مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة المنافقون

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 47 من 103 · 21 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

ســــــورة المنافقون

سورة المنافقون - مَدَنية-

مقاصد السورة

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] بيان حقيقة المنافقين والتحذير منهم.

التعريف بالسورة

سورة المنافقون سورة مدنية، يعني نزلت بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا واضحٌ وجليٌ وعليه الاتفاق. فأهل التفسير متفقون على أنها نزلت بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن اختلفوا فبعضهم يرى أنّها نزلت في وقت غزوة بني المصطلق، وبعضهم يقول في غزوة تبوك، والأول أقرب والعلم عند الله تعالى. وقد وردت أدلة وروايات تدل على أن صدر السورة الكريمة نزل في شأن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - كما سيأتي التنبيه عليه.

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا من مقاصد السورة (بيان حقيقة المنافقين والتحذير منهم) يعني هذه السورة تبين حقيقة أهل النفاق. وتحذرنا منهم، تبين حقيقة المنافقين : فتبين أمراضهم القلبية وأخلاقهم السيئة؛ لذلك ذكرتْ لنا طرفاً من الأمراض القلبية التي عليها أهل النفاق : من التكذيب بآيات الله، ومن الكفر ومن إبطان الكفر وغير ذلك،

وذكرت أيضًا بعض الأفعال التي تقع منهم والأخلاق الدنيئة : مثل الجبن والبخل.

ثم بعد ذلك حذرت المؤمنين من أن يكونوا مثلهم أو من أن يشتغلوا بأموالهم وأولادهم عن ذكر الله، لذلك قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ (المنافقون: 9) وكأنه والعلم عند الله : مجيء هذه السورة بعد سورتي الصف والجمعة إشارة إلى أن الذي يفتُّ في العَضُد وإلى أن أكبر ما يؤذي المؤمنين ويشتت صفوفهم وجود المنافقين بين ظهرانيهم. فإذا أراد المسلمون أن يسلم لهم صفهم وأن يستقيم أمرهم، وأن تتحد كلمتهم فليحذروا من أعدائهم ومن أعظم الأعداء أهل النفاق. ولذلك قال الله ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ ۚ قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ (المنافقون: 4)

قال الشيخ حفظه الله

﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا۟ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (المنافقون: 1)

ثبت في الصحيح أنّ هذه الآيات الكريمة نزلت في شأن زيد بن أرقم - رضي الله عنه عنه - وقد سمع عبد الله بن أُبيّ وهو يقول ﴿لَا تُنفِقُوا۟ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا۟﴾ (المنافقون: 7) وهو يقول ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ﴾ (المنافقون: 8) فبلَّغ هذا لعمه، فقام عمه بإبلاغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فواجههم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فحلفوا له أنهم لم يقولوا ذلك، فكُذِّب زيد بن أرقم لأن الأصل الحكم بالظاهر. ثم بعد ذلك تبين الأمر وأنزل الله الآيات، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى زيد بن أرقم وقال له: «إن الله قد صدقك» يعني فيما قلت فكانت هذه الآية بفضل الله سبحانه وتعالى تفريجًا للكربة التي أصابت زيد بن أرقم حين كُذِّب في بادئ الأمر، وكان فيها أيضًا تبرئة لساحته - رضي الله عنه عنه - في بعض الروايات فأنزل الله قوله ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ﴾ (المنافقون: 1) وفي بعضها أنّ الله أنزل فيها قوله ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا۟ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا۟﴾ (المنافقون: 7) وأياً ما كان فإنَّ الآيات كلها موصول بعضها ببعض، وهي في سبب واحد وفي سياق واحد.

﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ﴾ (المنافقون: 1) المراد بالمنافقين هنا : المنافقون نفاقاً عقدياً، ولذلك قالوا هنا في المختصر (إذا حضر مجلسك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول المنافقون الذين يظهرون الإسلام ويضمرون الكفر). إذن المراد بالمنافقين هنا : الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر وهذا من دلائل مدنية السورة؛ لأن المنافقين ﴿أَنَّمَا﴾ يظهرون عند قوة المسلمين وكان هذا في المدينة النبوية.

﴿قَالُوا۟ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (المنافقون: 1) جاء قوله ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ﴾ (المنافقون: 1) كجملة فيها احتراز من أن يتوهم واهم أن التكذيب من الله - سبحانه وتعالى- للمنافقين فيما قالوا ﴿أَنَّمَا﴾ هو في أنهم لم يصدقوا فيما قالوا، فقوله ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ﴾ (المنافقون: 1) يعني أنّ الكلام الذي قالوه من حيث هو كلام صدق، فأنت رسول الله؛ لكن ﴿وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (المنافقون: 1) أي هم كاذبون في شهادتهم من حيث إنهم قالوها ولم يعتقدوها؛ فالتكذيب هنا لمخالفتهم في الاعتقاد لما قالوا؛ - لا - أنّ ما قالوا ليس بصواب؛ بل ﴿أَنَّمَا﴾ قالوا حق، فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًّا وصدقًا، قال ﴿وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (المنافقون: 1) وهذا فيه أنّه قد يُحْكَم على الشخص بالكذب في قوله أو فيما يتعلق باعتقاده، والله بكل شيء عليم ويعلم السرائر سبحانه وتعالى.

﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (المنافقون: 2)

﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (المنافقون: 2) إذاً هذه صفات المنافقين، لذلك قلت إنّ السورة تحدثت عن أمراض المنافقين القلبية والعملية والقولية فمن صفاتهم الأيمان الكاذبة ﴿فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (المنافقون: 2)

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون: 3)

ذلك لأنهم ﴿امَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون: 3) قد يقول قائل: أوليس المنافقون من بادئ الأمر لم يؤمنوا حقًّا؟، إذا كان الأمر كذلك فلِمَ وصفهم الله بالإيمان؟ فقال ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟﴾ (المنافقون: 3)

فالجواب عن ذلك من وجهين :-

1- إمّا أن يقال كما قالوا هنا في المختصر في التفسير (ذلك بسببإنهم آمنوا نفاقا ولم يصل الإيمان إلى قلوبهم) فيكون المعنى :- ذلك بأنهم آمنوا بألسنتهم، ثم كفروا، إذن الإيمان هنا يتعلق باللسان؛ وأمّا الكفر فهو بالاعتقاد والجنان (بالقلب )

2- أو أن يقال :- هذا في فريق منهم والعلم عند الله وهم الذين ارتدوا.

· ولذلك المنافقون على مراتب وأنواع، فمنهم من بادئ الأمر يصر على ما هو عليه وإنما يُظهر الإسلام حتى تسلم له نفسه ودمه وماله وما إلى ذلك، ومنهم من كان لديه شيء من الشك، ولذلك في بعض المواضع يوصفون بالذين في قلوبهم مرض، وفي بعض الأحوال يعطفون على المنافقين ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ﴾ (الأنفال: 49) [الأنفال: 49] إلى غير ذلك من الآيات التي وردت في مثل ذلك والعلم عند الله، قال الله ﴿فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون: 3)

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا۟ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ ۚ قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ (المنافقون: 4)

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا۟ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ (المنافقون: 4) وعلى ذلك فهم كما قالوا أشباح بلا أرواح، أشباح بلا أرواح بلا حقائق، وهم أيضًا أجسام بلا أحلام، أي بلا عقول، فهم أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام أي بلا عقول.

﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ (المنافقون: 4) يعني : هم كأنهم خشبٌ مسندة، يعني لا يُستفاد منها، فالخشب قد يُستفاد منه. قد يبنى قد يساعد في بناء الجدار أو في تأسيس الجدار أو يوضع في باب، أو ما أشبه، ﴿أَنَّمَا﴾ هم خشب مسندة. يعني : لا فائدة من ورائها، فهي لا تصلح في شيء.

﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾ (المنافقون: 4) من أهل العلم من يقف ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ (المنافقون: 4) يعني يحسبون كل صيحة واقعة عليهم، وبعد ذلك ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾ (المنافقون: 4) ومنهم من يجعل ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ﴾ (المنافقون: 4) في موضع المفعول الثاني، والأول أقرب.

﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾ (المنافقون: 4) كأنّه لا عدو إلا هم؛ مع أن الأعداء متعددون وكثيرون؛ لكن أعظم العداوات وأخطر العداوات عداوة من يُظهِر الصداقة. وأهل النفاق كذلك، يُظهِرون شيئًا ويبطنون خلافك؛ لذلك حذرنا الله من شأنهم وقال ﴿قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ﴾ (المنافقون: 4) قالوا هنا في المختصر، أي: (لعنهم، كيف يُصرفون عن الإيمان مع وضوح دلائله وجلاء براهينه؟). نعم

مِنْ فَوَائِدِ الآيات

• تخصيص سورة للمنافقين فيه تنبيه على خطورتهم وخفاء أمرهم.

• العبرة بصلاح الباطن لا بجمال الظاهر ولا حسن المنطق.

قال الشيخ حفظه الله [مِنْ فَوَائِدِ الآيات ]

• تخصيص سورة للمنافقين فيه تنبيه على خطورتهم وخفاء أمرهم : وهذا واضح.

• العبرة بصلاح الباطن لا بجمال الظاهر ولا حسن المنطق : ولذا قال ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا۟ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ (المنافقون: 4) ومع ذلك فلا وزن لهم عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

قال الشيخ حفظه الله

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْا۟ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ (المنافقون: 5)

هذا بيان لحالهم حين يدعوهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أجل مصلحتهم، ﴿تَعَالَوْا۟ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ﴾ (المنافقون: 5) ومع ذلك ما يكون منهم إلا الإعراض قال الله ﴿لَوَّوْا۟ رُءُوسَهُمْ﴾ (المنافقون: 5) يعني عطفوا رؤوسهم استهزاءاً وسخرية، نحن في غنى لا نحتاج هذا الاستغفار، لا نحتاج إلى هذا الاستغفار.

تحليل مقارن وربط بين السور

﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ يعني يُعرِضون، ففسر هنا الصد : بالإعراض لأن الصد هنا المراد به الصدود كما قال الله عز وجل ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ (النساء: 61) [النساء: 61] وقلنا هناك فرق بين الفعل (صَدَّ ) ومصدره (الصَدُّ) فمعناه صَدَّ الغير عن سبيل الله، وبين الفعل (صَدَّ ) ومصدره (صُدُود) فمعناه : الإعراض، وهذا هو المراد هنا، كما يشهد له آية سورة النساء.

﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (المنافقون: 6)

قال الله ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ (المنافقون: 6) وعليه فعُلِمَ ما جاء في قوله سبحانه وتعالى ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ (التوبة: 80) [التوبة: 80] وجاء هنا الحكم عاماً ﴿لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (المنافقون: 6) ما داموا مصرين على فسقهم، أو المراد بهم جماعة معينون فهؤلاء لا يهديهم الله - سبحانه وتعالى -.

﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا۟ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا۟ ۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون: 7)

﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا۟ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا۟﴾ (المنافقون: 7) قالها عبد الله بن أُبيّ : ﴿لَا تُنفِقُوا۟ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ﴾ ينصرفوا، ما معنى ﴿حَتَّىٰ يَنفَضُّوا۟﴾ (المنافقون: 7) يعني كي ينصرفوا، فـ«حتى» هنا بمعنى «كي» أي : كي يتفرقوا عنه.

وهنا أمر يحتاج إلى تنبيه وهو أنّ كلمة (حتى ) قد تأتي بمعنى (كي ) فتكون (تعليلية ) ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا۟ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا۟﴾ (المنافقون: 7) يعني : كي ينفضوا، وليس معناها (إلى أن ينفضوا ) لأنه لو كان المعنى هكذا لَا تُنفِقُوا۟ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ (إلى أن ينفضوا ) معناه : وإذا انفضوا فأنفقوا عليهم وإذا قاموا من مجلسه فأنفقوا عليهم وليس هذا بمراد؛ ﴿أَنَّمَا﴾ المعنى : ﴿لَا تُنفِقُوا۟ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ ليكون هذا سببًا في الانفضاض عنه (كي ينفضوا) يعني حينئذٍ سينفضون عنه لأنه لا يعطيهم شيئًا صلى الله عليه وسلم. وكأنهم يظنون أنّ عطاؤهم وأنهم إن لم يعطوا فإنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لن يرزقه الله بما يعطيه إياهم؛ مع أن الله عز وجل ﴿هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ﴾، إذن «حتى» قد تأتي بمعنى «كي».

وقد تأتي بمعنى (إلى أن) ﴿قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾ (طه: 91) [طه: 91] يعني: (إلى أن ) يرجع إلينا موسى؛ وليس معناه (كي يرجع إلينا موسى). وهكذا.

قالوا ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ﴾ (المنافقون: 8) وقبلها قال ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون: 7) يعني كيف يقولون ذلك؟ ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ (المنافقون: 7) وهو في غنى عن عطائهم سبحانه وتعالى، بل هو الغني الذي يُعطي سبحانه عز وجل ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون: 7) ليس لديهم فقه حتى يفقهوا هذا. ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8). فالعزة لله ولرسوله ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8) وأمّا أهل المعصية فإنهم في ذل وفي هوان؛ ولذلك قال الحسن: «إنهم وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال، فإن ذل المعصية يعلوهم، أبى الله إلا أن يُذِلَّ من عصاه».

فأهل المعصية مهما كانوا في نعيم فهم في ذل وفي صغار؛ فكيف إذا كانوا من أهل النفاق.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ (المنافقون: 9)

ثم جاء تحذير الله عز وجل لأهل الإيمان من المنافقين، ومن سلوك مسالكهم أو السير على منوالهم في الاغترار بالدنيا.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ (المنافقون: 9) لذلك قالوا هنا في المختصر وأحسنوا (ولما بيّن الله حرص المنافقين على البخل بالإنفاق للصد عن سبيل الله حذر المؤمنين من ذلك) يعني لا تكونوا بخلاء مثل المنافقين؛ ولكن أنتم مؤمنون فأنتم تعتقدون أنّ لله - سبحانه وتعالى - خزائن السماوات والأرض.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ (المنافقون: 9) قالوا هنا في المختصر (لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن الصلاة أو غيرها من فرائض الإسلام ) فذكر الله معناه : الصلاة ومعناه أيضًا عموم الذكر ( لا تشغلكم أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُكُمْ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ بما يدخل فيه الصلاة ) ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ ﴿وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُم﴾ ثمّ جاء الأمر بالإنفاق وفي هذا رد على صنيع المنافقين :-

﴿وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (المنافقون: 10)

﴿وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ﴾ (المنافقون: 10) ما معنى لولا هنا؟ أي هلا أخرتني ﴿إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (المنافقون: 10) يعني: إن تؤخرني إلى أجل قريب فأتصدق ﴿وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾، وهذا أحد الأوجه في عطف (وأكن ) على ما قبله.

ثم قال ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المنافقون: 11) وهذه الحقيقة واضحة وجلية، ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قال ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المنافقون: 11) وقوله ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المنافقون: 11) مناسب لحال المنافقين فإنهم يسرون خلاف ما يعلنون فقال ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المنافقون: 11).

مِنْ فَوَائِدِ الآيات

• الإعراض عن النصح والتكبر من صفات المنافقين.

• من وسائل أعداء الدين الحصار الاقتصادي للمسلمين.

• خطر الأموال والأولاد إذا شغلت عن ذكر الله.

قال الشيخ حفظه الله

مِنْ فَوَائِدِ الآيات

• الإعراض عن النصح والتكبر من صفات المنافقين.

أما الإعراض عن النصح فهذا في قوله سبحانه وتعالى ﴿لَوَّوْا۟ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ (المنافقون: 5) وأما الاستكبار والتكبر ففي قوله ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.

• من وسائل أعداء الدين الحصار الاقتصادي للمسلمين.

﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا۟ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا۟﴾ (المنافقون: 7) يقولون: نحاصرهم اقتصاديًّا، فحينئذ سيلجؤون إلينا، وحينئذٍ نملي عليهم ما نريد، وندعوهم إلى ما نريد ونأمرهم بالانسلاخ من أمور دينهم.

• خطر الأموال والأولاد إذا شغلت عن ذكر الله.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ (المنافقون: 9).

وبهذا نكون قد فرغنا بفضل الله وتوفيقه من التعليق على تفسير سورة المنافقون أو المنافقين وننتقل بفضل الله وتوفيقه إلى سورة التغابن.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة