منظومة الزمزمي الدرس السابع والأربعون
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
فما زال الحديث موصولًا بفضل الله وتوفيقه مع التعليق على منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وننتقل بفضل الله إلى الأنواع الستة الراجعة إلى المعاني المتعلقة بالألفاظ، فذكر الناظم انوع الأول والثاني، وهما "الفصل والوصل".
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
العَقْدُ السَّادِسُ:
مَا يَرْجِعُ إِلَى الْمَعَانِي الْمُتَعَلِّقَةِ بِالأَلفَاظِ، وَهِيَ سِتَّةٌ: الأَوَّلُ وَالثَّانِي: الفَصْلُ وَالوَصْلُ
الفَصْلُ وَالوَصْلُ وَفِي المَعَانِي
بَحْثُهُمَا وَمِنْهُ يُطْلَبَانِ
مِثَالُ أَوَّلٍ إِذَا خَلَوْا إِلَى
آخِرِهَا وَذَاكَ حَيْثُ فُصِلَا
مَا بَعْدَهَا عَنْهَا وَتِلْكَ اللهُ
إِذْ فُصِلَتْ عَنْهَا كَمَا تَرَاهُ
وَإِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيْمِ
فِي الوَصْلِ وَالفُجَّارِ فِي جَحِيمِ
الشرح
قال: "النوع الأول والثاني" من الأنواع الستة الراجعة إلى المعاني المتعلقة بالألفاظ، والعقد السابق كان للمعاني المتعلقة بالأحكام؛ فذكرنا هناك ما يتعلق بالعام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ وما إلى ذلك، فكانت المعاني هناك متعلقة بالأحكام؛ نعرف من خلالها الحكم أهو واجب أم مستحق؟ أهو حرام أم مكروه؟ وهكذا.
أما هذا النوع فيتكلم فيه عن المعاني التي ترتبط بمعنى اللفظ، والذي يظهر والعلم عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن هذا يتعلق بجانبين: أحيانًا يتعلق بمعنى اللفظ نفسه، وأحيانًا يتعلق بما وراء اللغة من المعاني، وهي التي سماها الشيخ عبد القاهر الجرجاني رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كما أسلفنا الذكر في درس التفسير، بـ "بِمَعْنَى المَعْنَى"؛ بمعنى أننا حينما نعلم هذا النوع فندرك بعض الأسرار التي هي وراء المعاني الظاهرة.
إذًا: منها ما يتعلق بالمعنى الظاهر، ومنها ما يتعلق بمعنى المعنى، يسميها بعض العلماء بـ "مُسْتَتْبِعَاتِ التَّرَاكِيْبِ"، أو يسمونها بـ "المعاني التابعة أو الثانوية"، ويسمون النوع الأول المعاني الأصلية.
إذًا الآن عندي مسند ومسند إليه، أسندنا المسند إلى المسند إليه فأنت عرفت هذا، وبدون الإسناد ما تتم لك الجملة؛ قلت: "قَامَ مُحَمَّدٌ"، أثبتَّ القيام لمحمد، لكن "لَقَدْ قَامَ مُحَمَّدٌ" فاستفدنا بذلك تأكيد القيام مثلًا، و "مَا قَامَ إِلَّا مُحَمَّدٌ" فأفدنا بذلك أسلوب القصر، فتأتي معاني أحيانًا تكون هذه المعاني هي المعنى الأصلي؛ كإثبات أو إثبات معاني بعد هذه المعاني الظاهرة، وإن كان الشيخ عبد القاهر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى استعمله أصلًا -أعني معنى المعنى- فيما يتعلق بالتورية والكناية وما إلى ذلك.
لكن نستطيع أن نقول: إذا كانت المعاني قريبة فإنها من المعنى، أو إذا كانت المعاني بعيدة أو هي من باب اللطائف البلاغية فهي من مستتبعات التراكيب، والله أعلم.
وهذا الباب يحتاج إليه في قضية من قضايا علوم القرآن، ومبحث من مباحثه، وهو مبحث ترجمة القرآن الكريم؛ لأن العلماء حينما تكلموا في مبحث ترجمة القرآن الكريم كان محط النظر ومحور البحث هو النظر في المقصود بالترجمة؛ أهي ترجمة للمعاني أم هي ترجمة للألفاظ؟ فإذا قصدنا بذلك أن يُفسر القرآن ثم تترجم التفسير فهذا لا بأس به.
وإذا قصدنا أنك تترجم لفظ القرآن فتُراعي المعنى الأصلي للقرآن والمعاني التابعة التي هي مستتبعات التراكيب فهذا لا يمكن؛ لأن أسرار القرآن لا تتناهى، ولأن بلاغة القرآن لا تبارى ولا تبلغ، فمن ثَمَّ جزموا بأن ترجمة القرآن الحرفية ممنوعة لا تجوز ولا تتأتى، بل مستحيلة؛ لا يمكن أن شخصًا يترجم اللفظ، في درس التفسير فإنَّ اللفظ الواحد له معنى واثنين وثلاثة وأربعة، فمن أين يتأتى لك الترجمة أن تأتي بكل المعاني؟ وكذلك الأسرار التي بعد المعاني، وسر التقديم والتأخير والتذكير والتأنيث والتعريف والتنكير، والإيجاز والذكر، من أين يتأتى لك هذا؟
هو ذكر هنا النوع الأول والثاني: الفصل والوصل، الفصل والوصل: هذان ذكرهما وجعلهما نوعين، وعند علماء البلاغة يعدان نوعًا واحدًا، وهذا النوع هو أحد ثمانية أنواع تندرج تحت علم المعاني؛ فعلم المعاني ثمانية أنواع، منه علم أو نوع الوصل والفصل، فهذا أحد أنواع علم المعاني، لذلك قال الناظم:
وَعَرَبِيُّ اللَّفْظِ أَحْوَالٌ لَهُ
يَأْتِي بِهَا مُطَابِقًا لِلْحَالِ
عِرْفَانُهَا عِلْمٌ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ الْمَعَانِي
مُنْحَصِرُ الأَبْوَابِ فِي ثَمَانِ
وهذا له وقت إن شاء الله تعالى.
إذًا هنا قال:
الفَصْلُ وَالوَصْلُ وَفِي المَعَانِي
بَحْثُهُمَا وَمِنْهُ يُطْلَبَانِ
"
الفَصْلُ وَالوَصْلُ
" إذًا يقول النوع الأول والثاني الفصل والوصل، "
وَفِي المَعَانِي بَحْثُهُمَا
"؛ يعني إذا أردت بحثهما فابحث عنهما في علم المعاني، "
وَمِنْهُ يُطْلَبَانِ
"؛ يعني إذا أردت أن تطلب علم الفصل والوصل بشيء من التوسع والاستقصاء والبيان والتفصيل والبحث والمدارسة فعليك بعلم المعاني في البلاغة.
نستفيد من هذا عدة فوائد:
المسألة الأولى:
أن ذكر الفصل والوصل هنا في علوم القرآن على سبيل الإيجاز لنعرف معناهما مع ذكر بعض الأمثلة عليهما، وأما تفصيل القول في هذا العلم أو في هذا النوع ففي دراسة البلاغة أو في دراسة خاصة كأن ندرس "بلاغة القرآن"؛ لأن أيضًا علماء علوم القرآن وعلماء التفسير لهم دراسات بلاغية لكن يعمدون إليها أساسًا؛ يعني نقول: ندرس الآن علم الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم؛ لأنه من علوم الإعجاز، والإعجاز هذا من علوم القرآن، ومن أنواع الإعجاز: الإعجاز البلاغي، ومن أنواع إعجاز البلاغة: الإعجاز البلاغي في علم البيان وفي علم المعاني والبديع، فهو يأتي بهذا، إذًا درسه ضمن علم الإعجاز الذي هو نوع من أنواع علوم القرآن، لكن تفصيل مسائله يكون في علم البلاغة، هذه مسألة.
المسألة الثانية:
أن علوم القرآن على أنواع، وأظن ذكرت هذا في أول كلام في علوم القرآن؛ إما في شرح المنظومة -أظن هذا بدأنا فيه منذ مدة- أو في بعض الكتب الأخرى في علوم القرآن، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: إن علوم القرآن على أنواع؛ فهناك علوم من علوم القرآن لا تدرس إلا في علوم القرآن، فهي علوم خاصة بعلوم القرآن؛ كالمكي والمدني، وترتيب الآيات والسور، وعد الآي، والمناسبات؛ فهي خاصة بعلوم القرآن، بمعنى أنك لا تجد كتابًا آخر، يعني لا تبحث عن علم المكي والمدني في غير كتب علوم القرآن وكتب التفسير، ما عندنا علم آخر يدرس المكي والمدني، الأصل تدرس في علوم القرآن حتى إذا ذكره علماء تاريخ التشريع يذكر تبعًا، لكن الأصل في تقرير العلم في علم المكي والمدني يوجد عند علماء علوم القرآن. علم عد الآي لا يدرس إلا في علوم القرآن.
هناك علوم من علوم القرآن تدرس في علوم القرآن وفي غير علوم القرآن؛ إما من جهة لغته؛ لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، فيدرسها اللغوي لأنه يدرس لغة القرآن، ويدرسها علماء علوم القرآن لأنهم يتحدثون عن علوم القرآن؛ يعني الآن حينما نتكلم عن بعض أبواب البلاغة، علماء اللغة يدرسونها -ونقصد علماء اللغة بالمعنى العام- يعني علماء البلاغة يدرسون هذا؛ يدرسون الفصل والوصل، ويدرسون الإيجاز والمساواة والإطناب، يدرسون هذه الأبواب، ولكنهم لا يدرسونها من خلال القرآن فقط، بل يدرسونها في القرآن وفي السنة وفي الأبيات الشعرية وفي كلام العرب؛ إذًا موضوعهم كلام العرب، أو إن شئت هو الأصح أن نقول: الكلام العربي، والقرآن نزل بلسان عربي مبين.
علماء علوم القرآن يدرسونها في علوم القرآن؛ لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وإذا أردت تفسير القرآن لا بد أن نفهم فيدرس في الجانبين، كذلك هناك علوم تتصل بالأحكام وهو العقد السابق الذي أخذناه، لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هناك: إن علماء أصول الفقه يدرسون هذا الباب أيضًا؛ فدرسنا العام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ، وقلنا: إن علماء أصول الفقه يدرسون هذا، لكنهم يدرسونه من زاوية أخرى، لذلك يدرسون العام والخاص في القرآن والسنة، والمطلق والمقيد في القرآن والسنة، لكن علماء علم القرآن يعتنون به من خلال القرآن كذلك.
وهنا مسألة أخيرة
: وهي أن كثيرًا ممن كتب في علوم القرآن على الطريقة المعتادة درج على النقل من كتب أهل الاختصاص، مع أنَّ في مدارسة ذلك من خلال علوم القرآن الكريم كعلم ما هو أجمل وأفضل وأكثر تفصيلًا وبيانًا؛ يعني كثيرًا ممن كتب في الناسخ والمنسوخ أو يكتب مثلًا في العام والخاص، يأتي بكلام الأصوليين ويطرحه في الكتب، يأتي بكلام أهل البلاغة ويطرحه في كتب علوم القرآن، فتأتي لتدرس الإيجاز والإطناب كأنك تدرس كتب بلاغة، وهذه طريقة الكثيرين.
جاء بعض من كتب في علوم القرآن أحب أن يراعي ما يقتضيه النظر في القرآن الكريم، فإذا ذكر العام والخاص في القرآن اهتم به من خلال القرآن، وتذكرون ونحن نتكلم عن العام المراد به الخصوص قلت أن بعضهم ألف رسالة كاملة في مثل هذا النوع؛ يعني هذا النوع ربما يذكر في الكتب عند الأصوليين في كلام بسيط جدًا، صفحة أو صفحتين، هذا تتبع مواضعه في القرآن الكريم فأخرج لنا أمثلة كثيرة، فهذه دراسة تكون جيدة إن روعي العلم، لذلك صارت هناك رسائل علمية ودراسات خاصة يدرس العام والخاص في ضوء القرآن الكريم، ينظر إلى الآيات كلها، والمطلق والمقيد.
وهناك بعض الرسائل ألفت في العلوم المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه، هناك رسالة بهذا العنوان أو قريبة منه "العلوم المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه" يأتي بالعلم اشتراك وجه الاشتراك وما بينهم من اشتراك..
كذلك الأمر هنا في البلاغة إلا أن كثيرًا ممن كتب في هذا الباب يتابع علماء البلاغة فتجد المثال هو المثال، يعني إذا ذكر حذف المفاعيل كما نذكر ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾1 يعني يدعو الناس إلى دار السلام، يعني لا زيادة في مسائله ولا نقص، في الغالب نحتاج إلى تجديد؛ أن يُعدد الإنسان بأمثلة كثيرة؛ لأن الباب ثري وغني وكثير بفضل الله عَزَّ وَجَلَّ، لكن هذا طبعًا يذكر في الدراسة المتوسعة وليس في دراسة منظومة الزمزمي، فيكون له وقت آخر بإذن الله تبارك وتعالى.
على كلٍ أن هذه المباحث التي معنا الآن هي مباحث بلاغية، وفي النية إن شاء الله تعالى أن نشرح متنًا في البلاغة فحينها نمر بإذن الله تعالى على فنون البلاغة أو أنواع البلاغة وكل نوع وما يتصل به بإذن الله تبارك وتعالى.
لكن هنا هو قال علم المعاني؛ علم المعاني هذا أحد ثلاثة أنواع ينقسم إليها البلاغة؛ لأن البلاغة تنقسم إلى ثلاثة علوم -يسمونها بعلوم لأن كل واحد منها علم له مباحثه وأصوله وقواعده-:
علم المعاني.
وعلم البيان.
وعلم البديع.
وبعضهم اقتصر على النوعين: المعاني والبيان، وبعضهم يطلق على البلاغة كلها علم البيان وهو يقصد الأنواع الثلاثة؛ ففي بعض الأحيان تجد في كلام العلماء السابقين يقول لك: "وهذا من العلماء في علم البيان"، ويقصد بالبيان البلاغة، لا يقصد البيان فقط، إذًا البلاغة يطلق عليها أحيانًا علم البيان، وأحيانًا تقسم البلاغة إلى نوعين: بيان ومعاني، لكن عند التفصيل والتقسيم والذي استقرت عليه مدرسة السكاكي ومن جاء بعدها، معروف أن هذا التقسيم المعهود، نقول: علم البيان، علم المعاني، علم البديع.
وكلها مهمة، إلا أن أجلاها وأعلاها علم المعاني المرتبط بما يقتضيه الحال؛ لذلك يعرف علم المعاني بماذا؟ "عِلْمٌ بِأُصُوْلٍ وَقَوَاعِدَ يُعْرَفُ بِهَا كَيْفِيَّةُ مُطَابَقَةِ الكَلَامِ لِمُقْتَضَى الحَالِ"، طبعًا علم المعاني له تعريفات كثيرة، لكن منها أن يقال هو: "عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ" أو "عِلْمٌ بِقَوَاعِدَ يُعْرَفُ بِهَا هَذَا أَوْ ذَاك كَيْفِيَّةِ مُطَابَقَةِ الكَلَامِ العَرَبِيِّ لِمُقْتَضَى الحَالِ"، طبعًا مع شيء ضروري لا بد من أن يكون ثابتًا حتى وإن لم يذكروه في التعريف، ما هو؟ "مَعَ فَصَاحَتِهِ"؛ لأنهم يرون أن هذا كله بعد الفصاحة؛ يعني الفصاحة رقم واحد، أي سلامة الكلام من الخلل، طبعًا معروف سنقول فصاحة المفرد أو فصاحة الكلمة أو فصاحة الكلام، لكن أقصد أنه لا يكون فيه عيب لغوي؛ فإذًا جود عيب لغوي يخرج الكلام عن البلاغة ابتداءً.
إذًا: علم المعاني في أن الكلام سالم من الأخطاء، يعني الصياغة صحيحة، أسند الكلام فيه بعضه إلى بعض بطريقة صحيحة، ثم تراعي مقتضى الحال، فيقال له علم المعاني، ومن هنا ظهرت نظرية النظم عند الشيخ عبد القاهر الجرجاني رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الذي يلقب بشيخ البلاغيين؛ لأنه خطا خطوات كبيرة جدًا في مسألة البلاغة، يفسر هو قضية نظم القرآن بأنها "تَوَخِّي مَعَانِي النَّحْوِ".
إذًا إذا سألتك وقلت لك ما معنى النظم؟ فقل: نظم القرآن، ومرعاة نظم القرآن يعني مراعاة نظم؟ توخي معاني النحو؛ ولذلك البلاغي لا يكون بليغًا إلا إذا كان له نصيب من النحو، ولذلك يقدم علم النحو على علم البلاغة؛ لأنه لا يتأتى أصلًا للبلاغة إلا بعد معرفة الفصاحة، والفصاحة نحو؛ يعني النحو سلم إلى البلاغة.
توخي معاني النحو هذا جليل؛ لذلك عبد القاهر الجرجاني في الأصل نحوي، نحوي جليل، لكن وظف النحو في البلاغة؛ يعني الأن قضية النحو ماذا؟ إن الفعل ُأسند إلى فاعل، المبتدأ أسند إليه خبر المبتدأ، والمسند يقابل المسند إليه الفاعل المسند إليه المبتدأ، إذًا عندي مسند إليه ومسند، هو بدأ ينظر في معاني النحو؛ معنى هذا النحو أنت الآن عرفت فعل وفاعل، طيب لما ارتبط هذا بهذا ماذا ترتب على ذلك؟ فبدأ يبحث فيما يترتب على ذلك من أثر، وتطرق إلى العطف؛ طيب لما عطف ماذا حصل؟ ترك العطف ماذا حصل؟ طيب لما كان فيه تقديم وتأخير ماذا حصل؟ لما كان فيه ذكر وحذف ماذا حصل؟
علماء النحو يقولون لك مثلًا هنا: "وحذف المفعول مثلًا للعلم به"، يتكلمون عن الحذف لكن ما يتكلمون عن سره؛ هو هناك يقول: "ما السر؟" ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، حذف المفعول للتعميم؛ يعني مثلًا علماء النحو يقولون الله يدعو، يدعو من؟ يدعو كل الناس، أين المفعول؟ محذوف، هذا عمل النحو، يقول المفعول محذوف وخلاص انتهت، لكن البلاغة تقول: حُذِفَ لماذا؟ ما أغراض الحذف؟ ما أغراض الذكر؟ يقول: أكمل الآية ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أصل الهداية هذه خاصة، ليس كل الناس يوفق للهداية، من الذي يهدي؟ من شاء الله، وأما الدعوة فهي عامة للجميع، فحذف المفعول لتعميم؛ إذًا هذه فائدة الحذف.
الذي يتكلم في فائدة الحذف وسر الحذف هو البلاغي، أو البليغ، أول خطوة في البلاغة أن تعرف ماذا؟ تعرف مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ما معنى هذا الكلام؟
يعني الآن أنا قلت لك: "قَامَ زَيْدٌ"، واحد قال: "لَقَدْ قَامَ زَيْدٌ"، "وَاللَّهِ قَدْ قَامَ زَيْدٌ"، "وَاللَّهِ لَقَدْ قَامَ زَيْدٌ"، "وَاللَّهِ إِنَّ زَيْدًا لَقَدْ قَامَ"، أنت ممكن تسمع هذا وتقول: كل واحد، ما كله إثبات القيام لزيد! لا، عند البليغ لا يقول هذا، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ أؤكد؟ ومتى أزيد في التأكيد؟ ومتى أخلي الكلام من التأكيد؟ هذه قضيته، هذا اسم معنى النحو، وهذا الذي نعتني به أحيانًا في التعليق على الألفية مما يتعلق بالنحو من معاني، وهذا يعتني به المفسرون، فنظرية النظم قائمة على ذلك، وأعلى ما يعتني به ماذا؟ علم المعاني، ثم تأتي بقية العلوم الأخرى، الفنون الأخرى وهو علم ماذا؟ وهو علم البيان، والعلم الثالث علم البديع.
إذًا ما معنى علم البيان؟ أنا سأذكر فقط تعريف الثلاثة علوم حتى نعرف فقط دون تفصيل في ذلك؛ هو علمٌ يُعرف به إِيْرَادُ المَعْنَى الوَاحِدِ فِي أَسَالِيْبَ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ حَيْثُ وُضُوْحُ الدَّلَالَةِ"، وبعضهم يزيد: "فِيْمَا بِهِ لَازِمُ مَا وُضِعَ لَهُ"، لكن أيضًا أقول للذي يناسب هنا المقام: أنت الآن في علم المعاني ما شغلك؟ تبحث في ماذا؟ تبحث في المسند، في المسند إليه، في المبتدأ، في الخبر، في الفعل، في الفاعل، في متعلقات الفعل، تبحث في الخبر، في الإنشاء، تبحث في القصر؛ ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾2 دخول "﴿أَنَّمَا﴾" ما ذا أفاد؟ أسلوب قصر، "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" [صحيح البخاري]؛ يبحث في الإيجاز، في الإطناب، في المساواة، في الفصل، في الوصل؛ وهي الأنواع الثمانية يبحث في هذا.
أما في علم البيان، هو لا يبحث في مطابقة الكلام لمقتضى الحال -هذا موجود أصالة في المعاني- لكن يبحث كيف تصوغ الكلام صياغة جميلة بأساليب متنوعة؛ فمرة تأتي بالتشبيه، أنت ممكن تأتي بالكلام بدون تشبيه، يعني أنت إذا قلت: "مُحَمَّدٌ شُجَاعٌ" فبهذا تم الكلام، لكن "مُحَمَّدٌ كَالأَسَدِ" هذا اسمه علم بيان، أعطيت الكلام رونقًا أنك نوعت في الأساليب، فتأتي بالتشبيه، تأتي بالاستعارة تصريحية أو مكنية إلى غير ذلك، فيقال له علم البيان.
ثم يأتي بعد ذلك علم البديع؛ علم البديع هو: "عِلْمُ رِعَايَةِ تَحْسِيْنِ الكَلَامِ بَعْدَ رِعَايَةِ الوُضُوْحِ وَالمَقَامِ"؛ فإذا كنا في علم المعاني نعتني بمقتضى الحال، وفي علم البيان نعتني بالإيضاح وطرق الإيضاح وأساليبه، فيأتي بعدهما علم البديع لزيادة في تحسين الكلام؛ يعني ذكرت الليل والنهار، الشمس، تأتي بكلمة وما يطابقها "الطباق"، أتيت بالتقابل بالطباق بالجناس، هذا شيء فيه تحسين، لكن مطابق للكلام لمقتضى الحال؛ ولذلك البديع يكون بعد ماذا؟ بعد المعاني والبيان، ولذلك كما قلت بعضهم اقتصر على العلمين: على المعاني وعلى البيان.
أهم ما على طالب العلم -أعني في التفسير-أن يعتني به بالدرجة الأولى بعد النحو هو علم المعاني، وأكثر المباحث التي يعتني بها المفسرون في الكلام وفي الدلالة على إعجاز القرآن ما يتعلق بعلم المعاني، وليس هذا تقليلًا لشأن علمي البيان والبديع، لكن من باب إنزال كل علم في منزلته اللائقة به.
وعلم البيان رائع ورائق وجليل وفيه في القرآن كنوز ودلائل على الإعجاز؛ بعضهم صنف كتبًا في تشبيهات القرآن وحدها، تجد كتبًا وفيها كلام رائع، لكن هل التشبيهات موجودة في كل آية؟ يعني هل في كل القرآن تشبيه؟ هل في القرآن استعارة؟ لكن في كل القرآن مسند ومسند إليه، يا خبر يا إنشاء، يا تقديم يا تأخير، يا ذكر يا حذف؛ يعني علم المعاني هذا موجود في كل القرآن، كل جملة في القرآن ستجد فيها هذا الأسلوب.
فإذًا الذي يحسُن بالإنسان أن يعود نفسه على ذلك؛ ولذلك بعض من يتكلم في البلاغة الآن، يعني أجد بعض الدارسين للبلاغة ممن يولع بالتشقيقات الموجودة في علم البلاغة المعاصر؛ لأنكم تعرفون من درس في كلام البلاغة المعاصر حينما يتكلمون عن الاستعارة ومسألة الوفاقية والعنادية، ثم يدخل في المرشحة والمجردة والمُطلقة، ويجد أسماء كثيرة جدًا في هذا، أنا أقول: إذا عرفها الإنسان فهو جيد ولاسيما أنه سيستطيع فهم كلام المفسرين.
لكن أحيانًا هو يبتعد عن السر في وجودها وعما يتعلق بعلم المعاني، فيعرف اصطلاحات كثيرة في البلاغة فإذا جاء ليفسر آية واحدة ولينظر إلى أسلوب القرآن فيها ما استطاع أن يقول فيها شيئًا! ولو أنه وضع الأمر في نصابه لعرف بما يبدأ وبما يختم، والله تعالى أعلم.
على كلٍّ سنتكلم بإذن الله في الدرس المقبل عن الفصل والوصل وصلة ذلك بعلم التفسير، ونقف عند هذا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ — يونس: 25 ↩
- آية: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾ — الكهف: 110 ↩