مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الطلاق

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 49 من 103 · 37 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

التعريف بالسورة

سورة الطلاق - مَدَنية-

مقاصد السورة

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] بيان أحكام الطلاق وتعظيم حدوده سبحانه وتعالى.

قال الشيخ حفظه الله

نعم سورة الطلاق سورة مدنية. وهذا أيضًا نَقَل عدد من أهل العلم الاتفاق عليه، فهي سورة مدنية نزلت بعد هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم - وحديثها عن بعض الأحكام التشريعية التي تتعلق بقضية الطلاق. قالوا هنا من مقاصد السورة (بيان أحكام الطلاق ) وهذا ظاهر جداً، فالسورة الكريمة لا سيما الجزء الأكبر منها من أولها يتحدث عن أحكام الطلاق، وتعظيم حدوده - سبحانه وتعالى –

كما أنّ السورة الكريمة : فيها بيان ثمرات التقوى ففيها حديث عن التقوى وحث على تقوى الله عز وجل، ولذلك تجدون في السورة الكريمة تجدون قول الله في أولها ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ (الطلاق: 1) ثم بعد ذلك (وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ ) قال ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مِنْ أَمْرِهِۦ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 4) وقال ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعْظِمْ لَهُۥٓ أَجْرًا﴾ (الطلاق: 5) وأيضاً قال ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ (الطلاق: 10) وهذا فيه أنّ من أعظم ما يعين العبد على امتثال الأوامر واجتناب النواهي : تقوى الله سبحانه وتعالى، فمن كان لله أتقى كان لأحكام الله أطوع. وكان أكثر استجابة وعلى قدر تقوى العبد تكون استجابته لأوامر الله وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسورة كاملة تسمى بهذا الاسم سورة الطلاق، للدلالة على عِظَمِ شأن هذا الأمر، وأنّ الطلاق أمره عظيم وأمره خطير.

وفيه أيضًا أنّ القرآن الكريم كما حدثنا عن العقائد وحدثنا عن اليوم الآخر فإنه حدثنا عن الأحكام. ولم يحدثنا عن العبادات فحسب؛ وإنما حدثنا عن المعاملات، فالقرآن الكريم فيه الخير والبركة، وفيه الخير والنفع للعباد. وكذا سنة رسوله محمد عليه وسلم. فديننا تام وكامل وشامل وفيه الخير كله بفضل الله عز وجل. نعم.

قال الشيخ حفظه الله

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا۟ ٱلْعِدَّةَ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ لَا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ (الطلاق: 1)

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا۟ ٱلْعِدَّةَ﴾ (الطلاق: 1) هذه السورة الكريمة افتتحها الله عز وجل بالنداء لرسوله محمد -صلى الله عليه وسلم - بوصف النبوة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ﴾ (الطلاق: 1) وهذا أيضًا جاء في صدر سورة الأحزاب ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ (الأحزاب: 1) وكذلك في سورة التحريم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ﴾ (التحريم: 1) ونادى الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأوصاف أخرى كقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ (المزمل: 1) وقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ (المدثر: 1) فهذه نداءات افتتح الله عز وجل بها بعض سور القرآن، وكان فيها النداء لرسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وهنا قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ (الطلاق: 1) ولم يقل يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي ( إذا طلقتَ النساء ) وكأن الأمة كلها تمثلت في شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعد أن كان النداء له منفرداً، جاء توجيه الخطاب للمؤمنين كلهم وللأمة جمعاء، ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ (الطلاق: 1) وهذا فيه أنّ الأمر جد خطير بحيث توجه ابتداءً لشخص رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وبعضهم يقدِّر فيقول : (يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي - ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ للمؤمنين - إذا طلقتم النساء) ولا حاجة للتقدير والعلم عند الله.

﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا۟ ٱلْعِدَّةَ﴾ (الطلاق: 1) وهذا معناه أنّ الطلاق موجود في ديننا، لكن له ضوابط وقواعد. ولذلك قال عدد من الفقهاء إنّ الطلاق يكتنفه الأحكام الخمسة : فقد يكون واجباً وقد يكون مستحباً، وقد يكون مباحاً وقد يكون مكروهاً، وقد يكون حراماً، فعلى حسب الحال والمقام. ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (الطلاق: 1) قالوا : إذا أردت أنتَ أو أراد أحد من أمّتَّك طلاق زوجته فليطلقها لأول عدتها.

إذاً ما معنى (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) يعني : عند بداية العدة، أو وهي في طهر لم تجامع فيه. لذلك قالوا بعدها قالوا (بأنّ يكون الطلاق في طهر لم يجامعها فيه) وذلك أنّ الطلاق قد يكون طلاقاً سنياً، وقد يكون طلاقاً بدعياً منهياً عنه. فإذا طلق الرجل امرأة في طهر لم يجامعها فيه فيقال له هذا طلاق سني.، وأمّا إذا طلق الرجل امرأته في طهر جامعها فيه ( قد جامعها في هذا الطهر أو طلقها وهي حائض ) : فهذا طلاق بدعي منهي عنه.

وجمهور الفقهاء على أنّ الطلاق البدعي واقعٌ أيضاً؛ لكنّه أخطأ في تصرفه، فهنا من أراد أن يطلق فليطلق المرأة وهي على طهر لم يجامعها في هذا الطهر. قال الله (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) ولا شك أنّ في هذا مدعاة إلى أن يراجع كل زوج نفسه؛ ولا يتعجَّل في إصدار هذا الحكم، وأن لا يبادر بتطليق امرأته؛ فلربما كانت حائضاً فـ حينئذٍ يقال له : (انتظر حتى تطهر)، ولربما كان قد جامعها في هذا الطهر فيقال له انتظر حتى تحيض ثم تطهر.

قال الله سبحانه (وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ ) فهذا أمرٌ بإحصاء العدة، وذلك لأنّ العدة يترتب عليها أحكام، فإحصاء العدة تنضبط به الأمور : فيعرف ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تبدأ؟ ومتى تنقضي؟ فحينئذٍ لا تكون هناك مخالفات؛ لأنه إذا العدة انقضت فالأحكام تختلف عمّا إذا كانت في العدة. فلذلك أُمِرْنَا بإحصاء العدة، وهذا فيه أن الإحصاء مطلوب في أبواب كثيرة من أبواب الشريعة منها هذا الباب.

﴿وَأَحْصُوا۟ ٱلْعِدَّةَ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ (الطلاق: 1) فهذا أمرٌ بتقوى الله - للرجال وللنساء - للأزواج جميعاً، ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (الطلاق: 1) هذا فيه أنّ المرأة المطَّلقة لا تخرج من بيتها، ولا يخرج زوجها إلا أن تأتي بفاحشة مبينة وهذا في الطلاق الرجعي لأنّ الله قال بعدها ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ لَا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ (الطلاق: 1) يعني : قد يميل إليها، وتميل إليه وحينئذٍ يراجعها وهي في أثناء العدة، بخلاف ما إذا خرجتْ من البيت فإنها تكون بعيدة عنه ويكون بعيداً عنها فيكون هذا أعون على الجفاء بخلاف ما إذا كانت قريبة منه وكان قريبا منهاً، فيكون هذا ادعى إلى التقارب والله أعلم.

لذلك قالوا في المختصر ( لا تُخْرِجوا مطلقاتكم من البيوت التي يسكنّ فيها ) وتأمل هنا قال ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ﴾ (الطلاق: 1) لم يقل (لا تخرجوهن من بيوتكم ) وإنما قال ﴿مِنۢ بُيُوتِهِنَّ﴾ (الطلاق: 1) فأضاف البيوت إليهن. أيضًا للدلالة على أنّ المرأة إذا تزوجت من زوجها فهي تعيش في بيتها، وبناء عليه فينبغي لها أن تحافظ على هذا البيت لا أن تسعى إلى هدمه، بل ينبغي عليها أن تُحَافِظ عليه، وكذلك على الزوج أن يشعر بهذا ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ﴾ (الطلاق: 1).

وقوله ﴿إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (الطلاق: 1) فسَّروه فقالوا في المختصر : (إلا أن يأتينا بفاحشة ظاهرة مثل الزنا) وهذا أحد الأقوال، ومنهم من يُلحِق بذلك : الكلام البذيء، إذا كانت تؤذيه ايذاءاً بالغاً أو كانت تؤذي أهله. فكان ابقاؤها في البيت ضرراً عليها وضرراً على أهله فحينئذٍ تخرج لئلا يستمر هذا العراك، أو لئلا تستمر هذه المشكلات والله تعالى أعلم.

﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ (الطلاق: 1) هذا في الطلاق الرجعي؛ وأمّا في الطلاق النهائي إذا وقع الطلاق ثلاثاً فحينئذٍ لا مجال للرجعة، قال الله ( ‌ٱلطَّلَٰقُ ‌مَرَّتَانِۖ) [البقرة: 229] نعم.

(﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا۟ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ﴾ ﴿لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا﴾ ٢ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِۦ ۚ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ ٣ )

﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (الطلاق: 2) فإذا بلغن أجلهن : قالوا في المختصر أي ( قاربن انقضاء عدتهن )، هذا فيه أنّ بلوغ الأجل هنا بمعنى : مقاربة انقضاء العدة ولمّا تنقضي بعد، ولذلك ﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (الطلاق: 2) يمكن أن يُقال هذا من الألفاظ القرآنية التي هي من جنس الوجوه والنظائر، ففي بعض المواضع جاء بلوغ الأجل معناه : انقضاء العدة (انقضت) وهذا في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ﴾ (البقرة: 232) [البقرة: 232]، فمعنى (فبلغن أجلهن ) : أي انقضت العدة.

أما هنا في سورة الطلاق ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (البقرة: 231) فأمسكوهن بمعروف إذاً لم تنقض العدة؛ لأنه لو انقضت العدة ليس بيده أن يُمْسِك، فمعنى (بلغن أجلهن ) هنا : أي قاربن انقضاء العدة ولما تنقضي بعد.

قال (فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ) يعني لا يُعَلِّقْهَا وإنما إذا كان الإمساك فهو بمعروف وإذا كان الفراق فهو بمعروف، كما قال الله ﴿فَإِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌۢ بِإِحْسَـٰنٍ﴾ (البقرة: 229) [البقرة: 229]

قال ﴿وَأَشْهِدُوا۟ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (الطلاق: 2) قالوا في المختصر : أي (فأشهدوا عدلين منكم حسما للنزاع ) قالوا ( وإذا أردتم مراجعتهن أو مفارقتهن فأشهدوا عدلين منكم حسمًا للنزاع ) هنا قوله ﴿وَأَشْهِدُوا۟ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (الطلاق: 2) السياق في الرَجعة، فلذلك قال بعضهم : إنّ الآية تتحدث عن الشهود في الرجعة، ولا تتحدث عن الشهود على الطلاق؛ إنّما الشهود على الرجعة.

ومن أهل العلم من عممّ فقال : الشهادة هنا على الرجعة والشهادة أيضًا على الطلاق وهذا ما اختارها هنا أصحاب المختصر، لذلك قالوا هنا ( وإذا أردتم مراجعتهن أو مفارقتهن ) فألحقوا بالرجعة الطلاق، ومنهم من يقصره على الرجعة، ثم بعد ذلك وقع خلافٌ بينهم : هل الشهادة على الرجعة واجبة؟ فمنهم من قال بذلك، وكثيرون من الفقهاء يرون أنّ ذلك على سبيل الندب والاستحباب.

لكنّ الذي أنبه عليه أنّه وإن قال فريق من أهل العلم بالوجوب؛ فإنهم لا يقولون باشتراطه، فهم يرون أنّ الرجعة إذا تمت بدون إسناد أو أنّ الفراق إذا وَقَعَ بدون اشهاد فهو واقع؛ لكن الخلاف هل هو آثم بتركه الشهادة؟ أم لم يأثم؛ أما من حيث الصحة فهو صحيح. نعم.

قال الله سبحانه وتعالى (وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ) ثم جاء الحث على التقوى وهذا فيه أنّ أغلب البيوت ﴿أَنَّمَا﴾ تهدم بسبب تخلي أحد الزوجين أو كليهما عن تقوى الله سبحانه وتعالى، فإذا لم تتقي الزوجة ربها - سبحانه وتعالى - أفسدت على نفسها بيتها، وكذا ربما وقع هذا من الزوج قال الله ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا﴾ (الطلاق: 2) وبعض العلماء فَسَّر المخرج بأنّه إذا اتقى الله فلمْ يُطلِّق ثلاثاً، وإنّما طلق طلقة واحدة، فله المخرج بأنّ له أن يُرَاجع مرة ثانية وهكذا، بخلاف ما إذا طَلَّقَ وخالف؛ فحينئذٍ لا يكون له المخرج، قال عدد من المفسرين (وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ) : من حيث لا يخطر له على بال؛ فالله هو الرزاق لكن الذي يتقي الله له رزق خاص وله رزق فيه حسن وفيه طيب وفيه سعة وفيه رضا، فيرزقه الله ويرضيه الله، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ﴾ (الطلاق: 3) فهو كافيه، فهذا معنىً عظيم يدُّل على مكانة التوكل، قال الله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِۦ﴾ (الطلاق: 3) فالله - سبحانه وتعالى - نافذٌ أمرُه، قالوا هنا في المختصر (إنّ الله منفذ أمره ) فالله سبحانه وتعالى ينفذ أمره، إذا أمر بشيء فهو قادرٌ على تنفيذه، وإذا قضى شيئًا فإنما أمره ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ شيئًا أن يقول له كن فيكون، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِۦ﴾ (الطلاق: 3) والقراءة الأخرى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِۦ﴾ (الطلاق: 3)، ﴿قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: 3) فالله سبحانه وتعالى ينفذ أمره، فإذا أراد أن يحفظك حفظك، ولا يستطيع أحد أن يوصل إليك مكروهاً قال ﴿قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: 3) هذا فيه معنى جليل، وهو ﴿إِلَّا﴾ يستعجل المتوكل؛ لأنك حينما تقرأ ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ﴾ (الطلاق: 3) فقد يُبْتَلى المتوكل على الله، ويقول قد توكلت وأريد أن يكون ربي حسبي، فيقال له : ﴿قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: 3) ستأتيك الكفاية ولا بُّدّ؛ لكن ﴿قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: 3) فكل شيء له قدر، فالحزن له قدر والرضا له قدر، والعسر له قدر، وأليسر له قدر وهكذا.، قال الله

﴿وَٱلَّـٰٓـِٔى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ وَٱلَّـٰٓـِٔى لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُو۟لَـٰتُ ٱلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مِنْ أَمْرِهِۦ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 4)

﴿وَٱلَّـٰٓـِٔى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ وَٱلَّـٰٓـِٔى لَمْ يَحِضْنَ﴾ (الطلاق: 4) ذكر الله سبحانه وتعالى بعض عِدَدِ النساء؛ فالأصل أنّ المرأة إذا كانت من ذوات الحيض : فإنّ عدتها بالأقراء، كما قال الله ﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ﴾ (البقرة: 228) [البقرة: 228]، ثم اختلف العلماء في الإقراء أهي الأطهار أم هي الحيض؟ على قولين : مشهورين لأهل العلم، ليس المقام مقام التفصيل في ذلك، لكن قال الله هنا ذاكراً بعض أحكام عِدَدِ النساء الأخرى فقال ﴿وَٱلَّـٰٓـِٔى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ﴾ (الطلاق: 4) المرأة التي يأست من المحيض بكبر سنها من نسائكم ﴿إِنِ ٱرْتَبْتُمْ﴾ (الطلاق: 4) يعني إن شككتم في عدتها، وقال بعضهم : إن شكَّت هي بحيث أنها تحيض أو لا تحيض. بحيث أنّ اليأس قد قارب مجيئه، فأحياناً ينزل عليها الدم وأحياناً لا ينزل. كما قال بعض المفسرين.

وقالوا : إذا كان هذا فيما فيمن ارتيب في أمرها ( في من وقعت الريبة في أمرها ) فكيف بمَنْ عُلِمَ أنّها لا تحيض مطلقاً، أو أنّ المعنى : إن وقع منكم شكٌ في حكمها أياً ما كان (فهذا القيد ليس معناه أنّه لا بد من وجوده) بحيث أنّنّا إذا لم نشك في شأنها : - فإنّ عدتها أيضًا ثلاثة أشهر لا تختلف فليس قيداً للاحتراز.

قال ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (الطلاق: 4) إذاً ما عدة المطلقة الآيسة؟ ثلاثة أشهر قال ﴿وَٱلَّـٰٓـِٔى لَمْ يَحِضْنَ﴾ (الطلاق: 4) قالوا هنا في المختصر : (واللائي لم يبلغن سن الحيض لصغرهنّ )، وهذا فيه دليل على أنّ المرأة قد تتزوج صغيرة؛ لأن هذا حديث عن الطلاق، يعني : (وقع الطلاق وهي دون هذا السن )؛ فحينئذٍ قال الله عز وجل ﴿وَٱلَّـٰٓـِٔى لَمْ يَحِضْنَ﴾ (الطلاق: 4) أي : واللائي لم يحضن كذلك : أي (عدتهن أيضًا ثلاثة أشهر)، إذاً ذوات الحيض ثلاثة قروء، وأمّا الآيسة واللاتي لم تحض : فإنّ عدتهما ثلاثة أشهر، وأما الحامل وأولاة الأحمال ﴿وَأُو۟لَـٰتُ ٱلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (الطلاق: 4) أي بوضع الحمل فهذا أجلها، قال ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مِنْ أَمْرِهِۦ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 4) أيضًا تذكيرٌ بتقوى الله.

﴿ذَٰلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعْظِمْ لَهُۥٓ أَجْرًا﴾ (الطلاق: 5)، ويُعظِم له أجراً منه : أن يدخله جنات النعيم، كما قالوا هنا في المختصر (وهو دخول الجنة والحصول على النعيم الذي لا ينفذ ) نعم.

مِنْ فَوَائِدِ الآيات

• خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خطاب لأمته ما لم تثبت له الخصوصية.

• وجوب السكنى والنفقة للمطلقة الرجعية.

• النَّدْب إلى الإشهاد حسمًا لمادة الخلاف.

• كثرة فوائد التقوى وعظمها.

قال الشيخ حفظه الله

نعم مِنْ فَوَائِدِ الآيات

• خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خطاب لأمته ما لم تثبت له الخصوصية : هذا هو الأصل، إذا خوإذاً الرسول صلى الله عليه وسلم فإنّه خطاب للأمة؛ إلا إذا ورد ما يدل على التخصيص ﴿وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأحزاب: 50) فهذا دليل على التخصيص.

تحليل مقارن وربط بين السور

• وجوب السكنى والنفقة للمطلقة الرجعية : استدلوا على هذا بقوله سبحانه ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ (الطلاق: 1) وهذا في المطلقة طلاقاً رجعياً، وقد جاء.

• النَّدْب إلى الإشهاد حسمًا لمادة الخلاف : أيضًا هذا على قول من فسر ﴿وَأَشْهِدُوا۟ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (الطلاق: 2) على أنّه على سبيل الندب وهو قول الجمهور، ومنهم من قال بل هو على سبيل الوجوب.

• كثرة فوائد التقوى وعظمها : كثرة فوائد التقوى يعني التقوى لها فوائد كثيرة وفوائد عظيمة، هنا قال (وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ ) وقال ﴿يَجْعَل لَّهُۥ مِنْ أَمْرِهِۦ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 4) وقال ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعْظِمْ لَهُۥٓ أَجْرًا﴾ (الطلاق: 5) فهذه من فوائد التقوى. والمطلوب منكم أن تذكروا لنا خمس فوائد أخرى، لتقوى الله سبحانه وتعالى. نعم

قال الشيخ حفظه الله

نعم. ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا۟ عَلَيْهِنَّ﴾ (الطلاق: 6) قالوا في المختصر (ولما بيَّنَ الله حكم الطلاق والرجعة بين حكم النفقة والسكنى. فقال اسكنوهن ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الازواج مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ وسعكم ) إذاً معنى قوله (﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ وُجۡدِكُمۡ) أي من وُسْعِكُم، وإذا كان هذا في المطلقات فكيف بالمتزوجان فبعض الناس يهمل الإنفاق على زوجته ويهمل كذلك ما يتعلق بالسكنى، قال ﴿وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا۟ عَلَيْهِنَّ﴾ (الطلاق: 6) هذه الآية ونظائرها من آي القرآن يشهد للقاعدة المشهورة، وقد وردت حديثاً عن رسول - صلى الله عليه وسلم - لا ضرر ولا ضرار.

قال ﴿وَإِن كُنَّ أُو۟لَـٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا۟ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (الطلاق: 6) استدل بذلك بعض العلماء على أنّ الإنفاق هذا في حالة الحمل (من أجل حملها )، فقالوا : هذا يدل على أنّها إذا لم تكن حاملاً وكانت حائلاً؛ ولم يكن الطلاق رجعياً فلا تجب النفقة، والحديث ﴿أَنَّمَا﴾ جاء عن السكنى، وعلى هذا ورد الخلاف أيضًا في هذا.

قال ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (الطلاق: 6) أي بسبب هذا الإرضاع، ﴿وَأْتَمِرُوا۟ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ (الطلاق: 6) قالوا في المختصر (وتراجعوا في شأن الأجرة بالمعروف) وقوله (بِمَعۡرُوفٖۖ) دلالة على أنّ للعُرفِ مدخلاً فيما لم يقدره الشرع. ولذلك قالوا :

والعـرف معمـول بـه إذا ورد***حكم من الشرع الشريف لم يحد

فإذا ورد دليل شرعي ولم يُحَدّ أو لمْ يُبّيّن المقدار؛ فإنه يرجع حينئذٍ إلى العرف ومن هذه الأبواب: أبواب النفقات. قال الله سبحانه ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُۥٓ أُخْرَىٰ﴾ (الطلاق: 6) فحينئذٍ ترضع له الأخرى، إذا لم ترضى إلا بما تريده فليستأجر الأب مرضعة أخرى ترضع له ولده.

﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِۦ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا ۚ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 7)

قال ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِۦ﴾ (الطلاق: 7) هذه اللام يقال لها (لام ) الأمر، ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِۦ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ﴾ (الطلاق: 7) ولذلك يستدل بهذه الآية على أنّ النفقة تختلف باختلاف أحوال الناس، سواءاً أكان ذلك في حالة الزواج يعني الزوج مع زوجته وأولاده أم كان ذلك عند الفراق بعد الطلاق فيما يجب فيه الإنفاق. قال ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِۦ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ﴾ (الطلاق: 7) أي ضُيِّقَ عليه رزقه ﴿فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا﴾ (الطلاق: 7) وتأمل هنا جاء التعبير ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا﴾ (الطلاق: 7) وتأمل هنا جاء التعبير قال ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286) لأنه هنا الكلام عن الإنفاق، ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا﴾ (الطلاق: 7) إلا ما أعطاها، فإذا وسع الله عليه كذلك وإذا ضيق عليه فليس عليه إلا بحسب ما في وسعه وما في قدرته.

قال الله ﴿سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 7) ففُهِمَ أنّ معنى قوله ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5) يعني: فإنّ بعد العسر يسرا كما في هذه الآية.

﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَابًا نُّكْرًا﴾ (الطلاق: 8) ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ﴾ (الطلاق: 8) جاء التحذير من عصيان أوامر الله ورسوله، فإذا كانت الآيات كلها، الآيات السابقة تتحدث عن الطلاق وعن الإنفاق والعدد، جاء الحديث هنا عن التحذير من معصية الله. (‌وَكَأَيِّن) يعني كثيراً من القرى لذلك قالوا في المختصر (وما أكثر القرى) ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَابًا نُّكْرًا﴾ (الطلاق: 8) فمن زرع الشوك لا يجني الورد، فهؤلاء لمّا عتوا ولما عصوا ماذا كان؟ حاسبهم الله الحساب الشديد، بعض العلماء جعل قوله ﴿فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَابًا نُّكْرًا﴾ (الطلاق: 8) قالوا هذا في الدنيا ثم قوله ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَـٰقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ (الطلاق: 9) يعني في الآخرة في القيامة وهنا في التفسير جمعوا فقالوا (وعذبناها عذابا فظيعاً في الدنيا والآخرة، فذاقت عقوبة أعمالها السيئة، وكان نهايتها خسارًا في الدنيا، وخسارًا في الآخرة)

فجعلوا العقوبة شاملة لهذا وذاك، وبعضهم يميز بين قوله ﴿فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ (الطلاق: 8) وما جاء بعد. قالوا هنا ﴿وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَابًا نُّكْرًا﴾ (الطلاق: 8) قالوا : فظيعا، ومن معاني قوله (نُّكۡرٗا) يعني لم يُعهد مثله، عذاباً نكر : يعني لم يعهد مثله فلذلك قال (نكرا )

﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ (الطلاق: 10)

قال الله سبحانه ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (الطلاق: 10) لذلك قالوا : هذا عذاب الآخرة، وقبلها ﴿فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَابًا نُّكْرًا﴾ (الطلاق: 8) هذا في الدنيا، ومنهم من قال :- إنهما في الدنيا والآخرة فيكون من باب التأكيد. قال ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَـٰقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ (الطلاق: 9) أيضًا أمرٌ بتقوى الله. قال ( ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ قَدْ﴾ ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ إِلَيۡكُمۡ ذِكۡرٗا رَّسُولٗا) هنا قالوا (هذا الذكر هو رسول منه ﴿يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَـٰتٍ﴾ لا لبس فيها) إذاً قوله ( رسولا ) : بدل من قوله (ذِكرا)، (ذكرا) تفسير (رسولا).

ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ (الطلاق: 10) وهو القرآن الكريم، (أرسل إليكم ) رسولاً فيكون منصوباً بفعل (مقدر)، ﴿يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَـٰتٍ لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ (الطلاق: 11) هنا في التفسير قالوا (رجاء أن يخرج الذين آمنوا ) وقالوا أيضًا في الآية الأخيرة في قوله ﴿لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الطلاق: 12) قالوا (رجاء أن تعلموا)، ومرادهم بقول (رجاء) يعني : أن تكونوا أنتم على رجاء؛

والأولى والله أعلم ﴿إِلَّا﴾ يفسروه بذلك :- وإنما يقال ﴿لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ (الطلاق: 11) كما قال الله فاللام هنا (لام) التعليل وهو الأصل فيها.

قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزْقًا﴾ (الطلاق: 11) ومن اللطائف هنا أن الله قال ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحًا يُدْخِلْهُ﴾ (الطلاق: 11) فلفظ مَنْ مفرد، لذلك قال (يدخله )، (ومن يؤمن ) بالإفراد (بالله ويعمل) الخير (يدخله )، ثم قال بعد ذلك (خَٰلِدِينَ) فجاء بالجمع؛ لأن معنى (ومن يؤمن ) يعني ( يؤمنون ) فالمراد بهم الجمع، إذ (من) لفظها مفرد فلذلك قال (ومن يؤمن ) وقال (يعمل) وقال (يدخله ) وقال (خالدين باعتبار المعنى ثم جاء باعتبار اللفظ مرة أخرى قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزْقًا )، ولم يقل ( قد أحسن الله لهم رزقاً )، في الأول جاء التعبير بما يناسب اللفظ وهو الإفراد ثم جاء الجمع ثم عاد إلى مناسبة اللفظ والعلم عند الله.

﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًۢا﴾ (الطلاق: 12)

﴿وَمِنَ ٱلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (الطلاق: 12) استدل به على أنّ الأراضين سبع كما أنّ السماوات سبع، وهذه هي الآية التي فيها ذكر هذا في شأن الأرض، وقد جاء مصرحاً به في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (طوقه الله من سبع أراضين).

قال ﴿لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الطلاق: 12)، ( الله الذي ) ثم قال ﴿لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًۢا﴾ (الطلاق: 12) فهذا مما يفيد في باب الصفات، وهو أنّ الصفات بينها تلازم، وأن أسماء الله الحسنى يدل بعضها على بعض، فالله هو الخالق، والخالق يكون قديراً، والخالق يكون عليماً، لذلك نقول الله عز وجل هو الخالق، وهذا يدل بالدلالة اللزوم على إثبات قدرته واثبات علمه سبحانه وتعالى وهذه الآية من شواهد ذلك والعلم عند الله.

تلاحظون يا أيها الإخوة الكرام أنّ ختام سورة الطلاق حديثٌ عن بعض صفات الله ﴿لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًۢا﴾ وكذلك هذا مناسب لختام سورة التغابن ﴿عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (التغابن: 18) ومناسب أيضًا لختام سورة المنافقين أو المنافقون ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المنافقون: 11) ومناسب لختام سورة الجمعة ﴿وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (الجمعة: 11) إلى غير ذلك. فكل هذا من المناسبات بين السور والعلم عند الله. ونقف عند هذا وبهذا نكون قد فرغنا بفضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه من تفسير سورة الطلاق بعد أن نقرأ الفوائد.

مِنْ فَوَائِدِ الآيات

• عدم وجوب الأرضاع على الحامل إذا طلقت.

• التكليف لا يكون إلا بالمستطاع.

• الإيمان بقدرة الله وإحاطة علمه بكل شيء سبب للرضا وسكينة القلب.

قال الشيخ حفظه الله نعم من فوائد الآيات :

• عدم وجوب الأرضاع على الحامل إذا طلقت : لكن الأصل أنها ترضع، ولا تمتنع عن ذلك إلا إذا كان لمانع. لكن قالوا لا يجب عليها، ولذلك قال الله ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُۥٓ أُخْرَىٰ﴾ (الطلاق: 6) يعني إذا جرى شيء من الاختلاف فحينئذ ترضع له أخرى، وهذا يدل على عدم الوجوب عليه؛ لكن قال بعض الفقهاء فإذا لم يوجد غيرها يقوم مقامها تعين عليها. وهذا قول فيه وجاهة والعلم عند الله.

• التكليف لا يكون إلا بالمستطاع : وهذا مأخوذ من قوله سبحانه ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا﴾ (الطلاق: 7) وقبلها ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِۦ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ﴾ (الطلاق: 7).

• الإيمان بقدرة الله وإحاطة علمه بكل شيء سبب للرضا وسكينة القلب. وهذا مستفاد من قوله سبحانه وتعالى ﴿لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًۢا﴾ (الطلاق: 12) ومن نتائج ذلك وثمراته أنه سبب للرضا وسكينة القلب.

نسأل الله أن يرزقنا الرضا وأن يرزقنا سكينة القلب.

وصلى الله على نبينا محمد. وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة