مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الفتح

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 34 من 103 · 1 ساعة و7 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم مع التعليق عليه، وننتقل الليلة بفضل الله وتوفيقه إلى تفسير الفتح.

التعريف بالسورة

(سورة الفتح سورة مدنية)& وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نزلت عليه هذه السورة المباركة في أثناء رجوعه من صلح الحديبية إلى المدينة النبوية بعد أن صده المشركون، وصدوا أصحابه رضوإن الله عنهم وعليهم عن العمرة ووقع ما وقع في هذا الموقف الجليل، وتمت المصالحة وقد كان في كثير من بنود هذه المصالحة إجحاف بالمسلمين، وحقوقهم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم رضي بذلك وهو يريد تعظيم بيت الله الحرام، ورجع الرسول صلى الله عليه وسلم ورجع أصحابه معه وقد أصابهم غم، وحزن؛ لأنهم رجعوا دون أن يعتمروا.

وبينما الرسول صلى الله عليه وسلم في الطريق نزلت عليه هذه السورة المباركة وقد جاء أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كلم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه، ثم كلمة فلم يرد عليه، ثم كلمة فلم يرد عليه وخشي عمر -رضي الله عنه- أن ينزل فيه قرآن، ثم أرسل إليه فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بنزول هذه السورة وقال: H0 فهذه سورة جليلة مباركة تحمل البشارات للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وتؤذن بأن النصر، والتمكين سيكون مرافقًا لهم، وسيكونون متأهلين له بفضل الله سبحانه وتعالى.

ولذلك حينما نقول: إن سورة الفتح سورة مدنية فهذا باعتبار أن هذا وقع بعد الهجرة؛ لأن صلح الحديبية كان في السنة السادسة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم لأداء العمرة في شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة، وإلا فإننا لو نظرنا إلى المكان فقد كان المكان قريبًا من الحديبية، وهذا قريب من مكة؛ ولذلك فكثير من الأئمة حينما يقولون: السورة مكية، أو السورة مدنية؛ فإنهم يعتدون بالزمان، لا بالمكان؛ وذلك لأن الزمان أوضح في الحصر؛ لأن الأماكن مختلفة بخلاف ما إذا ارتبطنا بالزمان فنقول: ما كان قبل الهجرة فهو مكي، وما كان بعد الهجرة فهو مدني وهذا الذي قرره هنا العلماء في بيان هذا المختصر؛ فهذا معنى قولهم: مدنية.

وعرفنا مما ذكر أن لهذه السورة الكريمة فضلًا، ومكانة فالنبي صلى الله عليه وسلم قال فيها هذا الحديث الذي قد سمعتموه، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في تفسير الآيات ما يتعلق بفضائل الصحابة -رضي الله عنهم- الذين بايعوا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة بيعة الرضوان.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1] فهو فتح جليل، وعظيم.

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا هنا من مقاصد السورة: (تبشير النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالفتح والتمكين)&.

فهذه السورة من مقاصدها العظيمة حمل البشارات للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالفتح والتمكين، وبيان ذلك واضح جدًا، ولك أن تقول: إن السورة من أولها إلى آخرها موضوعها الحديث عن صلح الحديبية، وما وقع قبله، وما وقع بعده، فالسورة كلها خالصة لهذا الغرض؛ ولذلك نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة وهو قافل راجع من الحديبية إلى المدينة النبوية صلوات الله وتسليماته عليه هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ هذه السورة الكريمة تبين لنا فضل الله سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين.

وأيضًا فهذه السورة الجليلة دعوة لمؤازرة النبي صلى الله عليه وسلم ونصرته، فإذا كانت السورة السابقة وهي سورة محمد صلى الله عليه وسلم قد جاء فيها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7] وأيضًا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوٓا۟ أَعْمَـٰلَكُمْ﴾ [محمد: 33] فقد جاءت هذه السورة الكريمة؛ لتبين فضل الاتباع، وفضل طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن من آزر الرسول، وناصر الرسول، واستجاب لطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم نصره الله.

إذًا هذا مثال تطبيقي لقوله: ﴿إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7] طبق الصحب الكرام ذلك فنصرهم الله، وأيدهم حين آزروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعلك تذكر هذا، أو تستحضر هذا المعنى حينما تقرأ قول الله سبحانه وتعالى في السورة ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 8، 9] فالسورة تبين فضل توقير الرسول صلى الله عليه وسلم وفضل نصرته، وأيضًا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَـٰهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10].

تحليل مقارن وربط بين السور

كل هذا داخل في مقاصد السورة الكريمة، وأيضًا من جهة أخرى يمكن أن نقول: أن هناك مناسبة واضحة وجلية بين سورة محمد صلى الله عليه وسلم وسورة الفتح، فإنَّ الله سبحانه وتعالى افتتح سورة محمد بقوله: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [محمد: 1] ودار الحديث فيها كما تقدم عن أولئك الذين صدوا عن سبيل الله.

وجاءت سورة الفتح؛ لتبين أيضًا نموذجًا عمليًا تمثل في المشركين حينما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحب الكرام الذين خرجوا معه لا لشيء إلا من أجل أن يعتمروا لله رب العالمين؛ ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في ذلك ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُۥ﴾ [الفتح: 25].

كذلك مما جاء في السورة الكريمة في ختامها الثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه الكرام وفي ذلك بيان فضل من اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم وسلك طريقه في مقابلة من صد عن سبيل الله، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتبعين لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1] قالوا هنا: (إنا فتحنا لك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول فتحًا مبينًا لصلح الحديبية)&.

اختلف المفسرون في المراد بالفتح المبين في صدر السورة الكريمة والذي عليه الأكثرون أنه صلح الحديبية ويشهد له ما سمعتم منذ قليل من أن تلك السورة الجليلة قد نزلت على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم حين قفل راجعًا هو وأصحابه بعد أن صده المشركون عن الاعتمار، وبعد أن وقع بينه وبينهم الصلح فقالوا: هذا فتح مبين، وقد سأل عمر -رضي الله عنه- رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح أيضًا في صحيح مسلم: H1 فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم بأن صلح الحديبية فتح، وقد كان كذلك.

وبيان ذلك أن الإسلام قد انتشر بعد صلح الحديبية، وتمكن المسلمون من نشر دين الله سبحانه وتعالى دون أن يعارضهم المشركون؛ لأنه كان في بنود الصلح أنه تتم بينهم هدنة لمدة عشر سنوات، المشركون لا يتربصون بالمسلمين وقتها، ولا يكيدون لهم، ولا يمنعونهم مما يريدون صنعه.

وهذا فيه أن المشركين قد أعلنوا، وأظهروا أن للمسلمين شوكة، ومكانة إذ عقدوا معهم الصلح فكان هذا بفضل الله سبحانه وتعالى تيسيرًا لتبليغ الدعوة هنا وهناك، ومن جهة أخرى فصلح الحديبية أيضًا آذن بفتوح أخرى فقد عقبه في السنة السابعة من الهجرة فتح خيبر فكان مقدمة، وتوطئة له إلى غير ذلك من الخيرات، والبركات، والمغانم التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في هذه السورة، والتي جعلها الله قريبة المنال لهم بفضله سبحانه وتعالى.

كل هذا جعل جماهير المفسرين يقولون: إن الفتح هنا هو صلح الحديبية وإن بدا في بادئ الأمر لكثير من الأصحاب أنه ليس فتحًا؛ لأنهم رجعوا دون أن يحققوا هدفهم، ودون أن ينالوا مرادهم من أداء العمرة.

وهذا فيه درس عظيم، ودرس كبير وهو أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاستسلام لله ولرسوله فيه الخير والبركة وإن ظن الإنسان خلاف ذلك، أو إن جهل الإنسان ذلك، وقريب من هذا ما وقع في مؤتة حينما رجع خالد بن الوليد -رضي الله عنه- بما بقي من جيش المسلمين، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سيفًا من سيوف الله قال: H0.

وكان الفتح حينئذ أن يستبقي، وأن يحافظ على البقية من المسلمين دون أن يُستأصلوا، ويُقضى عليهم.

وهذا فيه أن الأمر يرجع إلى الاستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، لا إلى العواطف، ولا إلى ما يطمح إليه الإنسان ويرجوه في ظاهر الأمر، فكم لله من حكم لا يدركها الإنسان، وربما أدركها بعد حين!

قال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1] لكن بعض المفسرين حملوه على فتح مكة قالوا: لأن هذا هو الفتح المبين، وجعلوا أن هذا من باب الإخبار عن المستقبل باعتبار تحققه أي إننا سنفتح لك فتحًا مبينًا؛ ولأنه لما فتح، ولما وقع الصلح في الحديبية كان توطئة فكان بمثابة المقدمة لفتح مكة والأول عليه الجمهور كما سبق.

قال الله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: 2، 3] كل هذا ترتب على هذا الصلح، أو كل هذا ترتب على الفتح مغفرة الله الذنوب للنبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم منها، وما تأخر، وإتمام النعمة عليه، وهدايته الصراط المستقيم.

والمراد بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 2] أي يزيدك في الهداية، ويثبتك عليها، فقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ﴾ [الفتح: 2] يعني يزيدك، ويثبتك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مهتدٍ كما لا يخفى.

﴿وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: 3] وهذا جعل كثيرين كما تقدم يقولون إذًا هذا النصر العزيز هو ما جاء بعده، وهو فتح مكة، وإنما كان السابق هو صلح الحديبية.

ثم قال الله: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِيمَـٰنًا مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 4] حتى لا يظن ظان أن الخيرات التي ترتبت على هذا الفتح خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم بين الله أن هناك فضائل وفوائد وحكمًا كثيرة تترتب على هذا الصلح فقال: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 4] وذلك أن الإنسان عند وجود المحن، والاضطرابات إذا ثبت واستجاب ألقى الله عليه السكينة وهذا ما وقع؛ لذلك استجاب الصحب الكرام لرسول الله الله الله صلى الله عليه وسلم، وقصة حلق الرسول صلى الله عليه وسلم رأسه ليست عنكم ببعيد حينما فعل الرسول ذلك فقام الصحابة -رضي الله عنهم- يمتثلون فعل النبي صلى الله عليه وسلم فكان هذا سببًا في أن ينزل الله السكينة في قلوبهم وهذا خير عظيم، وفضل كبير.

﴿لِيَزْدَادُوٓا۟ إِيمَـٰنًا مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ﴾ [الفتح: 4] هذا فيه إثبات الإيمان للصحابة، وفيه إثبات زيادة الإيمان لهم، وفيه من جهة أخرى إثبات زيادة الإيمان، وإذا ثبت أن للإيمان زيادة، أو أن الإيمان يزيد فيثبت أيضًا أن الإيمان ينقص، وهذا ما تقرره هذه الآية، وآيات كثيرة في كتاب الله ﴿وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ هُدًى﴾ [مريم: 76] وقال: ﴿وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13].

قال: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 4] وفي أواخر الآيات في هذه الصفحة ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 7] فكان الختام مختلفًا في الأول قال: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 4] وفي الثاني قال: ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 7] هما مشتركان في الحكمة؛ لأن من يتأمل هذا الصلح والشروط التي فيه يقول في ظاهرها أن فيها إجحافًا بالمسلمين، وكيف يرجعون دون أن يعتمروا، وكيف يمنعون، وكيف، وكيف؟

لكن بين الله أن ذلك بحكمة منه سبحانه وتعالى، لكن الأمر الأول قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 4] لأنهم ما كانوا يتوقعون أن هذا فتح، فناسب أن يذكر معه العلم؛ ولأن الله وعد بالنصر، ووعد بفتح مكة، وهذا أمر يتعلق بشيء غيبي فيناسبه ذكر العلم، ولما ذكر الله بعض الثمرات المترتبة على هذا الفتح، وعلى إنزال ﴿ٱلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ﴾ [الفتح: 5] فكل هذا من الغايات والحكم.

ثم ذكر الله عز وجل أيضًا ﴿وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ﴾ [الفتح: 6] وهذا التعذيب للمنافقين، والمنافقات، والمشركين، والمشركات يناسبه ذكر العزة فلما ذكر الله ذلك، والعلم عند الله قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 7] فهو الذي أعز، وأذل وهو الذي نصر، وهو الذي أبطل كيد أولئك المشركين.

وأما قوله: ﴿ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ﴾ [الفتح: 6] فقد فسَّروه هنا: (الظانين بالله أنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته)& هكذا ظن هؤلاء، ظنوا أن الله لن ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم، ولن يعلي كلمته، ولكن الله نصر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم.

ثم تمضي الآيات ويقول الله: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 8، 9].

والتعزير: التعظيم، والمنع من الأعداء هذا أصله، إذًا التعزير فيه تعظيم، وفيه منع من الأعداء.

وقد اختلفوا في عود الضمير هنا، فقالوا في التفسير: (وتعظموا رسوله، وتجلوه)& فجعلوا ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] الضمير فيهما عائدًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أقرب مذكور، ومنهم من قال: بل يعود على الله؛ لأن الله بعد قال: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 9] وهذا قطعًا لا يعود إلا على الله سبحانه وتعالى.

على كل فالآية تبين أنه ينبغي للمؤمنين أن يداوموا على الإيمان، وأن يثبتوا على الإيمان، وأن ينصروا دين الله، وأن ينصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يسبحوا ربهم بكرة وأصيلًا.

من فوائد الآيات:

¯صلح الحديبية بداية فتح عظيم على الإسلام، والمسلمين.

¯السكينة أثر من آثار الإيمان تبعث على الطمأنينة، والثبات.

¯خطر ظن السوء بالله فإنَّ الله يعامل الناس حسب ظنهم به سبحانه.

¯وجوب تعظيم، وتوقير رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(صلح الحديبية بداية فتح عظيم على الإسلام، والمسلمين) ولذا سماه الله فتحًا.

(السكينة أثر من آثار الإيمان) لذلك قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 4] فقوله: ﴿فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 4] يعني عندهم إيمان، وأنزل الله السكينة في قلوبهم، وثبتهم.

(خطر ظن السوء بالله فإنَّ الله يعامل الناس حسب ظنهم به سبحانه) وهذا في قوله: ﴿ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 6] وأيضًا القراءة الأخرى ﴿ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ﴾ (الفتح: 6) فهم ظنوا بالله الظن السيء؛ فلذلك استحقوا هذه العقوبة ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾ [الفتح: 6] يعني دارت الدائرة عليهم، وصارت الهزيمة لاحقة بهم.

(وجوب تعظيم، وتوقير رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهذا في قوله: ﴿لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 9].

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10] قالوا هنا: (أي أن الذين يبايعونك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول بيعة الرضوان على قتال المشركين من أهل مكة ﴿أَنَّمَا﴾ يبايعون الله؛ لأنه هو الذي أمرهم بقتال المشركين)&.

وذلك أن النبي صلوات ربي وتسليماته عليه قد أرسل إلى المشركين أرسل إليهم عثمان بن عفان -رضي الله عنه-؛ ليبين لهم أنهم لا يريدون قتالًا، وإنما جاءوا من أجل العمرة، وليس من حقهم أن يمنعوهم من العمرة، والطواف بالبيت، فأشيع أنهم قد حبسوا عثمان وقتلوه فحينئذ أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم البيعة من يبايع، وكانت البيعة عند شجرة الرضوان كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18] وهي شجرة الرضوان؛ لأن هذه البيعة كانت سببًا في أن يذكر الله رضاه عنهم بقوله: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ﴾ [الفتح: 18] فقد سجل الرضا عنهم سبحانه وتعالى، وهذا شرف، وأي شرف!

فبايع الصحب الكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وعلى أن يقاتلوا معه، وألا يرجعوا، وألا يتخاذلوا رضوإن الله عنهم وقد كانوا ألفًا، وخمس مائة كما جاءت بذلك الروايات الصحيحة الثابتة، وإن كانت هناك روايات أخرى بأنهم كانوا ألفًا، وأربعمائة ونحو ذلك، أو قريبًا من ذلك.

الشاهد أن الله سبحانه وتعالى يبين فضل هذه البيعة فيقول: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَـٰهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10] هم في حقيقة الأمر يبايعون الله، لمَ؟

لأن الله هو الذي أمرك يا رسول الله بذلك، فهم يبايعون الله، وأنت مأمور بأمر الله ممتثل لأمره، ثم قال: ﴿يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10] وإذا كانت ﴿يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾؛ فمن يقدر عليهم؟ ومن يمكنه أن يثأر منهم، أو أن يستأصلهم هيهات، فالله مؤيدهم.

وهنا قوله: ﴿يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10] فيه إثبات اليد لله على الوجه الذي يليق بالله دون تمثيل، أو تعطيل فنقول كما قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] ولا يخفى على ذي لب أن هذا الأسلوب لا يستدعي أبدًا أن يد الله تمسهم، أو تلاصقهم، أو ما أشبه ذلك فإنَّ هذا لا يليق بحق الله سبحانه وتعالى، وكل ما دار بالإنسان من مثل ذلك فالله بخلاف ذلك.

قال: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَـٰهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10] وقراءة الأكثرين ﴿بِمَا عَـٰهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ﴾ ولكن قرأ حفص ﴿عَلَيْهُ ٱللَّهَ﴾ [الفتح: 10] بضم الهاء، وكأن هذا مناسب والعلم عند الله لعظمة هذا العهد فهو عهد الله، ومناسب لذكر الله فهو في مقام التفخيم، والتعظيم.

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَٰلُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح: 11] وذلك أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يخرج إلى العمرة أخبر الأعراب بذلك الذين كانوا قد آمنوا معه فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستكثر العدد من أهل الإيمان؛ ليكونوا معه وفي رفقته؛ لأنه لا يأمن غائلة المشركين فحينئذ تعلل كثير من الأعراب بالعلل الواهية فامتنعوا من الذهاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في حقيقة الأمر يضمرون أن الرسول صلى الله عليه وسلم ستكون الدائرة عليه، وأنه سيخذل، ولن ينصر، لكنهم قالوا في ظاهر الأمر ﴿شَغَلَتْنَآ أَمْوَٰلُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح: 11] هذا الذي شغلنا، وإلا فإننا كنا راغبين في الذهاب معك. وطلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم فقالوا: ﴿فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح: 11] يعني فاستغفر لنا تقصيرنا، وتفريطنا.

﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: 11] لو أنهم صدقوا في طلب الاستغفار لكان حسنًا، لكن هذا كلام رددوه وقالوه، والحقيقة أنهم لم تشغلهم الأموال، والأهلون، وإنما كانوا يظنون بالله ظن السوء، فرد الله عز وجل عليهم معلمًا نبيه صلى الله عليه وسلم ماذا يقول؟

﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًۢا﴾ [الفتح: 11] ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم﴾ [الفتح: 11] يعني لا أحد يملك لكم، فالاستفهام هنا معناه النفي، والإنكار، لا يملك لكم أحد من الله شيئًا.

﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ [الفتح: 11] لأنهم خافوا الضر، ولذلك قدم الضرر، يعني هنا قال: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ [الفتح: 11] فبدأ به هذا مناسب للمقام؛ لأنهم خافوا أن يقتلوا، خافوا ﴿إِلَّا﴾ يعودوا مرة أخرى آمنين إلى بلادهم ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًۢا﴾ [الفتح: 11] لذلك هنا في التفسير قالوا وفقهم الله: (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم لا أحد ﴿يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾)& ففسروا الاستفهام بالنفي وهذا صحيح.

إن أراد بكم خيرًا، أو أراد بكم شرًا، كان الأفضل أن يسيروا وفق الآية الكريمة، فيقال: إن أراد بكم شرًا، أو أراد بكم خيرًا كما هو في ترتيب الآية؛ لأن هذا مراد، ولأن هذا الترتيب مقصود، ومراد.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح: 12] هذا ظنكم، ﴿بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح: 12] يعني سيقتلون، ﴿وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ [الفتح: 12] قالوا: (يعني حسن ذلك الشيطان في قلوبكم)& ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًۢا بُورًا﴾ [الفتح: 12] كنتم قومًا هلكى، فقلوبكم مليئة بالهلاك، وبما يجعلها غير راضية، ومتسخطة على قدر الله، وغير مستجيبة لأوامر الله، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم.

وأيضًا: ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ [الفتح: 13] راجعوا أنفسكم في إيمانكم، ﴿فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح: 13] ولم يقل: ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا﴾ له، أو لهم سعيرًا، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ﴾ [الفتح: 13] فسجل الكفر لمن لم يؤمن بالله، ورسوله؛ لبيان أن من لم يؤمن بالله، ورسوله فهو كافر لا شك في ذلك.

ثم قال الله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [الفتح: 14] ففتح لهم باب المغفرة ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفتح: 14].

﴿سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ﴾ [الفتح: 15] فسروها هنا بمغانم خيبر وهذا ما عليه الأكثرون، وذلك أن الله سبحانه وتعالى من تيسيره وفضله على المؤمنين أنه قد تيسر لهم فتح خيبر بعدها بسنة واحدة؛ ولذلك تقدم أن هذا من أسباب تسمية صلح الحديبية بماذا؟

بالفتح المبين؛ لأنهم توجهوا وجهة أخرى كانوا مشتغلين بأمر المشركين، وما أشبه ذلك صارت هناك راحة، وهناك هدنة فحينئذ توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يتعلق باليهود ففتح الله عز وجل له خيبر.

وكان من حكم الله في ذلك ﴿إِلَّا﴾ يغنم من خيبر إلا من شهد مع الرسول بيعة الرضوان، فالذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية في بيعة الرضوان هم الذين يستحقون مغانم خيبر وكانت سهلة ميسورة بفضل الله سبحانه وتعالى.

حينئذ أراد هؤلاء أن يشاركوهم المغنم مع أنهم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ لم يشاركوهم الشدائد، ولا المتاعب، ولا الصعاب التي لاقاها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

فقال: ﴿سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا۟ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ﴾ [الفتح: 15] ما المراد بكلام الله؟

قالوا هنا: أي يبدلوا بطلبهم هذا وعد الله الذي وعد به المؤمنين بعد صلح الحديبية أن يعطيهم وحدهم غنائم خيبر.

﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: 15] يعني بذا قضى الله وحكم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾.

﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ [الفتح: 15] تكرهون لنا الخير، ﴿بَلْ كَانُوا۟ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح: 15] ما لديهم فقه، ﴿بَلْ كَانُوا۟ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح: 15] ومن جليل، وكرم الله سبحانه وتعالى أن يقول: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح: 15] فإن كان من فقه فهو فقه قليل، لكن هذا الفقه القليل لم يجعلهم يحرصون على طاعة الله، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وإن كان بعض العلماء في مثل هذه المقامات يقولون: إن المراد به النفي كلية.

من فوائد الآيات:

¯مكانة بيعة الرضوان عند الله عظيمة، وأهلها من خير الناس على وجه الأرض.

¯سوء الظن بالله من أسباب الوقوع في المعصية، وقد يوصل إلى الكفر.

¯ضعاف الإيمان قليلون عند الفزع، كثيرون عند الطمع.

(مكانة بيعة الرضوان عند الله عظيمة، وأهلها من خير الناس على وجه الأرض) بل جاء.

وقالوا هنا أيضًا: (سوء الظن بالله من أسباب الوقوع في المعصية، وقد يوصل إلى الكفر) وهذا واضح ﴿بَلْ ظَنَنتُمْ﴾ [الفتح: 12] تأمل ماذا جرى؟ ترتب عليه كل هذه المفاسد وقال بعدها: ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح: 13] فالظن السيء قد يلجئ صاحبه إلى الكفر بالله، نسأل الله السلامة!

(ضعاف الإيمان قليلون عند الفزع، كثيرون عند الطمع) ففي البداية يقولون: ﴿شَغَلَتْنَآ أَمْوَٰلُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح: 11] وعند الطمع يقولون: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [الفتح: 15] هكذا كانوا فنسأل الله السلامة!

تتوإلى رحمة الله سبحانه وتعالى بعبادة فيفتح لهم باب التوبة، والأوبة كما يفتح لهم أبواب الخير في الدنيا قبل الآخرة، فمع أنهم قد منعوا من الذهاب مع المؤمنين في فتح خيبر، أو النيل من الغنائم، وقالوا: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [الفتح: 15] ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح: 15] إلا أن الله عز وجل فتح لهم أبوابًا أخرى في المستقبل.

فقال: ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُو۟لِى بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ فَإِن تُطِيعُوا۟ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ۖ وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: 16] إذا أردتم أن تبينوا صدقكم، وأنكم قد تبتم إلى الله توبة نصوحة فستدعون إلى قتال ﴿قَوْمٍ أُو۟لِى بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، وحينئذ سيظهر حقيقة الأمر، أو ستظهر حقيقة الأمر، أتبتم إلى الله صدقًا، أم أنكم تكذبون في دعواكم.

﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُو۟لِى بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: 16] أي في القتال، أقوياء، وقد اختلف المفسرون في المراد بهؤلاء فقال بعضهم: هوازن وثقيف، وقال آخرون: بل كان هذا مع قتال الروم، أو مع قتال الروم بعد ذلك، وقال بعضهم: كان هذا وعدًا بما سيجري في عهد الصحابة، أو عهد الخلفاء الراشدين فكان هذا فيه بيان أن الفتوحات ستستمر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

أيًا ما كان فسيظهر الحق، وستظهر حقيقة الأمر ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُو۟لِى بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: 16] وقد استدل بعضهم بقوله: ﴿تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: 16] على أن هؤلاء الذين سيقاتلونهم على الشرك، وليسوا أهل كتاب؛ لأن أهل الكتاب هناك أمر آخر وهو الجزية، وليس مذكورًا هنا.

قال الله سبحانه: ﴿فَإِن تُطِيعُوا۟ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ۖ وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ﴾ [الفتح: 16] تحذير من التولي مرة أخرى ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: 16].

﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17] قد يقرأ قارئ هذه الآية فيظن أن الأعمى، والأعرج، والمريض مرفوع عنهم الحرج في جميع التكاليف الشرعية وهذا خطأ؛ لأن السياق يدل على أن الحديث يجري عن القتال؛ لذلك أحسنوا هنا حينما قالوا: (ليس على المعذور بعمى، أو عرج، أو مرض إثم إذا تخلف عن القتال في سبيل الله) & وإلا فإنَّ الأعمى تلزمه الصلاة، وكذا الأعرج، وكذا المريض كل بحسب قدرته، واستطاعته كما هو معلوم.

قال الله عز وجل بعدها: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: 17] وتذكر أخي الكريم، ذكر الطاعة، وذكر التولي، والإعراض، والمعصية كل هذا يدل على أنه من مقاصد السورة العظيمة الدعوة إلى تعزير رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقير رسول الله، وإجلاله، وطاعته صلى الله عليه وسلم.

ثم قال الله جل ذكره: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18] أي والله، ﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، فكثير من المفسرين يقولون: إن اللام هذه موطئة لقسم مقدر، ﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18] وتقدم سبب هذه البيعة، وأنه بسبب ما أشيع من قتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه-.

وهذه الجملة الجليلة العظيمة جملة غاية في المكانة، والعظمة ﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 18] تسجيل رضى الله عن الصحب الكرام؛ ولذلك نحن نرد على الشيعة، وعلى من طعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن الصحابة أغلبهم على النفاق، وارتدوا على أعقابهم، ولم يبقَ إلا عدد قليل، أو يسير عند بعضهم عشرة، وعند بعضهم أقل من ذلك، أو يتجاوز ذلك بقليل كيف وقد سجل الله رضاه في القرآن المحفوظ من التبديل سجل رضاه عن أهل بيعة الرضوان وهم قاربوا ألفًا وخمسمائة رجل رضوإن الله عز وجل عنهم، وعليهم.

ولذلك ثبت H1.

والله، لو لم يعودوا إلا بهذا لكان خيرًا عظيمًا، فكيف وقد أعقبهم بالفتوح في الدنيا، ثم بالخير، ثم بالمغفرة، والرضوان في الآخرة أيضًا.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: 18] وهذا غاية في الأهمية يعني هذا الرضوان الذي سجله الله عنهم؛ لأن قلوبهم صالحة لهذا علم الله صفاء صدورهم، نقاء قلوبهم، استقامتهم على الإيمان هؤلاء آثروا الدين على الأموال والأنفس، وآثروه على الشهوات والملذات.

﴿فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: 18] قالوا: من الإيمان، والإخلاص، والصدق، وهذا عظيم أن يكون قلب الإنسان صادقًا فيعطيه رب العزة سبحانه وتعالى من فضله ﴿فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 18].

إذًا قلوبهم سليمة فأنزل الله عز وجل تلك السكينة عليهم ﴿فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَـٰبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18] وهو كما فسَّروه هنا: (فتح خيبر)& وعليه الأكثرون أيضًا.

وتأمل أيضًا أخي الكريم، ذكر الفتح، وتكرره في السورة الكريمة، كلمة الفتح تكررت ليس في أول السورة فقط، ﴿أَنَّمَا﴾ يأتي فتوح، مغانم، فتح ومغانم، أقصد كلمة مغانم التي هي مما يترتب على الفتوحات؛ ولذلك هي سورة الفتوحات، وإن كان الحديث ابتداءً عن صلح الحديبية، لكن تابعه في ذلك ذكر فتح خيبر، وذكر فتح مكة، وذكر فتوح أخرى وعد الله عز وجل بها؛ ولذلك قال: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 19].

﴿وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ﴾ [الفتح: 20] قالوا: أي التي في خيبر ﴿وَكَفَّ أَيْدِىَ ٱلنَّاسِ عَنكُمْ﴾ [الفتح: 20] من اليهود ﴿وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 20] دلالة على أن الله ناصر نبيه وأصحابه ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 20].

﴿وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهَا﴾ [الفتح: 21] هناك مغانم لم تقدروا عليها الآن، لكن ﴿قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا﴾، هناك يوم ستصلون إليها ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح: 21].

﴿وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوَلَّوُا۟ ٱلْأَدْبَـٰرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: 22، 23] والمراد بالسنة هنا، سنة الله في نصرة عباده وأوليائه، وتخذيل أولئك الكافرين، أو خذلان أولئك الكافرين، والمعاندين، والمعارضين، والمناوئين لرسل الله، وأوليائه المؤمنين.

﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: 23] ففي معنى هذه السنة قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾ [الصافات: 171 - 173].

وأيضًا قوله سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ﴾ [غافر: 51].

من فوائد الآيات:

¯إخبار القرآن بمغيبات تحققت فيما بعد مثل الفتوح الإسلامية دليل قاطع على أن القرآن الكريم من عند الله.

¯تقوم أحكام الشريعة على الرفق، وأليسر.

¯جزاء أهل بيعة الرضوان منه ما هو معجل، ومنه ما هو مدخر لهم في الآخرة.

¯غلبة الحق، وأهله على الباطل وأهله سنة إلهية.

(إخبار القرآن بمغيبات تحققت فيما بعد) ولذلك ﴿وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ﴾ [الفتح: 20] هذه كلها وعود، وتحققت بفضل الله سبحانه وتعالى، وأيضًا ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُو۟لِى بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: 16] وقد وقع هذا.

(تقوم أحكام الشريعة على الرفق، وأليسر) وهذا في قوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17] وأنبه على أننا حينما نتكلم عن الفوائد، ونربطها بالآيات هذا مهم جدًا؛ لأن الإنسان بعد حين يستطيع أن يجمع كثيرًا من الفوائد، والأهداف التي قصدت من ذكر هذه الآيات القرآنية فيعرف بما يستدل من كتاب الله سبحانه وتعالى.

(جزاء أهل بيعة الرضوان منه ما هو معجل، ومنه ما هو مدخر لهم في الآخرة) ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِۦ﴾ [الفتح: 20] وهناك ما يدخره الله سبحانه وتعالى لهم.

(غلبة الحق، وأهله على الباطل وأهله سنة إلهية) وهذا واضح في قوله: ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: 23].

﴿وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 24] قالوا: أي وهو الذي منع أيدي المشركين عنكم حين جاء نحو ثمانين رجلًا منهم يريدون إصابتكم بسوء بالحديبية وهذا وقع وقد دلت عليه رواية صحيحة عند الإمام مسلم من حديث أنس -رضي الله عنه-.

وقد نزلوا من جهة جبل التنعيم، وأرادوا أن يصيبوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه غرة فأعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بتخطيطهم فأخذوهم، ثم تركوهم سلمًا وكان هذا فضلًا من الله سبحانه وتعالى على عباده وكان بهذا منه من الرسول صلى الله عليه وسلم على هؤلاء.

فسبحان الله هم يريدون الوقوع، أو الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإذ بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يمسكون بهم، ثم يطلقون سراحهم وكأن في هذا إشعارًا للمشركين بأن الله ناصر نبيه صلى الله عليه وسلم وأن المنة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فقال هنا: ﴿مِنۢ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح: 24] يعني تحول الأمر فوجه المنة هنا أنكم بالرغم من ضعفكم، ومنع المشركين إياكم من الذهاب إلى العمرة إلا أن هؤلاء المشركين لما أتوا إليكم أمكنكم الله عز وجل منهم.

ثم قال: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [الفتح: 25] وكأن رب العزة يبين لماذا يقاتل هؤلاء، لماذا يعامل هؤلاء تلك المعاملة؟ لماذا حكم عليهم بالكفر؟ لماذا يستحقون القتل؟ لأنهم كفروا، ولأنهم ﴿صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ وهذا مناسب كما قلت لما تقدم في سورة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾ [محمد: 1] فهذا نموذج من هؤلاء، وتأملوا ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُۥ﴾ [الفتح: 25] يعني الهدي معكوفًا محبوسًا على أن يصل إلى موضع ذبحه بمنى، منعوكم من ذلك مع أنَّ الهدي لا يمنع يتركونه وشأنه فهو هدي مذبوح لله يوزع على الفقراء، فلماذا يمنعونكم من ذلك؟

ثم قال: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَـُٔوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌۢ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: 25] لأنه حينئذ قد يقول قائل: إذًا فلماذا لم يقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لماذا صبر، لماذا رضي بهذا الصلح أليس هذا الذي ذكره الله عز وجل يستدعي أن يعجل بقتالهم؟

فجاءنا الجواب: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: 25] ولولا هنا حرف امتناع لوجود يعني امتنع هذا القتل، ولم يقدر الله سبحانه وتعالى لكم أن تقاتلوهم بسبب وجود رجال مؤمنين، ونساء مؤمنات ﴿لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَـُٔوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌۢ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: 25].

وأيضًا ﴿لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ﴾ [الفتح: 25] فقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ [الفتح: 25] أنتم لا تعرفونهم أنهم قد آمنوا فهناك من أخفى إسلامه، وإيمانه، وأنتم في المدينة لا تعرفون أحوالهم، ولا تسبرون أخبارهم فهذا مستضعف، لكنه موجود في وسط المشركين، فإذا قاتلتموهم ربما أصبتموهم، وحينئذ قال الله تعالى: ﴿فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌۢ﴾ [الفتح: 25] يقولون قتل المسلمين، يقولون قتل الضعفاء من المسلمين، قتل الرجال، وقتل النساء من المؤمنين، والمؤمنات، وأيضًا تلزمكم حينئذ الدية، وأيضًا ينالكم أذى كل هذا يدخل في معنى معرة؛ لذلك قالوا هنا: (فيصيبكم من قتلهم إثم، وديات بغير علم منكم)& إثم كيف قتلتموهم، وديات تلزمكم؛ لأنكم قتلتم مؤمنين، ومؤمنات، وتأمل التعبير القرآني الجليل ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ﴾ [الفتح: 25].

أنت حينما تتأمل آيات القرآن الكريم حين يذكر فيها المؤمنون لا تجد كلمة رجال تجد والمؤمنون، المؤمنين ما يقال رجال مؤمنون؛ لأن المقصود هو الصفة الوصف بالإيمان، وكذلك يستغنى غالبًا بذكر المؤمنين عن المؤمنات من باب التغليب، وأحيانًا يقال: والمؤمنون، والمؤمنات، لكن هنا تأمل ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: 25] نص على كلمة رجال، ولم يكتفَ بهذا، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ﴾ [الفتح: 25] لأنه والعلم عند الله المقصود هنا الوصف والذات ليس فقط أنهم موصفون بالإيمان، وأنهنَّ موصفات بالإيمان، لكن أيضًا هؤلاء رجال أشخاصهم ذواتهم لا يجوز لكم أن تعتدوا عليهم، والنسوة المؤمنات لا يجوز لكم أيضًا أن تعتدوا عليهنَّ.

وتأمل قوله: ﴿وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ﴾ [الفتح: 25] لأن المعرة بالنساء أشد فجاء التنصيص عليهن؛ لأن الأمر فيهن أعظم امرأة مستضعفة وآمنت، ثم تقتل، ويقتلها المسلمون كيف يقع هذا؟

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ﴾ [الفتح: 25] أيضًا لعل الله سبحانه وتعالى يأذن بدخول بعض هؤلاء المشركين في دين الله وقد وقع هذا.

فإذًا أيضًا من الحكم في تأخير القتال أن يدخل قوم في دين الله سبحانه وتعالى ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا۟ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: 25].

﴿لَوْ تَزَيَّلُوا۟﴾ [الفتح: 25] يعني لو تميز الذين كفروا عن المؤمنين في مكة لعذبنا الذين كفروا بالله، ورسوله عذابًا موجعًا، ثم قال الله: ﴿إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: 26] قد تسأل وتقول: ما الذي حمل المشركين على هذا؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسل إليهم عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وأخبرهم أنهم لا يريدون قتالًا، ﴿أَنَّمَا﴾ يريدون عمرة، ما الذي حملهم على هذا كله؟

الجواب: إنها حمية الجاهلية، إنها الأنفة، يقولون: كيف يأتينا محمد، وفي الوقت الذي يأتي فيه يتمكن من العمرة، لا، يرجع هذا العام، ويأتي في العام المقبل هذا مرادهم لا يدخل كما يريد، ﴿أَنَّمَا﴾ يدخل وقت أن نريد إنها حمية الجاهلية، وأنت إذا تتبعت آيات القرآن الكريم تجد أن كلمة الجاهلية لم تذكر في القرآن إلا في مواضع الذم ﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50] وقال أيضًا سبحانه وتعالى: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلْأُولَىٰ﴾ [الأحزاب: 33].

لذلك المطلوب منكم أن تجمعوا الآيات التي وردت في شأن الجاهلية للدلالة على هذه القاعدة وهي أن الجاهلية وردت في القرآن في مقام الذم.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ [الفتح: 26] وهي كلمة لا إله إلا الله ﴿وَكَانُوٓا۟ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: 26] وهذا ثناء من الله ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: 26].

﴿لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الفتح: 27] لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يذهب إلى مكة من أجل الاعتمار، ومن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقع صلح الحديبية رأى أنه يعتمر هو وأصحابه، وأنهم يحلقون رؤوسهم، ويقصرون؛ فحينئذ معناه أنهم سينهون النسك، فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يقع الاعتمار قال بعضهم: يا رسول الله، ألم تخبرنا أننا سنطوف بالبيت، وأننا سنحلق، ونقصر فقال: H0 لم أخبركم أنه العام، وسيقع بإذن الله، وسنأتيه فإذًا قال الله: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الفتح: 27] لا تظنوا أن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست بحق، بل هي بحق وستقع.

﴿لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: 27] فإنْ قال قائل: ما وجه ذكر إن شاء الله وهو متحقق؟ قال بعضهم: ليتعلم الناس ذلك، أي قولوا في أموركم إن شاء الله، أو إن هنا بمعنى إذ شاء الله، يعني قد شاء الله سبحانه وتعالى، وقال بعضهم: هي متعلقة بقوله: ﴿آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27].

﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: 27] وهنا مسألة أن قوله: ﴿لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: 27] لا هنا نافية، وليست ناهية يعني ليس المراد لا تخافوا، لا ينهاهم الله عن الخوف؛ ولذلك لم يأتِ الفعل مجزومًا، ﴿أَنَّمَا﴾ هو الإخبار يعني ﴿امِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ يعني حال كونكم لا تخافون فهي حال؛ لذلك جاءت هنا لإثبات النون، إخبار بأن هذا سيقع لهم فهم آمنون، وأيضًا لا يخافون وهذا من فضل الله.

﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا۟ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 27] وهو ما جرى لهم بعد ذلك في فتح خيبر، ثم بعد ذلك في فتح مكة، ثم قال الله: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ [الفتح: 28] قال بعضهم: العلم النافع، والعمل الصالح.

﴿لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ﴾ [الفتح: 28] ليعليه ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: 28] قالوا هنا: (وكفى بالله شاهدًا)&.

وهنا لطيفة أيضًا: وهو أن ذكر الباء في قوله: ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: 28] ليس كما ذهب إليه بعضهم وقال: إنها زائدة، أو صلة لتأكيد الكلام، وإنما هي كما يذكر بعض المحققين تتضمن معنى جليلًا وهو الإخبار، والأمر والطلب فكأن المعنى وكفت شهادة الله، واكتفوا بشهادة الله.

فمعنى ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: 28] الإخبار بأن شهادة الله كافية، وأمرنا بأن نكتفي بشهادة الله، فكأنه قيل بهذه الباء وكفى الله شهيدًا، أو كفت شهادة الله، واكتفوا بشهادة الله سبحانه وتعالى.

من فوائد الآيات:

¯الصد عن سبيل الله جريمة يستحق أصحابها العذاب الأليم.

¯تدبير الله لمصالح عباده فوق مستوى علمهم المحدود.

¯التحذير من استبدال رابطة الدين بحمية النسب، أو الجاهلية.

¯ظهور دين الإسلام سنة ووعد إلهي تحقق.

(الصد عن سبيل الله جريمة يستحق أصحابها العذاب الأليم) وهذا ما قرره الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [الفتح: 25] ثم قال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا۟ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: 25].

(تدبير الله لمصالح عباده فوق مستوى علمهم المحدود) وهذا ما بينه الله سبحانه وتعالى ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا۟ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 27].

(التحذير من استبدال رابطة الدين بحمية النسب، أو الجاهلية) وهذا ما حذرنا الله منه إذ ذكر أن الكفار كان الصارف لهم عن الاستجابة لما طلبه منهم الرسول صلى الله عليه وسلم الحمية، فقال: ﴿إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: 26].

ومن المفترض أن تكون الجملة ليست كذلك، وإنما يقال: التحذير من استبدال حمية النسب، أو الجاهلية برابطة الدين؛ وذلك أن الاستبدال تدخل الباء فيه على المتروك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61] فقوله: ﴿بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61] هذا هو الذي تركوه فالباء تدخل على المتروك، فهنا التحذير من استبدال رابطة الدين بحمية النسب، يعني أن يتركون حمية النسب هذه ا لا يحذر منه، وإنما الذي يحذر منه العكس؛ فلذلك الصحيح أن تكون العبارة: التحذير من استبدال النسب، أو الجاهلية برابطة الدين، وهذا قد وقع في المختصر في بعض مواضع؛ لعلي أنبه عليها في موضعها بإذن الله تبارك وتعالى.

(ظهور دين الإسلام سنة ووعد إلهي تحقق) وذلك في قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ﴾ [الفتح: 28].

وهنا تأملوا قيدوا بهذا القيد الكفار المحاربين؛ لأن الكفار أنواع، فهناك المعاهد، والذمي، والمستأمِن، أو المستأمَن هؤلاء لهم حقوق، ولكن المحارب هو الذي يكون في حقه الشدة، والقتل، وما إلى ذلك؛ لذلك قيدهم جيد ﴿رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29] متعاطفون، متوادون، وما أحوجنا إلى هذه الرحمة التي تكون بين المؤمنين، قال سبحانه وتعالى: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: 29] فيه حرص الصحب الكرام على الصلاة.

﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا﴾ [الفتح: 29] فيه وصفهم بالإخلاص ﴿سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ﴾ [الفتح: 29] كما أن القلوب أنارها الله بالإخلاص، فكذلك الوجوه استنارت بهذا فظهرت في معالم الوجوه أيضًا.

ولاحظ هذا، ولاحظ الفرق الذي جاء هناك في سورة محمد في شأن المنافقين ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَـٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ﴾ [محمد: 30] فشتان بين المنافق، وبين المخلص المؤمن، ثم قال: ﴿ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ﴾ [الفتح: 29] أي ذلك وصفهم الذي وصفتهم به في التوراة الكتاب المنزل على موسى عليه السلام.

وأما مثلهم في الإنجيل هذا معناه أن قوله: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلْإِنجِيلِ﴾ [الفتح: 29] جملة جديدة، وأن الوقف ﴿ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ﴾ [الفتح: 29] وهذا ما عليه كثيرون ﴿وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ﴾ [الفتح: 29] يعني كحب زرع هذا الحب أليسير الضعيف بعد ذلك ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: 29] يعني قوي، فآزره يعني عاونه، ثم استغلظ، وقوي فغلظ فاستوى على سيقانه وهكذا بدأ الإسلام غريبًا، ثم بعد ذلك زاد، وزاد بفضل الله سبحانه وتعالى، وتتابع الناس على الدخول في دين الله أفواجًا.

﴿يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29] لأن قوة المؤمنين تغيظ الكفار، واستدل بذلك بعض العلماء على أن من أغاظه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو موسوم في هذه الآية بماذا؟

بقوله: ﴿الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29] ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًۢا﴾ [الفتح: 29] هنا إشكال يحتاج إلى جواب؛ وهو المراد بـ ﴿مِنْهُمْ﴾ [الفتح: 29] لأن بعض الناس نظر إلى كلمة منهم فقال: إذن الصحابة منهم المؤمنون، ومنهم غير ذلك؛ لأنّّ الله قال: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم﴾ [الفتح: 29].

إذًا بعضًا منهم، فقالوا: إن من للتبعيض وهذا خطأ؛ لأن من هنا ليست للتبعيض، وإنما هي لبيان الجنس أي كلهم كذلك، فمعنى ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم﴾ [الفتح: 29] أي وهم كذلك؛ كقوله: ﴿فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ﴾ [الحج: 30] أي وهي الأوثان، وكقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء: 82] فالصحيح أي كل القرآن شفاء ورحمة، وفي هذا أيضًا كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 172] وهم كلهم محسنون أيضًا متقون لله رب العالمين.

إذًا نقول: إن «مِن» هنا للتبيين، لا للتبعيض كما نص عليه بعض المفسرين، بل كثير منهم، وكثير من أهل اللغة كابن هشام رحمه الله تعالى.

من فوائد الآيات:

¯تشرع الرحمة مع المؤمن، والشدة مع الكافر المحارب.

¯التماسك والتعاون من أخلاق الصحابة رضوإن الله عليهم، أو من أخلاق أصحابه صلى الله عليه وسلم.

¯من يجد في قلبه كرهًا للصحابة الكرام يخشى عليه من الكفر.

(تشرع الرحمة مع المؤمن، والشدة مع الكافر المحارب) وهذا في قوله: ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29] وتأمل كلمة مع الكافر المحارب.

(التماسك والتعاون من أخلاق الصحابة رضوإن الله عليهم، أو من أخلاق أصحابه صلى الله عليه وسلم) ﴿رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29] عندهم تعاون، وأيضًا ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: 29] من يجد في قلبه كرهًا للصحابة الكرام يخشى عليه من الكفر وقد جاءت الأدلة تدل على هذا وهذه السورة الكريمة كما تقدم فيها بيان فضل الصحابة فقد وعدهم الله بالمغفرة، والأجر العظيم، وقد رضي الله سبحانه وتعالى عنهم، فإننا نحبهم ونشهد الله على محبتهم، وقد H0.

وقال أيضًا: H1 والذي عليه أكثر العلماء من المحققين أن المهاجرين أعلى كعبًا، وقدرًا من الأنصار، فإذا كان في الأنصار فهو كذلك في المهاجرين من باب أولى، والعلم عند الله تعالى، وننتقل إلى تفسير سورة الحجرات.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة