مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الحجرات

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 35 من 103 · 36 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

التعريف بالسورة

قال أصحاب المختصر (سورة الحجرات سورةٌ مدنيّةٌ) وهذا بإجماعٍ واتّفاقٍ، بل إن شئت فقل : إنّ سورة الحجرات من أواخر سور القرآن نزولًا كما تدلّ عليه بعض الرّوايات في مجيء بعض الوفود - كوفد بني تميمٍ - إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهذا كان متأخرًا، فالسّورة مدنيّةٌ نزلت بعد هجرة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بسنوات ٍهذا من جهةٍ.

وأمّا عن مقاصد السّورة فقالوا هنا (معالجة اللّسان وبيان أثره على إيمان الفرد وأخلاق المجتمع)

إذًا من مقاصد السّورة : معالجة اللّسان ، والتّحذير من أن يقع اللّسان فيما يغضب الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك جاءت آياتٌ كثيرةٌ في هذه السّورة الكريمة تنبّه على هذا المعنى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الحجرات: 1) والنّبأ : خبرٌ يقوله الإنسان، وكذلك جاء بعد ذلك في قوله سبحانه وتعالى : ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَـٰبِ ۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (الحجرات: 11) ( سورة الحجرات :11 ) إلى آخر الآيات الكريمة.

وفي أوائل السّورة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات: 12) أيضًا يدخل فيها التّقديم بالأقوال، وأيضًا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13) صلّى الله عليه وسلّم.

سورة الحجرات تسمّى أيضًا بسورة الآداب والأخلاق؛ ولذلك لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ : إنّ مقصود السّورة أوسع دائرةً ممّا ذكر هنا، فنقول : إنّ سورة الحجرات من مقاصدها العظيمة الأدب مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومع المؤمنين، ومع النّاس.

إذًا هذه السّورة علّمتنا كيف نتأدّب مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كيف نراعى حقّ الله، وحقّ رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وكيف نتأدّب مع المؤمنين، ونتأدّب مع عموم النّاس، ونعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه فهذه السّورة تدعو إلى هذا، وإن شئت فقل : إنّ من مقاصد السّورة الرّئيسة الأدب مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهذا مناسبٌ لـما جاء في سورة الفتح، فسورة الفتح فيها دعوةٌ إلى توقير الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمه، وإلى طاعته، والاستجابة لأمره، ثمّ جاء التّأكيد على هذا أيضًا في سورة الحجرات ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات: 12).

وأيضًا في سورة الحجرات ملمحٌ واضحٌ وجليٌّ يتعلّق بسورة الفتح وذلك في قوله : ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7) ( سورة الحجرات :7 )

﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7) كنتم ترغبون في القتال، وكنتم تجدون أنّ الصّلح فيه مشقّةٌ، وفيه ظلمٌ لكم، وفيه جورٌ عليكم، ولو أنّ الرّسول أطاعكم لكان العنت، ولكانت المشقّة، لكنّكم لـمّا استجبتم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان الخير، وكانت البركة فهذا مناسبٌ أيضًا لما وقع في صلح الحديبية كما جاء في سورة الفتح والعلم عند الله تبارك وتعالى.

وأيضًا ذكر الحجرات؛ لأنّ الحجرات فيها تعليم الأدب ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَٰتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الحجرات: 4) ( سورة الحجرات :4 ) ففيه أيضًا ما يتعلّق بالأدب مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا۟ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات: 5)

هذه السّورة المباركة افتتحها الله عزّ وجلّ بالنّداء للمؤمنين، وهذا مناسبٌ للسّور المدنيّة وقد دخل النّاس في دين الله سبحانه وتعالى وأذعنوا وأقرّوا فحينئذٍ ينادى عليهم بالإيمان ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوٓا۟ أَن تُصِيبُوا۟ قَوْمًۢا بِجَهَـٰلَةٍ فَتُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ﴾ (الحجرات: 6) وهذا أيضًا جاء في صدر سورة المائدة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَـٰدًا فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِى ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (الممتحنة: 1) وكذلك في صدر سورة الممتحنة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَـٰدًا فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِى ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (الممتحنة: 1) ( سورة الممتحنة :1 )

قال هنا : ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَـٰدًا فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِى ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (الممتحنة: 1) وستلاحظ أخيّ الكريم، أنّ النّداء بالإيمان في هذه السّورة قد تكرّر فمعنا في هذه الآيات الأربع الّتي استمعنا إليها نادى الله عزّوجلّ على المؤمنين بهذا الوصف مرّتين، ثمّ تتابع النّداءات في بقيّة السّورة كما سنلحظ بإذن الله تعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَـٰدًا فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِى ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (الممتحنة: 1) قالوا هنا ( لا تتقدّموا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ورسوله بقولٍ أو فعلٍ ) إذًا هذا شاملٌ.

فـ ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7) يعني : لا تتقدّموا، أو لا تقدّموا قولاً - فيكون متعدّيًا -، أو فعلاً ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ورسوله، ففيه أنّ الإنسان يستجيب لله، ولرسوله، ويجعل هواه تبعًا لمولاه، فلا يتقدّم برأيه، ولا بهواه، وإنّما ينظر ماذا قال الله، وماذا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ﴿فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحجرات: 8).

﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُوا۟ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنۢ بَغَتْ إِحْدَىٰهُمَا عَلَى ٱلْأُخْرَىٰ فَقَـٰتِلُوا۟ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىٓءَ إِلَىٰٓ أَمْرِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: 9)

وقد ورد في سبب نزول هاتين الآيتين الكريمتين ما يدلّ على وقوع - خلافٍ وقع - بين أبي بكرٍ الصّدّيق وعمر بن الخطّاب - رضي الله عنهما - حينما جاء وفدٌ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (فقال أبو بكرٍ الصّدّيق - رضي الله عنه - : يا رسول الله، أمّر عليهم، القعقاع بن معبدٍ، وقال عمر - رضي الله عنه - : بل أمّر عليهم الأقرع بن حابسٍ، فقال أبو بكر - رضي الله عنه - : ما أردت إلّا خلافي، قال : ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم) فأنزل الله عزّ وجلّ هاتين الآيتين، في بعض الرّوايات أنزل الآية الأولى، وفي بعضها أنزل الآية الثّانية وهذا ثابتٌ في الصّحيح؛ ولذلك قالوا : كاد الخيّران أن يهلكا (أبو بكرٍ وعمر) - رضي الله عنهما -. فإذا كان الخيّران وهما أبو بكرٍ الصّديق، وعمر - رضي الله عنه - تنزل الآيات لتحذيرهما من أن يقع منهما رفعٌ للصّوت عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهما من هما في الأدب، والاحترام، والتّوقير، والإجلال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولذلك كان عمر - رضي الله عنه - لا يحدّث الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بعد إلّا كحديث أخي السّرار، لا يكاد يفهمه الرّسول حتّى يستفهمه، يطلب منه أن يعيد الكلام، أو أن يرفع صوته حتّى يسمعه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

هنا فسّروا هذا بمعنيّين وكلاهما معنيّان صحيحان، وكلاهما معنىً صحيحٌ :

الأوّل : لا تجعلوا أصواتكم تعلوا على صوت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عند مخاطبته، فالإنسان لا يرفع صوته على صوت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

والثّاني : لا تعلنوا له باسمه كما ينادي بعضكم بعضًا، يعني لا يقل له يا محمّد، وإنّما يقول : يا رسول الله، يا نبيّ الله.

وهذا أحد الأقوال في قوله ﴿لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63) ( سورة النور :63 ) فلا ينادى الرّسول صلّى الله عليه وسلّم كما ينادي بعضنا بعضًا، وإنّما يتأدّب معه صلّى الله عليه وسلّم.

﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: 10) وقد خاف ثابت بن قيسٍ بن شمّاسٍ - رضي الله عنه - خطيب رسول الله على نفسه من ذلك، وجلس في بيته من أجل أنّه ظنّ أنّه داخلٌ في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَـٰبِ ۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (الحجرات: 11) ولمّا سأل الرّسول صلّى الله عليه وسلّم عنه، وذهبوا إليه، قالوا : هو حبط عمله يقصد نفسه، لــم؟ كان يرفع صوته عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، مع أنّه كان يخطب منافحًا عن دين الله جلّ وعلا.

وهذا يدلّ على أنّ الصّحب الكرام كانوا يتأثّرون بالآيات القرآنيّة، ويتعاملون معها على أنّها خطابٌ لهم فيأخذون منها ما يمكن لهم أن يأخذوا منه، وما يستطيعون، لا يتوانى أحدهم في التّمسّك بآيات الله، وتدبّرها، والعمل بما فيها.

أي يخفضون أصواتهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات: 12)

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَٰتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الحجرات: 4) فإذا كان هناك من وقّر الرّسول، وعظّم الرّسول وأطاع الرّسول صلّى الله عليه وسلّم واستجاب له كما وقع في سورة الفتح في هذه الآيات فكذلك هنا من كان يعلي صوته على الرّسول صلّى الله عليه وسلّم أحيانًا، أو من نادى الرّسول بهذا النّداء الّذي لا يليق بجنابه؛ فلذلك حذّر الرّسول صلّى الله عليه وسلّم من ذلك.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات :

وجوب التّأدّب مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومع سنّته، ومع ورثته العلماء : وهذا جميلٌ! إذًا (وجوب التّأدّب مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ) هذا واضحٌ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).

(ومع سنّته) : ولذلك قال العلماء : يدخل في رفع الصّوت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رفع الصّوت عند قبره، ويدخل في ذلك رفع الصّوت على حديث رسول الله، على سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

قال (ومع ورثته ) يعني : أيضًا العلماء لهم توقيرهم، ولهم حقّهم في التّأدّب معهم.

﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات: 14)

﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ﴾ (الحجرات: 15) يعلّمهم أنّ الصّبر هو المطلوب، وأنّهم لا يتعجّلون على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإنّما ينتظرونه حتّى يخرج صلّى الله عليه وسلّم. وقد كان العلماء يسلكون هذا مع شيوخهم، وعلمائهم، فعبد الله بن عبّاسٍ - رضي الله عنهما - كان يقف أمام الصّحابيّ من شيوخه جالسًا ينتظره تسفي الرّيح في وجهه، ويخرج الصّحابيّ ليخبره ويقول له : لم تعلمني فأنت ابن عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فيقول : " العلم أحقّ أن يؤتى ".

﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات: 14) وكم في الصّبر من فرجٍ، وكم في الصّبر من خيرٍ، وكم في الصّبر من عوائد، ومن علمٍ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الصّابرين!

وهذا النّداء الثّالث بـ ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الحجرات: 16) في السّورة.

﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا۟ ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا۟ عَلَىَّ إِسْلَـٰمَكُم ۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَـٰنِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الحجرات: 17) هذا الفاسق أتاكم بخبرٍ مهمٍّ، والنّبأ : الخبر المهمّ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحجرات: 18)، والقراءة الأخرى (فتثبّتوا ) يعني : إيّاكم أن تقبلوا الخبر دون تثبّتٍ، ودون تبيّنٍ، وفهم من هذا أنّ النّاس على ثلاثة أقسامٍ :

والكاذب الغاشّ يردّ خبره.

وأمّا الفاسق، أو الّذي يتحرّى فيه - بمعنى - أنّنا نخشى من غائلته - فحينئذٍ يتحرّى في شأنه، فمن أيقنّا كذبه رددناه، ومن علمنا عدالته قبلناه، ومن شكّكنا في أمره تثبّتنا في خبره.

قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحجرات: 18) فتثبّتوا ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحجرات: 18) هذه الآية ورد فيها سبب نزولٍ، لكنّه لا يخلو من مقالٍ؛ فلذلك نعرض عنه صفحًا، والعبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب.

{ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ} لأنّ الشّخص إذا أخذ بما أخبر به ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ الفاسق، وكان الفاسق كاذبًا في خبره فربّما أصاب قومًا وظلمهم دون أن يعلم، ودون أن يستيقن فحذّرنا الله من ذلك.

﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7)

تأمّلوا ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7) صلّى الله عليه وسلّم أنّه يوحى إليه ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7) ولذلك تقدّم أنّ الصّحب الكرام كان الخير في اتّباع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والاستجابة له، والرّجوع معه صلّى الله عليه وسلّم؛ وإن لم يذهبوا إلى مكّة معتمرين فقد عوّضهم الله الخير الكثير، وعادوا في العام الّذي يليه، واعتمروا بفضل الله سبحانه وتعالى، ثمّ جاءوا في العام الثّامن بعد صلح الحديبية بسنتين وهم يفتحون مكّة ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81) ( سورة الإسراء :81 )

﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81) وتأمّل ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81) هذا كلام الله عزّ وجلّ لأصحاب رسوله؛ لذلك قال أبو سعيدٍ الخدريّ - رضي الله عنه - : “ هذا نبيّكم، وخيار أئمّتكم، فكيف أنتم؟ " يعني يقول : لمن بعد الصّحابة، إذا كان هذا قاله الله لخيار الأئمّة - للصّحابة -، فكيف لو أطاع الرّسول من بعدهم من أتباع التّابعين، وهذه القرون ماذا كان سيكون؛ مع أنّ هذا قيل لأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟

﴿وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ (القلم: 45) نسأل الله أن يزيّننا بزينة الإيمان؟

فقال بعضهم : الفسق، والفسوق، والعصيان قريبان.

وقال آخرون : الفسوق : كبائر الذّنوب، والعصيان المراد به هنا : ما دون ذلك من الصّغائر، فالعطف هنا يفيد التغاير. أو إنّه عطف عامٍ على خاصٍّ، أو أنّ الفسوق المراد به هنا الكذب، لما يناسبه من قوله ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا۟ ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا۟ عَلَىَّ إِسْلَـٰمَكُم ۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَـٰنِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الحجرات: 17) يعني : من يخشى كذبه، فالله يحذّرنا أيضًا من الفسوق.

قال { ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ }

من نعمة الله على العبد أن يحبّ الطّاعة، وأن يبغض المعصية، ولذلك كان بعضهم يقول : إنّي لا أحسن أن أعصي الله عزّ وجلّ وهذا عظيمٌ جدًّا أن يكون الإنسان محبًّا لطاعة الله، مبغضًا للمعصية، لا يهوى المعصية، ولا تطأوعه نفسه على المعصية، فإنَّ وقع منه خطأٌ، أو زللٌ يعود على الفور، وعلى التّوّ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201) ( سورة الأعراف :201 )

قال الله سبحانه وتعالى بعدها ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201)

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201) هنا أثبت الإيمان مع الاقتتال ففيه دليلٌ على أنّ ارتكاب الكبائر لا ينفي عن الإنسان أصل الإيمان، وهذا دليلٌ لأهل السّنّة على ذلك؛ لذلك إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ : اذكر دليلاً من السّورة الكريمة على أنّ مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان إلّا إذا كانت هذه الكبيرة شركًا بالله، فهذه الآية تشهد لهذا المعنى. فمرتكب الكبيرة لا يزال مؤمنًا معه أصل الإيمان.

قال الله : ﴿وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ نَصِيبًا فَقَالُوا۟ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ ۗ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الأنعام: 136) الأمر بالإصلاح بين النّاس { ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ } وقع البغي ﴿فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 24) وفيه مشروعيّة قتال أهل البغي من البغاة { ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤﲥ } إذًا قتال البغاة المراد به العودة إلى الحقّ قال { ﲡ ﲢ ﲣ ﲤﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ} هنا عطف الله الإقساط على الإصلاح بالعدل

قال الله تعالى : { ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ } فجاء العطف هنا بالإقساط على الإصلاح بينهما بالعدل.

وقد يقول قائلٌ : أليس العدل إقساطًا، وأليس الإقساط عدلاً، ما الفرق بينهما؟

قال بعضهم : العدل والإقساط بمعنًى.

وقال آخرون : الإقساط هو العدل الظّاهر البيّن؛ ولذلك يطلق على الميزان قسطٌ، فمعنى { ﲤﲥ } يعني ليكن عدلكم ظاهرًا، بيّنًا، وهنا فسّروه بالإنصاف، وهو من معاني الإقساط. وهناك فرقٌ بين الإقساط، والقسط، فـ (قسط ) بمعنى : جار وظلم؛ لكن أقسط بمعنى عدل يعني : أزال الظّلم؛ ولذلك لا تعارض بين قوله﴿وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُوا۟ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (الجن: 15) وقوله في سورة الجنّ ﴿وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُوا۟ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (الجن: 15) ( سورة الجن :15 ) فالقاسطون هنا : أي الظّالمون، الجائرون، أمّا المقسطون هنا ﴿وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُوا۟ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (الجن: 15) يعني : العادلين الّذين يستمسكون بآيات الله، وبسّنة الصّادق الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، ولا يظلمون النّاس.

ثمّ قال : ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ﴾ (الشورى: 7) وهذه قاعدةٌ جليلةٌ عظيمةٌ مباركةٌ ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ﴾ (الشورى: 7) وينبغي للمؤمن أن يتذكر هذا دومًا ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ﴾ (الشورى: 7) فأخوّة الإيمان أقوى من أخوّة النّسب، وأقوى من أخوّة القرابة، وما إلى ذلك هي أعظم الأخّوات، وهي الّتي تنفع صاحبها يوم القيامة ﴿ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67) ( سورة الزخرف :67 ) ولذلك نطلب منكم أن تذكروا حديثين من أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تدعو إلى المؤاخاة بين المؤمنين، وتبيّن فضل الأخّوة بين المؤمنين.

{ ﲮ ﲯ ﲰﲱ } والقراءة الأخرى ( بين إخوتكم) { ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ }.

إذًا التّقوى طريقٌ لتحصيل الرّحمة، وهنا قال ( رجاء أن ترحّموا )، فسّروا لعلّكم رجاء يعني - أن تكونوا أنتم - على رجاء حصول الرّحمة، أو تكون بمعنى التّعليل؛ أي لترحموا.

{ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙﳚ ﳛ ﳜ ﳝ ﳞ ﳟ ﳠ}

وهذا هو النّداء الرّابع للمؤمنين بـ أيّها الّذين آمنوا في السّورة الكريمة { ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌﳍ }

1- من أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : إنّ القوم المراد به الرّجال فقط، ولا يدخل فيه النّساء إلّا على سبيل التّبع؛ فلذلك ذكر الله النّساء، وصرّح بهنّ هنا.

2-ومنهم من أدخله، ولكن قال : جاء التّخصيص زيادةً في الأهمّيّة، ولأنّ السّخرية في النّساء كثيرةٌ، فكثيرٌ من النّسوة قد يقعن في هذا، وتسخر بعضهنّ من بعضٍ، فنبّه الله وقال : { ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌﳍ } وقوله : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 105) وقوله أيضًا : { ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌﳍ } فيه دليلٌ على أنّ غالب السّخرية سببه الكبر أن يرى الإنسان أنّ نفسه أفضل من غيره فحينئذٍ يسخر من غيره.

قال : ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ (طه: 104) يعني لا تعيبوا إخوانكم، فالنّفس هنا بمعنى الأخ، فأخوك كنفسك ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256) ذكر الألقاب لا بأس به، لكنّ الممنوع التّنابز، كونك تذكر آخر بلقبه لا حرج فيه؛ لكن أن تنابزوا : بأن تعيبوهم بذكر الألقاب هذا هو المعيب؛ ولهذا قالوا هنا ( بلقبٍ يكرهه ) يعني : لا يلقّب الإنسان غيره بلقبٍ إذا كان يكرهه.

{ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙﳚ } قالوا ( بئست الصّفة صفة الفسق بعد الإيمان ) يعني : أنت مؤمنٌ، لماذا تسمّ نفسك بسيماء الفسق بمعصيتك؛ لأنّك حينما تعصي الله فإنّك تتلبّس حينئذٍ بفسقٍ هذا معنى، أو بئس أن تسمّي أخاك بالفسق وهو مؤمنٌ فلا ترميه بالفسق وهو مؤمنٌ بالله ربّ العالمين هذا قولٌ آخرٌ في المعنى.

{ ﳛ ﳜ ﳝ ﳞ ﳟ ﳠ } فيه دليلٌ على وجوب التّوبة؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى بيّن أنّ من لم يتب فهو من الظّالمين، وهذا يدلّ على أنّ التّوبة واجبةٌ، فالله قسّم النّاس إلى قسمين، إلى تائبٍ وإلى ظالمٍ وهذا كلّه من فوائد هذه الآية الكريمة.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات :

وجوب التّثبّت من صحّة الأخبار خاصّةً الّتي ينقلها من يتّهم بالفسق : ولذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ : النّاس أقسامٌ، فالمتّهم الّذي لا يدري حقيقة أمره هذا يتثبّت من خبره، والمجزوم بكذبه يردّ خبره، والمجزوم بعدالته يقبل خبره وهذا من قوله﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا۟ ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا۟ عَلَىَّ إِسْلَـٰمَكُم ۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَـٰنِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الحجرات: 17) قالوا : بمفهوم المخالفة : وإن جاءكم عدلٌ بنبأٍ فاقبلوا.

وجوب الإصلاح بين من يتقاتل من المسلمين، ومشروعيّة قتال الطّائفة الّتي تصرّ على الاعتداء، وترفض الصّلح : وهذا في قوله: { ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ }.

من حقوق الأخوّة الإيمانيّة الصّلح بين المتنازعين، والبعد عمّا يجرح المشاعر من السّخرية، والعيب، والتّنابز بالالقاب :وهذا واضحٌ جدًّا من الآيات الكريمة { ﲮ ﲯ ﲰﲱ } ثمّ ما جاء بعد ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: 32) وفي هذه الصّفحة فوائد كثيرةٌ جدًّا ذكرنا بعضها في أثناء التّفسير.

﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾ (يونس: 71)

{ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋﱌ } هذا هو النّداء الخامس للّذين آمنوا بقوله ﴿ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الأنعام: 143) ولذلك إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ : إنّ في سورة الحجرات عددًا من النّداءات للمؤمنين بوصف الإيمان وهذا تمــثّل في خمسة نداءاتٍ نادى الله عزّ وجلّ بها المؤمنين بوصفهم بالإيمان، وهذا فيه إكرامٌ لهم، وجاء فيها أيضًا ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199)

{ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋﱌ } لم يقل اجتنبوا الظّنّ، أو قال : اجتنبوا كلّ الظّنّ، وإنّما قال : { ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ } وقال : { ﱈ ﱉ ﱊ ﱋﱌ } ولم يقل : إنّ كلّ الظّنّ إثم، لأنّ هناك ظنٌّ يقبل وهو الظّنّ في مواضع الرّيبة، فالإنسان الّذي يساء به الظّنّ؛ لأنّه أوقع نفسه في مواضع الرّيبة يظنّ به ظنّ السّوء بسبب القرائن، أمّا الظّنّ بلا قرينةٍ فهو الممنوع، والرّسول قال : " إيّاكم والظّنّ فإنّ الظّنّ أكذب الحديث ". ولذلك الشّخص الّذي يعرف بالفساد يظنّ به ظنّ السّوء، وأمّا أهل الصّلاح فلا ينبغي أن يغتاب أحدٌ فيهم، بل عليه أن يحسن الظّنّ بهم.

{ ﱍ ﱎ } لا تتّبعوا عورات المؤمنين من ورائهم.

﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا﴾ (النساء: 87) لا يذكر أحدكم أخاه بما يكره وهذا معنى الغيبة، الغيبة : ذكرك أخاك بما يكره، كما فسّرها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم. قال ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: 1) هكذا صوّر ربّ العزّة سبحانه وتعالى المغتاب بهذه الصّورة البشعة ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: 1) من منّا يحبّ أن يأكل لحم إنسانٍ؟ لا يحبّ أحدنا ذلك، ولا يقبله، فكيف إذا كان هذا الإنسان أخاه، وكيف إذا كان ميّتًا فهذا كلّه يدلّ على أنّ الصّورة بشعةٌ، وأنّ المغتاب قد ارتكب إثمًا عظيمًا، وارتكب ذنبًا كبيرًا بهذا الّذي فعله، فنسأل الله سبحانه وتعالى السّلامة والعافية!

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (المؤمنون: 21) تأمّلوا هنا { ﱝ ﱞﱟ } أيضًا ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ (الإنسان: 2).

{ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ}

{ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ } ما الفرق بين الشّعوب والقبائل؟

منهم من قال : الشّعوب أكبر فيقال : الشّعب مثل مضرٍ، وربيعةٍ، والقبائل : مثل قبيلة قريشٍ تكون أقلّ منها.

ومنهم من جعل الشّعوب في العجم، والقبائل في العرب.

{ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯﱰ } إذًا من حكم جعل الله سبحانه وتعالى النّاس متفرّقين في البلاد، وجعلهم شعوبًا، وقبائل : التّعارف يعني : أن يحدث بعد ذلك تعارفٌ؛ ليعرف بعضكم بعضًا

﴿وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ ۖ فَمَا ٱخْتَلَفُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الجاثية: 17) هذا هو الميزان، إذًا في السّورة الكريمة آيةٌ تدلّ على ميزان التّفاضل في الأعمال وهي قوله : { ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵﱶ } وقد سئل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم : أيّ النّاس أكرم عند الله؟ قال " أتقاهم " { ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵﱶ } وهذا يدلّ على فضل التّقوى، جعلنا الله منهم بمنّه، وكرمه.

وأنت إذا تأمّلت السّورة الكريمة تجد أنّ فيها ذكرٌ للتّقوى في مواضع عديدةٍ في أوّلها ﴿فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحجرات: 8) وأيضًا ﴿فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحجرات: 8) وأيضًا ﴿فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحجرات: 8) وهنا { ﱝ ﱞﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ }، وهنا { ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵﱶ } كلّ هذا يدعونا إلى التّقوى، فالتّقوى تورث الإنسان الأدب مع الله، ومع رسوله صلّى الله عليه وسلّم ومع المؤمنين، ومع النّاس، ولهذا جاء هنا ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام: 97).

وتأمّلوا جاءت { ﱥ ﱦ } مع أنّ السّورة مدنيّةٌ؛ لذلك بعضهم استثناها من السّورة، والصّحيح أنّها داخلةٌ في السّورة فهنا جاء الخطاب عامًا للتّذكير بأنّ الإنسان يشارك غيره في كونه إنسانًا مثله فله حقٌّ أيضًا في هذا الباب.

ثمّ قال الله جلّ ذكره { ﱽ ﱾ ﱿﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ}

﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (الدخان: 9) أي قال بعضهم ﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (الدخان: 9) وتأمّل هنا أخيّ الكريم، فائدةٌ يسيرةٌ أنّ الأعراب هذا مذكّرٌ، ومع ذلك جاءت معه قالت، لــم؟ لأنّ الأعراب جمع تكسيرٍ، فحينئذٍ يصحّ أن يؤنّث الفعل معه، فالمعنى : قالت جماعة الأعراب فهذا معروفٌ لغةً، وكذلك على العكس ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 30) ( سورة يوسف :30 ) أي : وقال جمع نسوةٍ في المدينة فهذا وذاك معروفٌ في اللّغة، فلا ينبغي لأحدٍ أن يطعن في الكتاب بمثل هذا، وهذا من الخلل ممّن يقوله من الأدعياء في مثل هذه الأيّام، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا!

قال الله ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: 92) يعني : استسلمنا أي هو استسلامٌ ظاهريٌّ، أو إنّه إسلامٌ لكنّكم لم تصلوا إلى مرتبة الإيمان، ولذا استدلّ بهذه الآيات كثيرٌ من الأئمّة على أنّ الإيمان أعلى درجةً من الإسلام، وأنّه أخصّ من الإسلام، ولذلك قالوا : كلّ مؤمنٍ مسلمٌ، وليس كلٌّ مسلمٍ مؤمنًا، فالإيمان أعلى درجةً بدليل هذه الآية، وقال بعضهم أيضًا يستدلّ بها على أنّ الإسلام، والإيمان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا إذا كان هذا في موضع المفارقة يعني هذا جاء لذكر الإيمان، ولذكر الإسلام.

قال هنا { ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋﲌ } يعني كونوا على طمعٍ أن ﴿يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾، ولذلك لم يقل : ولم يدخل الإيمان، وإنّما قال : ولـمّا، ولـمّا : تدلّ على أنّ هذا المنفي يتوقّع حدوثه، ووقوعه؛ ولذلك قالوا هنا (﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ بعد ويتوقّع له أن يدخلها) هذا فهم من كلمة (لـمّا).

ثمّ قال الله سبحانه وتعالى : { ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ } يعني لا ينقصكم ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ﴾ شيئًا؛ بل إنّه يوفيكم أجوركم كما مضى معنا في سورة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم.

ثمّ قال الله {ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪﲫ ﲬ ﲭ ﲮ}

{ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ } ليس عندهم شكٌّ، وليس عندهم تهمةٌ في الإيمان بالله، ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وهذا في المؤمّن، من شروط لا إله إلّا الله اليقين أن يكون الإنسان مستيقنًا بلا إله إلّا الله، { ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ } هذا إنكارٌ، ونهيٌ يعني : لا تعلّموا الله بدينكم، فالله يعلم من المؤمّن، ومن المسلم، ومن دون ذلك هو يعلم حقائق الأمور، ويعلم ما في الصّدور سبحانه وتعالى { ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ }

{ﳂ ﳃ ﳄ ﳅﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ }

وهذا فيه بشارةٌ لهم أنّهم إن استقاموا فالله سيهديهم أيضًا للإيمان ليس للإسلام فقط، ولكن أيضًا لمرتبةٍ أعلى وهي الإيمان، لكن عليهم أن يصدقوا { ﳔ ﳕ ﳖ } وهنا فيه إشارةٌ إلى أنّ المنّة لله وحده، فهو الّذي يوفّق، وهو الّذي يسدّد، وهو الّذي يعين العبد، وهو الّذي يجعل هذا يؤمن، والآخر لا يؤمن، فنحمد الله سبحانه وتعالى على ما هدانا إليه من الإيمان، ونسأل الله أن يزيدنا إيمانًا، وأن يثبّتنا حتّى نلقاه.

﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44) ولذلك قالوا : إنّ العبد إذًا حمد الله، فالّذي وفّقه للحمد هو الله وهذه نعمةٌ تستوجب شكرًا آخر.

{ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ ﳝﳞ ﳟ ﳠ ﳡ ﳢ} هكذا تعلّمنا السّورة في الختام مراقبة الله عزّ وجلّ، وذلك أنّ العبد يكون بين التّقوى، وبين مراقبة الله، وحينئذٍ يتأدّب بالآداب السّاميّة، والأخلاق الرّفيعة العظيمة.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات : سوء الظّنّ بأهل الخير معصيةٌ، ويجوز الحذر من أهل الشّرّ بسوء الظّنّ بهم : وهذا فهم من قوله { ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋﱌ } إذًا { ﱈ ﱉ ﱊ ﱋﱌ } أي : بأهل الخير، وأمّا غيرهم فإنّهم عرّضوا أنفسهم للتّهمة بما هم عليه من شرٍّ.

وحدة أصل بني البشر تقتضي نبذ التّفاخر بالأنساب : ولذلك ﴿إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ﴾ (الحجرات: 13)، ولذلك " لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لأعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيض على أسود إلّا بتقوى الله سبحانه وتعالى ".

الإيمان ليس مجرّد نطقٍ لا يوافقه اعتقادٌ، بل هو اعتقادٌ بالجنان، وقولٌ باللّسان، وعملٌ بالأركان { ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ }.

هداية التّوفيق بيد الله وحده وهي فضلٌ منه سبحانه وتعالى ليست حقًّا لأحدٍ :﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44)

نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يرزقنا العلم النّافع، والعمل الصّالح، وأن يجعل القرآن الكريم حجّةً لنا لا علينا، هذا والله أعلم وفّقنا الله وإيّاكم لما يحبّ ويرضى، وصلّى الله على نبيّنا محمّدٍ وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة