مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة القصص2 23 8 2013م جزء 2

سلسلة التفسير · الدرس 3 من 61 · 7 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

بس.

إذًا ما معنى اللام هنا؟ الآية تقول: ﴿فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾2 (القصص: 8)، وهم لو يعلمون أنه عدوٌّ لهم لقتلوه؛ لو يعلم فرعون وجنوده أن موسى سيكون عدوّاً لهم لقتلوه وما تركوه. والله قال: ﴿لِيَكُونَ﴾ — أو بلام الصيرورة، لام العاقبة أو الصيرورة، وليست هي لام التعليل. هناك لام التعليل: «ذاكر لتنجح»، يعني: لكي تنجح، اسمه لام التعليل؛ لكن هذا اسمه لام العاقبة، أي: ﴿فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا3 ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا۟ خَـٰطِـِٔينَ﴾ فكانت العاقبة أنه صار لهم عدوّاً وحزناً. هذه العاقبة كقول القائل: «أموالنا لذوي الميراث نجمعها، ودورنا لخراب الدهر نبنيها».

ونحن أموالنا لذوي الميراث نجمعها؛ اللي بيجمع الأموال الأصل بيجمعها لمن؟ لنفسه، ودورنا ﴿أَنَّمَا﴾ نبنيها لمن؟ لأنفسنا؛ لكن في الحقيقة تكون لمن؟ للورثة. إذن هذا هو المعنى: أموالنا لذوي الميراث نجمعها، ودورنا لخراب الدهر تصير خراباً؛ ما نبني لإيه؟ لتكون خربة؛ ﴿أَنَّمَا﴾ نبني لنعمر، ﴿أَنَّمَا﴾ هذا معنى العاقبة: يصير الأمر. هذا في علم الله، ليس في علمهم هم؛ ولذلك بعضهم لا يشعرون، ﴿أَنَّمَا﴾ هو في علم الله. فقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (القصص: 8)، يعني: في حقيقة الأمر التي تخفى عليهم. والقول الأول عليه الأكثرون: أن اللام لام العاقبة والصيرورة: ﴿فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (القصص: 8).

أي: مُحزِناً لهم؛ ليدخل عليهم الحزن إذ يرون هزيمتهم ويرون انتصاره عليهم وانتقال كثير من أتباعهم ليتبعوه وليسيروا على منهجه عليه الصلاة والسلام. ﴿فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (القصص: 8)؛ هل فوق ذلك؟ أن ينتقل العدو إلى العدو ليكون في بيته؛ وما قتل فرعون ما قتل إلا من أجله — سبحان الله العظيم! هؤلاء الذين قد قُتلوا من بني إسرائيل ﴿أَنَّمَا﴾ قُتلوا من أجل واحد وهو موسى عليه السلام؛ وموسى بنفسه بشحمه ولحمه ودمه يدخل على فرعون، بل يُدخل به عليه ويراه فرعون ويعرفه؛ واحد يقول: جبت منين؟ ويعرفه.

أقول: هناك دليل أنه مش عارف أنه موسى، لكن عارف أنه من بني إسرائيل، يعني: ممن يُراد قتله؛ بدليل قولها — أي: قول امرأة فرعون: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾؛ قال العلماء: عرف أن هذا الوجه ليس بوجهٍ قبطي ﴿أَنَّمَا﴾ هو بوجهٍ إسرائيلي، ده من بني إسرائيل؛ ملامح وجهه وشكله إسرائيلي. يبقى داخل في الذين يُقتلون ولا مش داخل؟ داخل. وبعدين ده ما فيش عليه أثر للتعب والألبان؛ يعني: ما يكون في التابوت الطفل — أو عادي — ومن ثلاثة يتقلّب الطفل وربما تألّم وربما ضُرب؛ قال عدد من أهل العلم: لم يجرِ ذلك؛ إذن معناه: أنه أُلقي من مكان قريب، وأنه تحت مملكة؛ فعلى ذلك الذي ألقاه ما ألقاه إلا من أجل الهرب من أن يُقتل هذا الطفل. إذن هذا مراد؛ إذن أمامه هذا الولد وهو داخل في نفس الحكم العام: الحكم العام القضاء على الذكور من بني إسرائيل. ويُدخل بالصبي ويُدخل به عليه؛ يُدخل بموسى عليه السلام وهو رضيع عليه السلام.

﴿فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا۟ خَـٰطِـِٔينَ﴾4 (القصص: 8). لماذا كان عدوّاً لهم ولماذا أحزنهم؟ لأنهم على الخطأ وهو على الصواب؛ ولو كانوا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ لفرحوا به ولسُرّوا به. أن يرى رجلٌ رسولاً هذه نعمة — صح ولا لا؟ — أن يرى واحدٌ رسولاً أو نبيّاً هذه نعمة. ولذلك رؤية الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعدلها عمل سوى الإيمان بالله عز وجل؛ العلماء يقولون: ما يَعدلها عمل أو قُربة من القُربات.

ولذلك لا يصح عقد مقارنة بين صحابي وتابعي بأن يُفضَّل التابعي على الصحابي لكثرة أعماله مثلًا؛ هذا ليس بصحيح؛ فكل الصحابة أفضل من جميع التابعين، من كل تابعي. كلام كذا واضح. ولذلك قال العلماء: من الأخطاء الشائعة عند الناس قولهم عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله — وهو خليفة راشد عادل — أن يقال عن عمر خامس الخلفاء الراشدين؛ هذا خطأ. لا يُقال خامس الخلفاء الراشدين؛ لأنَّ فيه معاوية رضي الله عنهما بعدُ؛ عليك بمعاوية؛ ما تقولش على عمر بن عبد العزيز خامس. أيوة عمر بن عبد العزيز كان عادلاً، وقالوا إنه مجدّد القرن الأول رضي الله عنه ورحمة الله؛ لكن مع ذلك لا يُقدَّم على من؟ على معاوية رضي الله تعالى عنه. نعم؛ فهذا فرقٌ؛ هذا مهم. فلو أنَّ فرعون ومن معه أنصفوا لفرحوا بمجيء نبي؛ لكن كيف؟ وهذا لا يكره النبوة فحسب، ﴿أَنَّمَا﴾ يدّعي لنفسه الألوهية فيقول: ﴿أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾5 (النازعات: 24)، ويقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾6 (القصص: 38).

فلذلك كان موسى عدوّاً لهم وكان موسى مُحزِناً لهم؛ فأهل الحق يدخلون الحزن على أهل الباطل؛ إذا رأى أهل الباطل أهل الحق حزنوا؛ لأنهم لا يجدونهم على ما يريدون، بل يجدونهم لهم مخالفين أو يجدونهم مخالفين لهم بفضل الله عز وجل. ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا﴾7 (القصص: 8) أتباعهما الذين ساروا على دربهما وقاموا بتنفيذ أوامرهما ﴿كَانُوا۟ خَـٰطِـِٔينَ﴾8 (القصص: 8).

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 8 ↩
  3. آية: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 8 ↩
  4. آية: ﴿فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا۟ خَـٰطِـِٔينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 8 ↩
  5. آية: ﴿أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النازعات 24 ↩
  6. آية: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 38 ↩
  7. آية: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 8 ↩
  8. آية: ﴿كَانُوا۟ خَـٰطِـِٔينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 8 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة