مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الطور

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 38 من 103 · 36 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

سورة الطور

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد، فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم ومع آيات سورة الطور. ونسأل الله العون والتوفيق والسداد. نعم.

التعريف بالسورة

ننتقل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام، لتفسير سورة الطور، قالوا هنا: (سورة الطور سورة مكية) وهي كذلك بالإجماع، وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بهذه السورة في صلاة المغرب، وسمعه جبير بن مطعم -رضي الله عنه- وقال: كان هذا أول ما وقر الإيمان في قلبي، وقال: كاد قلبي أن يطير.

حينما سمع هذه السورة، ولم يكن وقتها على الإسلام؛ لأن هذه السورة الكريمة حوت حججًا كثيرة تدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أن الله واحد لا شريك له.

فالسورة ترد على المشركين في شركهم، وترد عليهم إنكارهم لنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولك أن تقول: إنه من مقاصد السورة العظيمة ما ذكروه هنا قالوا: (الحجج والبراهين لرد شبهات المكذبين للنبي صلى الله عليه وسلم) وهذا واضح وجلي في السورة الجليلة.

فالسورة فيها حجج، وبراهين عظيمة ترد على شبهات المكذبين للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك يمكنك أن تقول إن هذه السورة سورة إثبات النبوة، أو الرسالة، وفيها إخبار عن الحقائق كما أن في السورة حديثًا عن اليوم الآخر، ولذلك سيأتينا إن شاء الله تعالى عدد من الحجج العظيمة ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا۟ فَإِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَـٰمُهُم بِهَـٰذَآ﴾ [الطور: 30، 32].

وأيضًا: ﴿أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ﴾ [الطور: 35] ﴿أَمْ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ [الطور: 36] «أم» تكررت في هذا السياق ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: 43] كل هذه براهين، وأدلة واضحة جلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول الله حقًا، وصدقًا.

وفي السورة وعد، ووعيد، وترغيب، وترهيب.

افتتح الله عز وجل سورة الطور بأسلوب القسم أيضًا فكما أن سورة الذاريات افتتحها الله بالقسم، فقد افتتح ربنا هذه السورة أيضًا بالقسم، لكنك حينما تنظر إلى القسم هناك، والقسم هنا تجد أن هناك اختلافًا، فالقسم هناك كان بالذاريات بالرياح، بالسحب على الاختلاف بين المفسرين، والرياح والسحب تتحرك، ولا تثبت على حال، وهنا قسم بأمور ثابتة في الدنيا، والطور قالوا: (أقسم الله بالجبل الذي كُلِّم عليه موسى عليه السلام)، والأصل في الجبل أنه ثابت، وأنه يثبت الأرض؛ وكما قال الله سبحانه وتعالى في شأن الجبال قال: ﴿وَٱلْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: 7] وقال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ﴾ [المرسلات: 27] يعني جبالًا ثوابت.

وأيضًا قال هنا: ﴿وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: 4، 5].

﴿وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ﴾ [الطور: 4] هنا قالوا: (المراد به البيت الذي تعمره الملائكة في السماء بعبادة الله) وهو البيت المعمور الذي جاء في حديث الإسراء والمعراج، في حديث معراج النبي صلى الله عليه وسلم ويدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه، آخر ما عليهم، وبعضهم جعل البيت المعمور الكعبة فقالوا: الطور الجبل الذي كلم عليه موسى عليه السلام، والبيت المعمور الكعبة وهي ثابتة، فكأن هذا فيه قسم بأمرين جليلين:

بما يتعلق بموسى عليه السلام بهذا الجبل، وبالكعبة، أو بالبيت المعمور وهذا يذكرنا بالخليل إبراهيم عليه السلام فهذا أيضًا مذكر بأمر الرسالات، وبأمر أماكنها، وبموضعها وهي أشياء ثوابت.

﴿وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: 5] لذلك جاء جواب القسم ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾ [الطور: 7] أي لثابت فهذه أيضًا مناسبة بين المقسم به، والمقسم عليه، والعلم عند الله.

وقوله هنا: ﴿وَكِتَـٰبٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: 2] منهم من قال: الكتب المراد بها التوراة، والقرآن، أو القرآن والتوراة، أو هو أعم من ذلك؛ لذلك قالوا هنا: أقسم بالكتاب الذي هو مسطر.

﴿فِى رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ [الطور: 3] في ورق مبسوط، مفتوح؛ كالكتب المنزلة، وتجد أن هذه الأقسام حوت حديثًا عن بعض الأنبياء والمرسلين بأماكن رسالتهم من جهة، أو أماكن وجودهم؛ فالخليل إبراهيم عليه السلام في السماء السابعة ويسند ظهره إلى البيت المعمور كما جاء في الروايات، أو إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: إنها الكعبة فأمرها معروف.

ثم قال: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾ [الطور: 7] وهذا مناسب لأمر الآخرة، ﴿مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍ يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْرًا﴾ [الطور: 8، 9] سبحان الله! يختلف أمر الآخرة عن أمر الدنيا هذه الثوابت ﴿يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْرًا﴾ [الطور: 9] وقبلها قال: ﴿وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: 5] لكنها هنا تتحرك، وتضطرب.

﴿وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور: 10] ومن قبل قال: ﴿وَٱلطُّورِ﴾ [الطور: 1]، قال: ﴿وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْرًا فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: 10 - 12] وتقدم أن ذكر الخوض مع اللعب دلالة على أنهم جمعوا بين الهوى، والشهوة، فجمعوا بين مضلات الهوى، وبين شهوات الدنيا.

﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ [الطور: 13] أي يدفعون بشدة ﴿إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: 13، 14] قالوا هنا: (يقال توبيخًا لهم) كما تقدم مرارًا أن مادة القول تحذف، ولكنها تعلم من السياق.

﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: 13] يقال لهم على سبيل التوبيخ ﴿هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: 14].

من فوائد الآيات:

سوف تتغير أحوال الكون يوم القيامة.

وهذا يدل عليه قوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور: 9، 10] هذا يدل على أن أحوال الكون تتغير يوم القيامة، وإن كانت في الدنيا ثابتة، فالسماء في الدنيا مرفوعة ﴿وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: 5] وكذلك الطور جبل معروف بأنه ثابت، ولذلك قلت: هناك علاقة بين المقسم به، والمقسم عليه، وما جاء بعد ذلك.

﴿أَفَسِحْرٌ هَـٰذَآ أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: 15] يقال لهم هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿أَفَسِحْرٌ هَـٰذَآ﴾ [الطور: 15] الذي تعاينونه من عذاب الله، ﴿أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾، أم أنتم لا تعاينون العذاب، وكيف لا يبصرون العذاب وهم يصلونه، ويقاسون حره، وشدته، وإنما هذا فيه تهكم بهم، وفيه إنكار عليهم، وتوبيخ، وتقريع.

﴿أَفَسِحْرٌ هَـٰذَآ أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: 15] وقد كانوا في الدنيا يقولون H0.

﴿ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوٓا۟ أَوْ لَا تَصْبِرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور: 16، 17] قالوا هنا: (ولما ذكر جزاء المكذبين ذكر جزاء المصدقين المتقين) تقدم مرارًا أن هذا يقال له المناسبة؛ فحينما تقرأ في الكتاب ولما ذكر الله كذا، ذكر الله كذا، أو لما أثنى الله على كذا، بين كذا هذا يقال له بيان المناسبة؛ وذلك أنه من عادات القرآن الجمع بين الترغيب والترهيب فهنا بعد أن رهب رغب.

﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور: 17] وهذا مناسب لما سبق في سورة الذاريات ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات: 15] وهناك ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَـٰبِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات: 59] في ختام السورة، ثم جاء ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: 13، 14] سيأتي العذاب هذا من المناسبات بين السور.

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الطور: 17، 18] فجمع الله لهم بين الأمرين؛ بين حصول المرغوب، والنجاة من المرهوب.

﴿كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: 19] فجمع الله لهم بين الأكل، والشرب، وبين الاتكاء على السرر وهذا تمام النعيم، واللذة.

قال: ﴿وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: 20] وتقدم تفسير الحور العين قالوا: بنساء بيض واسعات العيون وهذا أجمل ما يمتدح به في أمر النساء.

﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَـٰهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ [الطور: 21] وهذا عظيم، وجليل من كرم الله سبحانه وتعالى وإحسانه لعباده.

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا هنا في الشرح: (والذين آمنوا واتبعهم أولادهم في الإيمان ألحقنا بهم أولادهم؛ لتقر أعينهم بهم، ولو لم يبلغوا أعمالهم) وبهذا ثبت الأثر عن ابن عباس -رضي الله عنهما- : "إن الله ليرفع ذرية العبد إليه؛ لتقر عينه بهم".

هناك رجل يكون على الصلاح والتقوى وأولاده دونه في الصلاح، لكنه تقر عينه بوجودهم معه فحينئذ يرفعهم الله عز وجل إليه؛ إكرامًا له وهذا من كرم الله، وفضله على عباده، لكن القيد هنا، ﴿وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ﴾ [الطور: 21] فالشرط أن يكون الولد على الإيمان، وأن يكون الأب كذلك من عباد الله الصالحين.

﴿وَمَآ أَلَتْنَـٰهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ [الطور: 21] قد يتوهم واهم، وهذا فيه أيضًا احتراز أنه حينما يرفعهم فقد أخذ شيء من قدر الرجل يعني الرجل كان سيوضع في مرتبة أعلى فحينئذ انحطت درجته حتى يلحق به ولده، ليس الأمر كذلك، وإنما الوالد كما هو في منزلته لم ينقصه الله عز وجل من أجره شيئًا، وإنما رفع الابن إليه مع أنَّ الأب قد أخذ حقه وافيًا، بل ربي سبحانه وتعالى يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

﴿وَمَآ أَلَتْنَـٰهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ [الطور: 21] ما أنقصناهم ﴿مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ﴾، ﴿كُلُّ ٱمْرِئٍۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: 21].

﴿وَأَمْدَدْنَـٰهُم بِفَـٰكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: 22] وكثيرًا تجد في القرآن الكريم أنه إذا ذكرت الفاكهة مع اللحم قدمت الفاكهة على اللحم، وهذا في أكثر من موضع من كتاب الله سبحانه وتعالى والأطباء يشجعون على هذا، ويقولون: إن أكل الفاكهة وتقدمه على اللحم طيب، وبعضهم استند إلى هذه الآيات، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

قال الله: ﴿يَتَنَـٰزَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: 23] فمن تمام النعمة هذه الخمر اللذيذة للشاربين التي لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ.

﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الطور: 24] هذا في خدمتهم.

﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الطور: 25] الحوار الذي يجري بينهم، ﴿قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ﴾ [الطور: 26] أي في الدنيا ﴿فِىٓ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: 26] نخاف الله عز وجل ونرقبه، ونراعي حقوقه ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ [الطور: 27] إذًا الخوف من الله، والعمل بطاعة الله كان سببًا في هذا الفضل من الله، ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: 27].

﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الطور: 28] والقراءة الأخرى ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ﴾ فمما يدعو به العبد الصالح أن يقول: يا بر، يا رحيم، أحسن إلينا، وأعطنا، ولا تحرمنا، وارحمنا.

ومن معاني البر ما ذكروه هنا المحسن الصادق في وعده لعبده، هو البر الذي يحسن إلى عباده، ويعطيهم، ويكرمهم سبحانه وتعالى.

﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ [الطور: 29، 30].

﴿فَذَكِّرْ﴾ [الطور: 29] فذكر يا رسول الله، فما أنت بنعمة ﴿رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ بعضهم يفسر بنعمة ربك يعني بالقرآن كما فسَّروه هنا قال: فلست بما أنعم الله عليك، قالوا هنا: (من الإيمان والعقل).

إذًا بما أنعم الله عليك من الإيمان والعقل، أو بما أنزل الله عليك من القرآن.

﴿بِكَاهِنٍ﴾ [الطور: 29] كما يزعمون، ﴿وَلَا﴾ [الطور: 29] بـ ﴿مَجْنُونٍ﴾ [الطور: 29] كما يزعمون ﴿بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: 29].

﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ [الطور: 30] سترون يا أيها الإخوة الكرام، أن الله رد عليهم ردًا قويًا عظيمًا بلغ كما عدد بعض العلماء، وكما سنرى بإذن في المقبل خمسة عشر إلزامًا يرد الله عز وجل عليهم أم، أم، ويرد عليهم بذلك، يقول: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ [الطور: 30] كيف يكون شاعرًا وقد قال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ﴾؟

يقولون: ﴿نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ [الطور: 30] قالوا هنا: (يعني ننتظر به أن يتخطفه الموت).

يعني عجزوا عن مقابلته فينتظرون موته، فقال الله: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا۟﴾ [الطور: 31] انتظروا، ﴿فَإِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: 31] انتظروا موتي، وأنا أنتظر ما يحل بكم من عذاب بسبب تكذيبكم إياي.

من فوائد الآيات:

الجمع بين الآباء والأبناء في الجنة في منزلة واحدة وإن قصر عمل بعضهم؛ إكرامًا لهم جميعًا حتى تتم الفرحة.

خمر الآخرة لا يترتب على شربها مكروه.

من خاف من ربه في دنياه أمنه في آخرته.

(الجمع بين الآباء والأبناء في الجنة في منزلة واحدة، وإن وقع قصور من بعضهم؛ هذا يدل عليه قوله: ﴿وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21].

(خمر الآخرة لا يترتب على شربها مكروه) خمر الآخرة لا يترتب على شربها مكروه وهذا في قوله: ﴿لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: 23].

(من خاف من ربه في دنياه أمنه في آخرته) ﴿قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِىٓ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ [الطور: 26، 27]؛ ولذلك فهذه الآية تدل على أن الخوف من الله سبب في النجاة بفضل الله سبحانه وتعالى.

والمطلوب منكم أن تذكروا لنا دليلين على أن الخوف من الله سبب من أسباب دخول الجنة.

قال الشيخ حفظه الله:

﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَـٰمُهُم بِهَـٰذَآ ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (الطور: 32)

قال الله - سبحانه وتعالى - ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَـٰمُهُم بِهَـٰذَآ ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (الطور: 32) لا تزال السورة الكريمة تعرض هذه الإلزامات التي تلزم المشركين حينما يزعمون ويدَّعُون لله - سبحانه وتعالى - الشريك. بدءاً من قوله – سبحانه - ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ (الطور: 29) وهنا قال ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَـٰمُهُم بِهَـٰذَآ ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (الطور: 32) هل عقولهم تأمرهم بهذا، الأحلام : هي العقول، هل هذه العقول تأمرهم بأن يقولوا في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -إنّه كاهن ومجنون مع أنّ العاقل لا يقول ذلك؛ لأنّ ما يقوله الرسول - صلى الله عليه وسلم -ليس من جنس الكهانة؛ والرسول - صلى الله عليه وسلم -ليس بمجنون، ومن العجيب أنهم جمعوا بين التناقضات. فالمجنون لا يتسنى له أن يكون كاهناً، والكاهن شيء والجنون شيء؛ لكنّه الاضطراب الذي وقع فيه أهل الشرك تجاه الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -والقرآن الكريم المنزّلِ عليه - عليه الصلاة والسلام - ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (الطور: 32) قالوا في المختصر (بل هم قوم متجاوزون للحدود، فلا يرجعون إلى شرع ولا عقل).

﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥ﴾ (الطور: 33) يقولون : إنّ محمدًا اخترع القرآن واختلقه؛ ﴿بَل لَّا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا۟ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِۦٓ إِن كَانُوا۟ صَـٰدِقِينَ﴾ إن كان القرآن الكريم مفتراً فبإمكانهم أن يفتروا مثله، وأن يأتوا بمثل هذا الحديث الذي يأتي به محمد - صلى الله عليه وسلم - وقوله ﴿فَلْيَأْتُوا۟ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِۦٓ﴾ (الطور: 34) هذه إحدى الآيات التي فيها التحدي للخلق بأن يأتوا بمثل القرآن، فهنا قال فليأتوا بحديث مثله، وفي مواضع أخرى جعل ذلك في عشر سور وفي بعضها بسورة قال ﴿قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍ﴾ (هود: 13) وقال ﴿فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ﴾ (البقرة: 23) وهنا قال ﴿فَلْيَأْتُوا۟ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِۦٓ إِن كَانُوا۟ صَـٰدِقِينَ﴾ (الطور: 34) ﴿أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾ (الطور: 35) هذا ردٌّ مُفحِمٌ لهم.

وهذا تقسيم ثلاثي كما يُقال ﴿أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ﴾ (الطور: 35) هل المخلوق خُلِقَ من غير خالق؟ هذا لا يكون؛ لأن كونه مخلوقًا يستلزم أن يكون له خالق، لا سيما وأنّ هذا الخلق جاء على هذا الصنع العجيب البديع. فهذا يدلُّ على أنّ له خالقاً ﴿أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾ (الطور: 35) هل خلق الإنسان نفسه؟ لا يُمكِن أن يخلق الإنسان نفسه؛ لأن المخلوق لا يكون خالقاً؛ وإلا وقع التناقض : كيف يجمع بين كونه الخالق والمخلوق؟ والخالق متقدِّم على المخلوق ولابد. إذا انتفى هذا وذاك، انتفى أن يكون الإنسان مخلوقاً بلا خالق، وأن يكون هو الخالق لنفسه. فبقي من التقسيم الثلاثي : الأمر الثالث : وهو أنّ له خالقاً خلقه. وهو الله سبحانه وهو المراد هنا؛ لكن الله - سبحانه وتعالى - ذكر هذا لعلهم يعتبرون ويتعظون، فالعاقل يفهم من هذا السياق أنّ هناك أمراً ثالثاً وإن لم يُصَرَح به لكنه معلوم من السياق. فكأن المعنى : ﴿أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ أَمْ﴾ لهم خالق؟ والجواب : لهم خالق وهو الله سبحانه. فَلِمَ يصرفون العبادة لغيره؟

﴿أَمْ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ (الطور: 36) وهذا أبعد لأنّ العاجز عن خلق نفسه لا يمكن له أن يخلق السماوات والأرض. والله قال في شأنها: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر: 57) [غافر: 57] ﴿بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ (الطور: 36)، ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَۣيْطِرُونَ﴾ (الطور: 37) تقدَّم أنّ جبير بن مطعم -رضي الله عنه- لما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم -يقرأ سورة الطور ويقرأ ﴿أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾ (الطور: 35) قال كاد قلبي أن يطير، فهي آيات عظيمة.

ولذلك يمكننا أن نقول إن سورة الطور على ثلاثة أقسام :-

في أولها : بعد القسم وإثبات أن عذاب الله واقع.

جاء بعد ذلك الإنذار والوعيد للمكذبين :- ثم جاءت بعد ذلك البشارات لأهل الإيمان. ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَعِيمٍ﴾ (الطور: 17).

ثم بعد ذلك جاء التثبيت والاحتجاج بصدق النبي - صلى الله عليه وسلم -وللدلالة على التوحيد الخالص، وأنّ العبادة لله وحده، كل هذا في هذه السورة الجليلة المباركة.

﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَۣيْطِرُونَ﴾ (الطور: 37)

تحليل مقارن وربط بين السور

﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَۣيْطِرُونَ﴾ (الطور: 37) قالوا هنا في المختصر ( أم عندهم خزائن ربك من الرزق فيمنحوه من يشاؤون ومن النبوة فيعطوها ويمنعوها من أرادوا) وقد تقدم معنا في سورة الزخرف ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ (الزخرف: 32) فالذي يقسم الرحمة هو الله، والذي يوزع الأرزاق هو الله. أو أنّ المعنى : أم عندهم خزائن ربك فيستغنون بها عن السماع للنبي - صلى الله عليه وسلم -والاستجابة لرسالته. فهم مستغنون بهذا عن الدين وعن تعاليمه؟ أم هم المسيطرون؟ هل لهم تصرف وتسلط بمشيئتهم واختيارهم دون أن يكون ذلك وفق مشيئة الله؟ هيهات!! فكل شيء بقدر وبمشيئة الله سبحانه.

﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ۖ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾ (الطور: 38) هل لهم سلم يرتقون به إلى السماء فيستمعون فيه إلى وحي الله - سبحانه وتعالى - ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾ (الطور: 38) هل عندهم سلمٌ يستمعون فيه ويعلمون أنهم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وأنّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم -على الباطل أو هل عندهم سلم يستمعون فيه فيسمعون من الملائكة؟ والملائكة ستقول أنهم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، وأن هناك شركاء مع الله؟ كل هذا باطل.

﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَـٰتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ (الطور: 39)

﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَـٰتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ (الطور: 39) أله البنات - سبحانه وتعالى - ولكم البنون؟ تنسبون الولد لله، ولا تكتفون بهذا. بل تنسبون لله ما لا تريدون نسبته لأنفسكم وتفرون منه.

﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَـٰتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ (الطور: 39) ما الذي يصدهم عن دعوتك؟ ما الذي يصدهم عن ملتك؟ أأنت تطلب منهم الأجر فهم يخشون من تلك الأجور التي سيعطونها لك فحينئذٍ سيصابون بالغرامات والديون : إنك لم تسألهم أجراً - صلى الله عليه وسلم - فَهُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ. ﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (المؤمنون: 72) [المؤمنون: 72]، ﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ (الطور: 40) قالوا هنا في المختصر ( أم عندهم علم ﴿ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ للناس ما عليه من الغيوب فيخبرونهم بما شاءوا منها ) هل عندهم اطلاع على الغيب يكتبون لمن يشاؤون هذا سعيد وهذا شقي وهذا ناج وهذا هالك. أو أنّ المعنى : ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ في هذا الوحي أو السجل ما يريدون فيشرعون للناس ما يريدون من الأهواء الباطلة من الشرك بالله والتكذيب بآياته؟ ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ (الطور: 42) أم يريد هؤلاء كيداً برسول الله - صلى الله عليه وسلم -وبالمؤمنين ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ (الطور: 42) وتأمل لم يقل (أم يريدون كيدا فهم المكيدون) بل قال ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ (الطور: 42) ليسجل الكفر عليهم، وليبين أنّ هذا حكم عام في أهل الكفر. فإنهم مكيدون : أي مغلوبون مقهورون. فإنَّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعل النصر والتمكين لأوليائه المؤمنين ثم قال الله سبحانه ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الطور: 43) لماذا هذا الذي يصنعونه؟ ألهم إله غير الله؟ ينصرهم من الله؟ ألهم إله غير الله يشرع لهم سوى هذا الشرع الذي يشرعه لهم الرب الحكيم سبحانه وتعالى ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الطور: 43) يقولون : سحاب مركوم : يعني أن هؤلاء يستمرون في كفرهم وفي ضلالهم لا يرجعون عن غيهم، وإن كانت الحجج واضحةً جلية، فهم حينما يرون كسفاً من السماء ﴿وَإِن يَرَوْا۟ كِسْفًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطًا﴾ (الطور: 44) لا يتوبون إلى الله ولا يرجعون، ويبادرون بالتوبة والأوبة؛ بل ﴿أَنَّمَا﴾ يقولون ﴿سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ (الطور: 44) يعني يقولون : هذا سحابٌ متراكم بعضه على بعض كالعادة، كان المتوقع إذا رأى أحدهم آية من الآيات أن يبادر بالتوبة؛ لكن هؤلاء وصل بهم الحد إلى أنهم يرفضون دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم -، والاستجابة له حتى وإن عاينوا العذاب! ﴿وَإِن يَرَوْا۟ كِسْفًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطًا﴾ (الطور: 44) هذه القطع نازلة بالعذاب يقولون هذا سحاب متراكم كالعادة ولا يريدون بذلك أن يُسلِموا، وأن يستسلموا لأمر الله -سبحانه وتعالى -.

﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ (الطور: 45)

﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ (الطور: 45) ذرهم يا رسول الله ولا تبالِ بهم، فإنّ الله مؤاخذهم ومعاقبهم. ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ (الطور: 45) حين ينفخ في الصور، حينئذٍ يُعذَّبون وهو يوم القيامة ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (الطور: 46) أي : قبل يوم القيامة فعذابهم الشديد والكبير والأخزى والأكبر يكون يوم القيامة، ولكن هناك عذاب دون ذلك : يعني قبل ذلك. وقوله ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ﴾ (الطور: 47) يحتمل أنّ المراد به العذاب في الدنيا بالقتل والسبي، وما وقع لهم. من هزائم كما جرى في غزوة بدر وغيرها؛ أو أن معنى قوله ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ﴾ (الطور: 47) أي في البرزخ في القبر (من عذاب القبر)، فيكون هذا من الأدلة على إثبات عذاب القبر. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الطور: 47)

﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ (الطور: 48) يأمر الله نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم – بالصبر، وهذا كثير في القرآن الكريم. ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ فالله سبحانه وتعالى حافظك، وأنت بمرأىً منه وفي حفظه، سبحانه وبحمده، وفي جمع الأعين هنا معنى التفخيم والتعظيم ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ﴾ ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (الطور: 48) ولا يلزم منه أنّه في عين الله أو حل فيه كما لا يخفى، والله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾. ﴿أَنَّمَا﴾ يستفاد من ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بمرأىً من الله وفي حفظ الله - سبحانه وتعالى. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (الطور: 48) قالوا هنا في المختصر (حين تقوم من نومك) وقال آخرون : حين تقوم من القيلولة، بعضهم : حين تقوم من المجلس فشرع لك أن تقول التسبيح كما جاء في كفارة المجلس (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك)، ﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ﴾ (الطور: 49) : أيضًا فسبح ربك من الليل فهو أمر بالصبر وبالتسبيح؛ ويحتمل أيضًا أنّ المراد بالتسبيح هنا : الصلاة، وكثيراً ما يقرن الله عز وجل بين الصبر والصلاة فإنهما نِعم العون للعبد الصالح، ﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ﴾ (الطور: 49) لذلك فسر بعضهم قوله ﴿فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ﴾ (الطور: 49)فسروه : بصلاة الصبح بأن تصلي لله حين تدبر النجوم، ويُقبِل الصبح، فتصلي لله رب العالمين. نعم

مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ

• الطغيان سبب من أسباب الضلال.

• أهمية الجدال العقلي في إثبات حقائق الدين.

• ثبوت عذاب البَرْزَخ.

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• الطغيان سبب من أسباب الضلال : وهذا جاء في قوله ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (الطور: 32).

• أهمية الجدال العقلي في إثبات حقائق الدين : ولذلك القرآن الكريم دعانا إلى التبصر، إلى التعقل، إلى التفكر، وهنا جاء في القرآن الكريم ما فيه إقناع للعقل الراشد. (أم، أم ) كما قُلنا إلزامات كثيرة الله يقررها عز وجل وينكر بها على أولئك.

• ثبوت عذاب البَرْزَخ : وهذا على أنّ المراد بقوله - سبحانه وتعالى - ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ﴾ (الطور: 47) هو عذاب القبر، على قول في تفسير الآية الكريمة. نعم. ننتقل بعد ذلك إلى سورة النجم.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة