سورة الدخان
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
سورة الدّخان
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمّا بعد : فهذا لقاءٌ من لقاءات التّعليق على كتاب المختصر في التّفسير، وما زلنا مع آيات سورة الدّخان
هذه أيضًا إحدى الحواميم، فبعد أن انتهت سورة الزّخرف تقابلنا، وننظر إلى سورة الدّخان.
التعريف بالسورة
سورة الدّخان أوّلها أيضًا ( حم )، وهي إحدى السّور المكّيّة الّتي نزلت قبل هجرة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
تقدّم أيّها الإخوة الكرام، أنّ الحواميم بينها رابطٌ وثيقٌ، فالحواميم تحدّثنا عن الأصول العظيمة من تقرير الوحدانيّة، وإثبات الرّسالة، وإثبات البعث والنّشور كما أنّها تقصّ لنا، وتقصّ علينا طرفًا من أقوال المشركين، ومن بيان جدالهم، وإعراضهم، وكيف أنّهم قد افتتنوا بهذه الدّنيا الزّائلة، ومن هذا تأتينا سورة الدّخان. وتجد أيضًا أنّ هذه السّور تشترك في بداياتها في أنّها تتحدّث عن القرآن الكريم فهنا قال أيضًا ﴿حمٓ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 1-3) [سورة الدخان:1-3].
بل تجد أخيّ الكريم، أنّ أوّل السّورة موافقٌ لسورة الزّخرف فهي مثلها فهناك ﴿إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الزخرف: 3) وهنا ﴿إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الزخرف: 3) لكن هناك في سورة الزّخرف أقسم الله على ماذا؟
قال ﴿إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الزخرف: 3) [سورة الزخرف:3] وهنا قال ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 3) [سورة الدخان:3].
لذلك قال بعضهم : ممّا تقصده هذه السّورة الجليلة بيان فضل القرآن، وبيان أنّ القرآن حقٌّ، وهذا موجودٌ في أوّل السّورة، وفي آخر السّورة ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ﴾ (الدخان: 58-59) [سورة الدخان:58-59].
لكن قال بعض أهل العلم : إنّ من مقاصد السّورة ما ذكروه هنا قالوا (تهديد المشركين ببيان ما ينتظرهم من العقوبة العاجلة والآجلة). إذًا هذه السّورة فيها تهديدٌ، وفيها إنذارٌ، وهذا يدلّ عليه قوله ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 3) [سورة الدخان:3] فجاء هنا ذكر الإنذار، ثمّ انظر رحمك الله إلى ما جاء في سورة الزّخرف في ختامها ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا۟ وَيَلْعَبُوا۟ حَتَّىٰ يُلَـٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ﴾ (الزخرف: 83) [سورة الزخرف:83].
وكأنّ الله بيّن لنا في سورة - الدّخان - هذا الّذي سيلاقونه ما هو، وماذا سيكون؟ ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا۟ وَيَلْعَبُوا۟ حَتَّىٰ يُلَـٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ﴾ (الزخرف: 83) لذلك جاء في سورة الدّخان بيان هذا الّذي سيقع لهم؛ ولذلك قال بعضهم : إنّ محور السّورة الكريمة موجودٌ في قوله ﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (الدخان: 9) [سورة الدخان:9]
ثمّ قال ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10) يعني أنّ الله يقرّر في سورة الدّخان أنّ هؤلاء المشركين قد جمعوا بين الشّكّ، واللّعب فاستحقّوا التّعذيب، والوعيد والهلاك، ثمّ قصّ الله عزّ وجلّ لنا طرفًا من هلاكهم، أو ممّا سيصيبهم في الدّنيا، وممّا سيكون لهم في الآخرة، وضرب لنا الأمثلة ببعض الأمم السّابقة.
وتأمل قوله ﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (الدخان: 9) [سورة الدخان:9] مع قوله ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا۟ وَيَلْعَبُوا۟﴾ (الزخرف: 83) فهذا من ذاك، وذاك من هذا ﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (الدخان: 9) يساوي ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10) لأنّ الخوض في الباطل راجعٌ إلى الشّكّ هذا الشّكّ الّذي يثير الشّبهات، وقوله ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ ۖ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الدخان: 11) وهنا ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (الدخان: 12) وهو الافتتان بالدّنيا. إذًا يبيّن الله في سورة الدّخان أنّ هؤلاء المشركين قد جمعوا بين الشّكّ، واللّعب، ومن ثمّ فقد استحقّوا العقاب ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10) وممّا يدلّ على هذا أنّ الله ختم السّورة أيضًا بقوله ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ﴾ (الدخان: 59) [سورة الدخان:59]
إذا هنا قال ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ﴾ (الدخان: 59) وهنا ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ﴾ (الدخان: 59) [سورة الدخان:59] فهي تتحدّث عن الإنذار بالآيات الدّالّة على قدرته سبحانه وتعالى كما تتحدّث عن إهلاك المكذّبين بالبعث، والنّشور، نسأل الله أن يرزقنا العلم النّافع، والعمل الصّالح!
﴿إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الزخرف: 3)
هذا قسمٌ من الله سبحانه وتعالى بهذا القرآن العظيم؛ للدّلالة على عظمته، ومكانته أقسم الله عزّوجلّ به على ماذا؟ على إنزال القرآن في هذه اللّيلة المباركة، وقد فسّروها هنا كما ترون بليلة القدر، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن؛ لأنّ الله قال في الآية الأخرى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1) [سورة القدر:1] فعلم من ذلك أنّ هذه اللّيلة، اللّيلة المباركة هي ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 3)
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 3) وأيّ بركةٍ أجلّ وأعظم من إنزال القرآن الكريم الّذي به صلاح العباد، والبلاد، ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 3) فالقرآن جاء بالإنذار، ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 3) وفي قوله ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 3) يحتمل احتمالين :
1- إمّا أنّ المراد -أنّ أوّل ما نزل من القرآن -كان في هذه اللّيلة، وهي الآيات في صدر سورة العلق ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5) [سورة العلق:1-5]. لئلّا يقول قائلٌ : أو ليس القرآن قد نزل في حوادث كثيرةٍ، وفي مناسباتٍ عديدةٍ، وفي سنواتٍ طويلةٍ، فكيف أنّه نزل في ليلةٍ مباركةٍ وهي ليلةٌ واحدةٌ؟ فيقال : المراد ابتداء نزوله، أو أنّ المراد بذلك نزول القرآن (النّزول الجملي) أي أنّه نزل جملةً واحدةً إلى بيت العزّة من السّماء الدّنيا كما ثبت بذلك الأثر عن عبد الله بن عبّاس -رضي الله عنهما - ولا مانع من الجمع بين الأمرين.
نقل من المختصر وبيانه
قالوا هنا في المختصر (يفصل كلّ أمرٍ محكمٍ يتعلّق بالأرزاق والآجال وغيرهما ممّا يحدثه الله تلك السّنة)، ولذلك استدلّ بذلك عددٌ من العلماء على أنّه في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يكون هناك تقدير ما يكون في هذه السّنة، وهذا أحد الأسباب الّتي من أجلها سمّيت بليلة القدر.أي : ليلة التّقدير.
وأيضًا من معانيه ليلة الشّرف، فهي ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، وليلة الشّرف إلى غير ذلك ممّا قيل في تسميتها.
{ ﱖ ﱗ ﱘﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ }
هذا فيه دليلٌ على أنّ الرّسالة رحمةٌ من الله، واصطفاءٌ من الله سبحانه وتعالى؛ ولذا أوجّه سؤالاً فأقول : قد مضت آيةٌ في سورة الزّخرف تدلّ على أنّ الرّسالة رحمةٌ فأين هذه الآية، أو ما تلك الآية؟
قال الله سبحانه وتعالى {ﱞ ﱟ ﱠﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ}
تأمّلوا {ﱭ ﱮ ﱯ} فالموقن لا يشكّ، والشّاكّ هو الّذي يرتدّ على عقبيه، ولا يثبت على الحقّ.
ثمّ قال الله { ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻﱼﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ }
قلت : إنّ هذه الآية كما قال بعضهم : هي مقصود السّورة الأعظم، وهو بيان أنّ الكفّار جمعوا بين الشّكّ، واللّعب فاستحقّوا الوعيد، واستحقّوا الهلاك، ثمّ جاء الحديث عن هلاكهم، وتقدّم أنّ هذه الآية مرتبطةٌ كلّ الارتباط بآخر سورة الزّخرف ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ﴾ (الدخان: 59) وفي هذا إشارةٌ أيّها الإخوة الكرام، إلى أنّ الموفّق من وفّقه الله فجمع بين العلم النّافع، والعمل الصّالح، وهذا العلم يورث العبد اليقين؛ لذلك قال ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10) يعني : ليسوا في يقينٍ، واليقين يأتي بالعلم النّافع.
قال ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (الدخان: 12) وضدّ هذا اللّعب الجدّ، وهو العمل الصّالح، فالموفّق من وفّقه الله للعلم النّافع، والعمل الصّالح؛ حينئذٍ يسلم من الشّكوك، ويسلم من اللّعب، واللّهو الّذي لا ينفع صاحبه.
وفيه أيضًا : إشارةٌ إلى أنّ الفتن على نوعين : فتن الشّبهات، وفتن الشّهوات، من أين هذا؟ ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10) وهذا من إثارة الشّبهات، ومن فتن الشّبهات، ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (الدخان: 12) وهذا من فتن الشّهوات.
ثمّ قال : ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10) يطمئن الله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ويبيّن أنّ نصره قادمٌ، وأنّ هلاك هؤلاء مقبلٌ أيضًا وقادمٌ.
{ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ}
1-فسّروه هنا بقولهم في المختصر (بدخانٍ واضحٍ يرونهم بأعينهم من شدّة الجوع)، وهذا أحد قولين مشهورين في تفسير الآية الكريمة؛ وذلك أنّ الله قد ابتلى أهل مكّة بذلك حينما دعا الرّسول الأكرم صلّى الله عليه وسلّم عليهم ((اللّهمّ اجعلها عليهم سنين كسنّين يوسف)) فدعا عليهم الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بذلك فاشتدّت الوطأة عليهم، وصاروا في جوعٍ شديدٍ؛ حتّى أنّ أحدهم من شدّة الجوع لا يرى أمامه إلّا الدّخان، وكان أحدهم يكلّم الآخر فيسمعه، ولا يراه من شدّة ما هو فيه من جوع، فجاءوا إلى الرّسول الأكرم صلّى الله عليه وسلّم، وناشدوه الرّحم، وناشدوه أن يدعو الله؛ ليرفع عنهم هذا البلاء، وأنّهم سيؤمنون فدعا الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، لكنّهم استمرّوا على الكفر بالله سبحانه وتعالى.وبهذا قال عبد الله بن مسعودٍ – رضي الله عنه - كما ثبت في الصّحيح وهو قول عددٍ من المفسّرين.
2-وبعضهم يفسّر الدّخان بما يكون في آخر الزّمان - من علامات السّاعة الكبرى - أو يوم القيامة، أو قبيلها كما هو من أشراط السّاعة.
على كلٍّ هو وعيدٌ بما سيكون، ويكون هذا من باب الإخبار بما سيكون من الغيبيّات، فإنَّ كان هذا قد وقع في عهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فهو ممّا أخبر الله به نبيّه، ثمّ وقع على عهده صلّى الله عليه وسلّم كقوله ﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (الروم: 2-3) [سورة الروم:2-3].
قال ﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (الروم: 2-3) تأمّلوا ﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (الروم: 2-3) ألّا ترون أنّ هذه الآيات تناسبها الآيات السّابقة في حقّ قوم موسى عليه السلام في حقّ أولئك حينما قالوا { ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ } فعودٌ على بدءٍ، وارتباطٌ بين السّورتين الجليلتين.
{ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ}
{ ﲘ ﲙ ﲚ } كيف لهم أن يتذكّروا وينيبوا إلى ربّهم ﴿لَيْسُوا۟ سَوَآءً ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران: 113)
{ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ }
معلّمٌ : علّمه آخرٌ، أو هو مجنونٌ!! هكذا يقولون في الرّسول صلّى الله عليه وسلّم.
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُوا۟ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (الحجر: 65)
{ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪﲫ } رافعوه قليلًا ﴿هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية: 20) وهذا الّذي حمل كثيرين كما قلت على أنّ هذا وقع على عهد الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ﴿هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية: 20)
﴿۞ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلْأَرْذَلُونَ﴾ (الشعراء: 111) وتأمّل هنا { ﲧ ﲨ ﲩ } لم يأت مباشرةً بعد قوله ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 123) يعني هم دعوا، ولم يأت بعده قوله { ﲧ ﲨ ﲩ } قال بعضهم -والعلم عند الله -؛ لأنّ كشف العذاب لم يجئ بسبب دعائهم، وإنّما بسبب دعاء الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، فلولا أنّ الرّسول دعا لهم ما وقع لهم هذا الانكشاف، ولكنّه الرّحمة من الله بسبب دعوة رسوله الأكرم محمّدٍ؛ ليعرفوا قدره عساهم أن يتوبوا، ولكنّهم ما تابوا.
قال ﴿۞ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلْأَرْذَلُونَ﴾ (الشعراء: 111)
1-فسّروا هنا البطشة الكبرى (بيوم بدرٍ)، وقد نصر الله فيها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه.
2-ومنهم من يرى أنّ البطشة الكبرى يوم القيامة فهما قولان أيضًا في الآية.
ثمّ قال { ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ } ذكر الله سبحانه وتعالى طرفًا من قصّة نبيّه موسى عليه السلام مع فرعون، وتأمّلوا هنا ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (الشورى: 43) الله عزّ وجلّ ذكر قصّة موسى في مناسباتٍ عديدةٍ، وفي مواضع كثيرةٍ، لكن لم يجئ واحدٌ منها بهذا التّعبير ﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (الدخان: 9) لأنّ محور السّورة ﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (الدخان: 9) فتن شبهاتٍ، وشهواتٍ، وهي موجودةٌ هنا ﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (الدخان: 9) وسيأتي بيانها؛ إنّها فتنٌ بالفعل وقعوا فيها، وأنّ مشركي قريشٍ قد قلّدوهم في هذا الّذي صاروا إليه، وأيضًا من الفتن الافتتان بالدّنيا الّذي حدّثتنا عنه سورة الزّخرف، وهؤلاء أيضًا قد افتتنوا في الدّنيا.
ثمّ قال {ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ}
{ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄﳅ } فسّروا هنا فقالوا (اتركوا لي بني إسرائيل فهم عباد الله)
إذن ﴿أَنْ أَدُّوٓا۟ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ۖ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (الدخان: 18) يعني :-
اتركوا لي بني إسرائيل؛ فيكون ﴿عِبَادَ ٱللَّهِ﴾ (الدخان: 18) متعلّقٌ بقوله: ﴿أَنْ أَدُّوٓا۟ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ۖ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (الدخان: 18) يعني : اتركوهم كما قال ﴿أَنْ أَدُّوٓا۟ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ۖ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (الدخان: 18) يعني دعهم، واتركهم أحرارًا لا تقيّدهم عندك.
وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : بل المعنى أن أدّوا إلىّ الحقّ الّذي أمركم الله به من طاعتي.
ثمّ قال : يا عباد الله فيكون قوله ﴿عِبَادَ ٱللَّهِ﴾ (الدخان: 18) منادى، يعني يقول : يا عباد الله استجيبوا ﴿أَنْ أَدُّوٓا۟ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ۖ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (الدخان: 18)
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
نزول الآيات في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ الّتي هي كثيرة الخيرات دلالةٌ على عظم قدره : ولهذا أقسم الله بالقرآن على هذا، فالقسم كما تقدّم يدلّ على فضل المقسم به، والمقسم عليه.
بعثة الرّسل، ونزول القرآن من مظاهر رحمة الله بعبادة : { ﱖ ﱗ ﱘﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ }
رسالات الأنبياء تحريرٌ للمستضعفين من قبضة المتكبّرين : وهذا في قوله { ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ } على أحد القولين في تفسير الآية الكريمة.
يقول موسى ’ ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ (القمر: 11)
سبحان الله! يطلب منهم هذا المطلب { ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ } اعتزلوني ولا تقربوني بسوءٍ، لكنّه الصّدّ عن سبيل الله؛ فحينئذٍ لـمّا وجد تجأوزهم، وإصرارهم، وكفرهم، وعدوانهم
{ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ} فاستجاب الله دعائه { ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ } أي : ساكنًا كما كان؛ أي : هذا سيغرهم فيدخلون في البحر، ثمّ بعد ذلك يقضي الله عزّ وجلّ بالغرق عليهم ﴿فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: 61-62) [سورة الشعراء:61-62]. وهو اليقين في الله سبحانه وتعالى.
ثمّ قال الله تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: 61-62)
تأمّل كم تركوا، (كم) هنا خبريّةٌ تفيد التّكثير، أي : كثيرًا ما تركوا، تركوا كثيرًا من الجنّات، (والعيون ) : هذه هي الدّنيا الفانية تركوها خلف ظهورهم، وحوسبوا عليها، وهذا أشدّ ما يكون أن يترك الإنسان ما يترك، ويحاسب على هذا الّذي تركه.
قال الله : { ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ }
وتأمّل أخي الكريم، أنّ كلمة (النّعمة) بالفتح : لم تأت في القرآن إلّا في موضعين وردتا في موضع الذّمّ هذه إحداهما، والثّانية في سورة المزّمّل في قوله ﴿وَذَرْنِى وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُو۟لِى ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ (المزمل: 11) [سورة المزمل:11]
وقد قال بعض العلماء : الفرق بينهما أنّ النّعمة ترد في الخير، وفي الشّرّ، فالنّعمة قد تكون بالخير، وقد تكون بابتلاء الشّرّ، وأمّا (النّعمة ) فالمراد بها التّرف الّذي لا ينتفع به صاحبه، أو الذي يعرض به صاحبه عن الحقّ فهو ترفٌ مغري مبعدٌ عن الله؛ لذلك قال هنا :
﴿كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (الشعراء: 59)
وهم بنو إسرائيل، أيضًا من تفسير القرآن بالقرآن أنّه جاء في سورة الشّعراء ﴿كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (الشعراء: 59) [سورة الشعراء:59] وهنا قال ﴿كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (الشعراء: 59) وهذا من تفسير القرآن بالقرآن، وهذا نتعلّمه ونحن نقرأ، ولذلك كلما قرأنا القرآن تبيّن لنا كثيرٌ من معانيه من تفسير القرآن بالقرآن
وهنا كلامٌ طويلٌ لأهل العلم كيف ورث بنو إسرائيل ما كان لفرعون، وقومه؟ مع أنّهم لمّا خرجوا من مصر لم يعلم أنّهم رجعوا؟
1-فلذلك جعل بعضهم هذا {ﳚ } يعني : وأورثنا مثلها ﴿كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (الشعراء: 59) يعني : أورثهم الله مثيلها، أو نظيرها.
﴿كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (الشعراء: 59)
قال سعيد بن جبيرٍ رحمة الله تعالى " لم تبك عليهم السّماء؛ لأنّهم لم يكن يرفع لهم عملٌ صالحٌ، ولم تبك عليهم الأرض؛ لأنّهم لم يكونوا يعملون فيها بعملٍ صالحٍ "، وكأنّه بالمفهوم يفهم من ذلك أنّ العبد الصّالح تبكي عليه السّماء والأرض، وهذا دليلٌ واضحٌ على مكانة العبد الصّالح؛ ولذلك في حديث أبي قتادة في الصّحيحين ((مستريحٌ ومستراحٌ منه، قالوا : يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ فقال :إنّ العبد المؤمن يستريح من نصب الدّنيا إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد، والبلاد، والشّجر، والدّوابّ)).
{ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ } وهذا فيه أيضًا أنّنا حينما نفتقد عالمًا، أو نفتقد رجلاً صالحًا فإنّ هذا حقيقٌ بأن نبكيه، وأن نتأثّر به؛ لأنّ له مكانةٌ، ولأنّه ذكّرنا بالله، ولأنّنا رأيناه وهو يعبد الله ويطيع الله سبحانه وتعالى { ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ}
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 49)
المذلّ كما فسرّوه، وأيضًا من تفسير القرآن بالقرآن جاء في قوله﴿وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 49) [ سورة البقرة : 49 ] فهذا يفسّر العذاب المهين.
ثمّ قال ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 49)
الإسراف الّذي جاء ذكره في سورة الزّخرف وأنّه سبب الهلاك.
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110) هذا ردٌّ على المشركين، مشركي قريشٍ؛ لأنّهم يقولون أهل البلد الحرام، وأهل البيت الحرام، ونحن أهل مكّة، وقد أنعم الله علينا وقد أمّننا، فالله يقول : وقد اختار الله قبلكم بني إسرائيل، ولكنّهم ضلّوا، ولم يؤمنوا بالآيات فكان الهلاك. ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110) هنا العالمين قالوا (على عالمي زمانهم)
وبهذا يزول الإشكال بين قوله سبحانه وتعالى ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110) هنا وقوله ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110) [ سورة آل عمران : 110 ] فيقال : بني إسرائيل فضّلهم الله على عالمي زمانهم، وأمّا أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم فالأفضليّة لهم عامّةً.
قال الله { ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ }
ما المراد بهؤلاء؟ المراد بهم المشركون، كما عرفنا من العادة الّتي تكرّر ذكرها اليوم أنّه إذا جاء اسم الإشارة (هؤلاء) ولم يرد له ذكرٌ سابقٌ، أو ما يعود إليه اسم الإشارة، فيراد به مشركو قريشٍ؛ ولذلك السّؤال الّذي يوجّه من باب التّذكير؛ وردت ثلاث آياتٍ في درس اليوم في سورة الزّخرف، والدّخان فيها اسم الإشارة عاد على غير مذكورٍ، وقلنا : إنّ المراد بهم المشركون، فما هذه الآيات الثّلاث؟
قال الله عزّوجلّ ﴿إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ (الدخان: 34-35) نعم، التّذكير بقضيّة البعث كما هو في السّور المكّيّة كثير.
{ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ}
تأمّلوا أيّها الإخوة الكرام، وبه نختم بإذن الله تعالى بعد أن ذكر الله طرفًا من قصّة موسى وفرعون، وهذا فيه عبرةٌ وعظةٌ أنّ الّذين افتتنوا بالدّنيا لم ينتفعوا بهذه الدّنيا، بل إنّهم هلكوا. ذكّر الله المشركين بقوم قريبين منهم في المكان؛ لأنّ قوم تبّعٍ كانوا يسكنون اليمن، وهي قريبةٌ بالنّسبة لهم، وأخبارهم تصلهم، وعرفوا أنّهم قد هلكوا ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)
والمراد بالحقّ هنا الدّعوة إلى التّوحيد كما قال الله ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56) [ سورة الذّاريات : 56 ]
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
وجوب لجوء المؤمن إلى ربّه أن يحفظه من كيد عدوّه : كما صنع موسى عليه السلام حينما قال { ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ}
مشروعيّة الدّعاء على الكفّار حينما لا يستجيبون للدّعوة، وعندما يحاربون أهلها : دعا، ودعا ولم يستجيبوا فدعا عليهم قال ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ (القمر: 10) كما قال نوحٌ عليه السلام ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ (القمر: 10) [ سورة القمر : 10 ] وكذا أنبياء الله ورسله.
الكون لا يحزن لموت الكافر؛ لهوانه على الله : { ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ }
قال الشيخ حفظه الله
بعد أن بيّن الله - سبحانه وتعالى - في هذه السّورة الجليلة سورة الدّخان إنّه سبحانه وبحمده خلق السّموات والأرض بالحقّ، ومن الحقّ أن يعبد النّاس ربّهم، ثمّ بعد ذلك يكون هناك الجزاء ثوابًا، أو عقابًا فبيّن الله - سبحانه وتعالى - أنّ يوم القيامة آتٍ لا محالةَ، وأنّه ميقات النّاس أجمعين فقال { ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ }
قالوا هنا أي (أنّ يوم القيامة الّذي يفصل الله به بين العباد ميعادٌ) فعلم من ذلك أنّ يوم الفصل هو يوم القيامة، وقد تكرّر ذلك في القرآن الكريم كقوله - سبحانه وتعالى - ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَـٰتًا﴾ (النبأ: 17) [ سورة النّبأ : 17 ]
قال ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَـٰتًا﴾ (النبأ: 17) قالوا هنا في التّفسير (يوم لا ينفع قريبٌ قريبه ولا صديقٌ صديقه) } هذا تفسير المولى، إذًا ما معنى المولى؟ المولى : يفسّر بالقريب، فيقال للقريب (مولى) كما يقال للعمّ (إنّه مولى)، ويقال أيضًا للصّديق المصادق يقال له (مولى)، وهنا كلامٌ، فالمعنيّين تحتمله الآية الكريمة، فيكون المعنى : يوم لا يغني قريبٌ قريبًا، أو لا ينفع قريبٌ قريبه، ولا صديقٌ صديقه كما قال الله ﴿وَلَا يَسْـَٔلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ (المعارج: 10) [ سورة المعارج : 10 ]، وكما قال ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ (عبس: 34) [ سورة عبس : 34 ].
قال ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ (الطارق: 10) كما قال الله : ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ (الطارق: 10) [ سورة الطّارق : 10 ]
﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ (الطارق: 10) قالوا هنا (إلّا من رحمه الله من النّاس فإنّه ينتفع بما قدّم من عملٍ صالحٍ) أي : ينتفع بإيمانه، وعمله الصّالح، ولا مانع والله أعلم أن يقال أيضًا : إنّ هذا الاستثناء مستثنًى ممّا سبق فيكون متّصلاً، ومعنى ذلك أنّ المؤمنين قد يستفيدون من موالاة بعضهم لبعضٍ، ومن صداقات بعضهم بعضًا، ومن هنا ما يقع من شفاعاتٍ بين أهل الإيمان، فأهل الإيمان يشفع بعضهم في بعضٍ؛ فيكون هذا ممّا يستثنى ممّا ذكر هنا في قوله { ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ} وهو المراد بقوله { ﱒ ﱓ ﱔ ﱕﱖ } مع ما ذكروه هنا.
ثمّ قال الله - سبحانه وتعالى - ذاكرًا طرفًا عن أهل النّار، وما يقع لأهلها من عذابٍ، وقد تقدّم أيّها الإخوة الكرام، أنّ سورة الدّخان سورةٌ فيها بيان إهلاك الله - سبحانه وتعالى - لأولئك المكذّبين والشّاكين فقال هنا {ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ}
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (النمل: 4) وقد تقدّم الحديث عنها في سورة الصّافّات، فهذا رابطٌ من الرّوابط بين السّورة، والسّور المتقدّمة من ذكر حال أهل النّار - أعاذنا الله من حال النّار، وحال أهلها. قال الله {ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ} فسّروا هنا المهل : بالزّيت الأسود، وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : هو النّحاس المذاب.
قال ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَـٰرٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَـٰرٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ (محمد: 15) نسأل الله السّلامة ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَـٰرٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَـٰرٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ (محمد: 15) وكما قال الله ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَـٰرٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَـٰرٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ (محمد: 15) [ سورة محمّد : 15 ]
﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَـٰرٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَـٰرٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ (محمد: 15) قالوا أي (ويقال لزبانية النّار خذوه فجرّوه) ويقال : لأنّ قوله { ﱫ} هذا مقول قولٍ؛ إذًا عرف من السّياق أنّ هناك قولاً مقدّرًا يعني : مادّة القول، وهي يقال لهم مقدّرةٌ فهم هذا من السّياق أي يقال لهم : { ﱫ ﱬ }، لكن في مواضع كثيرة في باب الوعد والوعيد، وكثر هذا في الوعيد - والعلم عند الله - لا تذكر مادّة القول، وإنّما يذكر ما بعد القول؛ لأنّه المقصود أصالةً بالذّات؛ فلأهمّيّته تطوى المادّة، وكأنّ الشّخص إذا قرأ عرف أنّ هنا قولاً فما القول فذكر هذا المقول.
{ ﱫ ﱬ } قالوا أي (فجرّوه)؛ لأنّ المراد بالعتل هنا : الأخذ والشّدّ بشدّةٍ، وبدفعٍ شديدٍ كما قال الله ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ (الطور: 13) [ سورة الطّور : 13 ]
﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ﴾ (الحج: 19-20) كما قال الله ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ﴾ (الحج: 19-20) [ سورة الحجّ : 19 - 20 ]
﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ﴾ (الحج: 19-20) قالوا (ويقال له تهكّمًا : ذق هذا العذاب الأليم إنّك أنت العزيز الّذي لا يضام جانبك الكريم في قومك)
هنا قد يسأل سائلٌ ويقول : كيف يقال له { ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ}، وهل من دخل النّار يكون عزيزًا كريمًا، من المعروف إنّه ذليلٌ مهانٌ، وليس عزيزًا كريمًا؟
يقال هذا أسلوبٌ تهكّميٌّ من باب التّهكّم به، كنت في الدّنيا تزعم العزّة، وتزعم الكرامة، فهل تستطيع أن تدفع عن نفسك هذا العذاب { ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ } فهذا أسلوبٌ تهكّميٌّ، ومن ذلك ما وقع من قوم شعيبٍ لشعيبٍ عليه السلام حينما قالوا له ﴿قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ (هود: 87) [ سورة هود : 87 ] قال كثيرٌ من المفسّرين : وهم لا يقصدون بذلك المعنى المتبادر إلى الذّهن، وإنّما يقصدون بذلك التّهكّم بشعيبٍ عليه السلام، يعني : لأنت السّفيه الضّالّ، لكن قالوه بهذه الطّريقة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾ (الزلزلة: 7-8)
قالوا هنا (إنّ هذا العذاب هو الّذي كنتم تشكّون في وقوعه يوم القيامة فقد زال عنكم الشّكّ بمعأينته) وتأمّل : يا رعاك الله، كيف أنّ الكلمة الّتي جاءت هنا في خواتيم هذه السّورة هي كلمة الامتراء الّتي تدلّ على شكّ من صاحبها، وعلى قلقٍ، وعدم قبولٍ وإذعانٍ، وهذا مناسبٌ لما جاء في بدايات السّورة ﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (الدخان: 9) [ سورة الدّخان : 9 ]
وذلك أنّ حقيقة الأمر تتخلّص في أنّ هؤلاء الكفّار على أضربٍ وأنواعٍ يمكن لنا أن نقول، أو يمكن لنا أن نقسّمهم تقسيمًا عامًا :
1-إلى كافرٍ يكفر بالله - سبحانه وتعالى - وهو مصرٌ على هذا الكفر جازماً به.
2- وآخر عنده ريبةٌ وشكٌ حينما يسمع آيات القرآن يجد أنّ الحقّ فيها واضحٌ فيكاد يقبل على الإسلام فيعود إليه أولئك، فيعود إليه أولئك ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بأبواب الرّيب، والشّكوك، والطّعون فيقع منه الرّيبة، وتغلبه الشّكوك فيقبل عليها، ويدبر عن القرآن الكريم؛ لذلك سمّاهم الله هنا بالشّاكين، ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10) وهنا قال ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10) وإذا كان هذا جزاء المرتابين، فكيف بجزاء الكافرين المصرّين على الكفر الدّاعين إليه؟
{ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ }
انظر إلى المقابلة ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (النمل: 4) وهنا ﴿وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌ﴾ (الصافات: 113) وهناك لما بدأ، بدأ بالعذاب، وهنا بدأ بأصحاب النّعيم بأهل التّقوى ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (آل عمران: 178)
وممّا نلحظه هنا ذكر كلمة أمينٍ {ﲈ ﲉ ﲊ } قالوا هنا (في موضع إقامةٍ آمنون) وهذه نعمةٌ عظيمةٌ؛ لأنّ الإنسان قد يكون في رغدٍ من العيش، لكنّه ليس سعيدًا، لم؟ لأنّه قلقٌ، مضطربٌ غير آمنٍ، فالنّعيم يكمل، ويتمّ إذا كان الشّخص في استقرارٍ، وأمانٍ فهنا أمّنهم الله فقال { ﲈ ﲉ ﲊ}
{ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ }
قالوا هنا (يلبسون في الجنّة رقيق الدّيباج وغليظه) الدّيباج : هو الحرير، أي رقيق الحرير، وغليظه. إذًا السّندس : الرّقيق منه، والإستبرق : الغليظ منه، فهذا وذاك يتمتّعون به.
قال الله - سبحانه وتعالى - { ﲔ} قالوا (يقابل بعضهم بعضًا ولا ينظر أحدهم قفا الآخر) وتقدّم معنا في سورة الصّافّات ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ (الصافات: 50) [ سورة الصّافّات : 50 ] أنّ هذا من الحسن بمكانٍ! أنّ الإنسان يحدّث الآخر وهو مقابله، ناظرٌ إليه فيكون هذا من جمال الحديث.
قال { ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ } أيضًا هنا آمنين.
{ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧﲨ ﲩ ﲪ ﲫ}
قال ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (يونس: 38) الّتي سبقت في الحياة الدّنيا؛ لأنّهم في الجنّة خالدون، وهذا من تمام النّعيم أيضًا الخلود؛ إذًا جمع الله لهم بين النّعيم، وبين الأمن، وبين الخلود.
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ﴾ (النحل: 39)
وقبلها أيضًا متّعهم الله بقوله { ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ } وقد قال بعضهم في سبب تسمية الحور بالحور؛ لأنّ الشّخص يحار في جمالهنّ عند النّظر إليهنّ؛ لفرط حسنهنّ؛ فلذلك قيل لها حوراء، وكذلك قال هنا {ﲙ} هنا قالوا (واسعات الأعين مع شدّة بياضها وشدّة سوادها) والعين : جمع عيناء فقيل هذا أيضًا لها؛ لأنّها واسعات الأعين، وهذا من أجمل ما يكون في الحور العين، أو في النّساء.
قال الله ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ﴾ (النحل: 39) هذا تفضّلٌ من الملك - سبحانه وتعالى -.
{ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ}
{ﲶ ﲷ ﲸ } فالقرآن ميسّرٌ، لكنّهم يعرضون عنه { ﲹ ﲺ}
يعني انتظر نصرك، وهلاكهم إنّهم منتظرون هلاكك، فهم كانوا يمنّون أنفسهم أن يموت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأن تموت الدّعوة معه، وهيهات؛ ولذلك قال الله ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ (الطور: 30) [ سورة الطّور : 30 ] يقولون : سيموت، ونستريح، لكن هيهات، فالله حافظٌ دينه، والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ وإن مات فإنّ دعوته لا تموت بفضل الله - سبحانه وتعالى -.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
الجمع بين العذاب الجسمي، والنّفسيّ للكافر : أمّا العذاب الجسمي فهو واضحٌ ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ ۖ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُۥ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: 101) إلى آخره وأمّا العذاب النّفسيّ فإهانته، والتّهكّم به حينما يقولون له ﴿إِنَّ فِى هَـٰذَا لَبَلَـٰغًا لِّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ﴾ (الأنبياء: 106)
الفوز العظيم هو النّجاة من النّار، ودخول الجنّة : لذلك قال الله - سبحانه وتعالى -﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 141) ذلك المذكور من إدخالهم الجنّة، ووقايتهم من النّار.
تيسير الله لفظ القرآن، ومعانيه لعباده : وهذا مأخوذٌ من قوله {ﲶ ﲷ ﲸ } وهذا معنى جميل؛ أنّ تيسير القرآن ليس خاصًّا بالألفاظ، وإنّما هو عامٌّ يشمل الألفاظ، والمعاني وهذا كما قال الله أيضًا ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر: 17) [سورة القمر:17]. ولذلك دعانا الله جميعًا إلى التّدبّر، إلى تدبّر القرآن الكريم وننتقل بفضل الله وتوفيقه إلى تفسير سورة الجاثية.