان له مُعَلِّم فَنَعَمْ! لكن هذا المُعَلِّم هو جبريل الذي تلقى هذا من رب العزة ﴿عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ (النجم: 5) إذاً شديدُ القُوَى من المراد : بشديد القوى؟ جبريل عليه السلام. أي :- شديد القوة، ﴿ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ﴾ (النجم: 6) يعني : ذو هيئة حسنة جميلة ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ قال بعضهم يعني : ﴿ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ﴾ (النجم: 6) بعضهم : يقول :- ذو منظر، وبعضهم يقول :- ( ذو قوة ) ﴿وَهُوَ بِٱلْأُفُقِ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ (النجم: 7) قالوا : الأفق الأعلى من مشرق الشمس حينما بَسَطَ جَنَاحيه وقد سد الأفق -عليه السلام - وله ست مائة جناح. كما جاء في وصفه -عليه السلام- قال ﴿وَهُوَ بِٱلْأُفُقِ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ (النجم: 7) أي : اقترب جبريل من النبي - صلى الله عليه وسلم -فازداد قرباً منه، يعني كان قُرْبُه بمقدار قوسين أو هو أقرب، وهذا فيه وصف قرب جبريل من النبي - صلى الله عليه وسلم -حين رآه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد جاء في السنة النبوية ما يدل على أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم -قد رأى جبريل -عليه السلام- على صورته مرتين (صورته الملكية) مرتين وهو ساد خلْقُه ما بين الافق أو ما بين المشرق والمغرب، رآه النبي - صلى الله عليه وسلم -في هذه الحال، ومن هذا ما ذكره الله عز وجل هنا. قال ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾ (النجم: 9) وهنا (أو) شك قد تقدم نظيره والجواب عنه : في سورة (ص) في قوله ﴿وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (الصافات: 147) فقلنا إنّ الله يعلم إذا كانوا مائة ألف أو أكثر من مائة ألف، وهنا أيضًا قال ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾ (النجم: 9) أو هو ما معنى ( أو) : فقُلْنَا هُناك أنّ ( أو ) تأتي بمعنى ( بل )، يعني :- فكان قاب قوسين بل أدنى، إذاً ليس هذا على سبيل التردد أو الشك. فـ ( أو ) لها معان منها : أنّها تأتي بمعنى ( بل )، كقوله ﴿فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: 74) قالوا : أيْ بل أشدُّ قسوة. هذا وجه. والوجه الثاني :- أي :- هذا في نَظَرِكم، لو أنّكم رأيتموه لقلتم أنّه قريب منه قاب قوسين، وعند بعضكم سيقول :- بل أدنى من ذلك، إذن هذا في نظر المُطَالِع، وفي نظر الناظر؛ وأمّا الله -سبحانه- فلا تخفى عليه خافية.

﴿فَأَوْحَىٰٓ إِلَىٰ عَبْدِهِۦ مَآ أَوْحَىٰ﴾ (النجم: 10) أوحى قالوا في المختصر (فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد - صلى الله عليه وسلم - ما أوحى) أو أنّ قوله : ﴿فَأَوْحَىٰٓ﴾ أي : فأوحى اللهُ ( إذن الضمير المستتر : فاعل فأوحى) يحتمل : أنه الله أو أنّه جبريل -عليه السلام-، لكن ﴿إِلَىٰ عَبْدِهِۦ﴾ (النجم: 10) إلى عبد مَنْ؟ إلى :- (عبد الله)؛ فإنَّ قيل :- وأينَ ذِكرُ الله سابقاً حتى يعود عليه الضمير؟ يقال : عُلِمَ هذا من السياق، وأحياناً : يعود الضمير على غير مذكور، إذاً دلَّ عليه السياق، كقوله ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1) يعني : أنزلنا القرآن، ولم يتقدم ذكره للقرآن؛ لأنّ هذه هي أول آية في سورة القدر. قال ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ﴾ (النجم: 11) -صلى الله عليه وسلم -، والقراءة الأخرى ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ﴾ (النجم: 11) صلوات الله وتسليماته عليه، فهو صادِقٌ وهو مُصدِّق، الرسول موصوف بالوصفين : فهو الصادق المصدق الصادق المصدوق والمصدِّق أيضًا - صلى الله عليه وسلم - ﴿أَفَتُمَـٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ (النجم: 12) لماذا هذا الشك؟ والجدل؟ قالوا في المختصر ( أفتجادلونه فيما أراه الله) والمراد هنا : ليلة أُسرِيَ به، لذلك استدل العلماء بهذه الآيات على إثبات المعراج، فإذا كان قول الله - سبحانه وتعالى - في صدر سورة الإسراء ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ﴾ (الإسراء: 1) دليلٌ على إثبات الإسراء؛ فإنّ الآيات هنا في سورة النجم دليلٌ على إثبات المعراج وجاء بيان ذلك في سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ﴾ (النجم: 13) يعني النبي - صلى الله عليه وسلم- رأى جبريل مرة أخرى على صورته ﴿عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ في رحلة المعراج، والأولى حينما جاءه - صلى الله عليه وسلم - بعد فتور الوحي ثم رآه - صلى الله عليه وسلم - وقد سد الأفق، فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - على حالته هذه مرتين كما دلت على ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -.

﴿عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ (النجم: 14) ﴿عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ التي غشيها من الألوان ما الله بها عليم كما جاء في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰٓ﴾ (النجم: 15) هذا يدل على علو الجنة، وأنّ الجنة عالية؛ لأنّ ﴿عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ : (يعني) في السماوات، في السماء السابعة قال ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰٓ﴾ (النجم: 15) فيدل على أنّ مكان الجنة في العلو، فوق السماوات السبع.

قال ﴿إِذْ يَغْشَى ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ (النجم: 16) يعني : أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم – ما زاغ بصره ولا طغى، ( مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ) : وهذا يدل على أدبه العظيم، تصوَّر الواحد فينا، تصور واحداً منّا إذا دخل

في مكان عجيب وغريب، وفيه فوق الوصف. ماذا يكون من شأنه؟ يلتفت يميناً ويساراً، يميناً وشمالاً مَنْ منا يقدر على أن يُثبِتَ حيث وجه الله يقول في حق الرسول في هذا الموضوع : ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ (النجم: 17) أنّه الأدب التام من رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-

﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰٓ﴾ (النجم: 18) هذا المقطع الثاني في السورة، إذاً المقطع الأول :- إثبات الوحي وأنّه حق، وأنّه وحي من عند الله، وأنّ المُعَلِّمَ هو جبريل - عليه السلام - بأمر الله، وأما أنتم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون : فما الدلائل التي أنتم عليها؟

﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ (النجم: 19) قسمةٌ جائرة تقبلون لأنفسكم، لا تريدون لأنفسكم نسبة الأنثى وتنسبونها لله على أنها بنات الله ﴿إِنْ هِىَ إِلَّآ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰٓ﴾ (النجم: 23)

﴿أَمْ لِلْإِنسَـٰنِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ (النجم: 24) هل يظنُّ الإنسان أنّه ينال ما يتمنى فيقول : هذه الأصنام ستشفع لي عند الله، لن يقبل الله شفاعتها؛ لأن الشفاعة لها شروط ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ لَا تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰٓ﴾ (النجم: 26).

مِنْ فَوَائِدِ الآيَات

• كمال أدب النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث لم يَزغْ بصره وهو في السماء السابعة.

• سفاهة عقل المشركين حيث عبدوا شيئًا لا يضر ولا ينفع، ونسبوا لله ما يكرهون واصطفوا لهم ما يحبون.

• الشفاعة لا تقع إلا بشرطين: الإذن للشافع، والرضا عن المشفوع له.

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• كمال أدب النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث لم يَزغْ بصره وهو في السماء السابعة : وهذا واضح في قوله ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ (النجم: 17).

• سفاهة عقل المشركين حيث عبدوا شيئًا لا يضر ولا ينفع، ونسبوا لله ما يكرهون واصطفوا لهم ما يحبون.

• الشفاعة لا تقع إلا بشرطين: الإذن للشافع، والرضا عن المشفوع له. ويتبع ذلك ورضا الله عن الشافع. سبحانه وتعالى.

قال الشيخ حفظه الله :

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلْأُنثَىٰ وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ ۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾

قال الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلْأُنثَىٰ﴾ هذا فيه فائدة جليلة وهي أنّ الأقوال الشنيعة والأفعال القبيحة تنتج عن العقائد فمن كان معتقده باطلاً ترتب على ذلك قول قبيح وفعل شنيع. لذلك قال الله ﴿أَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ﴾ ماذا يُنتظر منهم؟ ﴿لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلْأُنثَىٰ﴾ (النجم: 27) هم لا يؤمنون ولا يقرون به فلذلك نسبوا البنات لله، وقالوا ما قالوا من افتراءات على الله -سبحانه وتعالى - ﴿وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ﴾ (النجم: 28) وقد يقول قائل : أوليس الظنُّ معمولاً به في مواضع كثيرة حتى إنّ الفقهاء يقولون إنّ الفقه من باب الظنون ويقصدون به :- أننا في كثير من الأحوال نستند إلى أدلة ظنية، وفي بعض الأحوال نستند إلى أدلة قطعية.

فالجواب :- هناك فرقٌ بين ظنٍّ وظن؛ فالظن الممنوع : هو الظن القائم على الهوى، الذي يتبع صاحبه فيه هواه. لا يستند إلى دليل، ولا إلى برهان أو حجة؛ وأما الظن المعمول : به في الشرع فهو الظن الذي قام على الحجج والبراهين، كأن قاس إنسانٌ شيئًا على شيء ببرهان وحجة، فكانت لديه إشارات ودلائل وظنون راجحة أنّ هذا هو الحق. فحينئذٍ يأخذ به، ومن ذلك فليتحرى الصواب فالإنسان يتحرى قدر المستطاع، فهناك فرق بين الظن القائم على الدليل والبرهان، وبين الظن الذي لا دليل له ولا برهان؛ وإنما هو اتباع الهوى كما هو الحاصل في حق المشركين والكافرين.

ثم قال ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا﴾ (النجم: 29) يمكن أن نأخذ من هذه الآية فائدة أخرى أيضاً، وهي أن الجزاء من جنس العمل، وكأن الله يقول : هم أعرضوا عن ذكرنا وأعرضوا عن الإيمان بنا ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا﴾ (النجم: 29) فهذا جزاءهم ﴿ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾ (النجم: 30)

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ قالوا في المختصر أي (ولله وحده) وهذا اُستفيد من تقديم ما حقه التأخير كما تقدم مراراً – (وله وحده ما في السماوات، وله ما في الأرض ملكًا وخلقًا وتدبيرًا ) فالله هو الملك وهو الخالق وهو المدبر، كل هذا يُستفاد من اللام في قوله (ولله)، ﴿لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾ (النجم: 31)

﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ﴾ (النجم: 32) قال كثيرون : أي (إلا الصغائر) كما فسروا هنا قالوا في المختصر (إلا صغائر الذنوب ) فهو القول المشهور في تفسير اللمم.

وهذا فيه : أنّ الذنوب أنواع ومراتب فهناك كبائر، وأكبر الكبائر وهناك الصغائر ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ (النجم: 32) فتح لباب الرحمات والرجاء ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ﴾ (النجم: 32) فسروا هنا قالوا في المختصر (حين خلق آباكم آدم من تراب)، فذكر الأصل ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ﴾ (النجم: 32) ثم بعد ذلك ما وقع من بني آدم، والمعنى : أنكم ضعفاء، فأبوكم من تراب، أبوكم الأول، ثمَّ أنتم أيضًا كنتم ﴿أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ﴾ ﴿فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ (النجم: 32) ومعنى (فلا تزكوا انفسكم) أي : فلا تمدحوا أنفسكم بالثناء عليها ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾، يعني : لا يدَّعي أحدكم ويقول أنا تقي وأنا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، وأنا، وأنا أفضل الناس، وأنا أعبد الناس وما إلى ذلك، لا تُزَكَي نفسك ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ (النجم: 32)كما قال الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ﴾ (النساء: 49) [النساء: 49]، ومن هنا نعلم أنّه لا تعارض بين هذه الآيات، وبين قوله سبحانه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ (الأعلى: 14) [الأعلى: 14] أو ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ (الشمس: 9) [الشمس: 9]، فإنّ المراد بالتزكية في هذه الآيات التي أثنى الله على أهلها تطهير النفس ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ (الأعلى: 14) يعني : مَنْ زكَّى نفسه وطهرها. أما ﴿فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ (النجم: 32) يعني لا تُثْنُوا ولا تمدحوا أنفسكم؛ وإنما ربكم هو أعلم بمن اتقى سبحانه وتعالى.

﴿أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ﴾ (النجم: 33)

﴿أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ﴾ (النجم: 33) قارن بين هذه الآية وبين قوله ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ (النجم: 19) تعَجَّبْ من حال هؤلاء يعبدون غير الله ويشركون بالله وهم بُخَلاء على خلق الله؛ لأنّ صاحب العقيدة الصحيحة يعرف الحق ويكون رفيقاً بالخلق؛ وأمّا المشرك بالله فإنّه قد اعتدى على حق الله، وهو بخيل بماله فلا يراعي خلق الله أيضًا إلى أن قال الله – سبحانه- ﴿وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰٓ﴾ (النجم: 37) عليه الصلاة والسلام، ومن وفائه ما جرى بينه وبين ولده، ومن وفائه ما جاء في قوله ﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (البقرة: 124).

﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (النجم: 38) وهنا قد يرد إشكال، كيف ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾؟ وقد ينتفع الإنسان بسعي غيره؟ وقد تقدم معنا في سورة الطور قريباً أن الله -سبحانه وتعالى- قال ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (الطور: 21) [الطور: 21]، فقد ينتفع الابن بصلاح الأب، فكيف هذا وهنا قال ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (النجم: 39)، وفي الحديث ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ) فيُقال : لا إشكال والعلم عند الله، ولأهل العلم في ذلك عدة أجوبة :- من ذلك أنّ قوله ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (النجم: 39) يعني : الذي تملكه سعيك، لكن الله لم يقل وألا ينتفع الإنسان، أو : لا انتفاع عن الإنسان إلا ما سعى، الذي تملكه أنت ما سعيك، لكن قد ينفعك الله بسعي غيرك إذا أردت، فهذا تفضل وإكرام من ذي الجلال - سبحانه وتعالى -، إذاً الذي لك هو سعيك لكن قد ينفعك الله عز وجل بسعي غيرك، أو بسعي والدك. هذا من جهة، وقد ينتفع الأب بصلاح الولد ( باستغفار ولدك لك )، وقال بعضهم : الولدُ من سعي أبيه، فهو داخل في هذا. وقال بعضهم : بل هذا ما ذكره الله عن الأمم السابقة ﴿فِى صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرَٰهِيمَ﴾؛ ولا يلزم أن يكون كذلك عندنا؛ بل جاء عندنا تفضلٌ زائدٌ. وبعض العلماء : جعل ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (النجم: 39) معلقاً بالآية التي قبلها ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (النجم: 38) بأن يكون هذا خاصاً بالوزر، بأنّ كل إنسان هو الذي يتحمل إثم نفسه، لا يتحمله غيره عنه. ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ﴾ (فاطر: 18).

قال ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُۥ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ (النجم: 40) منتهى الأسباب إلى الله، منتهى النتائج إلى الله، منتهى الحياة إلى الله، منتهى كل شيء إلى الله، فهي آية جليلة عظيمة ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ (النجم: 42) فهو مالك كل شيء سبحانه وبحمده.

مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ

• انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر.

• خطورة التقوُّل على الله بغير علم.

• النهي عن تزكية النفس.

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر: وهذا من قوله ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ﴾ (النجم: 32) هذه هي الفائدة.

• خطورة التقوُّل على الله بغير علم ﴿ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ (النجم: 30) وقال ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ ۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا﴾ (النجم: 28)

• النهي عن تزكية النفس. وذلك في قوله ﴿فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ (النجم: 32)

قال الشيخ حفظه الله:

﴿وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰ﴾ (النجم: 45) سبحانه وبحمده، هنا ما معنى قوله ﴿وَأَقْنَىٰ﴾ قالوا هنا في المختصر (وأعطى من المال ما يتخذه الناس قُنية يقتنونه) إذاً قوله سبحانه ﴿وَأَقْنَىٰ﴾ يعني : جعل الإنسان ذا قُنْيَة يقتني؛ لأن الإنسان قد يكون معه مال لكنه لا يُبقِيه معه؛ بل يفرط فيه وينفق منه، وقد يكون لديه أشياء يتخذها قنية عنده لا يفرط فيها، فجمع الله -عز وجل- بين الأمرين ﴿وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ﴾ (النجم: 48) يعني : جعل الإنسان يقتني أشياء ويحفظها ولا يفرط فيها. وتفسير ﴿وَأَقْنَىٰ﴾ بـــــ (أفقر ) باعتبار أنّه مقابل أغنى تفسير ضعيفٌ عند أهل التفسير، إذاً هذا هو المعنى المعروف عند جماهير أهل العلم أنّ ﴿وَأَقْنَىٰ﴾ من القُنْيَة، وقال بعضهم : ﴿وَأَقْنَىٰ﴾ يعني : وأرضى يعني : أنه هو أغنى وأرضى. قد يكون لدى الإنسان رضاً فيكون أعظم من الغنى.

﴿وَأَنَّهُۥ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ﴾ (النجم: 49) الشعرى : نجمٌ؛ لكن ما وجه ذكره هنا؟ لآنّ جماعة من المشركين عبدوه، فالله يقول كيف يعبدونه؟ وهو مخلوق لله ﴿وَأَنَّهُۥ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ﴾ فهذا وجه تخصيصه.

﴿وَأَنَّهُۥٓ أَهْلَكَ عَادًا ٱلْأُولَىٰ﴾ (النجم: 50)

﴿وَأَنَّهُۥٓ أَهْلَكَ عَادًا ٱلْأُولَىٰ﴾ (النجم: 50) يعني : المتقدمة، ولا يلزم من ذلك أنّ هناك (عاداً) أخرى، ولذلك الأكثرون قالوا عاداً الأولى وصفٌ لها أي : المتقدمة، دون لزوم أن يكون هناك عاداً أخرى ﴿وَثَمُودَا۟ فَمَآ أَبْقَىٰ﴾ (النجم: 51) وهم قوم لوط -عليه السلام- لأنّ جبريل -عليه السلام -رفعها ثم قلبها. فأتُفِكَتْ ﴿فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ﴾ (النجم: 54) تأمل! فغطاها وأصابها من الحجارة ما غطاها بعد رفعها إلى السماء وإسقاطها على الأرض، نسأل الله السلامة.

﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ﴾ (النجم: 55)

﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ﴾ (النجم: 55) وتأمل في أوائل السورة ﴿أَفَتُمَـٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ (النجم: 12) عودٌ على بدء، لماذا الجدال؟ وهنا ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ﴾ (النجم: 55) وفسروا هنا الآلآء بالآيات. وسيأتينا بإذن الله تعالى في سورة الرحمن أنّ هذه الكلمة تكررت كثيراً في السورة ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) وأكثر المفسرين يقولون : أن الآلاء : النعم لكن هنا قد يرد إشكال في فهم الآية ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ﴾ (النجم: 55) يعني : فبأي نِعَمْ ربِّكَ تتمارى : تشك أو تُجَادل هل الإهلاك من النعم؟ أين النِعَمْ هُنا في المذكور؟ وقد يجاب عن ذلك فيقال : لأنّ إهلاك الكافرين نعمة وأيُّ نعمة! ففيه تذكير للمؤمنين وتبصير وفيه نصرة لهم وتأييد. أو أن الآلآء تأتي بمعنى آخر : وهو العجائب، وهو ما مال إليه بعض المفسرين. فقالوا الآلآء بمعنى : العجائب. وهو مناسب هنا لهذا المقام والعلم عند الله. لذلك قالوا : ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ﴾ (النجم: 55) نقول فبأي عجائب ربك؛ لأنّ إهلاك الأقوام المكذبة فيه ما يُعَجِّب الإنسان، ويجعله يعلم أنّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، وأنّ الجزاء من جنس العمل ولعله يأتي مزيد بيان لذلك بإذن الله في سورة الرحمن.

﴿هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلْأُولَىٰٓ﴾ (النجم: 56) أيضًا هُنا إشكال في الآية، وقد بينتُ من قبلُ أنّ من مقاصد هذا الدرس أن نُزيل بعض الإشكالات في فهم بعض الآيات، وأنّه ليس المقصود أصالةً المرور على كل كلمة، والتفسير التحليلي فهذا مما يحتاج إلى مجالس أكثر. لكن نأخذ ما يمكن.

قد يقرأ القارئ ﴿هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلْأُولَىٰٓ﴾ (النجم: 56) هذا نذير قالوا : القرآن، أو النبي محمد - صلى الله عليه وسلم- فهل الرسول -صلى الله عليه وسلم- من النُذُرِ الأولى؟ الرسول -صلى الله عليه وسلم - آخر الرسل، آخر الأنبياء. قالوا هنا في التفسير (الرسول المرسل إليكم من جنس الرسل الأولى) إذاً ما معنى ﴿مِّنَ ٱلنُّذُرِ﴾ (النجم: 56)؟ يعني من جنسهم. يعني هو واحد مثلهم - صلى الله عليه وسلم - أو صفته كصفتهم، إذاً هذا معنى ﴿مِّنَ ٱلنُّذُرِ﴾ (النجم: 56) يعني من جنسهم. وحينئذٍ فلا إشكال.

﴿أَزِفَتِ ٱلْـَٔازِفَةُ﴾ قالوا في المختصر أي (اقتربت القيامة القريبة)، فالأزفة : المُراد بها القيامة، وقد تقدم معنا ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْءَازِفَةِ﴾ فهي قريبة ووصفها الله بأنها اقتربت، ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ (النجم: 58) يعني ليس لها من دافع يدفعها ولا يطلع عليها إلا الله، هذان معنيان صحيحان في معنى ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ (النجم: 58) إذاً الكاشفة : من الكشف يعني ( الدفع )، لا يدفعها أحد إلا الله، أو (الكشف ) : أن يكشف عنها فيراها ويطلع عليها، ولذلك أحسنوا هنا في المختصر، وإن كان قليلاً في هذا الكتاب أنهم يوردون أكثر من معنى للكلمة لكن ورد هنا وكان حسناً فقالوا ( ليس لها دافع يدفعها ولا مطلع يطلع عليها إلا الله سبحانه وتعالى) فشمِلَ المعنيين.

﴿أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ (النجم: 59) وهو القرآن ﴿تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ يعني كان المناسب منكم أن تبكوا عند قراءة القرآن، وأن تخشعوا، وأن تَرِّقَ قلوبكم ﴿وَأَنتُمْ سَـٰمِدُونَ﴾ (النجم: 61) يعني لاهون، لا تبالون به. هذا معنى السمود. وبعضهم فسر السمود : بالغناء. ﴿فَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ وَٱعْبُدُوا۟﴾ (النجم: 62) وقد قرأ النبي -صلى الله عليه وسلم - سورة النجم فسجد وسجد المسلمون معه وسجد المشركون وسجد الإنس والجن كما جاء في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام لروعة هذه الآيات، ولجلال هذه السورة الكريمة.

من فوائد الآيات:

• عدم التأثر بالقرآن نذير شؤم لذلك

قال الشيخ حفظه الله :

• عدم التأثر بالقرآن نذير شؤم لذلك قال الله ﴿أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ (النجم: 59) فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الخاشعين، وبهذا نكون قد انتهينا من تفسير سورة النجم لننتقل إلى تفسير سورة القمر. نعم.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة