منظومة الزمزمي الدرس السادس والأربعون
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
فنواصل القراءة في منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى والتعليق عليها، ومازلنا مع النوع الحادي عشر والثاني عشر من الأنواع الأربعة عشر الراجعة إلى المعاني المتعلقة بالأحكام، وهما الناسخ والمنسوخ.
النَّوعُ الحَادِي عَشَرَ وَالثَّانِي عَشَرَ: النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ
كَمْ صَنَّفُوا فِي ذَيْنِ مِنْ أَسْفَارِ
وَاشْتَهَرَتْ فِي الضَّخْمِ وَالإِكْثَارِ
وَنَاسِخٌ مِنْ بَعْدِ مَنْسُوخٍ أَتَى
تَرْتِيبُهُ إِلَّا الَّذِي قَدْ ثَبَتَا
مِنْ آيَةِ العِدَّةِ لَا يَحِلُّ
لَكَ النِّسَاءُ صَحَّ فِيهِ النَّقْلُ
واَلنَّسْحُ لِلْحُكْمِ أَوِ التِّلَاوَةِ
أَوْ لَهُمَا كَآيَةِ الرَّضَاعَةِ
الشرح
تحدثنا في اللقاء السابق عن تعريف النسخ، والفرق بين الناسخ والمنسوخ، وشروط النسخ وضابطه، إلى غير ذلك من مسائل تتعلق بهذا المبحث، فمن يفسر لنا ويشرح لنا تعريف النسخ؟
طالب: .....
الشيخ: أحسنت، هذا تعريف النسخ في اللغة. طيب والاصطلاح؟
طالب: ...
الشيخ: أحسنت، يعني إذا أردنا أن نصوغ هذا فماذا نقول؟
طالب: ....
الشيخ: "أَنْ نَرْفَعَ الْمُتَقَدِّمَ بِالْمُتَأَخِّرِ"، أو المتأخر بالمتقدم؟
طالب: المتقدم هو الذي يُرفع بالمتقدم ...
الشيخ: أحسنت، نرفع المتقدم بالمتأخر، فالمتأخر هو المتأخر. طيب أحسنت، بارك الله فيك، من يعرف النسخ؟
طالب: ....
الشيخ: تمام، يعني نرفع حكمًا شرعيًّا أو لفظه بحكم شرعي أو بخطاب شرعي متراخٍ عنه، لولاه لكان الأول باقيًا، وقلنا ﴿أَنَّمَا﴾ جاء في التعريف هكذا: "رَفْعُ خِطَابٍ شَرْعِيٍّ" أو "رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ لَفْظِهِ"؛ إشارة إلى أن النسخ منه نسخ الحكم، ومنه نسخ اللفظ؛ لأنه أحيانًا يُنسخ اللفظ ويبقى الحكم كما هو، وأحيانًا يُنسخ الحكم، وأحيانًا يُنسخ الحكم واللفظ؛ ولذلك سيأتينا بعد قليل أن النسخ على ثلاثة أقسام أو أنواع: نسخ التلاوة والحكم، نسخ التلاوة دون الحكم، نسخ الحكم دون التلاوة.
إذًا بخطاب شرعي متراخٍ عنه، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: "بِخِطَابٍ شَرْعِيٍّ"؛ لأن النسخ لا يكون إلا بدليل، ولذلك قالوا الإباحة العقلية إذا جاء حكم بعدها فلا يُقال إنه نسخ، وكذلك المعفو عنه؛ ولذلك في مسألة الخمر وقع الخلاف: هل الآية التي حرمت الخمر تُعد ناسخة للآية التي قبلها أم لا؟ فمن قال إن الآيات السابقة دلت على إباحة الخمر، فيقولون إن آية تحريم الخمر وهي قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾1 نسخ حل الخمر.
وأما من قال إن الآيات السابقة ليس فيها ذكر حل الخمر، ﴿أَنَّمَا﴾ فيها الترقي في حكمه ببيان أنه ليس الأفضل وأن الأفضل ترك الخمر، فتكون إباحة الخمر ليست مكتسبة من ظاهر الآيات الكريمة أو من لفظها، فيكون الحكم هو تحريم الخمر هو الحكم الابتدائي؛ يعني كانت الخمر في منزلة الـ "معفو عنه"، يعني الخمر كان مسكوتًا عنه، ما قال الله أنها حلال.
لكن بدأ يقول لنا: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾2، ويقول: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾3، ثم جاء القطع بالتحريم. فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن تحريم الخمر هو الحكم الأول في إصدار الحكم النهائي، فنقول هذا ليس نسخًا، وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن هناك تحليلًا بدليل آية: ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾4 عندما نفسر "السكر" بالسكر الذي هو الخمر، فيقول إن هذا كان مباحًا ثم حرمه الله عَزَّ وَجَلَّ، فيقول إن آية المائدة نسخت آية سورة النحل، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
إذًا "متراخٍ عنه"؛ لا بد أن الناسخ يكون متراخيًا عن المنسوخ. وقلنا هذا بخلاف ماذا؟ بخلاف التخصيص، فالتخصيص لا يلزم أن يكون متأخرًا عن العام، فقد يكون الخاص مع العام مقترنًا به في الوقت ذاته، كقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾5؛ فقوله: ﴿فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ نزل مع قول: ﴿فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، وهو تخصيص لقوله ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾6، فهذا لا يعد نسخًا؛ وإنما هو تخصيص عند الجمهور؛ إذًا هذا بالنسبة لتعريف النسخ.
أيضًا مما يتقرر في باب النسخ: ما الذي يدخل فيه النسخ؟ الأحكام؛ إذًا النسخ يدخل في الأحكام المحضة، أو في الأخبار التي هي بمعنى الأحكام، ولا يدخل النسخ في الأخبار المحضة، ما معنى هذا الكلام؟
يعني النسخ يتأتى في حكم "افعل" "لا تفعل"؛ إذًا هذا اسمه نسخ، قال: "افْعَلْ" ثم بعد ذلك قال: "لَا تَفْعَلْ"، أو قال: "لَا تَفْعَلْ" ثم قال: "افْعَلْ"، هذا اسمه نسخ، لكن الخبر؛ رب العزة سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: "مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا" ثم ينسخ؟ هذا لا ينسخ؛ لأن نقض الخبر يستلزم الكذب فيما أخبر به سابقًا، وهذا محال على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ يعني يقول: "حَدَثَ كَذَا وَكَذَا" ثم يقول: "لَمْ يَحْدُثْ"، هذا لا يتأتى.
إذًا الخبر المحض لا يدخل فيه النسخ، وقلنا كلمة "المحض" لماذا؟ لأن هناك أخبارًا قد تُفسر بالإنشاء، فنقول خبر بمعنى الإنشاء، يعني هو خبر لكن معناه الأمر؛ ﴿فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ يعني ومن دخله فأمنوه، إذًا هو أمر مع أنه خبر لكنه بمعنى الأمر، إذًا هذا ممكن يدخله النسخ.
أيضًا لا يدخل النسخ في باب العقائد؛ لأن العقائد لا تتغير، بخلاف الأحكام فهي قابلة للتغيير، لا يدخل النسخ في أمهات الأخلاق، يعني ما تكون الأمانة في بعض الأوقات شريفة وفي بعضها تكون مرذولة، ما يكون الصدق صفة حميدة ثم بعد ذلك يكون الكذب هو الصفة الحميدة، هذا لا يتأتى؛ إذًا هذا لا يدخله النسخ.
هنا قال:
وَنَاسِخٌ مِنْ بَعْدِ مَنْسُوخٍ أَتَى
تَرْتِيبُهُ إِلَّا الَّذِي قَدْ ثَبَتَا
مِنْ آيَةِ الْعِدَّةِ لَا يَحِلُّ لَكْ
النِّسَاءُ صَحَّ فِيهِ النَّقْلُ الَّذِي سُلِكْ
﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الناسخ متأخر عن المنسوخ في ماذا؟ في النزول في الزمان وليس في الترتيب المصحفي؛ يعني التعويل على التأخير في ماذا؟ في النزول، بمعنى هذه الآية نزلت بعدها حتى وإن كانت قبلها (في الترتيب)؛ لذلك هنا قال: "
إِلَّا الَّذِي قَدْ ثَبَتَا مِنْ آيَةِ الْعِدَّةِ
" ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هناك آيتان في شأن العدة في سورة البقرة:
الأولى: قوله تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾7.
والثانية: قوله تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾8.
الجمهور يرون أن آية الحول منسوخة بآية "أربعة أشهر وعشرًا"، والمعنى أن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر، وليست حولًا كاملًا، مع أنَّ الذي يفتح المصحف يجد أن آية أربعة أشهر وعشرًا تسبق آية الحول، فكيف هذا؟
نقول: إن آية "أربعة أشهر وعشرًا" هي متقدمة في الترتيب لكنها متأخرة في النزول، وآية الحول متأخرة في الترتيب المصحفي لكنها متقدمة في النزول؛ ولذلك لما سأل ابن الزبير عثمان بن عفان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عن ذلك قال: "لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ مَكَانِهِ". وليس بخافٍ عليكم أن ترتيب المصحف الموجود بين أيدينا ليس بحسب ترتيب النزول، فنحن نجد أن صدر سورة العلق، بل ونجد سورة العلق في أواخر المصحف مع أنها أول -أعني صدر سورة العلق-أول ما نزل من القرآن الكريم، ونجد سورة البقرة السورة الثانية في الترتيب مع أنها من أوائل ما نزل بالمدينة، يعني بعد مضي ثلاث عشرة سنة من بعثة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
إذًا هل هناك استثناء ثانٍ؟ قالوا نعم، ما هو؟ وقفنا عند هذا: "
لَا يَحِلُّ لَكْ
النِّسَاءُ صَحَّ فِيهِ النَّقْلُ
"؛ هذا موضع ثانٍ وهو قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في سورة الأحزاب: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ ٱلَّـٰتِىٓ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّـٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَـٰلَـٰتِكَ ٱلَّـٰتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىٓ أَزْوَٰجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾9 الآية، وجاء بعدها: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَٰجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ رَّقِيبًا﴾10. فالآية الأولى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ ٱلَّـٰتِىٓ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّـٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَـٰلَـٰتِكَ ٱلَّـٰتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىٓ أَزْوَٰجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ فيها أن الله قد أحل للرسول الزواج إلى آخر الآية، والآية الثانية ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَٰجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ رَّقِيبًا﴾ فيها أنه لا يجوز للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتزوج بعد من تزوج من نسائه.
ولذلك قالوا إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإن تزوج أكثر من أربع نسوة فإنَّ الله قد قصره في هذه الآية على من تزوج بهن منهن دون أن يزيد عليهن، مع أنَّ غيره ممن يتزوج أربعًا بإمكانه أن يطلق الأربع ويتزوج أربعًا أخرى، لكن هنا قال: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَٰجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ رَّقِيبًا﴾ حتى لا تبدلهن، لا تقول خلاص أطلق واحدة وآتي بغيرها، لا.
فبعض الأئمة يقولون إن الآية الأولى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ ٱلَّـٰتِىٓ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّـٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَـٰلَـٰتِكَ ٱلَّـٰتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىٓ أَزْوَٰجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ نسخت الآية الثانية مع أنها سابقة عليها في الترتيب، قالوا لكنها متأخرة في النزول، ويستدلون على ذلك بحديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: «
مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ»
[رواه الترمذي والنسائي وصححه الألباني]؛ يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما توفي حتى أباح الله له النساء، أن يصح له ويجوز له أن يتزوج حتى فوق النساء (اللاتي عنده). فاختلفوا في الناسخ؛ قالوا إذًا أين الناسخ؟
فذهب جماعة من العلماء إلى أن الناسخ هو الآية الأولى، ومنهم من قال الناسخ دليل آخر من السنة وحي أوحاه الله إليه وليس آية قرآنية، ثم اختلفوا: هل يمكن أن تُنسخ آية قرآنية بالسنة؟ فقال بعضهم: لا يمكن أن تُنسخ آيةٌ بحديث؛ لأنّّ الله قال: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾11، فلابد وأن يكون البدل خير منها أو مثلها وَلَا خَيْرَ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا يَكُونُ مِثْلَ الْقُرْآنِ إلا القرآن، فلا يكون هناك نسخ بالسنة.
والآخرون أجابوا قالوا: نأتي بخير منها في الحكم، ولا يلزم أن يأتي بخير منها في اللفظ أو أن يأتي بخير منها من حيث القرآنية، أوجه للعلماء في ذلك.
على كل حال فقد قيل إن الآية الأولى ناسخة للآية الثانية، ومنهم من قال ليست هي الناسخة، فمن أثبت ذلك جعل هذا الموضع الثاني في أن يكون الترتيب المصحفي على خلاف الترتيب حسب النزول؛ وبناءً عليه فيكون النسخ للمتأخر مع أنه في ظاهر الأمر يكون الأسبق في الترتيب لكنه المتأخر في النزول، والعلم عند الله تعالى.
قال الزمزمي
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
:
وَالنَّسْخُ لِلْحُكْمِ أَوِ التِّلَاوَةِ
أَوْ لَهُمَا كَآيَةِ الرَّضَاعَةِ
هذا البيت يتحدث فيه الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عن أنواع النسخ أو أقسام النسخ، النسخ ينقسم إلى عدة أقسام بعدة اعتبارات، فمن حيث الحكم والتلاوة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1 - نسخ الحكم والتلاوة.
2 - نسخ الحكم دون التلاوة.
3 - نسخ التلاوة دون الحكم.
ما معنى نسخ الحكم والتلاوة؟
أن آية تُرفع من المصحف فلا تُقرأ ولا تبقى آية، ويُرفع حكمها أيضًا؛ إذًا لا لفظ ولا حكم.
نسخ الحكم دون التلاوة؛
أن تبقى موجودة في المصحف، نقرأها لكننا لا نأخذ بما فيها من حكم، وهذا القسم هو الأشهر، وهو الذي يُذكر غالبًا، وهو محل المباحثة الكبرى بين العلماء؛ أنك تقرأ آية ويقال لك: "الْآيَةُ آيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ وَلَكَ أَجْرٌ فِي قِرَاءَتِهَا لَكِنْ لَا تَسْتَفِيدُ مِنْهَا الْحُكْمَ الَّذِي فِيهَا مَنْسُوخٌ، الحكم الذي فيها منسوخ".
أما القسم الثالث: أن يكون الحكم باقيًا يُعمل به لكنها لم تصر آية، رُفعت لم تعد في المصحف.
هناك من أنكر بعض هذه الأقسام، وهناك من أنكر النسخ إجمالًا وتفصيلًا عمومًا، لكن هؤلاء مردود عليهم، وجماهير الأمة سلفًا وخلفًا على إثبات النسخ بصفة عامة وإن نازعوا في بعض صوره أو أنواعه أو كانوا بين مُقِلٍّ ومُستكثر، استدلوا بقوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾، وبقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾12، إلى غير ذلك مما يستدل به في هذا الباب.
أما النوع الأول وهو نسخ الحكم دون نسخ التلاوة -وهو النوع الأشهر-فمن أشهر أمثلته المثال الذي ذكرناه سالفًا أو سابقًا، وهو مثال العدة. فمن أشهر أمثلة النسخ في القرآن الكريم مثال العدة، وهو أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر وليست حولًا كاملًا، مع أنَّ الآيتين تُقرآن في المصحف؛ فأنت تقرأ قوله تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وتقرأ قوله تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
من أشهر أمثلة عند العلماء لمنسوخ الحكم دون التلاوة عند الجمهور، لكن هذا المثال خالف فيه بعض العلماء وقالوا إن الآية التي فيها الحول هذا على سبيل الاستحباب ليس على سبيل الإلزام، أو أنها في حق من رغبت في الزيادة، أو أنها في حق نساء الغزاة المجاهدين، فامرأة المجاهد في سبيل الله تريد أن تبقى في البيت فاتركوها في البيت لمدة حول وليس لمدة أربعة أشهر وعشر فقط، فهذا ما قالوا الآية تتحدث عن الجهاد في سبيل الله أو في أثناء الحديث عن ذلك مع الحديث عن الطلاق، لكن الجمهور يقول إنها منسوخة.
من أشهر الأمثلة أيضًا في هذا الباب قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في آيات المصابرة أمام المقاتلين أو أمام الأعداء في القتال في سبيل الله، وذلك في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾13، ثم قال الله بعد ذلك: ﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾14. فقالوا إن أول الآية فيها أن العشرين يثبتون أمام المائتين.
وهذه الآية إذا قال قائل: "أَوَلَيْسَ هَذَا خَبَرًا فَكَيْفَ يَكُونُ فِيهِ نَسْخٌ؟" إن الله يقول: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ هذا خبر، وأنت قلت لي إن النسخ لا يدخل في الخبر، فنقول: هم يقولون إنه ليس خبرًا محضًا، هو خبر بمعنى الأمر، فمعناه إن كنتم عشرين فاثبتوا أمام مائتين؛ إذًا المعنى الواحد يثبت أمام عشرة؛ كل واحد يثبت أمام عشرة، فإذا كان أمامك تسعة وجب عليك الثبات وعدم الفرار، إذا كنت أمام ثمانية، إذا كنت أمام خمسة يحرم عليك الفرار، إذا كنت أمام أكثر من عشرة جاز لك الفرار بدليل ﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾، فهذا يدل على أنه حكم؛ لأن التخفيف ﴿أَنَّمَا﴾ يكون في الأحكام؛ يعني هناك إلزام ثم خُفف، ثم قال: ﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾.
إذًا معناه أن الشخص يثبت أمام اثنين، فإذا كان أمامك ثلاثة جاز لك الفرار، فقالوا هذا يدل على النسخ، وهو قول الجمهور أيضًا، ومع ذلك فبعض العلماء تأول الآية وخرج بها عن النسخ.
أيضًا من أشهر أمثلة النسخ في القرآن مسألة التخيير في الصوم: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾15؛ إذ كان الإنسان مخيرًا في أول الأمر بين أن يصوم وبين أن يفطر ويفدي (يخرج الفدية)، ثم بعد ذلك جاء الإلزام بالصيام: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾16؛ إذًا الشخص الآن ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يفطر وهو قادر على الصوم، هل يجوز له الفطر؟ يفطر في رمضان؟ لا، يجب عليه الصيام لقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فنسخت هذه الآية كما جاء في رواية ابن عباس وسلمة بن الأكوع رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وإن كان بعضهم يرى أنه من باب التخصيص، ويرى أن هذا باقٍ حكمه في شأن الشيخ الكبير والحامل والمرضع والمرأة العجوز.
على كل حال فهذه أمثلة لما نُسخ حكمًا وبقيت تلاوته، وبعض العلماء يذكر في هذا الباب أمثلة كثيرة تربو على المائة، وبعضهم ربى بها على المائتين، فتكون الآيات المنسوخة عند بعضهم ما يزيد عن مائتي آية، بل بعضهم يرى أن آية واحدة وهي آية السيف نسخت ما يزيد عن مائة آية أو مائة وعشرين آية؛ الآية التي فيها الدعوة إلى الصبر وإلى العفو، يقول آية السيف نسخت هذا كله، فقوله: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾17 -وهذه آية السيف على قول- والآية الثانية التي قيل إنها آية السيف هي: ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾18؛ قالوا هذه الآية نسخت كل الآيات التي فيها ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـٰمٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾19، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾20، ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌ ۖ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ﴾21.
والراجح أن هذا ليس من قبيل النسخ؛ لأن الله علقه فقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ إذًا هذا ليس نسخًا، النسخ يكون لما ليس مؤقتًا، هذا مهم؛ لأن المؤقت المُمغيا بغاية هو من بداية الأمر بُيَّن أن له غاية؛ يعني أنت لما يقال لك: "امْكُثْ فِي هَذَا الْمَكَانِ حَتَّى السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ"، إذًا جئت أنت بعد الخامسة جئت عند الخامسة قيل لك: "انْصَرِفْ"، كلمة "انصراف"، نسخ هذا الكلام الأول؟ ليست نسخًا لهذا الكلام الأول، ليس نسخًا هو بعد الخامسة أصلًا.....
إذًا المُغيا بزمان لا يدخل في النسخ، فلذلك هذا لا يدخل في النسخ، فهذه الآية التي قالوا إنها نسخت هذه الآيات كلها، نقول ليست هذه الآيات بمنسوخة، ﴿أَنَّمَا﴾ هي من قبيل المُنْسأ لا من قبيل المنسوخ، المُنسأ يعني المؤخر، يعني الآية قيل لها كذا إلى وقت كذا، فإذا جاء وقت كذا أُخر العمل بها فإذا احتيج إلى العمل بها عملنا بها؛ يعني المسلمون صاروا في ضعف، إذًا أيضًا ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾، فما الفرق بين المُنْسأ والمنسوخ؟
الفرق: أن المنسوخ توقف العمل به مطلقًا لا يُعمل به، وأما المُنْسأ فإنه يُعمل به عند وجود أسبابه أو وجود ما يقتضيه، المُنْسأ بالهمز من كلمة النسيئة يعني مؤخر، يعني له وقت فممكن يرجع مرة أخرى؛ يعني هم أُمروا بالقتال وقد يأتي وقت يؤمرون فيه بالعفو، فنستدل بالآيات؛ يعني نقول أنت مستضعف ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾، نستدل بالآية ولا نقول منسوخة؟ لا، نستدل بالآية.
وبناءً عليه: فما تراه في بعض كتب المفسرين من الكثرة في ذكر النسخ هو في هذا الباب من هذا القبيل، فتجد هذا مشهورًا عند بعض المفسرين كالقرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ فتجده يأتي لمثل هذه الآيات ويقول: "وَهَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ"، كل آية فيها مثلًا الأمر ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾22، ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾23، يقول: "وَهَذِهِ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ". كل آية فيها أمر بالبلاغ وترك القتال يقول هي منسوخة. نقول: لا، ليس هذا منسوخًا، فحينئذٍ تخرج عندنا آيات كثيرة ليست من قبيل باب النسخ.
ولذلك قلت إن السيوطي ذكر آيات النسخ التي يُصار إلى القول فيها بالنسخ فلم تزد عن عشرين آية في كتابه "الإتقان"، وبعض العلماء أخرج بعض الآيات التي ذكرها حتى إنه لم يسلم منها إلا ما لا يزيد عن خمس آيات؛ يعني الآيات التي نُقطع بالنسخ فيها ليست آيات كثيرة، لا تزيد عن خمس أو عشر آيات على الحد الأقصى؛ ولذلك الذي يجعل مسألة النسخ مسألة شائكة كبيرة جدًّا يقول: "أَنْتُمْ عِنْدَكُمْ فِي الْقُرْآنِ قَضِيَّةُ النَّسْخِ وَقَضِيَّةُ كَذَا وَكَذَا"، نقول: "هَوِّنْ عَلَى نَفْسِكَ، هَوِّنْ عَلَى نَفْسِكَ، أَنْتَ تَتَكَلَّمُ مَعَنَا فِي كَمْ؟ خَمْسِ آيَاتٍ، أَرْبَعِ، ثَلَاثِ آيَاتٍ مِنْ سِتَّةِ آلَافٍ وَمِائَتَيْنِ وستة وَثَلَاثِينَ آيَةً بِالْعَدِّ الْكُوفِيِّ أَوْ عَلَى حَدِّ تَقْدِيرٍ -يَعْنِي سِتَّةَ آلَافٍ وَأَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ نَخْتَلِفُ مَنْ عَدَّ الْمَدَنِيَّ وَالْكُوفِيَّ-فَمَاذَا تَتَكَلَّمُ فِيهِ؟".
ثم إن النسخ أظن ذكرنا هذه المسألة ولا نذكرها؟ كيف نرد على الطاعنين في قضية النسخ ابتداءً؟ وقلنا إن هناك فرقًا بين النسخ والبداء، فالبداء هو الممنوع، هو الباطل الذي يقول به الشيعة، فهم يتهموننا بأننا إذا أثبتنا النسخ، يقولون أنتم تقولون بالبداء على الله، نقول لا، هناك فرقٌ كبير وبون شاسع، فالنسخ لا إشكال فيه، وثبوته لا يلزم منه خلل ولا طعن في حق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ما معنى هذا الكلام؟
البداء يعني يقولون إن بدا لله شيء لم يكن يعلمه، معاذ الله! يعني يقولون الله حكم بحكم ثم ذكر حكمًا آخر؛ هل كان لا يعلم هذا الحكم وأن المصلحة في غيره؟ هل تراجع عنه؟ لم يكن عالمًا في السابق أن الأفضل أن يحكم بالوجوب لا بالاستحباب؟ فنقول: هذا أنت لم تفهمه صوابًا، هناك فرق بين النسخ والبداء؛ لأن الله جَلَّ وَعَلَا حين يقضي بشيء أو بحكم ثم ينسخ هذا الحكم فهو يعلم الحكم الأول ويعلم الحكم الثاني، ولكنه حكم بالأول في وقت وبالثاني في وقت لأنه حكم بما تقتضيه الحكمة في كل وقت مع علمه السابق بكل ما يصلح لهذا الباب وبما يكون.
وضربنا مثالًا لذلك في بعض الدروس أو في بعض المجالس -ولله المثل الأعلى-ضربنا مثالًا بالطبيب؛ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الطبيب إذا ذهب إليه أحد المرضى من أجل أن يكتب له الدواء أو العلاج، فكتب له الطبيب علاجًا أو دواء وقال له: "خُذْ هَذِهِ الرُّوشِتَّةَ أَوْ هَذَا الْعِلَاجَ أَوِ الدَّوَاءَ وَعَاوِدْنِي بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ أَوْ بَعْدَ أُسْبُوعين"، فذهب إليه المريض بعد أن أخذ الدواء، فقال له: "كَيْفَ حَالُكَ؟" قال له: "جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ صِرْتُ بِخَيْرٍ، وَأَنَا أَحْسَنُ كَثِيرًا مِنْ ذِي قَبْلُ، بَيْدَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ عِنْدِي بَعْضُ سُخُونَةٍ أَوْ عِنْدِي بَعْضُ اضْطِرَابَاتٍ".
فقال له: "خَلَاصُ لَا حَرَجَ عَلَيْكَ، هَذَا النَّوْعُ لَا نَأْخُذُهُ خَلَاصُ شَطَبْتُ عَلَيْهِ، وَهَذَا النَّوْعُ خَلَاصُ لَا نَأْخُذُهُ، وَهَذَا النَّوْعُ بَدَلَ مَا كُنْتَ تَأْخُذُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ خُذْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهَذَا نَوْعٌ اسْتَمِرَّ عَلَيْهِ شَهْرًا"، يقول: هل أحد منا يقول إن هذا الطبيب كان يجهل هذا الوصف وكان يجهل هذا الدواء؟ لا يقول أحد ذلك، وإنما كتب له ما يناسب حالته في المرة الأولى وفي المرة الثانية، -ولله المثل الأعلى-فالنسخ مثل ذلك؛ وبناء عليه فليس فيه وجه للطعن في حق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
ثم إن النسخ موجودٌ في الكتب السابقة قطعًا بالاتفاق، كيف جاء نسل آدم؟ عن طريق حواء، ثم كيف جاء أولاد آدم وأحفاد آدم؟ يعني رُزق آدم بهابيل وقابيل كما هو معروف في أسمائهم وبالبنات، كيف حصل؟ تزوج كل واحد منهم بالأخرى، سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ تزوج ابن البطن هذه من البطن الأخرى، أيًّا كان، لكن هذا وقع بالاتفاق، ثم بعد ذلك أجمع في الشرائع على حرمة تزوج الأخ من أخته سواء كان في نفس البطن أو في بطن أخرى، من زوجة أو من زوجة أخرى، هذا بالاتفاق.
الخليل إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في قضية ذبح الولد، حتى وإن خالفنا اليهود وقالوا إن الذبيح هو إسحاق وليس بإسماعيل، وتبنى ذلك بعض المفسرين وإن كان القول المعتمد أن الذبيح هو إسماعيل عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لكن على كل حال هذا وقع فيه النسخ أم لم يقع؟ يقال وقع فيه النسخ.
الإنجيل نسخ ما في التوراة أم لم ينسخ؟ نسخ؛ ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾24، وهناك في التوراة نسخ لبعض الشرائع السابقة؟ نعم هذا موجود؛ لأن من يُنكر النسخ يريد أن يصل إلى هدف، يقول: "كَيْفَ تَأْتِي شَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ مُخَالِفَةً لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؟"؛ لا نسخ إذًا لا شريعة، فيريدون بإنكار النسخ رفض الشريعة الإسلامية؛ يعني يقولون نحن نقول الإسلام نسخ إذا قابلكم، وليس نسخًا أصلًا، فهم يقصدون بذلك إنكار النسخ من أجل إنكار شريعة الإسلام؛ أنه لا يمكن أن ينسخ التوراة ولا يمكن أن ينسخ الإنجيل. نقول: لا، نسخ الإنجيل التوراة، وبدليل ذلك أن التوراة نسخت بعض الأحكام السابقة فما يمنع أن ينسخ القرآن بعض ما قبله؟ فلا حرج حينئذ في هذا من حيث التأصيل في قضايا النسخ، هذا هو النوع الأول.
هذا النوع الأول وهو نسخ الحكم دون التلاوة الذي كنا نتكلم عنه الآن، ما فائدته؟ يعني قد يقول قائل هنا إشكال: لو كان هذا منسوخًا فلماذا يبقيه الله في القرآن؟ يعني يقول: "كَيْفَ أَنَّ رَبَّ الْعِزَّةِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُبْقِي هَذِهِ الْآيَةَ نَقْرَأُهَا وَلَا نَعْمَلُ بِهَا؟ يَكُونُ فِي هَذَا تَعْمِيَةٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُشْكُلُ عَلَيْهِ يَقْرَأُهُ وَفِي الْأَخِيرِ لَا يَعْمَلُ بِالْآيَةِ". فنقول: قد أقام الدليل على عدم العمل بها بوجود الناسخ، ولكن هذا لتذكر نعمة الله عليهم، نتذكر نعمة الله؛ إننا الآن كنا نستقبل بيت المقدس ثم استقبلنا الكعبة وهذا كان يرتضيه الرسول ويحبه الرسول يحب أن يوجه إليه.
يبقى تذكر نعمة الله، كانت عدة المرأة سنة أو حولًا ثم صارت أربعة أشهر وعشرًا، كان يجب على الإنسان أن يصبر أمام عشرة صار لا يجب عليه أن يصبر إلا أمام اثنين أو واحد وهكذا.
أيضًا التعبد بالتلاوة؛ نقرأ هذه الآية فنأخذ أجرًا لأن هذه تبقى آية فلها الثواب، فمن قرأها فله ثوابها وهكذا، وهذا فيه استسلام؛ لأنه قد يقول قائل أحيانًا وهذا نعتاد؛ لأن النسخ ينقسم إلى أنواع كما قلت بعدة اعتبارات، فمن حيث الأخف والأثقل ينقسم إلى ثلاثة أقسام أيضًا:
1 - نسخ الحكم إلى الأخف.
2 - نسخ الحكم إلى الأثقل.
3 - نسخ الحكم إلى المساوي.
يعني فيه نسخ عند ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ من الجمهور وهم الجمهور أنه نُسخ من عشرة إلى اثنين هذا نسخ من الأثقل إلى الأخف. إذًا تحويل القبلة؟ هذا من الشيء إلى المساوي، إذًا التخيير ما بين الصوم والفدية وبين وجوب الصوم؟ هذا من الأخف إلى الأثقل.
إذًا النسخ موجود على الثلاثة أنواع، فإذا قرأنا ما كان فيه نسخ من الأثقل إلى الأخف هذا فيه تذكر لنعمة الله، تذكر، وإذا كان من الأخف إلى الأثقل فهو ابتلاء؛ أنك تعرف أن ربك يبتليك بهذا وأنت ترضى بابتلاء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أو تعمل بهذا الابتلاء.
أما القسم الثاني: وهو نسخ التلاوة مع بقاء الحكم
؛ فهذا النوع أنكره عدد من العلماء قالوا هذا لا يتأتى، أين هذا؟ أن تُرفع الآية ويبقى حكمها؟ إذا رُفعت الآية لم يبقَ حكمها هي ليست آية إذًا ليس لها حكم، ومن أشهر الأمثلة على ذلك: "الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ". هذه رواية وردت عند بعض أصحاب كتب السنة كالنسائي في السنن الكبرى وفي زوائد الإمام أحمد وعند غيرهما؛ كانت هذه آية ثم نُسخت: "الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ".
قالوا والحكم باقٍ؛ لأن المراد بالشيخ والشيخة الرجل الثيب والمرأة الثيبة، والحكم باقٍ ولا ليس بباقٍ؟ باقٍ، يعني ما حد الزاني المحصن؟ الرجم، وما حد الزانية المحصنة؟ الرجم، أين هذا في القرآن؟ لا نجد في القرآن، ﴿أَنَّمَا﴾ نجد في هذا الحديث مع أنه نُسخ ليس آية، كان آية ثم نُسخ،
لكن طعنوا في هذا من عدة أوجه
:
قالوا كيف نثبت قرآنيتها بحديث والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر؟ يعني تقول هذه آية، كيف تكون آية ولا بد أن تكون متواترة؟ فنقول نحن نثبت بها أنها كانت آية لا أنها الآن آية، فالآن الإثبات عبارة عن إخبار عن سابق وليس إثبات أنها الآن آية، هو إخبار عما تقرر سابقًا، فإذا ثبت النص قُبل، ويشهد لذلك ما جاء في حديث عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -متفق عليه-أنه قال: «
كِتَابُ اللَّهِ الرَّجْمُ عِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ الرَّجْمُ وَكَانَ فِيمَا يُتْلَى فِي كِتَابِ اللَّهِ
»، وإن لم ينص على هذا اللفظ، واختلفوا في معنى "كتاب الله" هل المراد به القرآن؟ يعني هذا كان آية؟ ويُفهم هذا من رواية عمر، أو أن المراد بكلمة "كتاب الله" يعني حكم الله؛ لأن الكتاب يأتي بمعنى الحكم، لكن ليس فيه التصريح بهذا اللفظ.
ولذلك ورد عن علي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أنه قال: «
جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
». "جلدتها" يعني الجلد مأخوذ من الكتاب، و"الرجم" أُخذ من السنة، والرجم تدل عليه أحاديث متواترة، يعني لو لم يثبت هذا أن هذا كان قرآنًا فإنما نثبته من السنة المتواترة؛ جاء من طرق كثيرة إثبات الرجم للزاني المحصن، تعرفون عدة روايات في هذا.
لكن بعض العلماء طعن في هذا اللفظ قالوا: الرواية وإن صحت فلا يلزم منها أن هذا هو لفظ القرآن، ﴿أَنَّمَا﴾ ذكرها على سبيل المعنى؛ لأنه لم يحكيها على أنها القرآن، لم يسوقها على أنها القرآن، لماذا؟ لأنهم قالوا إن هذا اللفظ ليس لفظًا معجزًا؛ يعني قالوا "الشيخ والشيخة" يقول علماء التفسير أو يقول بعضهم قدم الله الزانية على الزاني لأن الزنا من النساء أبشع ولأنهن السبب الداعي إليه في غالب الأحوال، أما هنا "الشيخ والشيخة" فقدَّم الشيخ، فقالوا هذا خلاف الأبلغ.
ثم استعمال "الشيخ والشيخة" هنا، والضابط في أن يكون محصنًا لا أن يكون شيخًا؛ لأن الشيخ استُعمل بعدة معاني من الكبر وليس بلازم، ثم قال «إِذَا زَنَيَا» فليقل «إِنْ زَنَيَا» ثم قال «فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ» وكلمة "البتة" لم تُحفظ في القرآن الكريم كله؛ فقالوا إذًا كان هذا في معنى آية وليس لفظ الآية، لكن نقول يبقى الاستدلال بقول عمر إن آية في كتاب الله كنا نقرأها إشارة إلى أن هناك آية كانت تدل على الرجم وإن لم تكن بهذا اللفظ وكانت بمعناه، فيبقى الاستدلال صحيحًا والعلم عند الله تبارك وتعالى، وهذا من أشهر الأمثلة في ذلك، هناك أمثلة أخرى لكن هذا من أشهرها.
طالب:
....
الشيخ:
نعم أحسنت، "أَنْ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ". ورد في هذا عدة روايات، ثم مع ذلك رُفع هذا ولا نقرأ هذا في القرآن الكريم، وإن كان ورد في السنة من عدته أحاديث كثيرة: «
لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ يَدَّعِي لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ
» [رواه البخاري ومسلم]، وفي لفظه "
فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ
، ورد من عدة روايات؛ حديث أبي ذر وحديث سعد وحديث أبي هريرة عدة روايات؛ إذًا نقول: لكن ليس هذا نقطع منه لفظ القرآن، لكن مع ذلك هذا يشهد لقضية النسخ، «
لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، ﴿وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن﴾ تَابَ
» [رواه البخاري ومسلم].
النوع الثالث: نسخ الحكم والتلاوة
؛ هنا الذي ذكره هنا في الكلام، فقال:
وَالنَّسْخُ لِلْحُكْمِ أَوِ التِّلَاوَةِ
أَوْ لَهُمَا كَآيَةِ الرَّضَاعَةِ
إذًا هو مَثَّل بماذا؟ مَثَّل للثالث وهو نسخ الحكم والتلاوة، ما معنى «
كَآيَةِ الرَّضَاعَةِ
»؟ هو يستدل بذلك برواية مسلم من حديث أمنا عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: «
كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُتْلَى مِنَ الْقُرْآنِ
» [رواه مسلم].
فنتأمل الرواية هذا الحديث: "كَانَ فِيمَا يُتْلَى أَوْ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ" هل هذه موجودة الآن في القرآن؟ غير موجود، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾25، لم يذكر ذكر العدد عشر رضعات.
"فَنسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُتْلَى مِنَ الْقُرْآنِ"؛ كيف توفي وهن فيما يتلى من القرآن؟ يعني هل هناك قرآن كان يتلى إلى أن توفي الرسول وما نسخ إلا بعد الرسول؟ هذا لا يمكن؛ لأن النسخ لا يتحقق إلا بدليل، والدليل كتاب وسنة، لذلك النسخ يقع في عهد الرسول، لا نسخ بعد الرسول لأن النسخ في حياة الرسول؛ لأن النسخ يكون بالكتاب والسنة بخلاف الإجماع يكون بعده. إذًا الإجماع يكون بعد الرسول، النسخ يكون في حقه في حياة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
نعم، يذكره العلماء بعد الرسول كحكاية، لكن الأصل وقوعه؛ لأنه كيف ينسخ إنسان بعده بدليل متأخر عنه، دليل نص خطاب شرعي من الكتاب والسنة، فما معنى "وَهُنَّ فِيمَا يُتْلَى مِنَ الْقُرْآنِ"؟ قالوا يعني أن نسخ هذا قد تأخر جدًّا حتى ظن بعض الصحابة أنه لا يزال يُتلى، فكان بعضهم يتلوه على أنه من القرآن مع أنه لم يصر من القرآن الكريم، إذًا هذا معنى كلمة "وهن" أو جملة "وهن فيما يتلى من القرآن"؛ يعني بعضهم لا يزال يتلوه لكنه نسخ، لكن بعضهم لا يعرف أنه نسخ، هذا هو المعنى.
بعض العلماء لم يستفد هذا من الرواية، قال إن الرواية خبر آحاد فكيف يثبت القرآن بخبر الآحاد أصلًا؟ فأُجيب أيضًا بأن هذا إخبار عما كان، هذه كانت آية، وليس في إخبار أن هذا قرآن وهذا لفظ القرآن، هذا وجه الاعتراض في هذه الرواية.
الشاهد: عشر رضعات موجودة الآن؟ لا، طيب حكمها باقٍ؟ لا؛ يعني هل الذي يحرم عشر رضعات؟ لا، إذًا هذا منسوخ حكمًا وتلاوة، والخمس موجودة في الآية؟ غير موجودة، إذًا هي منسوخة تلاوة؟ نعم، طيب نُسخت حكمًا؟ على خلاف بين الفقهاء؛ فالشافعية يقولون بخمس رضعات، وبناءً عليه فعندهم أن هذا مما نسخ تلاوة ولم ينسخ حكمًا.
وأما عند الجمهور القائلين -أو عند الأحناف القائلين بأن عموم الرضاع يُحرم، مطلق الرضاع يُحرم حتى ولو كانت رضعة واحدة، وعند بعضهم أن ثلاث رضعات تُحرم؛ لأن ورد في الحديث: «
لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ وَلَا الإملاجة وَلَا الإملاجتان
»؛ يعني معناها لو ثلاثة تُحرم بمفهوم المخالفة-فبعضهم يقول ثلاث، وبعضهم يقول رضعة واحدة أخذًا بعموم الآية؛ لأنّّ الله قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾؛ هذا عام، فقالوا نبقى على عموم الآية.
فعند هؤلاء يقولون إن النسخ هنا نسخ ماذا؟ حكم وتلاوة أيضًا، ويقولون ما الفرق؟ لماذا قلتم إن العشر نُسخت حكمًا وتلاوة، وتقولون في الخمس إنها نُسخت تلاوةً دون حكمً، ما الفرق؟ الأصل أن كليهما قد نُسخ حكمًا وتلاوة، ومن هنا وقع الخلاف بين الشافعية وغيرهم في هذه المسألة.
واستدل الآخرون أيضًا بأدلة أخرى: "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟"، والنبي لم يستفصل عن عدد الرضعات في حديث عقبة بن الحارث لما قالت له المرأة: "إِنِّي أَرْضَعْتُكَ وَالَّتِي تَزَوَّجْتَ"، فقال: "مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي". فأتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأمره بفراقها، يعني المرأة قالت له: "أَنَا أَرْضَعْتُكَ أَنْتَ وَامْرَأَتَكَ"، قال: "مَا أَعْلَمُ"، فلما سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟" وفارقها، فقالوا ولم يستفصل عن العدد، الآخرون قالوا: لا، العدد معتبر قضية معروفة في الفقه ويأتي التفصيل فيها إن شاء الله في الفقه.
الشاهد: من ذلك أن هذا المثال -هذه الرواية-تصلح أن تضرب لنوعين على مذهب الشافعية وتصلح أن تكون لنوع على مذهب الجمهور.
هذه أنواع النسخ بهذا الاعتبار، وهناك تقسيم آخر الذي أسلفنا ذكره وهو النسخ باعتبار الأخف والأثقل، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: نسخ إلى الأخف، نسخ إلى الأثقل، نسخ إلى المساوي.
هذه أشهر مسائل النسخ، والكلام في النسخ كما قلت طويل جدًّا؛ ولذلك هناك كتب كبيرة قديمة وحديثة مصنفة في النسخ؛ إذ تجد النسخ موجودًا في رسائل قديمة، فتجد لقتادة وللزهري -يعني عددًا من السابقين-رسائل في النسخ، "الناسخ والمنسوخ" لابن شاهين بعد ذلك، ثم تجد أيضًا كلامًا لأبي جعفر النحاس إلى غير ذلك ممن كتب في النسخ.
ومن الرسائل المتوسعة في النسخ عند المعاصرين رسالة دكتوراه كاملة، الرسالة في هذا الباب "النسخ في القرآن" للدكتور مصطفى زيد، كانت رسالته كاملة في النسخ في القرآن، إلى غير ذلك من الرسائل، وبعضهم يعنون "لا نسخ في القرآن"، يعني عندنا عدة رسائل اسمها هكذا: "لا نسخ في القرآن" هكذا من البداية ثم يدندن حولها ويرد على أدلة المثبتين للنسخ، ولكن من يأتي لينقض هذا الكلام.
إذًا بعد هذا ننتقل إلى باب آخر ومتعلق بهذا الباب قريب منه، حتى ننتهي من هذه الأنواع التي ترجع إلى المعاني المتعلقة بالأحكام، هو النوع الثالث عشر والرابع عشر. قال: المعمول به مدة معينة وما عُمِل به واحد. إذًا ذكر نوعين:
النوع الثالث عشر: المعمول به مدة معينة، هذا يختلف عن ماذا؟ عن المنسوخ؛ لأننا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ المنسوخ يأتي الحكم فيه مطلقًا، المعمول به مدة معينة، وما عَمِل به واحد.
أما البلقيني وهو الأصل، فقلنا إن هذا الكتاب وهو منظومة الزمزمي نظم فيها الجزء الخاص بعلوم القرآن وأصول التفسير من "نقاية العلوم" للسيوطي، وقلنا إن السيوطي تبع في الغالب كلام البلقيني في "مواقع العلوم"؛ فالبلقيني جعل هذا قسمًا واحدًا وسماه: "المعلوم مدة"؛يعني ما عُلمت مدته ثم نسخ، وأدخل فيه النوعين ولم يجعلهما نوعًا واحدًا.
قال هنا الناظم:
كَآيَةِ النَّجْوَى الَّتِي لَمْ يَعْمَلِ
مِنْهُمْ بِهَا مُذْ نَزَلَتْ إِلَّا عَلِي
وَسَاعَةً قَدْ بَقِيَتْ تَمَامَا
وَقِيلَ لَا بَلْ عَشَرَةً أَيَّامَا
"
كَآيَةِ النَّجْوَى الَّتِي لَمْ يَعْمَل مِنْهُمْ بِهَا مُذْ نَزَلَتْ إِلَّا عَلِي
"؛ يقولون عُمِل بمدة معينة أو عمِل به واحد، فبعضهم جعلها نوعًا واحدًا كما قلت، "
كَآيَةِ النَّجْوَى
"، ما المراد بآية النجوى؟ قال الله تَعَالَى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾26. الأمر بتقديم الصدقة بين يدي نجوى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إذًا هذا هو الحكم إذا أردت أن تناجي الرسول يجب عليك أن تتصدق بالصدقة.
فقالوا هذا كان على سبيل اللزوم والوجوب؛ لأن هذا ظاهر الأمر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قالوا ثم نُسخ هذا الحكم، بعضهم قال نُسخ بعد ساعة ولم يعمل بها إلا علي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ جاء ليكلم رسول الله فتصدق بصدقة قبل نجوى الرسول ثم نُسخ الحكم.
ومنهم من قال بل بقي عشرة أيام، وقالوا هذا أرجح، قالوا لأنه كان معه عشرة دراهم فتصدق بها في كل يوم درهمًا، إذًا مكث عشرة أيام، ومع أن هذا استظهره بعضهم كالسيوطي وغيره، إلا أن هذا كله لا يخلو من مقال ولا تثبت رواية في هذا الباب؛ يعني من حيث التحقيق هذا غير ثابت، أسانيده ضعيفة أن عليًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ هو الذي تصدق وهو الذي طبق الآية، هذا لا يسلم من مقال؛ فلذلك قالوا إنه ليس هناك دليل صحيح على إثبات هذا أن عليًّا وحده دون غيره هو الذي فعل ذلك، قد يكون جمع من الصحابة فعلوا هذا.
ثم إن قوله سُبْحَانَهُ: ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾27. هناك من العلماء ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ هذه الآية نسخت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾؛ إذا رجعنا إلى باب النسخ، إن هذا قيل في البداية "تصدقوا" ثم بعد ذلك نُسخ الحكم.
وبعضهم يقول هذا ليس على سبيل النسخ، ولذلك بعضهم يدخل الآية في النسخ وبعضهم لا يدخله، ﴿أَنَّمَا﴾ يقول إن هذه الآية: ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ هذا صرفه عن الوجوب إلى الاستحباب؛ يعني كان في البداية يجب على من يناجي الرسول أن يتصدق ثم نُسخ الوجوب وبقي، أو خفف الوجوب، يقولون إن بعضهم يقول نسخ جزئي أو أن هذا على سبيل التخصص أو أن هذا صرفه من الوجوب إلى الاستحباب، كلام لهم في ذلك، على كل هذا هو المثال الشهير في ذلك.
وأما ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إنه لم يطبقها أحد -بمعنى أنه جاء الأمر ثم مباشرة جاء تغيير الحكم-فيضربونه مثالًا لما أُمر به ثم نُسخ قبل العمل به، وهذا يفتقد إلى دليل أيضًا، ومن أشهر أمثلته ما جاء في حق الخليل إبراهيم؛ لأنه أُمر بذبح ولده ثم رُفع هذا الحكم ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ينفذه وإن أخذ أجره لأنه عزم عليه، ويضرب هذا المثال لماذا؟ لما أُمر به ثم رُفع قبل التنفيذ، وهذا خلاف الأصل؛ لأن الأصل إذا أُمرنا بأمر أن ننفذه ثم بعد ذلك يأتي تغيير الحكم إذا شاء ربي ذلك، والعلم عند الله.
فهنا قال: «
كَآيَةِ النَّجْوَى الَّتِي لَمْ يَعْمَلِ مِنْهُمْ بِهَا مُذْ نَزَلَتْ إِلَّا عَلِي
». وطبعًا لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنها عشرة أيام كما رجحه باعتبار أن هذا الأشهر في رواية علي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يُعترض عليه اعتراضات: أين الصحابة؟ الصحابة يمكثون عشرة أيام لا يقدم أحدهم صدقة وهم يبذلون النفيس وكل ما معهم؟ هذا يُستبعد، كيف يتأتى هذا؟
قال: «
وَسَاعَةً قَدْ بَقِيَتْ تَمَامَا
» يعني قد بقيت تمامًا معمولًا بها، "
وَقِيلَ لَا بَلْ عَشَرَةً أَيَّامَا
"؛ يعني عشرة أيام، وكما قلت ومع هذا فإنَّ هذا لا يسلم من مقال والروايات فيه ضعيفة والعلم عند الله تعالى.
وبهذا نكون قد انتهينا من العقد الخامس وهو الذي نتحدث فيه عن معاني الأحكام، فتعرفنا فيه على هذه الأمور العظيمة؛ ولذلك هذه الأبواب أغلبها كما رأيتم تشترك بين -بل عامتها-يشترك بين علوم القرآن وأصول الفقه.
ثم ننتقل إلى العقد السادس بإذن الله تعالى في الدرس المقبل وهو: "ما يرجع إلى المعاني المتعلقة بالألفاظ وهي ستة أنواع"، وبهذا نكون قد اقتربنا من النهاية بإذن الله تبارك وتعالى، وكثير من المباحث القادمة أو المقبلة لها علاقة بجانب البلاغة ويأتي الكلام عنها بإذن الله تبارك وتعالى.
وفيها أيضًا مبحث طريف ولذيذ وليس فيه كبير تعب ولا عناء وبعضه يقوم على روايات منها ما يسلم ومنها ما لا يسلم وهو علم المبهمات كما سيأتي بيانه في حينه بإذن الله، ونكتفي بهذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ — المائدة: 90 ↩
- آية: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ — البقرة: 219 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ — النساء: 43 ↩
- آية: ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ — النحل: 67 ↩
- آية: ﴿فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — آل عمران: 97 ↩
- آية: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ — البقرة: 143 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ — البقرة: 234 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ — البقرة: 240 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ ٱلَّـٰتِىٓ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّـٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَـٰلَـٰتِكَ ٱلَّـٰتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىٓ أَزْوَٰجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ — الأحزاب: 50 ↩
- آية: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَٰجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ رَّقِيبًا﴾ — الأحزاب: 52 ↩
- آية: ﴿۞ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — البقرة: 106 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ — النحل: 101 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ — الأنفال: 65 ↩
- آية: ﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — الأنفال: 66 ↩
- آية: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ — البقرة: 184 ↩
- آية: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ — البقرة: 185 ↩
- آية: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — التوبة: 5 ↩
- آية: ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾ — التوبة: 29 ↩
- آية: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـٰمٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ — الزخرف: 89 ↩
- آية: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — البقرة: 109 ↩
- آية: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌ ۖ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ﴾ — الحجر: 85 ↩
- آية: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ — الغاشية: 22 ↩
- آية: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ — ق: 45 ↩
- آية: ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ — آل عمران: 50 ↩
- آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ — النساء: 23 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — المجادلة: 12 ↩
- آية: ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ — المجادلة: 13 ↩