لمحة في سورة الشرح
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
التعريف بسورة الشرح وصلتها بالضحى
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 يسرى ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَب﴾2 ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَب﴾ هذه السورة تسمى بسورة الشرح لأنَّ الله سبحانه وتعالى، في أولها قال للرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾3. وهذه السورة الجليلة، يا أيها الإخوة الكرام، مقصودها بيان منه الله سبحانه وتعالى، على النبي ﷺ عليه وآله وسلم وذكر بعض النعم التي أعطاها الله عز وجل له لاسيما يتعلق بالنعم المعنوية فالله جل وعلا قد أنعم على نبيه محمد ﷺ بنعم كثيرة، ومِنَن جليلة منها نعم حسية وأخرى معنوية فمن هذه النعم المعنوية ما ذكره الله في هذه السورة الكريمة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾4، وكذلك.
فإنَّ السورة الكريمة لها صلة وثيقة ورابط واضح بسورة الضحى. فإنَّ الضحى كذلك فيها امتنان من الله على نبيه ومصطفاه محمد ﷺ ﴿وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾5 ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾6 ﴿وَلَلْءَاخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلْأُولَىٰ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ﴾7 وتأمَّل! بعدها ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَـَٔاوَىٰ وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَىٰ﴾8 وهنا ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ كأن السورة تتواصل فربنا يقول ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾9 الله جل وعلا لن يتركك يا رسول الله، ولن يبغضك.
بل الله يتولاك ويحفظك ويحميك سبحانه وتعالى، ومن دلائل ذلك ما سبق من سابغ نعمة عليك ﴿إِلَّا﴾ تتذكر يا رسول الله أن الله قد شرح صدرك ويسر لك أمرك وأن الله قد أعلى ذكرك ورفعه فكل هذه من بديع الأسلوب الجليل أسلوب الاستفهام ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ وتقدم معنا أنَّ هناك سورًا من سور القرآن الكريم افتتحها الله بالاستفهام كما تقدم في قوله في سورة الفيل ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ﴾10 وهنا يقول الله سبحانه ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾11 يقول علماؤنا أن الاستفهام هنا استفهام تقريري، أي: الله يقرره بأن ويعلِّمه والرسول ﷺ يعلم ذلك فهو تقرير وتذكير، وفيه كذلك إبهاج لصدر الرسول عليه الصلاة والسلام، وشرح لصدره وإدخال للسرور عليه صلوات الله وتسليماته عليه فالله يقول ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ هذا يقال له: تقرير، وفيه كما قلت: تبهيج للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قالوا إن معناه قد شرحنا لك صدرك إذًا الم تتحول في.
المعنى إلى الإثبات، يعني: همزة الاستفهام التقريري حينما تدخل معها «لم» فإنها تفيد التقرير ويكون المراد حينئذ الإثبات أي: قد شرحنا لك صدرك. لكن هذا الأسلوب أبلغ فلم يقل قد شرحنا لك صدرك ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ بأسلوب الاستفهام لأنَّ الشخص منا حينما يسمع استفهامًا فإنَّه يصغي له أيما إصغاء ويقبل عليه وينتظر ظر أنه أو يترصد أو يحاول أن يجيب على السؤال المطروح عليه، وكأن الله يقول ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فيجيب قائلًا نعم يا رب قد شرحت لي صدري ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قد شرحت لي صدري فربنا سبحانه وبحمده قال له بهذا الأسلوب ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، ومعنى نشرح لك صدرك، يعني: نوسع لك صدرك نوسعه بماذا
معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ بالإيمان
بالإيمان والهدى والنور والتقوى والصلاة والفلاح فقد وسع الله صدر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ وتأمَّل! التعبير القرآني لم يقل ألم نشرح صدرك مباشرةً ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فأنت المقصود يا رسول الله صلى الله عليه وآله شرح الله عز وجل له صدره وأناره بالإيمان. وقد قال الله ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ﴾12 فإذا أراد الله هداية عبد شرح صدره للإسلام لذلك شرح الصدر من النعم العظيمة ولذا.
فإنَّ الكليم موسى عليه الصلاة والسلام حينما قال له الله عز وجل ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ماذا دعا أول الدعوات التي ذكرها الله في سورة طه قال ﴿رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى﴾13 فالإنسان إذا شرح الله صدره تيسرت له السبل وأقبل على طاعة الله وأقبل على تبليغ دعوة الله لأنه منشرح الصدر مستريح البال وهكذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾14 إذًا من النعم العظيمة، أن يشرح الله صدرك للطاعة فتقبل على الطاعة وأنت منشرح الصدر تقبل على الطاعة على قراءة القرآن على الصلاة على الذكر على الدعاء على صلة الأرحام على بر الوالدين وأنت منشرح الصدر هذه من لذة الإيمان ومن لذة الطاعة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ هذا.
قول شق الصدر وضيق صدر النبي أحياناً
المعنى عليه كثير من المفسرين. وقال آخرون: بل المراد بهذا الشرح ما وقع للرسول عليه الصلاة والسلام من شق صدره لأنه قد ثبت في السنة، أن الرسول عليه الصلاة والسلام، شق صدره «شق صدره وهو طفل واستخرج جبريل أو الملك منه مضغه وقال هذا حظ الشيطان منك» فكان هذا شق صدر الرسول. فقالوا: هذا معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ وحينئذ يكون هذا من قبيل التذكير بالنعمة الحسية يكون من باب التذكير بالنعمة الحسية وأيضًا ورد في السنة، أن الرسول عليه الصلاة والسلام، أيضًا فرج عن صدره صلى أو شُقَّ صدره ﷺ ومُلئ إيمانًا وحكمة.
وذلك في رحلة المعراج صلى الله عليه وآله وسلم فربنا يقول ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قد وسعنا لك صدرك، ولا يمنع هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام مع انشراح صدره قد يضيق صدره أحيانًا ولكن ضيق صدره من باب الغضب لله والغضب على انتهاك حرمات الله ثم أنه يعاود. الأمر فيصبر ويتسلى. ولذلك ربنا قال. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾15 أحيانًا يحدث له هذا.
لكن الأصل أن صدره متسع وما يضيق صدره إلا غضبا لله سبحانه وتعالى. ولذلك ربنا قال ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ﴾16 لم يقل وضيق قالوا: لأنَّ ضائق اسم فاعل بخلاف ضيق فإنها تدل على أنها صفة لازمه فهذه لم يوصف بها الرسول عليه الصلاة والسلام، بخلاف ما ذكر الله ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ17 ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا﴾ حرف لم يقل ضائقا ضيق هذا معناه: أنه ضيق ضيق ملازم له.
أما الله عز وجل فقد بيَّن أن الرسول عليه الصلاة والسلام، قد شرح الله له صدره وإن كان يحزن على ترك الناس الإيمان ﴿فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾18 ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ لذلك كان صدره متسعًا يسمع من الصغير والكبير ويسمع من البر والفاجر، ومن المؤمن والكافر، وكانت تأتي الأمة إليه فتأخذه ويقول لها.
معنى وضعنا عنك وزرك ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
انظري إلى أي: سكك المدينة شئت ويسمع منها عليه الصلاة والسلام، فكان يتحمل الشدائد والصعاب ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾1920 ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾21 ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾22 ووضعنا، يعني: حططنا عنك وزرك حملك الوزر الحمل، الأعباء، الثقل قال بعضهم: أي: اعباء الرسالة فهي اعباء شديدة.
لكن ربنا خففها عليه، يعني: أعانه عليها أعانه الله عليها وربنا قال ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾23 الوحي عظيم والله يسره له قال به بعض والذي قال به كثيرون ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾، يعني: ذنوبك. وقالوا، أي: التي كانت قبل مجيء النبوة إليك فقد وضعها الله عنك ثم أن الله قد غفر للرسول الذنوب كلها ما تقدم منها وما تأخر صلوات الله وتسليماته عليه وإن كان الرسول لا يقع منه شيء مزر ولا تقع منه الكبائر.
لكن ما يقع منه أو ما وقع منه قبل دعوته، وقبل رسالته ﷺ فإنَّ الله عز وجل لا يؤاخذه به. بل قد وضعه عنه ﴿ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾24 واستدل به بعضهم على وقوع بعض المعاصي الصغيرة من الأنبياء والمرسلين وأن هذا ليس بضائرهم لكنه لا يكون مُزريًا، ولا يكون متعلقًا بالنبوة والرسالة لأنَّ باب البلاغ لا يقع فيه خلل لأنهم مبلِّغون عن الله سبحانه وبعضهم يقول هذا من خلاف الأولى وما إلى ذلك إلى غير ذلك مما ليس المجال مجال التفصيل فيه ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾25 أصل مادة النقيض الصوت حصل سمع نقيضا، يعني: صوتًا، أنقض ظهرك، يعني: من شدة الحمل كان الظهر أحدث صوتًا والإنسان منا حينما يحمل اثقالا كثيرة على الظهر ماذا يحدث
يقول لك: ده ظهره طاطا، يعني: أحدث نقيضًا هذا معنى انقض ظهره، يعني: من كثرة الأحمال، وكان الله سبحانه وتعالى قد خفف عن الرسول، يبين أنه خفف عن الرسول عليه الصلاة والسلام، جميع الأعباء والأحمال وييسِّر له أمره بفضله سبحانه وتعالى، وإذا فسرنا الوزر بالذنوب. فهذا معناه:، أن الذنب يثقل كاهل صاحبه.
ولذلك ربنا قال في أصحاب الذنوب ﴿لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾26 فالإنسان إذا أذنب. فإنَّ هذا الذنب يثقله ثم يثقله فنسأل الله السلامة والعافية. قال الله سبحانه ﴿ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾. ثم قال ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾27. ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾282930 قال ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، يعني: أعلينا لك ذكرك وتأمَّل! أيضًا جمال التعبير القرآني كما قال ألم نشرح لك يقول ورفعنا لك، يعني: رفعنا ذكرك من اجلك ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قالوا، ومن رفع ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام أن اسمه صار مقترنًا باسم الله جل وعلا فإذا ذكرنا الله ذكرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ففي الأذان نقول «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» ونقول أشهد أن محمدًا رسول الله.
فهذا من الجليل وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن اشهده فح حينما يقول المؤذن أشهد فيشهد فيجمع بين الشهادتين. وهذا من رفع ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام، والواحد فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ اليوم إذا صلى صلاة هل ينتهي من صلاة دون أن يصلي على ﷺ يصلي على النبي
والله قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾31. وقال النبي ﷺ: «من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا» كل هذا من رفع ذكره وها نحن نجلس الليلة وغيرنا يجلسون في أماكن كثيرة لا عدد لها ولا حصر ومنهم من يصلي على الرسول ومنهم من يذكر مناقب الرسول وفضائل الرسول وشمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذا كله من رفع ذكره وهذا كله في مقابلة ما جاء في سورة الكوثر أن ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾32 المقطوع يقولون كل الأولاد الذين يولدون للنبي ماتوا وكل الذكور ماتوا ماتوا أو لم يموتوا أين هذا من شمائل الرسول الكريم ﷺ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾.
﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ وقاعدة «لن يغلب عسر يسرين»
ثم قال له مسليًا. وهذا الشق الثاني من السورة الشق الأول من السورة ثناء على الرسول وامتنان على الرسول وانعام على الرسول ﷺ والشق الثاني توجيهات للرسول عليه الصلاة والسلام. ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ يا رسول الله اصبر، يا رسول الله تحمَّل فقد وفقك الله وشرح لك صدرك واعطاك ما أعطاك وحينئذ فاعلم ﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾. ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ وتأمَّل! التعبير القرآني لم يقل هنا. فإنَّ بعد العسر يسر ﴿أَنَّمَا﴾ معه، يعني: أن اليسر قريب جدًّا في الآية الأخرى ﴿سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾33، وفي حق الرسول قال. ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾34، يعني: أن اليسر قريب جدًّا من وقوع العسر. ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾35 أن مرة أخرى للتأكيد ﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ وهنا وردت آثار وأقوال لأهل العلم «لن يغلب عسر يسرين» وليس بمرفوع إلى الرسول ﷺ أو لا يثبت مرفوعًا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وسبب ذلك أنهم قالوا إن العسر جاء معرفًا مرتين في الآيتين وأما.
أما اليسر فجاء منكرًا قالوا والمعرفة إذا تكررت كانت هي عين الأول غالبًا بخلاف النكرة فإنها إذا كُررت اختلفت. وهذه قاعدة أغلبية وربما لا تسلم في بعض الأحوال لذا طعن بعضهم في هذا المقام أصلًا كما صنع ابن عاشور. لكن حاصل القاعدة بما يناسب المقام لو أنَّك قلت: مثلًا اشتريت الكتاب وبعت الكتاب إذًا الذي اشترى هو الذي باع هو نفسه لكنك لو قلت: اشتريت كتابًا وبعت كتابًا يبقى ده حاجة وده حاجة
التوجيه بالعبادة والدعاء بعد الفراغ
ويبقى كتابين يبقى لو أنت نكرت يبقى دي حاجة ودي حاجة. لكن لما تقول الكتاب والكتاب مرتين يبقى هو نفسه فلما قال. ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قالوا إذًا هو العسر نفسه. وأما اليسر فهما مختلفان كأنهما يسران كذا قال بعض العلماء: لذلك قالوا «لن يغلب عسر يسرين»، يعني: أن اليسر الذي يجيء من الله ليس واحدًا وإنما هما اثنان وفضل الله لا حدود له. ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾. وقد ثبت عن النبي ﷺ «واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب» و﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال. ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾، يعني: إذا كان هؤلاء يؤذونك إذا كان هؤلاء يكفرون بك إذا كان هؤلاء يكذبون بك فلا تحزن، ولا تأسى قد كان أبو لهب وهو عمه يمشي خلفه يحذر الناس منه ويقول لا تسمعوا له ويقول تبا لك ويقول ما يقول ويفعل المشركون ما يفعلون ويطردونه من بنته وها هو الرسول عليه الصلاة والسلام، يعود إلى مكة فاتحًا منتصرًا ثم يفتح الله قلوب العباد ويفتح الله البلاد ويدخل الناس في دين الله أفواجًا وها هم الناس من العرب والعجم، ومن الشرق، ومن الغرب يلهجون نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَب﴾36 إذا علمت هذا وعلمت ﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فقد تلقى بعض العناء. وقد تلقى بعض المشاق فإذا فرغت أول ما تجد فرصة للتفرغ للعبادة ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَب﴾37، يعني: فاتعب في عبادة ربك سبحانه وتعالى، أول ما تجد فرصة أنك أنت تلاقي خلاص ما فيش مشكلات ما فيش هموم ما فيش كروب تعمل إيه؟ تتوجه للعبادة فإذا فرغ.
وقال بعضهم: إذا فرغت من عبادة فاتجه إلى عبادة أخرى إذا فرغت من باب خير فاتجه إلى باب آخر فانصب المراد بالنصب هنا التعب والجهد في طاعة الله سبحانه وتعالى، والبذل والتضحية ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَب﴾ ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَب﴾. وقال بعض العلماء. بل معنى فإذا فرغت أي: فإذا فرغت من العبادة من الطاعة من الصلاة فاجتهد في الدعاء.
ولذلك استدل بعضهم على مشروعية الدعاء دبر الصلوات. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ «لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». فقالوا: هذا مما يشرع فإذا فرغت من العبادة فتقرب إلى الله بالدعاء حتى يتقبلها الله أو حتى يتقبل الله منك هذا العمل ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَب﴾ ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَب﴾، يعني: وإلى ربك وحده لذلك قدم هنا إلى ربك وهو في الأصل حقه التأخير فأرغب إلى ربك فأفاد الحصر أي: وإلى ربك وحده فارغب، يعني: اجعل توجهك واجعل رغبتك واجعل لجوءك وأجعل طمعك في الله سبحانه وتعالى، وحده فهو الذي يعطي وهو الذي يمنع وهو الذي يعز وهو الذي يذل لأنه مالك الملك سبحانه وتعالى، وهكذا.
يا أيها الإخوة الكرام، فهذه سورة جليلة عظيمة مع وجازة ألفاظها إلا أنها حوت هذه المعاني الجليلة وغيرها وحوت معاني غيرها كثيرة حوت معاني كثيرة أخرى لكننا اقتصدنا واجتزانا بشيء يسير منها فيها امتنان على الرسول عليه الصلاة أو تذكير لما أنعم الله به على الرسول عليه الصلاة والسلام، وفيها توجيه له بالصبر والثبات والبذل والتضحية والمواظبة على طاعة الله سبحانه وتعالى، والرغبة في الله فنسأل الله، أن يجعلنا من الراغبين فيه المتوكلين عليه وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح اللهم اشرح صدورنا ويسر لنا أمورنا واغفر ﴿لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾ هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَب﴾ — كما ورد في الدرس: الشرح 7-8 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشرح 1 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشرح 1-4 ↩
- آية: ﴿وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الضحى 1-2 ↩
- آية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الضحى 3 ↩
- آية: ﴿وَلَلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلْأُولَىٰ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: الضحى 4-5 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَـَٔاوَىٰ وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الضحى 6-8 ↩
- آية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ — الضحى: 3 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ﴾ — كما ورد في الدرس: الفيل 1 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ — الشرح: 1 ↩
- آية: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 125 ↩
- آية: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى﴾ — كما ورد في الدرس: طه 25-26 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ — الشرح: 1 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 97 ↩
- آية: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 12 ↩
- آية: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 125 ↩
- آية: ﴿فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 6 ↩
- آية: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشرح 1-4 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ — الشرح: 1-4 ↩
- آية: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشرح 2 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ — الشرح: 1 ↩
- آية: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: المزمل 5 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشرح 3 ↩
- آية: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ — الشرح: 2-3 ↩
- آية: ﴿لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 25 ↩
- آية: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ — الشرح: 4 ↩
- آية: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ — الشرح: 5 ↩
- آية: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الشرح 5 ↩
- آية: ﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الشرح 6 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 56 ↩
- آية: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ — كما ورد في الدرس: الكوثر 3 ↩
- آية: ﴿سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الطلاق 7 ↩
- آية: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ — الشرح: 5 ↩
- آية: ﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ — الشرح: 6 ↩
- آية: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَب﴾ — كما ورد في الدرس: الشرح 7 ↩
- آية: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَب﴾ — الشرح: 7-8 ↩
من سلسلة: لمحة في سورة (134 درسًا)