مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سلسلة آية ورسالة 29 لفضيلة الش

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 39 من 376 · 12 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ والقسم بالقلم
  2. نفي الجنون وثناءات الخلق في الوحي
  3. خلقه القرآن وإتمام مكارم الأخلاق
  4. حسن الخلق يبلغ درجة الصائم القائم
  5. أخلاق المسلم حتى لا يشمت أعداء الإسلام
التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ والقسم بالقلم

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

ومع آية ورسالة الحمد لله رب العالمين وأُصَلِّي وأُسَلِّمُ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بهذه السلسلة آية ورسالة وآية الليلة من سورة القلم قال الله جل وعلا فيها

وهو يثني على نبيه محمد صلوات الله وتسليماته عليه قال له عز من قائل ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾2 (القلم: 4) فنقف مع هذه الآية الكريمة بعض الوقفات

قال الله ﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾3 (القلم: 1-4) فقد أقسم الله عز وجل بالقلم وما يسطرون على أن الرسول عليه الصلوات والسلام ليس بمجنون وأن أجره محفوظٌ

وأن أجره غير مقطوع وأقسم كذلك على أنه عليه الصلاة والسلام لعلى خلق عظيم

لعلى خلق عظيم دخلت اللام. أيضًا التي تدل على معنى التأكيد ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ثم وصف الخلق. أيضًا بأنه عظيم فلم يقل وإنك لعلى خلق حسن وإنَّما قال وإنك لعل خلق عظيم

والتعبير بعلى في قوله وإنك لعلى يدل على تمكنه صلوات الله وتسليماته. عليه من تحقيق هذه الأخلاق الفاضلة العظيمة.

كقوله سبحانه ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾4 (البقرة: 5) فهو يدل على تمكن المؤمنين من الهدى، ويدل كذلك على استعلائه بالهدى، وكذلك فالرسول عليه الصلاة والسلام عالٍ بأخلاقه العظيمة وهو متمكن منها وهي راسخة فيه صلوات الله وتسليماته عليه

واقتران قوله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ بقوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ دليل على أن صاحب الخلق العظيم لا يمكن أن يكون مجنونًا

فالمجنون تصدر عنه أشياء غير مدركة غير عاقلة صاحبها لا يُسأل عنها ولا يدري ماذا يفعل أو ماذا يقول أما الرسول عليه الصلاة والسلام فكيف يرمى بالجنون وهو صاحب الخلق الحَسَنِ الفريد العظيم صلوات الله وتسليماته عليه

نفي الجنون وثناءات الخلق في الوحي

فهو أبعد الناس عن ذلك أعني عن الجنون وما إلى ذلك لأنه ذو الخلق العظيم ﷺ ليس بعجيب أن يثني ربنا سبحانه وتعالى على الرسول بذلك؛ فإنَّ منزلة الرسول عند ربه معروفة وجلية وكم أثنى الله على الرسول في القرآن الكريم

بما يدل على أنواع من الأخلاق العظيمة ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ﴾ ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ (النجم: 11) ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾5 (الشرعح: 1-3)

وقال. أيضًا ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾6 (الشرعح: 4) إلى غير ذلك من هذه الثناءات العظيمة وقال الله عز وجل في حقه ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾7 (آل عمران: 159) وقال في حقه ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾8 (التوبة: 128) صلوات الله وتسليماته عليه

الرسالة التي نأخذها من هذا المعنى الجميل الذي بيَّن الله فيه قدر الرسول الكريم ﷺ الرسالة الأولى تعلموا من أخلاق رسول الله «صلى الله عليه وسلم»

فإذا كنا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ فلا ينبغي أن نغفل عن سيرته ولا ينبغي أن نبتعد عن هديه وعن أخلاقه «صلى الله عليه وسلم»

ولما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلق نبي الله فقالت: «أولست تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإنَّ خلق نبي الله القرآن» فالنبي ﷺ كان خلقه القرآن صلوات الله وتسليماته عليه والرسول «صلى الله عليه وسلم» قال: «﴿أَنَّمَا﴾ بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

خلقه القرآن وإتمام مكارم الأخلاق

وفي لفظ: «لأتمم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأخلاق» فلا يليق بك وأنت مسلم موحد متبع لنبيك ﷺ ﴿إِلَّا﴾ تكون ذا خلق حسن لذا ربط الدين بين الإيمان والأخلاق

ربط الدين بين الإيمان والأخلاق والرسول عليه الصلاة والسلام قال «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» وقال عليه الصلاة والسلام «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ»

شخصٌ قد لا يصوم النوافل ولا يقوم من الليل لكنه على خلق حسن إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم. فالرسالة ما أحوجنا إلى الأخلاق الحسنة

لكن نصلي في المسجد ونزكي ونصوم ونحج ونترك الأخلاق الفاضلة لا ينبغي هذا وإنَّما صلاتنا تأمرنا بالأخلاق الفاضلة ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ﴾. والمنكر

. وهكذا العبادات كلها فالدين كله متماسك ومترابط فمن ازداد إيمانه ازدادت أخلاقه حسنًا بفضل الله سبحانه وتعالى. وقد قال غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقاً

كان أحسن الناس خلقا أنس بن مالك رضي الله عنه الذي خدم الرسول عشر سنوات ومعروف أنَّ الإنسان يتساهل مع خادمه ما لا يتساهل مع غيره. يعني: أنت إذا نزل عليك ضيف أو إذا نزل عليك رجل ذو مكانة لا بد أنَّك ستعامله مُعَامَلَةً حَسَنَةً / جَيِّدَةً جيدًا في الأصل

وما قال لشيء لم أفعله: ﴿إِلَّا﴾ فعلت كذا، ولا لشيء فعلته: لِمَ فعلته لا يسأله الرسول عليه الصلاة والسلام على ذلك أو كما جاء عنه رضي الله عنه وهو في خدمته لمدة عشر سنوات صلوات الله وتسليماته عليه. فهذا خلق رفيع لذلك قال بعض العلماء: لو لم يكن للنبي ﷺ معجزة إلا سيرته لكفت

حسن الخلق يبلغ درجة الصائم القائم

فلو لم تكن للنبي معجزات غير السيرة العطرة التي عاشها لدلت تلك السيرة على أنه رسول الله مش ممكن ده يكون بالحج غير الرسول ﷺ لو لم تكن فيه آيات مبينة لكانت بديهته تنبيك بالخبر، بديهته تنبيك بالخبر. ولذلك كان الرسول ﷺ من رآه لأول مرة هابه

فهذه الرسالة الأولى نتعلم من سيرة الرسول نتعلم من أخلاق الرسول ﷺ الرسالة الثانية

كونوا على أخلاق حسنة حتى لا تشمتوا أعداء الإسلام في الإسلام فمن الآفات الكثيرة -وهذا خطأ ابتداء- أن يُرمى الإسلام بأخطاء معتنقيه وأنا دومًا أقول لا ينبغي أن يحاكم الإسلام إلى أخطاء بعض المسلمين؛ إذا أخطأ بعض المسلمين وفعلوا بعض الأفعال المشينة التي لا ترضي الله رب العَالَمِينَ

فالخلل منهم لا من الإسلام الخلل من هؤلاء من أفكارهم السقيمة من أفهامهم الباطلة من آرائهم السقيمة لأنهم ما تعلموا حقًّا أما الإسلام فهو بريءٌ، ورسولُ الإسلام ﷺ بريءٌ ﷺ فهو بريء من ذلك فأنت حينما تكون مسلمًا مطبقًا للأخلاق الفاضلة في. بيتك

وفي خارج منزلك تكون مثلًا عظيمًا ونموذجًا كبيرًا لمن يتبع الرسول عليه الصلاة والسلام. ولذلك قالوا: إن كثيرًا من الناس دخلوا الإسلام في بلاد آسِيَا وأَفْرِيقِيَا وما إلى ذلك بسبب من بسبب أخلاق التجار المسلمين

تجي تبص للتاجر المسلم: أمانة، صدق، احترام للصلاة، الأذان يحضر يقوم يصلي، ما عنده غش، ما عنده خداع، ما عنده خيانة! يقولوا: إيه الدين اللي أنت بتتعامل به ده؟ ! فيقولوا: دين الإسلام، فيقولوا: هَيَّا ندخل في دين الله سبحانه وتعالى!

لكن الآن كثير من المسلمين فرطوا في معاملتهم وفي سلوكياتهم فابتعدوا كثيرًا عن الأخلاق الفاضلة. وقد علمنا الله عز وجل فقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾9 (الأحزاب: 21). ولذلك من الله سبحانه وتعالى علينا منذ بضع سنوات ونحن في هذه السلسلة التي نتكلم فيها عن الرسول عليه السلام هكذا كان النبي ﷺ فتكلمنا عن الرسول شاكرًا الرسول صابرًا الرسول رحيمًا الرسول حليمًا الرسول حكيمًا كيف كان الرسول أبًا وكيف كان جدًّا كيف كان مع أزواجه كيف كان مع أولاده. كيف. كان مع أصحابه كيف كان مع الأعداء

كل ذلك نتعلَّمه من هدي رسول الله ﷺ فنسأل الله كما حسَّن خَلْقنا أن يحسِّن أخلاقنا. وقد كان من دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام «اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت» فاللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال

أخلاق المسلم حتى لا يشمت أعداء الإسلام

لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت اللهم وفقنا لما تحب وترضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 4 ↩
  3. آية: ﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ۝ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ۝ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ۝ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 1-4 ↩
  4. آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 5 ↩
  5. آية: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ۝ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ۝ ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشرح 1-3 ↩
  6. آية: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشرح 4 ↩
  7. آية: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 159 ↩
  8. آية: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 128 ↩
  9. آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة