تفسير سورة القصص 7 4 10 2013م جزء 1
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» كما صلّيت على إبراهيم «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، أمَّا بعدُ:
فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة القصص، وقد توقّف بنا الحديث عند قول الله سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا ٱلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَٰنَ عَلَىَّ ۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾2 (القصص: 28)، ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾3 (القصص: 29)، ﴿فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ مِن شَـٰطِئِ ٱلْوَادِ ٱلْأَيْمَنِ فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَـٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّىٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾4 (القصص: 30).
﴿قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا ٱلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَٰنَ عَلَىَّ﴾5 (القصص: 28) — تقدّم هذا في آخر الدرس الماضي، وهو أن نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام بيّن له أنه لا جناح عليه في الأمرين، سواء أقضى هذه المدة أم تلك.
﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلْأَجَلَ﴾ جاء العطف بالفاء؛ لأنَّها مترتّبة على ما قبلها، أي: مكث موسى عليه الصلاة والسلام عند الرجل الصالح يخدمه ويرعى له غنمه ويسقي له الغنم وما إلى ذلك، ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلْأَجَلَ﴾، أي: مكث موسى عنده عليه الصلاة والسلام من أجل الوفاء بالموعد، ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلْأَجَلَ﴾، والمراد بالأجل هنا المدّة، المدّة التي تواعد عليها، وهي إما ثمان سنوات وإما عشر سنوات.
والذي جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قضى موسى عليه السلام أوفاهما وأطيبهما. قضى موسى أوفى الأجلين وأكثر الأجلين، فلم يمكث موسى عليه الصلاة والسلام عند الرجل الصالح ثماني سنوات فحسب، بل تجاوزها إلى العشر سنوات، فأتمّ أطيب الأجلين وأعظمهما وأفضلهما. قال: قضى موسى عليه السلام أوفاهما وأطيبهما. إنَّ نبي ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ قال فعل؛ أي: يوفي بما وعد به؛ فهو وعده إمَّا أن يمكث عنده ثماني سنوات أو أن يمكث عشر سنوات، إمَّا أن يخدمه هذه المدّة أو تلك، فأوفى عليه الصلاة والسلام بأطيب الأجلين وأكثرهما وأعلاهما.
فلما انتهى من هذه المدّة، ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِۦٓ﴾، أراد أن يترك الرجل الصالح ليتحوّل إلى مكان آخر أو ليرجع إلى بلده؛ فالمدّة الزمنية وهي عشر سنوات ربما تكون كافية في أن ينسى هؤلاء بعض ما وقع من موسى عليه الصلاة والسلام. وليس بخافٍ عليكم — كما قال عدد من أهل التفسير أيضًا — أن أمّه وأخته ما زالتا، لم تزالا في مصر، أو يعني: باقيتان بمصر، فقال بعض العلماء إنه ذهب من أجل أن يطمئنّ عليهما، فالله أعلم. أيّاً ما كان الأمر أراد أن يأخذ أهله وأن يرجع إلى مصر.
فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلْأَجَلَ وَسَارَ بزوجه، فالأهل هنا المراد بها: الزوجة؛ فالزوجة يقال لها: أهل، ولذلك قال النبي «صلى الله عليه وسلم»: ما أعلم عن أهلي إلا خيرًا، ما أعلم عن أهلي إلا خيرًا، أو ما سمعت عن أهلي، «ما أعلم عن أهلي إلا خيراً». فالشاهد من ذلك أن الأهل يُطلق ويراد به: الزوجة، ولذلك نقول إن آل بيت النبي «صلى الله عليه وسلم»، إن أهله يدخل فيهم بالضرورة أزواجه، صلوات ربّي وتسليماته عليه.
﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارًا﴾6. آنس يعني: أبصر، فالإيناس هنا بمعنى الإبصار، وقال بعضهم: أحسّها. وأصل المادّة يدلّ على الأنس، والإنسان إذا أبصر الشيء وتبيّنت له معالمه استأنس به لأنَّ فؤاده يطمئنّ إليه بخلاف الأمر المشتبه. فمعنى قوله ﴿ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارًا﴾ (القصص: 29)، أي: أبصرها وأحسّ بوجود نار، وهذه النار تنبئ عن خير، بمعنى أن النار في الغالب يكون عندها أناس يستدفئون بتلك النار، إذن هو يحتاج إلى مَن يدلّه على الطريق.
قال لأهله: ﴿ٱمْكُثُوٓا۟﴾، وهنا جاء التعبير بصيغة الجمع: قال لأهله ﴿ٱمْكُثُوٓا۟﴾، أي: خطاب للجمع، وهي كما تقدّم على قول الكثيرين المراد بها: الزوجة، فكيف ذلك؟ قال بعض العلماء: إنها لم تكن وحدها فقد رزق الله عز وجل موسى عليه السلام منها بالأولاد، فمعنى ذلك: ﴿ٱمْكُثُوٓا۟﴾، أي: لتمكث الزوجة وليمكث الأولاد، كذا قالوا، العلم عند الله. وقال آخرون: بل كان معه خادم، وهذا كان دأبهم أن يصطحبوا معهم الخادمين ليكونوا عونًا لهم، أيّاً ما كان الأمر فقال: ﴿ٱمْكُثُوٓا۟﴾، أو أنه عبّر عن الأهل باعتبار أن الأهل يُستعمل استعمال الجمع فقال: ﴿ٱمْكُثُوٓا۟﴾، والمراد به أمكثي.
﴿إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا﴾7 (القصص: 29) لقد أبصرت ناراً، وجدت أمامي ناراً، أراها وأبصرها وأتيقّن من وجودها، فلعلّها تكون طريقًا لإيصال الخير لنا. وهناك أيضًا: ﴿لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾8 (طه: 10). قال بعض العلماء: لأنه في الطريق يعني: تعرّض لشيء من عدم المعرفة فخفي عليه الطريق، فأراد أن يتعرّف على معالمه. وقال بعضهم: إن هذا كان بالليل وكان في وقت الظلام، فهو يحتاج إلى نار أو إلى نور يكون بيده يستطيع أن يبصر به الطريق أو أن يسأل غيره ممن لديهم معرفة.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا ٱلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَٰنَ عَلَىَّ ۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 28 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 29 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ مِن شَـٰطِئِ ٱلْوَادِ ٱلْأَيْمَنِ فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَـٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّىٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 30 ↩
- آية: ﴿قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا ٱلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَٰنَ عَلَىَّ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 28 ↩
- آية: ﴿ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارًا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 29 ↩
- آية: ﴿إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 29 ↩
- آية: ﴿لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾ — كما ورد في الدرس: طه 10 ↩
من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)