منظومة الزمزمي الدرس الثامن والأربعون
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
فما زال الحديث موصولًا بالتعليق على منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وما زلنا مع: النوع الأول والثاني "الفصل والوصل"، ضمن الأنواع الستة الراجعة إلى المعاني المتعلقة بالألفاظ.
وقلنا إن الناظم تبعٍ للأصل في هذه الأنواع؛ يحدثنا عن بعض المباحث البلاغية، فحدثنا هنا عن الفصل والوصل، فقد ذكرنا في اللقاء السابق طرفًا من علوم البلاغة التي تندرج تحتها فنونٌ كثيرة وأنواع متعددة تتعلق بهذا العلم علم البلاغة، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن علماء البلاغة يقسمون البلاغة إلى ثلاثة أقسام أو إلى ثلاثة علوم: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع، وفرقنا بين الثلاثة.
والكلام هنا عن علم المعاني، وقلنا إنه أقرب العلوم في الحديث عن هذا الباب فيما يتعلق بعلوم القرآن وإعجاز القرآن الكريم، ثم يتلوه علم البيان ثم علم البديع.
فقال هنا الفصل والوصل، وقولهم "الْفَصْلُ": أي ترك ذكر الواو بين الكلام، فتعطف كلامًا على آخر أو جملة على أخرى بدون عطفٍ، والعطف هنا يكون بالواو، فهذا هو الأصل إذا أُطلق الوصل؛ فإذا أُطلق الوصل فالمقام فيه مقام ذكر الواو، أعني في "الْوَصْلِ"، و "الْفَصْلِ": ترك ذكر الواو، وإلا فإنَّ العطف بصفة عامة أوسع دائرة من هذا؛ فإنَّ العطف كما هو معلوم له أدوات من العطف بالواو والفاء وثم، كما هو معلوم، لكن المراد هنا بالدرجة الأولى والمشهورة العطف بـ "الواو"، أو ترك العطف بـ "الواو".
فقال هنا:
الفَصْلُ وَالوَصْلُ وَفِي المَعَانِي
بَحْثُهُمَا وَمِنْهُ يُطْلَبَانِ
أي البحث في الوصل والفصل يُطلب من علم المعاني؛ إذا أردت أن تتعرف على مباحث الفصل والوصل فإنك ستجد ذلك في علم المعاني، ولعلكم تذكرون ما أسلفنا ذكره في اللقاء الماضي أن هناك بعض المباحث المتعلقة بعلوم القرآن لها صلة وثيقة بعلوم العربية؛ لأن القرآن الكريم نزل بلسانٍ عربيٍ مبين، ومن ثم فإنَّ المفسر يلزمه تعلم العربية وأن يضرب منها بسهم وفير وحظ كبير؛ فحينئذٍ ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يطلع على مباحث الفصل والوصل فإنه سيجد ذلك في كتب البلاغة، لكن هنا يتطرق إلى طرف يسير منه، وكذا صنع العلماء في كتب علوم القرآن الكريم.
"مِثَالُ أَوَّلٍ"؛ما الأول هنا في الذكر هو "الفصل"؛ يعني أراد أن يبين لنا الفصل بالمثال، وتقدم أن الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أحيانًا يقوم بتعريف النوع الذي يذكره، وأحيانًا يكتفي بالتمثيل له فيستغني بالمثال عن التعريف، فقال:
مِثَالُ أَوَّلٍ إِذَا خَلَوْا إِلَى
آخِرِهَا وَذَاكَ حَيْثُ فُصِلَا
يقصد بذلك قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾1، ولذلك قال: "
حَيْثُ فُصِلَا مَا بَعْدَهَا عَنْهَا وَتِلْكَ اللهُ إِذْ فُصِلَتْ عَنْهَا كَمَا تَرَاهُ
"؛ يعني في قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ2 ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
أين المثال هنا؟ فصل قوله: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ عما قبله، فلم تأتِ الآية هكذا: (﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟﴾ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ والله يستهزئ بهم) لم تأتِ كذلك، ﴿أَنَّمَا﴾ جاءت مستأنفة بدون ذكر الواو: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. إذً تُرك العطف أم ذكر العطف؟ ترك العطف؛ إذًا هذا من الفصل أم من الوصل؟ هذا من الفصل هكذا ضرب المثال بهذا.
علماء البلاغة يتكلمون في هذا كلامًا طويلًا، فيذكرون ما مواضع الوصل وما مواضع الفصل؟ وهناك مواضع يجوز فيها الوجهان ويكون أحدهما أولى من الآخر، وهناك مواضع يتعين فيها الوصل، ومواضع يتعين فيها الفصل، وهناك ما يقال له كمال الاتصال وشبه كمال الاتصال، إلى غير ذلك، وكمال الانقطاع والتوسط بين الكمالين، كما هو معلوم من هذه الأقسام والأنواع، ليس هنا مقام تفصيل القول في هذا، بل ضرب مثالًا بهذا.
إذا تأملنا هذا المثال الذي ذكره نجد أن هذا الفصل له أسباب؛ من هذه الأسباب أننا لو وصلنا لأوهم غير المراد؛ لأن قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾3، إذًا رب العزة سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يذكر قول المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾، ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، إذا قال: (والله يستهزئ بهم) يحتمل أنه معطوف على كلامهم، وأنهم قالوا: (والله يستهزئ بهم)، إذًا كأن المنافقين هم الذين قالوا: (إنا معكم ﴿أَنَّمَا﴾ نحن مستهزئون والله يستهزئ بهم) فيكون قولهم (والله يستهزئ بهم)، من تتمة قولهم وهذا خطأ، فإنه ليس من قول المنافقين، وإنما هو من رد الله على المنافقين، من تعقيب الله عَزَّ وَجَلَّ على كلامهم.
فالعطف سيؤدي إلى معنى فاسد: (﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟﴾ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ والله يستهزئ بهم)؛ وأيضًا ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هل إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: (وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم والله يستهزئ بهم) هل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يستهزئ بهم عند الخلوة إلى الشياطين فقط؟ يعني هل هذا مقيد فيكون واقعًا في موقع جواب الشرط؟ ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ لا، ليس مقيدًا به؛ فحينئذ يحتمل إشكالًا آخر أيضًا.
لكن قوله: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ تعقيب عليهم؛ ولذلك قالوا إنه استئناف بياني، ولذلك يقولون إن فيه شبه كمال الاتصال، جواب عن سؤال مقدر، كأن القائل يقول: هؤلاء المنافقون إذا خلوا إلى شياطينهم؛ يعني انصرفوا إلى شياطينهم، قالوا: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾؛ فهل أهل الإيمان لم يعرفوا شيئًا عنهم؟ وهل هؤلاء يفعلون ما يريدون دون أن يحاسبوا؟ هذا سؤال يُثار عند أهل الإيمان، المؤمنون يقولون: هؤلاء يفعلون كذا فماذا سيصنع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بهم؟ ما جزاؤهم؟ فعقب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قائلًا: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
إذًا كأن هنا سؤالًا طُرح: هؤلاء الذين يسخرون من المؤمنين ويستهزئون بالمؤمنين ويقولون لشياطينهم إذا خلوا بهم كذا وكذا، ما بالهم وكيف يعاملهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟ فجاء ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وجواب السؤال المقدر لا تدخله الواو؛ لذلك يقولون: "اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ"، وهذا من مواضع الفصل؛ فمن مواضع الفصل أن يكون الكلام جوابًا عن سؤال مقدر.
ولعلكم تذكرون ما أسلفنا ذكره مرارًا في دروس التفسير؛ لأنه في باب المحاورات وفي باب المقاولات لا تذكر الواو، يعني أنت قلت كلامًا ورُد عليك بقولٍ لا تدخل الواو، ليس فقط عطف الكلام عن كذا، ﴿أَنَّمَا﴾ هو قول ويُرد عليك، وكذلك إذا كان جوابًا عن سؤال مقدر فإنه لا تدخل الواو.
السبب الآخر في عدم دخول الواو في الآية الكريمة أيضًا:
أن قوله: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ عند كثير من أهل التفسير واللغة يقولون: هي جملة معترضة؛ يعني ربنا قال: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾، ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾4 هذا جزاؤهم، لكن بين يدي الجزاء وذكر القول قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، فقالوا: هي جملة معترضة بين الكلامين.
قالوا: والأصل في الاعتراض أن لا تدخله الواو، هذا هو الغالب فيه؛ من أسباب الفصل الاعتراض، يعني جملة جاءت وسطًا بين كلام سابق وكلام لاحق: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾5، أصل كلامهم: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾، لكن جاء كلام معترض بين الكلامين: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾، قوله: ليس من كلامهم، الكلام من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، هذا معنى الاعتراض؛ يعني دخل كلام بين كلامين يرتبط أوله بآخره، ليس للاحتراز ليخرج به ما كان من سمي الباب "الِاحْتِرَاز" كما هو معروف في البلاغة "دفع ما يوهم خلاف المقصود"، فهذا أسلوب آخر، وهذا من الفروق بين الاحتراز وبين الاعتراض.
الشاهد في الكلام:
أننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنها جملة معترضة، أو جواب عن سؤال مقدر، أو أن الوصل يوهم خلاف المراد؛ فكل هذا مؤذن بماذا؟ بالفصل، وهذا ينبئنا عن أن الفصل له عدة أسباب، وقد يجتمع في المثال الواحد أكثر من سبب.
وباب الوصل والفصل من أدق مباحث البلاغة؛ ولذلك بعضهم لما سئل عن البلاغة قال: "الْفَصْلُ وَالْوَصْلُ"، ويقولون عن الفصل والوصل إنه "مَحَزُّ الْبَلَاغَةِ"؛ ولذلك من الأبواب الدقيقة في البلاغة باب الفصل والوصل وباب الإيجاز؛ أن تعرف وجه الإيجاز في الآية الكريمة؛ وذلك لأن للإيجاز له صلة وثيقة بالإعجاز، حتى قالوا: "إِنَّ مُنْتَهَى الْإِعْجَازِ فِي تَمَامِ الْإِيجَازِ"، هذا كلام معروف وفيه كلام طويل، وهو سيذكر الإيجاز بعد الكلام عن الفصل والوصل؛ إذًا هذا هو المثال الأول الذي ذكره للفصل، وذكر مثالًا آخر.
إذًا نعيد الكلام مرة أخرى، قال:
مِثَالُ أَوَّلٍ إِذَا خَلَوْا إِلَى
آخِرِهَا وَذَاكَ حَيْثُ فُصِلَا
"
آخِرِهَا
"؛ يعني آخر الآية، "
وَذَاكَ حَيْثُ فُصِلَا
مَا بَعْدَهَا عَنْهَا
"، "
مَا بَعْدَهَا عَنْهَا
" وهو وقوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، "
وَتِلْكَ اللهُ
"؛ يعني التي بدايتها "اللَّهُ" "
إِذْ فُصِلَتْ عَنْهَا كَمَا تَرَاهُ
".
ثم ذكر المثال الآخر للوصل، فقال:
وَإِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيْمِ6
فِي الوَصْلِ وَالفُجَّارِ فِي جَحِيمِ
وهذا أين نجده؟ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾، وهذا لتمام التقابل؛ هناك تقابل بينهما، فمن حينئذٍ حسن الوصل بالواو لكمال التباين: ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾، ومما هو معلوم أنه بالضد تتميز الأشياء، فأنت تذكر الشيء وتذكر ضده، فكلمة "
الْأَبْرَارُ
" في مقابلة "
الفُجَّارِ
"، وكلمة "النعيم" في مقابلة "الجحيم"؛ ولذلك من تمام النعيم معرفة جزاء أهل الجحيم، ومن تمام سعادة السعداء معرفة جزاء الأشقياء؛ فلذلك جمع الله عَزَّ وَجَلَّ بينهم لكمال الانفصال في المعنى؛ ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾، هذا في اتجاه وهذا في اتجاه مقابل، وهذا فيه أن هذا يحدث في هذا الباب.
وناسب ذلك كما قلت أن هناك تقابلًا في الكلمات؛ هذا معروف في باب الطباق وفي باب التقابل: ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾، وإلا فأحيانًا في باب التقابل المعنوي لا تأتي الواو، كما في صدر سورة البقرة؛ فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لما ذكر المتقين وصفاتهم أتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾7 ولم يقل: (وإن الذين كفروا)، هذا تباين كامل؛ لكن هنا لما ذكر الأبرار وفي مقابلتها الفجار، وذكر النعيم وفي مقابلتها الجحيم، فحينئذ حسن العطف، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
وهذا الباب كما قلت باب متسع؛ هناك رسالة كتبها الشيخ الدكتور محمد أمين الخضري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وهو من المبرزين في علم البلاغة في العصر الحديث، كانت رسالته العالمية الدكتوراه: "الْوَاوُ وَأَحْكَامُهَا"، أو هكذا رسالته كلها: "الْوَاوُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ" أو "فِي الدَّرْسِ الْبَلَاغِيِّ"؛ رسالة كلها عن حرف الواو، يتكلم فيها عن الواو ومواقعها في القرآن الكريم وصلًا وفصلًا، ويذكر الأنواع ويناقش أسباب الوصل وأسباب الفصل، وله فيها مباحث رائقة، لاسيما أن بعض المفسرين يولعون ببعض العبارات التي تحتاج إلى تدقيق نظر، كقولهم: (أن هذا على عطف قصة على قصة)، و(هذا على عطف الاستئناف)، وكيف يكون الاستئناف وفيه العطف؟
حرر بعض المسائل في القضية ثم أتبع ذلك بكتب أخرى؛ فكتب في "الْفَاءِ" وفي "ثُمَّ"، وكتب في حروف الجر؛ فله ثلاثة كتب في هذا الباب: كتابه في "الواوِ" ومواقعها في القرآن الكريم، وفي الفاء وثم في كتاب واحد، ثم في حروف الجر، وكما قلت ذلك باب متسع والعلم عند الله تبارك وتعالى.
طالب:
موضع الوصل ...
الشيخ:
هذا كما قلت باب واسع إن شاء الله، هذا من ضمن ما ندرسه في الدورة إن شاء الله في البلاغة.
يعني لو أردنا أن نعدد مواضع الوصل والفصل لطال بنا المقام، حتى لا نخرج عنه؛ لعلنا إن شاء الله نجعل درس في البلاغة أفضل بإذن الله تعالى؛ لأنَّها تتطلب منا أن نتكلم عن كمال الاتصال ومتى يكون، وشبه كمال الاتصال، وكمال الانقطاع، ونريد أن ننجز بإذن الله تعالى هذا الباب، وإلا فما يكون الإيجاز نفسه أيضًا طويلًا في هذا المبنى.
النَّوعُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ وَالخَامِسُ: الِإيجَازُ وَالِإطْنَابُ وَالْمُسَاوَاةُ
وَلَكُمُ الحَيَاةُ فِي القِصَاصِ قُلْ
مِثَالُ الإيجاز وَلَا تَخْفَى المَُثَُلْ
لِمَا بَقِي كَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ
وَلَكَ فِي إِكْمَالِ هَذِي أَجْرُ
نَحْوُ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ الِإطْنَابُ
وَهِيَ لَهَا لَدَى الْمَعَانِي بَابُ
الشرح
انتقل المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلى النوع الثالث والرابع والخامس، وهو: الإيجاز والإطناب والمساواة، وهذا كما سمعتم منذ قليل أيضًا من أدق أبواب البلاغة، وباب الإيجاز والإطناب والمساواة أيضًا يذكر العلماء هذا الباب ويتحدثون عنه حديثًا مستفيضًا، وفيه كتب رائقة وفائقة وكثيرة ومتكاثرة.
الإيجاز والإطناب والمساواة؛ إذًا هي ثلاثة أنواع، ثم بعد ذلك يقسمون هذه إلى أنواع داخلية؛ فإذا تحدثوا عن الإيجاز قسموا الإيجاز إلى نوعين: إلى إيجاز بالحذف وإلى إيجاز بالقِصر -هكذا-وليس بالقَصْر؛ لأن بعض الطلاب ينطقونها خطًا، هناك باب يقال له باب القصر، "أُسْلُوبُ الْقَصْرِ" هذا أسلوب بلاغي آخر مثل دخول (﴿أَنَّمَا﴾)، و(ما) و(إلا)، وتعريف جزئي الجملة، هذا باب آخر يأتي الكلام عنه في موضع آخر؛ لكن الكلام عن "الْإِيجَازِ بِالْقِصَرِ".
إذًا الإيجاز على نوعين، وهناك من يجعل الإيجاز على نوعين لكن بطريقة أخرى؛ فيجعل هناك إيجاز تقدير وهناك إيجاز بالحذف، ويجعل هناك إيجازًا بالقصر بتقسيم آخر، لكن نقول على ما سار عليه جمهور المتأخرين من علماء البلاغة:
بداية نقول: هذا التقسيم الثلاثي: الإيجاز والمساواة والإطناب، عليه جمهور أهل البلاغة من المتأخرين؛ يعني درج عليه عامة من كتب في البلاغة من المتأخرين، وأيضًا بعض المتقدمين، ومن سار على مدرسة السكاكي كما يقولون كلهم على هذا؛ أن هناك إيجازًا وهناك إطنابًا وهناك مساواة.
خالف في ذلك بعض المعاصرين ومن أشهرهم الشيخ محمد عبد الله دراز رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، صاحب كتاب "النَّبَأُ الْعَظِيمُ"؛ فقد مال هذا العالم إلى أن القرآن كله إيجاز، وليس في القرآن لا إطناب ولا مساواة. فهو يدعي أن القرآن كله قائم على الإيجاز وليس في القرآن لا مساواة ولا إطناب، وأتى ببعض ما يقولون عنه إنه إطناب أو إنه مساواة وقال إن هذا فيه إيجاز، ورد عليه بعض المعاصرين كالشيخ الدكتور عبد العظيم مطعن وله كلام طويل في هذا الباب، والظاهر والله أعلم أن الخلاف في هذا الباب لفظي، وأن القول المشهور عند علماء البلاغة هو المعتمد وهو أن الكلام منه الإيجاز ومنه الإطناب، ومنه المساواة، والقرآن جاء بلغة العرب، وهذا موجودٌ في لغة العرب؛ لكن الخلاف لفظي من جهة ماذا؟
من جهة تحرير معنى الإيجاز والإطناب؛ فالإيجاز عند الشيخ دراز هو: "الْقَصْدُ فِي اللفظِ مَعَ الْوَفَاءِ بِالْمَعْنَى"؛ إذًا ما تعريف الإيجاز عند دراز؟ هو القصد في اللفظ مع الوفاء بالمعنى، هذا هو الإيجاز، "القصد في اللفظ"؛ يعني تقتصد في الألفاظ وتأتي بمعانٍ وفيرة، فأنت إذا نظرت إلى هذا التعريف وجدت أن القرآن الكريم كله على هذا المنوال؛ يعني لو أنك نظرت إلى قصة فيها إطناب وطول كما يظن، كقصة يوسف؛ قصة يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في سورة يوسف، إذا نظرنا إليها لأول وهلة سنقول إن فيها إطنابًا لأنَّها لم تأتِ بهذا الإيجاز المعهود في كثير من قصص القرآن الكريم، جاءت في عدة صفحات كما نرى.
لكن إذا دققنا النظر وقلنا: إن هذه القصة هل يمكن أن تصاغ أو أن تأتي بمثل هذه المعاني الوفيرة في أقل مما قيل؟ لا يمكن؛ إذًا هي إيجاز من جهة أن هذه المعاني المتكاثرة جاءت في هذه اللفظ، هذه اللفظ موجز لا يمكن أن يُقال بأقل منه؛ لذلك أحسن من نظر إلى هذا وقال: إن الإيجاز إيجاز موضوع، وإن الإطناب إطناب موضوع؛ بمعنى أن هذا يصلح عند المقارنات؛ يعني أنت تقول قصة يوسف فيها إطناب وقصة مثلًا أصحاب القرية فيها إيجاز، أو قصة أصحاب السبت، فيها باعتبار المقارنة أن هذه جاءت في نصف صفحة وهذه جاءت في عشر صفحات أو في أربع عشرة صفحة؛ إذًا هذا بالنسبة للمقارنة في هذا.
لكن أن تنظر إلى الموضوع ذاته لكي تستطيع أن تقول إنه يمكن أن يصاغ بأقل من هذا؛ بالضبط كما لو قلت أنا كلامًا، قلت لكم في خمسة أسطر ثم أعيد وأقول: يا جماعة أنا سأوجز كلامي، فأوجز كلامي في سطرين، وأدي غرض خمسة أسطر، هذا لا يتحقق في القرآن الكريم في نفس الموضع؛ لأنه إذا اُختصر اُختصر لدلالته على معنى، فإذا بُسط بُسط لدلالته على معنى أوفى، فيكون الإيجاز إيجاز موضوع ويكون الإطناب إطناب موضوع، مثل ماذا؟
مثل الحديث عن الجنة: الناظر في موضوع الجنة في سورة الرحمن يجد أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لما وصف الجنتين ثم وصف الجنتين الأخريين، وصف هذه الجنات بصفات كثيرة وفيها شيء من الإطناب مقارنة ببعض السور التي فيها مثل ما قبلها في سورة القمر: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ8 فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍۭ﴾ وانتهى الحديث عن الجنة، فلك أن تقول هذا إيجاز وهذا إطناب؛ لكن لو أردنا أن نصف جنتين ثم جنتين بأوصاف سورة الرحمن، هل بإمكان أحد أن يأتي بأوجز مما ذكره الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في سورة الرحمن؟ لا يمكن؛ إذًا يتم الإيجاز والإطناب إذا نظرنا إلى موضع السورة والآيات في سورة وسورة أخرى، في موضع وموضع آخر.
لكن أن تنظر إلى الآيات من جهة القرآن وخارج القرآن فالقرآن كله إيجاز؛ لأنه لا يمكن لأحد من البشر أن يأتي بمعاني القرآن الكريم في هذا الإيجاز، بل هو لا يستطيع أن يأتي بكل المعاني لا في إيجاز ولا في إطناب أصلًا، لكن هذا كتقرير للمسألة، ثم أيضًا يُقال إن الإيجاز والإطناب باعتبار المعاني الأصلية والمعاني التابعة التي يسمونها بـ "مُسْتَتْبِعَاتِ التَّرَاكِيبِ"، وهذه قضية خطيرة أيضًا؛ أنت قد تقول كلام غيري لكن تقول أصل الكلام لا مستتبعات التراكيب.
يعني الآن شخص تكلم بصفحة، قال عشر دقائق، أنت قلت: اختصر لي هذا الكلام؛ فأنت اختصرت الكلام بالفعل، أعطيتني الفكرة العامة أعطيتني الموضوع الأصلي، هذا يمكن أن يختصر؛ لكن أن تأتي بالمعاني التي تُسمى المعاني التابعة أو الثانوية ومستتبعات التركيب، وهي مراعاة التقديم والتأخير ومراعاة التذكير والتأنيث والحذف وترك الحذف، هذا لا يتأتى بغير هذه الطريقة.
فمن نظر إلى أن في القرآن إطنابًا فنظر إلى أصل الموضوع، إنه ممكن هذا الموضوع أصله يأتي بأقل من هذا؛ لكن لو نظرنا إلى مستتبعات التراكيب لا يمكن أن يأتي القرآن في غير هذا الأسلوب الذي جاء به القرآن الكريم، وحينئذٍ ينحل الإشكال بفضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ولا يكون ثمة تنازع في هذه المسألة؛ لأن هذه المسألة طرقت كثيرًا في العصر الحديث حينما يبحثون باب الإيجاز ويقولون: لماذا تدخلون باب الإطناب في الحديث عن علوم القرآن والحديث عن إعجاز القرآن الكريم؟
ونقول: بل يمكن أن يقال في الموضع الواحد إيجاز وإطناب؛ يعني أنت إذا قرأت قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾9، هذه آية واحدة، هذه آية من أجمع الآيات في الأوامر والنواهي.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تشمل كل عدل، تشمل كل الواجبات، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ كل المندوبات والفضائل والتطوعات؛ أليس كذلك؟ إذًا آية جامعة فيها إيجاز بالقصر؛ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ الاعتداء على الآخرين والذنب الذي يرتكبه شخص، إذًا آية فيها إيجاز بالقِصر، طيب وفي الوقت ذاته: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾؛ طيب إيتاء ذي القربى إما من العدل وإما من الإحسان، إذًا فيه عطف خاص على عام وهذا من الإطناب، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، وهذا داخل في الفحشاء والمنكر، فيكون من باب عطف خاص على عام فيكون فيه إطناب، فدخل في الآية إطناب ودخل في الآية إيجاز، والآية هي هي لكن باعتبارين مختلفين، والله أعلم.
على كلٍّ نكمل الحديث عن هذا الباب في الدرس المقبل والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ — البقرة: 15 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ — البقرة: 14-15 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ — البقرة: 14 ↩
- آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ — البقرة: 16 ↩
- آية: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ — النحل: 57 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ﴾ — الانفطار: 13-14 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — البقرة: 6 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ — القمر: 54-55 ↩
- آية: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ — النحل: 90 ↩