مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسيرسورة القصص 1 16 8 2013م جزء 1

سلسلة التفسير · الدرس 1 من 61 · 10 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين، اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» كما صلّيت على إبراهيم «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ: فقد انتهينا، يا أيها الإخوة الكرام، في آخر درس قبل شهر رمضان من تفسير سورة النمل، ونواصل إن شاء الله تعالى السير في تفسير كتاب الله جل وعلا فننتقل الليلة إن شاء الله تعالى إلى تفسير سورة القصص.

وسورة القصص كما ترون من اسمها فيها ذكرٌ لقصصٍ قرآنيٍّ مبارك، والله عز وجل قد قال: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ﴾2 (هود: 120)، فالقصص القرآني مثبتٌ للفؤاد.

ولذلك علينا يا أيها الإخوة الكرام أن نكثر من قراءة القصص القرآني، لا سيما في وقت المحن والإحن؛ فإنَّ الواحد منا إذا قرأ القصص القرآني يتعلم منه خيرًا كثيرًا، ويستفيد منه في حياته أيَّما فائدة، فيثبت فؤاده. نسأل الله جل وعلا أن يثبت أفئدتنا، وأن يرزقنا التوفيق والسداد والإخلاص، وأن يتوفانا وهو راضٍ عنا.

سورة القصص يا أيها الإخوة الكرام سورة مكية كما عليه جمهور أهل التفسير، استثنى بعضهم منها بعض آيات، ولا يُسلَّم ذلك الاستثناء، والأصل أنها مكية، أي: نزلت قبل هجرة النبي «صلى الله عليه وسلم». قد استثنى بعضهم منها قول الله عز وجل في آخر السورة: ﴿إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾3 (القصص: 85)، قال بعضهم: نزلت على النبي «صلى الله عليه وسلم» وهو في طريقه من مكة إلى المدينة، وهو في الطريق؛ بيّن الله له أنه سيردّه مرة أخرى إلى مكة فاتحًا بإذنه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾ (القصص: 85).

وعلى كلٍّ فالمدني ما نزل بعد الهجرة، وهي وإن كانت في طريق الهجرة فلم تكن بعدها، فعلى ذلك يبقى الحكم سارياً عليها كغيرها من أنها من الآيات المكية. وهناك رابط بين الآيات في أوائل السورة وكذلك فيما يتلوها من آيات وآخر السورة المباركة؛ فقد ذكر الله جل وعلا في سورة القصص ما جرى لنبي الله موسى عليه السلام وخروجه من مصر وإتيانه الرجلَ الصالح، ثم بعد ذلك رجع عليه الصلاة والسلام. وكذلك فالرسول خرج من بلده، ثم هو في نهاية المطاف «صلى الله عليه وسلم» — أو في السنة الثامنة من الهجرة — رجع النبي «صلى الله عليه وسلم» فاتحًا بفضل الله سبحانه وتعالى.

فكما أنَّ نبي الله موسى عليه السلام قد أوذي، فنبينا محمد صلوات ربي وتسليماته عليه قد أوذي، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يتذكر حال أخيه موسى فيقول: كثيرًا: «يرحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر». ولعل هذا — والله أعلم — سرٌّ في تكرار قصة نبي الله موسى عليه السلام في القرآن الكريم؛ فكم تكرر ذكر قصة نبي الله موسى عليه السلام وذكره في القرآن الكريم، وفي بعض المواضع يكون الذكر مختصرًا.

موسى عليه الصلاة والسلام قال الله جل وعلا: ﴿طسٓمٓ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ نَتْلُوا۟ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾4 (القصص: 1-4). ﴿وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَحْذَرُونَ﴾5 (القصص: 6).

قال الله سبحانه — وقد تقدَّم يا أيها الإخوة الكرام كلامٌ مطوَّل في غير ما موضع فيما يتعلق بمثل هذه الأحرف أو الحروف والتي تُسمّى بالحروف المقطّعة؛ هنا أحرف لأنَّها ثلاثة — وقد تكررت في كتاب الله جل وعلا في تسع وعشرين سورة: ابتدأ الله جل وعلا بعض السور بحرف واحد كنون وصاد وقاف، وابتدأ بعضها بحرفين كـ«حاميم» وطاسين، وابتدأ بعضها بثلاثٍ كهذه السورة «طاسين ميم، وابتدأ بعضها بأربع: ألف لام ميم صاد» وألف لام ميم راء، وابتدأ بعضها بخمس: حاميم عين سين قاف، وأيضًا كاف ها يا عين صاد؛ فهذه السور القرآنية ابتدأت بهذه الأحرف المقطّعة.

قد تقدّم الكلام فيها، ولا أريد أن أعيد الكلام بإسهاب كما تقدّم، لكن مما قيل في ذلك أنها أحرفٌ تحدّى الله عز وجل بها الناس، يبيّن لهم أن القرآن مؤلَّف من تلك الأحرف؛ فهل تستطيعون ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس أن تأتوا بمثل هذا القرآن فالألف تعرفون الألف، وتعرفون اللام، وتعرفون الميم، وتعرفون الطاء، وتعرفون السين، وتعرفون الميم؛ فهل تستطيعون أن تأتوا بمثل هذا القرآن فإذا عجزتم فاعلموا أن هذا القرآن كلام الله لا كلام أحدٍ سواه.

ولذلك كثر ذكر القرآن بعد الأحرف المقطّعة؛ فبعد الحروف المقطّعة يرد ذكر القرآن الكريم، كما في السورة التي معنا: ﴿طسٓمٓ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾6 (القصص: 1-2)؛ هذا القرآن مؤلَّف من هذه الأحرف، فهل تستطيعون وهل تقدرون على أن تأتوا بمثل هذا القرآن الجواب: لا، ولا يتأتى لكم ذلك: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾7 (البقرة: 24). ﴿طسٓمٓ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾8 (القصص: 1-2).

﴿تِلْكَ﴾ باسم الإشارة للبعيد؛ ليدلّ ذلك على علوّ مكانة القرآن ورفعة شأنه؛ فالقرآن عالي المنزلة رفيع القدر: ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ9 ٱلْمُبِينِ﴾ (القصص: 2).

وقوله: ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ﴾: قال بعضهم: أي: ما ذُكر في السورة المباركة؛ فتلك أي: هذه الآيات المذكورة في السورة المباركة وفيما سبق من القرآن الكريم إلى وقت نزول الآية: آيات الكتاب المبين.

وقوله: ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (القصص: 2) يدلّ ذلك على أن القرآن سيُحفظ كتاباً كما أنه حُفظ في الصدور؛ فكما حُفظ القرآن في الصدور حُفظ كذلك في السطور. قال الله: ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (القصص: 2)، أي: المكتوب؛ فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وكذلك مكتوبٌ مسطورٌ بيننا بفضل الله سبحانه وتعالى. وقد كان للنبي صلوات ربي وتسليماته عليه كتّابٌ للوحي. ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ (القصص: 2).

و﴿ٱلْمُبِينِ﴾ يحتمل أمرين: إمَّا أن يكون المراد بالمبين أي: البيّن: تلك آيات الكتاب البيّن الظاهر الواضح؛ فهو كتاب واضح، وكتاب فيه البيان وفيه الهداية وفيه الحق والهدى. وكذلك مبين أي: مبيّن لغيره؛ فهو يبيّن لغيره الحقائق. فالقرآن بيّن في ذاته ومبيّن لغيره كذلك: ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ (القصص: 2). فالقرآن آياته آيات بيّنات واضحات جليّات ظاهرات محكمات بفضل الله سبحانه وتعالى.

وقد قال الله: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ﴾10 (آل عمران: 7)، أي: أصل الكتاب أو غالبه، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ﴾؛ الآيات التي فيها تشابه قليلة بالنسبة للآيات المحكمات: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ﴾11 (آل عمران: 7).

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 120 ↩
  3. آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 85 ↩
  4. آية: ﴿طسٓمٓ ۝ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ۝ نَتْلُوا۟ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 1-4 ↩
  5. آية: ﴿وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَحْذَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 6 ↩
  6. آية: ﴿طسٓمٓ ۝ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 1-2 ↩
  7. آية: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 24 ↩
  8. آية: ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 2 ↩
  9. آية: ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 2 ↩
  10. آية: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 7 ↩
  11. آية: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 7 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة