تفسيرسورة القصص 1 16 8 2013م جزء 2
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ﴾، أي: يشتدّون في الذبح، كما جاء في الآية الأخرى: يقتلون أبناءهم؛ يقتلون تقتيلاً، مبالغة في القتل، مبالغة في الذبح. وقال بعضهم: جاء في موضع «يقتلون» وفي الآخر يذبّحون؛ يعني: أن طرق الإيذاء متعددة؛ فأحيانًا يكون القضاء بالذبح، وأحيانًا يكون القتل بطريقة أخرى؛ فالتقتيل متعدد ومتنوع. ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ﴾، قال: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ﴾2 (القصص: 4).
وهذا استضعاف عظيم: أن يقضي على الذكور وهم أصحاب المنع وأصحاب القوة؛ فالذين يمنعون أنفسهم من أعدائهم هم الذكور، هم الرجال دون الإناث؛ فإذا قضى عليهم فلا تبقى لهم شوكة ولا تبقى لهم قوة: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ﴾3 (القصص: 4).
وقد ذكر عدد كبير من أهل التفسير — وهذه الروايات من الإسرائيليات التي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب — أن ذلك أتى لما أُخبر فرعون، أو أخبره بعض الكهنة، أنه سيأتي زمانٌ ولدٌ من بني إسرائيل سيملك أو سيقضي عليك ويقضي على ملكك ويكون له الغلبة عليك. فمن وقتئذٍ كره فرعون بني إسرائيل أو اشتد عليهم؛ لو كان هناك كرهٌ سابقٌ اشتد عليهم، وأراد أن يقضي على جميع الأبناء ليستطيع بذلك أن ينجو من هذا الذي قد قيل له؛ فإذا وُلد لهم ابنٌ قضى عليه، فحينئذٍ هذا الابن الذي سيكون ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أو ستكون له الغلبة لن يأتي، وإذا أتى قضى عليه، فيبقى ملك فرعون ويتمّ له أو تتمّ له الغلبة: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ﴾ (القصص: 4).
﴿وَيَسْتَحْىِۦ﴾، أي: يستبقي؛ يستبقي نساءهم أي: بناتهم. وهي صغيرة بنتٌ طفلة، لكن جاء التعبير ﴿وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ﴾ لأنَّها حينما تكبر ستكون امرأة، ويقال للجمع منهن نسوة أو نساء؛ فقال: ﴿وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ﴾، أي: يستبقي البنات من أجل الخدمة؛ فإذا كبرت تلك البنات صرن نسوة أو صرن نساء، أو امرأة أو صرن نساء.
وقال بعض العلماء: ﴿أَنَّمَا﴾ جاء التعبير بقوله ﴿وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ﴾ ليُشار بذلك إلى أمر، وهو ليُصنع بهن ما يُصنع بالنساء؛ أي: يستبقي النساء من أجل الخدمة ومن أجل التمتع بهن وقضاء الشهوة فيهن بغير وجه حق. فلذلك ذُكر النساء؛ لأنَّ المرأة هي التي تُشتهى وهي التي يُفعل معها ما إلى ذلك من الأمور التي تُصنع مع النساء — نسأل الله السلامة. ففي هذا أنه قتل الأطفال، قتل الصبيان أو الصبية، وكذلك استبقى البنات من أجل الخدمة ومن أجل أن تُقضى الشهوات بهن أو فيهن؛ فهكذا صنع فرعون وملؤه.
قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ﴾4 (القصص: 4)؛ يقضي على البنين ويفعل هذا بالبنات. ومن المعروف أنَّه لدى ذوي غيرة موت البنت خيرٌ من أن يُطعن عِرضها، خيرٌ من أن تُخدش في عِرضها؛ فخيرٌ من أن يُصنع بها ما يُصنع بالنساء العاهرات — سلّمنا الله وإياكم. فالواحد منَّا، يا أيها الإخوة، لو أُخبر أن ابنته ماتت فإنَّه يسترجع، ولكن لو أُخبر — عافانا الله وإياكم — بهذا الأمر الآخر فإنَّ هذا أمرٌ شديد.
﴿إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾5 (القصص: 4): هذا تلخيص لهذا الذي صنعه فرعون؛ هذا الذي صنعه فرعون يدخل ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ باب؟ في باب الإفساد: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 4) بهذه الجملة المؤكّدة. وقال: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾، وذكر «كان» هنا يدلّ على تمكّن الفعل؛ أي: إن الفساد — بل الإفساد — قد تمكّن منه.
فربما فسد، ربما أفسد شخصٌ في مرة من المرات، لكن الإفساد ليس من ديدنه وليس من طبعه؛ فلان أفسد في شيء، أفسد شيئًا، لكن ليس من طبعه أن يفسد. لكن أن يقال: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 4)، يعني: أن هذه صفة ثابتة راسخة متمكنة من فرعون: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 4). ولم يقل إنه كان فاسداً، ﴿أَنَّمَا﴾ قيل: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 4)، أي: هو في زمرة المفسدين؛ ليدلّ ذلك على دخوله فيهم وأنه واحد من المفسدين، بل من كبار المفسدين، وليس بخارج عنهم، بل هو فيهم ومنهم وإليهم: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 4).
وعلى ذلك فمن طرق الإصلاح ما خالف ذلك؛ فالوالي الذي لا يتكبّر على الناس ولا يحتقر الناس مصلحٌ، أو قد أتى بسببٍ من أسباب الإصلاح. والذي لا يظلم الناس بل يعدل بينهم وهم عنده سواء، ﴿أَنَّمَا﴾ يقدّم من يقدّم بسببٍ ويؤخّر من يؤخّر بسببٍ بحجّة وبرهان، فهذا مصلح. والذي لا يفرّق الناس ويُحزّبهم أحزاباً ويقرّب بعضهم ويؤخّر بعضهم؛ الذي لا يصنع ذلك مصلح، والذي يصنع ذلك مفسد من المفسدين.
فلذلك على الدعاة إلى الله وعلى ولاة الأمور أن يستفيدوا من هذه الآيات كي يتحقّق لهم الإصلاح في الأرض الذي ينشده الجميع؛ حتى من المفسدين من ينشد الإصلاح ويزعم أنه يريد الإصلاح. ولذلك دعوة الإصلاح وحدها ليست كافية؛ وربنا قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾6 (البقرة: 11-12).
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَحْذَرُونَ﴾7 (القصص: 5-6).
قال الله: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾8 (القصص: 5) بهذا الفعل المضارع لتصوير الحدث؛ ليكون مصوَّراً مشاهداً في ذهن السامع أو في عقله. قال الله جل وعلا: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾ (القصص: 5)؛ في الوقت الذي يفسد فرعون، في الوقت الذي يريد القضاء على بني إسرائيل، يريد ربّك أمرًا آخر؛ أراد فرعون وربّك يريد ما لا يريده فرعون، وما يريده هو يكون، وما يريده فرعون لا يتمّ له؛ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾9 (القصص: 5)؛ أن نمنّ أن نعطيهم وأن نتفضّل عليهم: ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾10 (القصص: 5) وهم من بني إسرائيل: ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟﴾11 (الأعراف: 137). فقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟﴾12 (الأعراف: 137)؛ يدلّ ذلك على أن المستضعفين، مَن هم؟ بنو إسرائيل، وهذا أمر واضح وجلي. ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (القصص: 5) بتذبيح أبنائهم أو بذبح أبنائهم واستحياء نسائهم للخدمة وما إلى ذلك؛ نريد أن نمنّ عليهم، ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ في مصر، أو أن نريد ﴿أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ﴾13 (القصص: 5)؛ نجعلهم أئمة أي: أئمة سادة وقادة، وقال بعضهم: أئمة في الخير؛ يجعلهم الله أئمة في الخير.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 4 ↩
- آية: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 4 ↩
- آية: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 4 ↩
- آية: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 4 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 11-12 ↩
- آية: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَحْذَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 5-6 ↩
- آية: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 5 ↩
- آية: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 5 ↩
- آية: ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 5 ↩
- آية: ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 137 ↩
- آية: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 137 ↩
- آية: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 5 ↩
من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)
فوائد من هذا الدرس
دروس مشابهة
- قال تعالى:﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾
- وقفات مع قوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
- سورة الزمر — الجزء 2
- المجلس السادس - التعليق على تفسير الجلالين (مقدمة سورة البقرة وآيتان1-2)
- سورة الأنعام — الجزء 1
- دفع إشكال في فهم آيات منها قوله تعالى (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول)