سورة التغابن
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
ســــــورة التغابن
سورة التغابن - مدنية -
مقاصد السورة
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] التحذير مما تحصل به الندامة والغبن يوم القيامة.
قال الشيخ حفظه الله
نعم سورة التغابن سورة مدنية. وهذا واضحٌ وجليٌّ أيضًا، وقد ورد لبعض هذه الآيات سبب النزول. كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ مِنْ أَزْوَٰجِكُمْ وَأَوْلَـٰدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ﴾ (التغابن: 14) وهذا فيما وقع من بعض الصحابة الذين تأخروا عن الهجرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ففاتهم ما فاتهم من العلم بسبب منع أزواجهم وأولادهم لهم، فهذا يدل على أنّ هذا كان بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم –
قالوا من مقاصد السورة (التحذير مما تحصل به الندامة والغبن يوم القيامة) فالسورة أيضًا سورة فيها تحذير فإذا كانت سورة المنافقين، كانت فيها تحذير من أهل النفاق فكذلك سورة التغابن فيها تحذير مما تحصل به الندامة والغبن يوم القيامة؛ وإن شئت فقل إن السورة تتحدث عن يوم التغابن عن يوم القيامة. وما الذي ينبغي للمسلمين أن يحترزوا منه؟ وما الذي ينبغي للمسلمين أو المؤمنين أن يحافظوا عليه؟ فهي سورة التغابن. وقد جاء فيها ذكر يوم التغابن ولم يتكرر في القرآن الكريم بهذا اللفظ. قال الله ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾ (التغابن: 9) فإن شئت فقل : هي سورة التحذير من الوقوع في الغبن يوم القيامة. سورة التحذير من الوقوع في الغبن يوم القيامة. نعم
قال الشيخ حفظه الله
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التغابن: 1)
نعم. قال الله سبحانه ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التغابن: 1) هذه السورة إحدى المسبحات أيضاً، فهي إحدى السور التي افتتحها الله عز وجل بالتسبيح. وجاءت صيغة التسبيح فيها بالفعل المضارع. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾ (التغابن: 1) ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ يستحق أن يحمد وحده - سبحانه وتعالى - الحمد الذي يليق به عز وجل. فقال ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾ (التغابن: 1) لذلك قالوا هنا في المختصر (له وحده الملك فلا مَلِكَ غيره ) يعني فلا ملك لأحد إلا الله سبحانه وتعالى. فلا مالكَ غيره عز وجل، يعني لا مالك إلا الله - سبحانه وتعالى - لِمَ؟ لأنه قال ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ﴾ (التغابن: 1) فتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، قال ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌۢ﴾ (التغابن: 1).
﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (التغابن: 2)
﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ (التغابن: 2) إذن الناس ينقسمون إلى قسمين، هناك الكافر وهناك المؤمن. ثم بعد ذلك هناك أقسام داخل كل قسم ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ (التغابن: 2) المؤمنون متفاوتون، والكفار كذلك متفاوتون. وبدأ هنا بقوله ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ﴾ ولعله - والعلم عند الله - لأنّ الكافرين أكثر. على أن وأو العطف لا تفيد الترتيب في الأصل، وفي بعض المواضع تجد أنّ رب العزة - سبحانه وبحمده - يقدم الخاسرين أو يقدم غير القريبين منه - سبحانه وتعالى -؛ ولذلك لا يلزم أن يكون الأمر على الترتيب ﴿أَنَّمَا﴾ هذا بحسب ما يناسب السياق. لذلك قال الله ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (هود: 105) [هود: 105]، فبدأ بالشقي. وقال أيضًا ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ﴾ (فاطر: 32) [فاطر: 32] فبدأ بالظالم لنفسه، وهنا ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (التغابن: 2).
﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (التغابن: 3)
تحليل مقارن وربط بين السور
﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ (التغابن: 3) كما قال ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين: 4) ومن حُسنِ صورة الإنسان أن الله خلق الإنسان منتصباً، فانتصاب الإنسان نعمة عظيمة جدًّا؛ أي أنه غير منكبٍ، انظر إلى الحيوانات كلها وهي تكون مُنْكَبَّة؛ وأما الإنسان فهو منتصب يرفع قامته، وهذه عزة، وهذا تكريم من الله ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ (الإسراء: 70) [الإسراء: 70]، قال الله سبحانه ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ وتجد أن هذه الأوصاف التي ذكرها الله في سورة التغابن مناسبة لقضية البعث. ولذلك ذكر هنا أنّ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وأنّ له الحمد ﴿وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وأنه بما تعملون بصير، وأنّه الخالق وأنّه العليم. وكل هذا مناسب للبعث وأن البعث حق. لذلك قال الله سبحانه:﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ فَذَاقُوا۟ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (التغابن: 5)
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَقَالُوٓا۟ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا۟ وَتَوَلَّوا۟﴾ (التغابن: 6) وهذه مقولة يرددها المشركون كما تقدم مراراً ﴿فَقَالُوٓا۟ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ (التغابن: 6) كيف يهدينا البشر؟ ولذلك قالوا هنا في المختصر (فقالوا مستنكرين) إذن الاستفهام في قوله ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ للاستنكار أو استفهام إنكاري : أن تكون الرسل من جنس البشر، أبشر يرشدوننا إلى الحق، فكفروا وأعرضوا مع أنهم قبلوا أن يكون الإله من الحجر كما تقدم، قال ﴿وَّٱسْتَغْنَى ٱللَّهُ ۚ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ (التغابن: 6).
﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَن لَّن يُبْعَثُوا۟ ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن: 7)
﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَن لَّن يُبْعَثُوا۟﴾ (التغابن: 7) لذلك قلت إنّ الآيات السابقة فيها دلائل على قدرة الله وعلى علم الله وعلى أنّه ﴿عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَمِنْ﴾ ثم فلا يعجزه شيء القادر على البعث والنشور. ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن: 7) قد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله، وأحسن فيما قال، أن هناك ثلاث آيات في القرآن أمر الله نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن يقسم على أنّ البعث حق هذه إحدى الآيات الثلاث ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن: 7)، الثانية ﴿وَيَسْتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّ﴾ (يونس: 53) [يونس: 53]، والآية الثالثة في سورة سبأ : ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (سبأ: 3) [سبأ: 3] فهذه ثلاث آيات، أمر الله فيها نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقسم على أنّ البعث حق ثم قال الله ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن: 7).
﴿فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلْنَا ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (التغابن: 8)
﴿فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلْنَا ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (التغابن: 8) ما المراد بالنور الذي أنزلنا؟ القرآن الكريم. هذا هو النور : ﴿قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ﴾ (المائدة: 15).
قال ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾ (التغابن: 9) هنا قالوا في التفسير (اذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول ) إذاً قوله ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ (التغابن: 9) نُصِبَ بماذا؟ قدروا له فعلاً وهو (اذكر) (اذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول يوم يجمعكم ليوم الجمع) وما المراد بيوم الجمع؟ هو يوم القيامة، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ﴾ (التغابن: 9) يحتمل أنّ اللام هنا تعليلية، يعني : يوم يجمعكم من أجل يوم الجمع، يعني : أنّ الله سبحانه وتعالى يبعثكم لأجل أن يجمع الناس كلهم للحساب. وحينئذٍ لا يكون هناك تكرار بقوله ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ﴾ (التغابن: 9) يعني يبعثكم من أجل جمع الناس كلهم للبعث أو للحساب. أو أنّ قوله ﴿لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ﴾ (التغابن: 9) يعني في يوم الجمع : فتكون (اللام) بمعنى ( في )؛ كما في قوله سبحانه وتعالى يقول ﴿يَـٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى﴾ (الفجر: 24) [الفجر: 24]، يعني : قدّمتُ في حياتي على قول كثير من المفسرين. أو أنها بمعنى (عند ) والمعنى يوم يجمعكم (عند ) يوم الجمع، يعني في هذا الوقت كقوله ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ (الإسراء: 78) [الإسراء: 78]، يعني : عند دلوك الشمس.
﴿ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾ (التغابن: 9) يعني : اليوم الذي فيه غبنٌ شديد وغبنٌ كثير، أصل مادة في التغابن تدل على الغبن أو هي مأخوذة من الغبن، والأصل فيه أن يأخذ البائع ثمناً دون ما تستحقه السلعة، فيقال: غُبِن فلانٌ في سلعته، تساوي ألفًا فيبيعها بأقل من ذلك بكثير، فيقال غُبِنَ فلان، والأصل في ذلك أن يكون هناك بائع ومشتري، أو أن يكون هناك طرفان، لذلك هنا جاء التعبير ﴿ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾ (التغابن: 9).
والأصل في التغابن أنّه على ( تفاعل )، هذا يعني : أنّ هناك غابناً ومغبوناً، فلذلك فسروا هنا في المختصر (وقالوا حيث يرث المؤمنون منازل أهل النار في الجنة ويرث أهل النار منازل أهل الجنة في النار ) فيكون من ذلك أن التغابن يعني : غبن أهل الجنة أهل النار بأن ورثوا ما لهم، فهذا هو أحد المعنيين في هذه الآية.
وإلّا فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : التغابن تفاعل لكن المراد به الشدة والكثرة. أي ذلك يوم الغبن الشديد والكثير، ذلك يوم الغبن الشديد والكثير.
قال الله ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ (التغابن: 9) ولذلك العاقل هو الذي يدرك حقيقة الأمر؛ وأن ما يفوته من الدنيا لا ينبغي أن يفوته النصيب الأوفى من الآخرة. ولذلك H0.
مِنْ فَوَائِدِ الآيات
• من قضاء الله انقسام الناس إلى أشقياء وسعداء.
• من الوسائل المعينة على العمل الصالح تذكر خسارة الناس يوم القيامة.
قال الشيخ حفظه الله [مِنْ فَوَائِدِ الآيات ]
• من قضاء الله انقسام الناس إلى أشقياء وسعداء : ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ (التغابن: 2).
• من الوسائل المعينة على العمل الصالح تذكر خسارة الناس يوم القيامة :هذا يعين على العمل الصالح حينما تعلم أن هؤلاء سيكونون مغبونين فإنك تحذر من هذا فتعمل الصالحات ولذلك قال الله بعدها ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ﴾ (التغابن: 9) إلى آخر الآية الكريمة.نعم
قال الشيخ حفظه الله
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (التغابن: 10)
نعم قال الله سبحانه ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (التغابن: 10) بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى حال من يؤمن بالله سبحانه وبحمده ويعمل الصالحات، ذكر حال الكافرين الذين كذبوا بآيات الله، قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (التغابن: 10) أي : (وقبح المصير مصيرهم).
ثم قال: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (التغابن: 11)
وهذا معنى جميلٌ وجليلٌ : ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (التغابن: 11) «ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك»، وكل شيء بقدر. ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (التغابن: 11) وتقدم معنا نظير هذه الآية في سورة الحديد. لذلك قال الله ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا۟ بِمَآ ءَاتَىٰكُمْ﴾ (الحديد: 23) [الحديد: 23]، فحينئذٍ لا يحزن الإنسان على ما فات، ويرضى بقسمة الله - سبحانه وتعالى - ويكون مستجيبًا لتعاليم الله، ويكون راضياً بقضاء الله، ولذلك قالوا هنا في المختصر ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ﴾ (التغابن: 11) قالوا (ومن يؤمن بالله وقضائه وقدره يوفق الله قلبه بالتسليم لأمره والرضا بقضائه، والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء) ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ﴾ (التغابن: 11) ولذلك قالوا: آمِنْ تَهْتَدِ. بعض الناس يعلق الهداية، ولا يستجيب لها، ويُسَوِّف فيها ويتردد فيقال له : آمن فإذا آمنت هداك الله - سبحانه وتعالى -، وأرشدك إلى الحق والصواب.
﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ﴾ (التغابن: 11) فإنْ قال قائل: أو ليست الهداية متقدمة، والإنسان يهتدي؛ فإذا اهتدى آمن؟ فيقال : الهداية تتقدم وكذلك تلحق، فيهديه الله فيؤمن، وإذا آمن هداه الله سبحانه للثبات على الإيمان وهداه الله للتسليم والرضا والتوكل عليه عز وجل ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ﴾ (التغابن: 11) ولذلك المؤمن تراه في رضا وتراه في انشراح صدره بفضل الله - عز وجل - وقد ورد في قراءة لكنّها شاذة لكن نذكرها من باب أنها معناها صحيح. (﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ﴾) يعني الذي يؤمن بالله تجد في قلبه الهدوء والسكينة بفضل الله سبحانه وتعالى.
ثم قال ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ (التغابن: 12) ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ (التغابن: 13) قالوا في المختصر أي (الله هو المعبود بحق، لا معبود بحق غيره.) هذا معنى لَّآ إِلَٰهَ ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾. ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ (التغابن: 13).
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ مِنْ أَزْوَٰجِكُمْ وَأَوْلَـٰدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا۟ وَتَصْفَحُوا۟ وَتَغْفِرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التغابن: 14)
ورد لهذه الآية سبب نزول أخرجه الترمذي في سننه وحكم على الرواية بأنها - حسن صحيح - أو أن الحديث حسن صحيح، وقد جاء من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنّ رجلاً أو أنّ جماعة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أرادوا الهجرة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعهم أزواجهم وأولادهم عن الهجرة فأقاموا ثم هاجروا، فوجدوا الصحب الكرام قد فَقِهُوا وقد فاقوهم في العلم والفضل فتحسَّروا لذلك وكادوا يُنزلون العقاب بأهاليهم. فأنزل الله الآية ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ مِنْ أَزْوَٰجِكُمْ وَأَوْلَـٰدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا۟ وَتَصْفَحُوا۟ وَتَغْفِرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التغابن: 14).
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ مِنْ أَزْوَٰجِكُمْ وَأَوْلَـٰدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ﴾ (التغابن: 14) فينبغي للإنسان أن يحذر؛ فإنَّ الزوجة قد تصده عن سبيل الله، وقد تجعله بمنأى عن طاعة الله فليحذر، وكذلك الأولاد ﴿فَٱحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا۟ وَتَصْفَحُوا۟ وَتَغْفِرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التغابن: 14) أمّا عن العفو : فهو ترك المعاقبة على الذنب بعد الاستعداد لها وربما كان مع التوبيخ، يعني قد يقع العفو لكن مع توبيخ؛ لكنّه يعفو. وأما الصفح : فهو إعراض عن الذنب، فيكون فيه ترك العقاب بدون توبيخ. والمغفرة: ستر الذنب وعدم إشاعته. فكأنها مراتب يترتب بعضها على بعض، ويتصل بعضها ببعض.
﴿وَإِن تَعْفُوا۟ وَتَصْفَحُوا۟ وَتَغْفِرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التغابن: 14) يعني الجزاء من جنس العمل، فمن عفا وصفح وغفر، غفر الله له. ثم قال ﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (التغابن: 15) ابتلاء واختبار ﴿وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التغابن: 15).
﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16) هذه قاعدة عظيمة جداً ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16) ولك أن تقول إنّ قوله ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16) تجمع بين كونها تكليفاً وتخفيفاً :
فقوله ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16) فيه أنّ الإنسان لا يُكلَّف إلا بما يستطيع؛ فبذلك تخفيفٌ عنه ذلك أيضًا وتكليفٌ له، فما كان في وسعك وفي استطاعتك لا تُقصِّر فيه.
﴿وَٱسْمَعُوا۟ وَأَطِيعُوا۟ وَأَنفِقُوا۟ خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (التغابن: 16) تقدم مثل ذلك ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في سورة الحشر.
﴿إِن تُقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَـٰعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (التغابن: 17) وهنا كما ترون في خِتَام السورة دعوة إلى الإنفاق، كما جاء أيضًا في ختام سورة المنافقون. وهذا من المناسبة بين أواخر السورتين : الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله.
﴿إِن تُقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَـٰعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (التغابن: 17) وقوله ﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ مناسب لقوله ﴿يُضَـٰعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (التغابن: 17) وقوله (حَلِيمٌ) مناسب لقوله ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾.
نقل من المختصر وبيانُه
قالوا هنا في المختصر شكور : (يُعطى على العمل القليل الأجر الكثير) فهو الشكور سبحانه، وهو الحليم (الذي لا يعاجل بالعقوبة ) ﴿عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (التغابن: 18).
مِنْ فَوَائِدِ الآيات
• مهمة الرسل التبليغ عن الله، الهداية فهي بيد الله.
• الإيمان بالقدر سبب للطمأنينة والهداية.
• التكليف في حدود المقدور للمكلَّف.
• مضاعفة الثواب للمنفق في سبيل الله.
قال الشيخ حفظه الله [مِنْ فَوَائِدِ الآيات ]
• مهمة الرسل التبليغ عن الله، الهداية فهي بيد الله : قال الله ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ (التغابن: 12) هذه مهمة الرسول؛ وأمّا الهداية فهي بيد الله سبحانه وتعالى.
• الإيمان بالقدر سبب للطمأنينة والهداية : - وذلك في قوله ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ﴾ (التغابن: 11). ولذلك أجمع عقلاء كل أمة على (أنّ من لم يجرِ على قدر الله لا يهنأ بعيشه ) كما قال إبراهيم الحربي رحمة الله تعالى، فالذي لا يجري على قدر الله ولا يؤمن بقدر الله لا تراه في هناء ولا تراه في سعادة.
• التكليف في حدود المقدور للمكلَّف : وذلك في قوله ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16).
• مضاعفة الثواب للمنفق في سبيل الله : ﴿إِن تُقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَـٰعِفْهُ لَكُمْ﴾ (التغابن: 17).
بعد هذا ننتقل بإذن الله جل وعلا إلى تفسير سورة الطلاق
بعد أن انتهينا من سورة التغابن، ونسأل الله العون والتوفيق.
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)