سورة ق
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
سُورَةُ ق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم مع التعليق عليه، وننتقل الليلة بفضل الله وتوفيقه إلى تفسير ق.
سورة ق
هذه السورة التي معنا سورة ق، وسورة ق هي أول المفصل على قول كثير من أهل العلم ومنهم من يرى أن أول المفصل سورة الحجرات.
وقد قيل له المفصل؛ لكثرة الفواصل فيه، أو لأنه محكم؛ ولذلك يسمى بالمحكم أيضًا؛ وذلك لقلة النسخ في آياته، وآياته محكمة مفصلة، ومن أحكمها نال خيرًا كثيرًا، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح لنا، وأن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح.
التعريف بالسورة
هذه السورة سورة ق سورة مكية، وقد نقل الاتفاق على ذلك.
نقل من المختصر وبيانُه
قالوا هنا من مقاصد السورة: (وعظ القلوب بالموت، والبعث) هذه السورة الكريمة حين نتأملها نجد أن الله سبحانه وتعالى افتتحها بحرف من الحروف المقطعة، ثم حدثنا حديثًا موجزًا عن القرآن، ووصف القرآن بالمجد فقال: ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ﴾ [ق: 1].
ثم حدثنا الله سبحانه وتعالى عن قضية البعث حديثًا مستفيضًا فيه إقامة الحجج، والرد على أولئك المنكرين للبعث فهي ردود عظيمة وجليلة ومن خصائص القرآن الكريم أنه يجمع بين إقناع العقل، وإمتاع العاطفة فأنت حين تقرأ سورة ق يهتز لها قلبك، وتجد فيها من الروعة والجمال والجلال، والهيبة حينما تقرأ الآيات التي حدثتنا عن الموت وسكرته، وعن البعث وما يجري فيه ويقع، وعن انقسام الناس إلى أهل النار، وأهل الجنة جعلنا الله من أهل الجنة، ونجانا من النار!
ومع هذا كله، فإنَّ السورة الكريمة أيضًا تقنع العقل بطرائق شتى، وبمناهج قويمة، وبراهين ساطعة من أول السورة الكريمة ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا﴾ [ق: 6] وقبلها قد قال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق: 4] فذكر الله سبحانه وتعالى أنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم، وأنه خالق السموات والأرض؛ كل هذا يدل على أن البعث حق؛ ولذلك قال: ﴿كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ [ق: 11].
تحليل مقارن وربط بين السور
وبين الله في السورة الكريمة جزاء بعض الطغاة، بعض المعاندين المستكبرين الذين ينكرون آيات الله سبحانه وتعالى، ففي ذلك تحذير، ووعيد لمن كان مثلهم، أو صار على دربهم، ثم عادت الآيات الكريمة للدلالة على أن الله هو الخالق، وأنه يعلم كل شيء فهو يعلم ما توسوس نفس الإنسان، وذكر الله لنا بعض مشاهد تتعلق بالموت، وما بعد الموت من البعث، والنفخ في الصور، وانقسام الناس، ثم جرى أيضًا حديث عن خلق السموات والأرض، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يقول أولئك، ثم ذكر الله لنا مشهدًا من مشاهد يوم القيامة ﴿وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: 41] إلى أن ختمت السورة الكريمة بقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45] فكانت هناك مناسبة واضحة جلية بين فاتحة السورة، وخاتمتها.
فأولها حديث عن القرآن، وآخرها حديث عن القرآن، ونظير ذلك فيما تقدم سورة ص ففي فاتحتها ﴿صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ﴾ [ص: 1] وفي خاتمتها ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [ص: 87].
وأيضًا في هذه السورة الكريمة بها وعظ القلوب بهذه الزواجر، وفيها آية جليلة عظيمة ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37] من أجل هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه السورة المباركة في المجامع الكبيرة، فكان يقرأها في خطبة جمعة كما ثبت في حديث أم هشام بنت حارثة بن النعمان أنها ما حفظت سورة ق إلا من لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأها على المنبر يوم الجمعة.
وكذلك صلى الله عليه وسلم بها مع سورة ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: 1] في صلاة العيد.
فكان يحرص صلى الله عليه وسلم على أن يقرأها في المجامع؛ ليتعظ الناس، ولينزجروا، وليتعلموا، والسورة الجليلة كما تقدم فيها تقرير البعث بأقوى الحجج، وأعظمها وأجلها كما سيستبين لنا تبارك وتعالى في أثناء تفسير السورة المباركة فدونكم هذه السورة، وما يتعلق بها، ونسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى.
﴿قٓ﴾ [ق: 1] هذه إحدى الحروف المقطعة التي افتتحها الله سبحانه وتعالى بالحروف المقطعة وهي أربعة عشر حرفًا افتُتحت بها تسع وعشرون سورة وهذه الحروف التي افتتحها الله عز وجل جاءت على أنواع:
فأحيانًا جاء حرف واحد، أحيانًا جاء الافتتاح بحرف واحد، وأحيانًا بحرفين، وبثلاثة، وبأربعة أحرف، وبخمسة أحرف، وهنا جاء الافتتاح بحرف واحد وهو ق.
ثم قال الله: ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ﴾ [ق: 1] وهذا قسم يقسم الله سبحانه وتعالى بهذا القرآن المجيد، والمجيد يدل على كثرة الخير، والنفع به، وأنه الفائق في وصفه، فقال ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ﴾ [ق: 1] وهذا مؤذن بأن هذه السورة الكريمة فيها خير كثير، ونفع كبير، وأن هذه السورة تحوي من الخيرات الكثير، والكثير؛ ولذلك جاء في الختام ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45] قال بعضهم: يعني بالقرآن الذي سمعته في هذه السورة، وكذا ببقية سور القرآن الكريم.
﴿قٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: 1، 2] هنا في قوله: ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ﴾ [ق: 1] حينما يقرأ المرء هذه الآية ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ﴾ [ق: 1] يسأل أين جواب القسم؛ لأن الله أقسم بالقرآن، فأقسم بالقرآن على أي شيء، أين جواب القسم؟
هنا قالوا في التفسير: (أقسم الله بالقرآن لما فيه من المعاني، وكثرة الخير والبركة) وهذا معنى المجيد.
(لتبعثن يوم القيامة للحساب والجزاء) إذًا الجواب هنا مقدر تقديره لتبعثن، فهم هذا من سياق الآيات بعد؛ لأن الحديث بعدها جرى عن البعث فناسب أن يقدر معه لتبعثن.
ومنهم من قال: بل هو مذكور وهو قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق: 4] على تقدير لقد ﴿عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾.
﴿وَقِيلَ﴾: بل هو إنك لرسول الله كما في سورة ﴿يسٓ﴾ ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ﴾ ﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: 1 - 3].
وهنا أمر عجيب أن الله سبحانه وتعالى بعدها قال: ﴿بَلْ عَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ [ق: 2] إذًا هذا انتقال، انتقال من كلام إلى كلام؛ ولذلك بل يسمونها بالإضراب، معناه: أنه تم الإضراب عن كلام، وانتقل منه إلى كلام آخر؛ لذلك قالوا هنا في التفسير لم يكن سبب رفضهم أنهم يتوقعون أن تكذب فهم يعرفون صدقك، بل تعجبوا؛ كأن الله يقول: لا يكذبونك، لا يطعنون في صدقك، ﴿بَلْ عَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾.
إذًا بل كأنه إضراب أيضًا عن كلام مقدر؛ فتأمل الجواب مقدر وهنا كلام مقدر قبل بل، وهكذا في القرآن تطوى كلمات، بل جمل؛ لماذا؟ حتى يتعلم الناس التدبر، وإعمال العقل في فهم القرآن الكريم، ثم بعدها قال: ﴿بَلْ عَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: 2] على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله: ﴿هَـٰذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: 2] هنا في التفسير قالوا: (تعجبوا أن يأتيهم رسول منذر من جنسهم، وليس من جنس الملائكة، وقالوا من تعجبهم: مجيء رسول من البشر إلينا شيء عجيب).
إذًا هذا شيء عجيب يعني مجيء رسول من البشر شيء عجيب، وكلامهم هو العجيب، والغريب؛ ولذلك سيأتينا في الفوائد أنهم استعظموا النبوة على البشر، ومنحوا صفة الألوهية للحجر، فوافقوا وقبلوا أن يكون الإله من الحجر، ورفضوا أن يكون النبي، أو الرسول من البشر مع أنَّ الرسول حينما يكون من البشر يمكننا الاقتداء به، لكن بعض المفسرين يرى أن قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: 2] ما سيأتي بعد وهو قولهم: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌۢ بَعِيدٌ﴾ [ق: 3] لأن الحديث الذي استمر معنا في كثير من الآيات حديث عن قضية البعث؛ لذلك مقام الحديث عن بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأخذ مكانًا كبيرًا في سورة ق.
ولذلك لم تأتِ الآيات بعد لرده بينما جاءت الآيات لرده في سور أخرى كما في سورة الفرقان مثلًا ﴿وَقَالُوا۟ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 7] وأيضًا ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: 20] إلى غير ذلك من الآيات، لكن المقام هنا مقام الحديث عن قضية البعث، والرد على المنكرين.
﴿فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [ق: 2] وتأمل ﴿بَلْ عَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [ق: 2] ما قال فقالوا والكلام عنهم بالضمائر جاء تسجيل الكفر عليهم ﴿فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌۢ بَعِيدٌ﴾ [ق: 2، 3] أيضًا هنا تقدير يعني ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [ق: 3] نبعث ﴿ذَٰلِكَ رَجْعٌۢ بَعِيدٌ﴾ [ق: 3] فكأنه أيضًا مقدر سبحان الله، وكأن جواب القسم وهو لتبعثن مقدر كما أنهم في كلامهم يقدرون، وكأن الله يقول: إن البعث حقيقة لا ينبغي أن تتجاهل رغم أنوفكم، فإن كنتم تتجاهلون البعث، فهذا لغباء منكم، أو كبر، ويكفي أن يقال: ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ﴾ [ق: 1] وحينئذ سيعلم المؤمنون أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ﴾.
وأما قوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [ق: 3] وكأنها تصور حالهم وهم يقولون: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [ق: 3] ولا يريدون النطق بكلمة نبعث؛ يعني هم لمزيد إنكارهم، وأن هذه الكلمة مما لا يطيقونها طووها، ولم ينطقوا بها، ولم يتفوهوا بها؛ للدلالة على أنهم يأنفون منها، ويبغضونها، ولا يرغبون فيها وهذا يناسب أفعالهم الخبيثة، فإنَّ المؤمن ينتظر الدار الآخرة لما يجد عند الله من الثواب العظيم.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌۢ﴾ [ق: 4] اسمع يا رعاك الله، كيف أن الله رد عليهم هذا بداية الرد، بداية الحجج ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾ [ق: 4] إذًا يرد على منكري البعث بقضية العلم؛ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ.
وهنا خصص ربنا العلم المناسب لما يزعمونه فهم يقولون: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌۢ بَعِيدٌ﴾ [ق: 3] يقول: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق: 4] فما تنقص الأرض منهم ربي يعلمه؛ إذًا ما الذي يمنعه من البعث وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ، ويعلم ما الذي نقصته الأرض من أجسادهم.
﴿وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌۢ﴾ [ق: 4] والكتاب مسطر فيه كل شيء، وحفيظ ﴿وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌۢ﴾ [ق: 4].
﴿بَلْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِىٓ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: 5] هذه حقيقة الأمر، ﴿فِىٓ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: 5] يعني في أمر مختلط، مضطرب؛ ولذلك قالوا: فهم في أمر مضطرب لا يثبتون على شيء بشأنه، والأمر المريج هو الأمر المضطرب المختلط الذي لا يؤدي إلى فائدة.
فقال: ﴿فَهُمْ فِىٓ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: 5] وتأمل حال هؤلاء مع ما ذكر الله في خاتمة سورة الحجرات ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا۟﴾ [الحجرات: 15] ليس لديهم شك بخلاف هؤلاء، ثم مضت الآيات لتبين أيضًا براهين أخرى من براهين البعث.
﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق: 6] هي فوقهم قريبة، قريبة في النظر، وإن كانت قريبة في المكان، لكنها قريبة يرونها ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: 6].
فجمع الله سبحانه وتعالى في السماء بين إحكام الصنعة، وبين جمالها، فهي محكمة وكذلك جميلة فكل هذا من آيات الله ﴿وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 7، 8] أي مقبل على الله سبحانه وتعالى، وقالوا هنا: (راجع إلى ربه بالطاعة) إذًا المنيب الراجع إلى ربه بالطاعة المقبل عليه، المحب له.
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَـٰرَكًا فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ جَنَّـٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَـٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾ [ق: 9 - 11] تأمل هنا بعد أن ذكر السماء، وذكر الأرض قال: السماء ﴿وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا﴾ [ق: 7] هذا اسمه لفٌّ ونشرٌ مرتب؛ تكلم عن السماء والأرض، ثم عاد الحديث إليهما، ثم عاد الحديث مرة أخرى إلى السماء والأرض.
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَـٰرَكًا فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ جَنَّـٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ﴾ [ق: 9] يعني حب الزرع الحصيد المحصود قالوا هنا: (من حب الشعير وغيره) كالبر وغيره.
﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَـٰتٍ﴾ [ق: 10] قالوا: وأنبتنا به النخل طوالًا عاليات، ولا يقال لها باسقات إلا إذا كانت طويلةً في الارتفاع، وليس في الامتداد، فالباسق هو الطويل في الارتفاع؛ ولذلك قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَـٰتٍ﴾ [ق: 10] وهذا اسم آخر لسورة ق، فسورة ق سماها بعضهم أيضًا باسم الباسقات؛ لأنَّها لم تتكرر في القرآن إلا في هذه السورة الجليلة.
قال: ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] متراكب بعضه على بعض، أو فوق بعض ﴿رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا﴾ [ق: 11] فخلق السموات والأرض برهان من براهين البعث، وإحياء الأرض بعد مماتها هذا أيضًا برهان من براهين البعث؛ لذلك قال: ﴿كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ [ق: 11].
ثم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون، لماذا لا تؤمنون بالبعث، ولماذا لا تقرون بالبعث، أما لكم عبرة، وعظة في هلاك الأمم السابقة التي سمعتم بأخبارهم؛ لذلك قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَٰنُ لُوطٍ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ۚ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: 12 - 14].
وقوله سبحانه وتعالى هنا: ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ﴾ [ق: 12]، فقد ورد ذكر أصحاب الرس هنا، وجاء أيضًا في سورة الفرقان، قالوا هنا وأصحاب الرس في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ [ق: 12] قالوا: (وأصحاب البئر) الرس: هو البئر، قالوا: (إنهم قذفوا نبيهم في البئر).
يعني اختلف المفسرون في أصحاب الرس على أقوال ربما بلغت ثمانية أقوال، أو أكثر منها أنهم قتلوا نبيهم وألقوه في هذه البئر، أو أن البئر هو موضعهم، موضع بلدهم كقوله: ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلْأَيْكَةِ﴾ [ق: 14].
فكانوا قريبين منها، لكن ذلك كان معروفًا عند العرب، فالله يضرب المثل بهؤلاء المكذبين لأنبيائهم، ورسلهم كيف أن الله أهلكهم.
ثم قال: ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: 15] ﴿أَفَعَيِينَا﴾ [ق: 15] قالوا: أفعجزنا عن خلقكم أول مرة حتى نعجز عن بعثكم هذا أيضًا برهان آخر من براهين البعث، وهو الاستدلال بخلق الإنسان أول مرة ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: 29] تأمل في هذه الآيات الجليلة، كيف أن الله يرد عليهم تلك الشبهات، ويرد عليهم زعمهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌۢ بَعِيدٌ﴾ [ق: 3] من الذي خلق السموات والأرض، ومن الذي أحيا الأرض بعد موتها، ومن الذي خلق الإنسان أول مرة، كل ذلك هو الله سبحانه وتعالى.
إذًا هو على كل شيء قدير؛ ولذلك قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ [الأحقاف: 33] كما تقدم معنا في سورة الأحقاف، فهنا أيضًا قال: ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ﴾ [ق: 15] يعني حيرة ﴿مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: 15] بعد خلقهم الأول.
المشركون يستعظمون النبوة على البشر، ويمنحون صفة الألوهية للحجر.
(المشركون يستعظمون النبوة على البشر، ويمنحون صفة الألوهية للحجر) وهذا يناسبه أن الضمير في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: 2] يعود على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وكونهم من البشر.
(خلق السموات، وخلق الأرض، وإنزال المطر، وإنبات الأرض القاحلة والخلق الأول كلها أدلة على البعث) ولذلك قال: ﴿كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ [ق: 11].
(... بالرسل عادة الأمم السابقة، وعقاب المكذبين سنة إلهية) ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق:14].
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِۦ نَفْسُهُۥ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: 16، 17].
قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِۦ نَفْسُهُۥ﴾ [ق: 16] هذا أيضًا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ لأن يكون أحد براهين البعث، وأدلته، وحججه، فإنَّ خلق الإنسان، وعلم الله بكل شيء يؤذنان بأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن ﴿يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ﴾.
وأيضًا في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِۦ نَفْسُهُۥ﴾ [ق: 16] تعليم العبد المراقبة، وتحذير له من أن يتجرأ على محارم الله، فالله قد خلقك، ويعلم ما توسوس به نفسك.
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: 16] قالوا: أي من العرق الموجود في العنق المتصل بالقلب، وقد قال بعض العلماء إن قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: 16] أي بقرب الملائكة منه، وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ؛ لأنّّ الله قال بعدها ﴿إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق: 17] فكأن المعنى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ حين يتلقى المتلقيان.
﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: 17] فقد جعل الله ملكًا عن يمين العبد، وملكًا آخر عن شماله فهما يراقبان العبد، ويكتبان أعماله، وكل ذلك دليل على حفظ الله سبحانه وتعالى للعبد، وأنه بكل شيء محيط.
﴿إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: 17] قال بعضهم: أي عن اليمين قعيد، ﴿وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، فقوله: ﴿وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: 17] دل على أن قوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ﴾ [ق: 17] يتعلق به، أو يتعلق بكلمة «قعيد» المقدَّرة أيضًا، أو أن كلمة قعيد أغنت عن المثنى، أي عن اليمين وعن الشمال قعيدان؛ لأن هذا الوزن فعيل قد يأتي ويراد به المثنى، أو الجمع كما في قوله: ﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4] أي ظهراء.
فقال هنا: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 17، 18] أي إلا لديه ملك رقيب على ما يقوله حاضر، فالملكان من أوصافهما أنهما مراقبان، وأنهما حاضران لا يغيبان عنه، والصحيح والعلم عند الله أن رقيبًا، وعتيدًا هذان وصفان للملكين، وبناء عليه فلا يصح أن يقال: إن الملكين أحدهما اسمه رقيب، والآخر اسمه عتيد، فإنَّ الآية ليست صريحة في ذلك، ولا دالة عليه، ثم قال: ﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19] وقبلها قوله: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] حقيق بالعبد أن يتأمله غاية التأمل وأن يعلم أن كل لفظة تخرج من فيه فإنها مدونة عليه، مسطورة عليه، ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ [القمر: 53].
وقوله: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ [ق: 18] نكرة في سياق النفي أفادت العموم، ودخلت من للتنصيص في العموم، وللعلماء في ذلك أقوال متعددة فيما يتعلق بهذا.
ثم قال: ﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19] قالوا: تتأخر عنه وتفر.
﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾ [ق: 20] إذًا حديث عن شدة الموت، ثم حديث عن النفخ في الصور فبعد أن ذكر الله أدلة على البعث، والنشور، وصار الأمر لا ينبغي أن ينكر، بل حقيق بكل عاقل أن يقر به حينئذ حدثنا الله عن بعض المشاهد التي تقع بعد من سكرة الموت، والنفخ في الصور.
قال: ﴿ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾ [ق: 20] وهو يوم الوعد، ويوم الوعيد، ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21] قالوا: معها ملك يسوقها، وملك يشهد عليها بأعمالها.
﴿لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22] أي فبصرك اليوم قوي، حاد تدرك به ما كنت في غفلة عنه، فالإنسان في الدنيا قد كان يعيش في غفلة كما قال الله: ﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1].
فالناس في غفلة في الدنيا إلا من رحم الله، لكن في يوم القيامة تظهر الحقائق، وتتضح الأمور؛ لذلك قال الله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22].
﴿وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: 23] تأمل معي أُخي الكريم، تأمل معي ذكر القرين فقد جاء في الآيات ﴿وَقَالَ قَرِينُهُۥ﴾ [ق: 23] وجاء بعد ذلك ﴿قَالَ قَرِينُهُۥ﴾ [ق: 27] وهم مختلفان.
الأول: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُۥ﴾ [ق: 23] أي الملك من الملائكة؛ لذلك قال: وقال قرينه الموكل به من الملائكة، وأما قوله: ﴿قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُۥ﴾ [ق: 27] فهذا قرينه من الشياطين.
إذًا قرينه من الملائكة يقول: ﴿هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: 23] هذا ما لدي حاضر، يا رب، أنا قد أحضرت هذا الإنسان الكافر بك، المكذب بك كما أننا في الدنيا يأتي الجنود إلى الملك بهذا المجرم ويقولون له: أمامك هذا المجرم ماذا نصنع به، ولله المثل الأعلى.
فالملائكة تحضر هذا المجرم لينظر في أمره فيقولون: ﴿هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: 23] يا ربنا قد أحضرناه فيقول الله: ﴿أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: 24] ﴿أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] أي يقول للملكين السائق، والشاهد ﴿أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] بعض العلماء يقول: القرين واحد، لكن جاء قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ [ق: 24] فالمراد إذًا الاثنان، وبعضهم فسر ألقيا يعني ألقِ ألقِ على سبيل التأكيد، لكن يشهد لكونهما الاثنين ما جاء بعد ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ﴾ [ق: 26].
﴿أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾ ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ﴾ [ق: 24 - 26] حينئذ ماذا يقول قرينه من الشياطين؟
يقول: ﴿رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُۥ﴾ [ق: 27] تأمل قد تتكرر الكلمة، لكن معناها يختلف، وقال قرينه الأولى، غير وقال قرينه الثانية، ما الذي بين لنا الفرق بينهما؟ السياق.
﴿قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُۥ وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا۟ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [ق: 27 - 29] هنا قوله: ﴿وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29] أي وما أنا بذي ظلم للعبيد، إذًا بظلام التي هي على وزن فعال المراد بها هنا على التحقيق النسبة أي وما أنا بذي ظلم للعبيد، لمَ؟
لأنه قد يقول قائل: إن ظلام على وزن فعال، وهي صيغة مبالغة، فهنا نفى الله عن نفسه المبالغة بالظلم، فهل معنى ذلك أن هناك ظلمًا، لكنه قليل، وليس بكثير؟
الجواب: لا، ربنا لا يظلم قليلًا، ولا كثيرًا، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] فكيف يقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]، أو ﴿وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29] أي بذي ظلم، نسبة الظلم، وليس المراد بها المبالغة، وإن كان بعضهم قال: هي على بابها، لكن المراد ليس هذا الذي قاله هذا الذي أشكلت عليه الآية، ولكن المعنى أن كلمة للعبيد جاءت جمعًا، ولو أن كل عبد ظلم، ولو مظلمة واحدة لكان الظلم حينئذ كثيرًا؛ فلذلك جاء التعبير بظلام؛ لمناسبته لقوله: ﴿لِّلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29] أو لو وقع ظلم في حقه لكان كبيرًا، لكنه محال عليه سبحانه وتعالى.
على كل فيها توجيهات كثيرة من أصحها: أن المراد وما أنا بذي ظلم للعبيد.
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 30] تطلب المزيد، إذًا قوله هنا: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 30] يعني طلبًا للزيادة، H0 حسبي، حسبي كما جاء في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، نسأل الله السلامة!
﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: 31] بعد أن ذكر جزاء هؤلاء الكفار، ذكر جزاء المتقين ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق: 32] ما صفات هؤلاء المتقين الذين يدخلون الجنان، وتقرب إليهم الجنة أنهم متقون، وأيضًا ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 32، 33] هذه هي الصفات فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل لنا منها أكبر حظ، ونصيب.
﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍ﴾ [ق: 34] أي دخول إكرام ﴿ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْخُلُودِ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 34، 35] ففي الجنة H1، ومن أعظم المزيد رؤية الله سبحانه وتعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة النظر إلى وجه الله.
ومما يدل على أن النظر إلى وجه الله هذا من المزيد العظيم الذي يمنحه الله لأهل الجنة حديث صهيب عند الإمام مسلم في قول النبي صلى الله عليه وسلم: H2.
فهذا يدل على أنه المزيد، نسأل الله سبحانه وتعالى من واسع فضله، وأن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم.
ثبوت صفة العدل لله تعالى.
(... بما يخطر في النفوس من خير وشر) ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِۦ نَفْسُهُۥ﴾ [ق: 16] فالله يعلم الخواطر، وما يوسوس الإنسان لنفسه به، فإنَّ الله يعلمه.
(خطورة الغفلة عن الدار الآخرة) وذلك في قوله: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾ [ق: 22].
(ثبوت صفة العدل لله تعالى) وذلك في قوله: ﴿وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29] وهذا فيه فائدة جليلة وهي أن الصفات المنفية عن الله تنفى عن الله؛ لكمال الضد، لثبوت كمال الضد، يعني ربما حينما ينفي عن نفسه الظلم؛ فلذلك لثبوت كمال عدله، حينما ينفي عن نفسه الجهل، فلثبوت كمال علمه وهكذا، ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ نفى صفة، فهذا لإثبات كمال ضدها، وإلا فإنَّ النفي وحده ليس بكمال؛ ولذلك قال القائل في قبيلته يذمها:
فهو حينما يقول: ولا يظلمون الناس، هو لا يقصد بذلك أنه يصفهم بالعدل، وإنما يقصد أنهم ضعفاء، ولا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، أما ما نفاه الله عن نفسه فذلك لثبوت كمال ضده فهو لا يظلم أحدًا لكمال عدله سبحانه وبحمده.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ [ق: 36] فقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ [ق: 36] يعني ما أكثر الأمم التي أهلكناها قبل هؤلاء المشركين؛ لذلك يقولون: إن كم هذه كم الخبرية التي تفيد معنى الكثرة، يعني كثيرًا من الأمم أهلكناها ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ كانوا أشد منهم بطشًا، قال هنا: ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾ [ق: 36] أي فتشوا في البلاد لعلهم يجدون مهربًا، ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ [ق: 36] أي فلم يجدوه، فليس هناك منقذ ينقذهم، أو مهرب يهربون إليه.
﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37] ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [ق: 37] أي المذكور، إن في ذلك المذكور من إهلاك هذه الأمم، أو إن في ذلك المذكور من آيات القرآن الكريم في سورة ق ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ﴾ [ق: 37] والمراد بقوله: ﴿لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ﴾ [ق: 37] أي لمن كان له قلب واعٍ؛ لذلك بعضهم فسر القلب هنا بالعقل، أي لمن كان له عقل، أو لمن كان له قلب ينتفع به كما تقدم معنا في سورة يس ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ [يس: 70] فالمراد به حي القلب.
﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37] أنت إذا تأملت هذه الآية الكريمة وجدت أنها تبين لنا من الذي يتأثر بالقرآن، ومن الذي ينتفع بالقرآن؛ ولذلك قالوا: إن النصيحة تقع للعبد، والذكرى تقع للعبد حينما يكون هناك مؤثر مقتضٍ، ويكون هناك محل قابل، وهناك شرط لحصول التأثر، وهناك انتفاء للمانع كما ذكر ابن القيم رحمة الله تعالى.
وبيان ذلك من الآية الكريمة ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ﴾ [ق: 37] ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [ق: 37] أي المؤثر المقتضي، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يتعظ الإنسان، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يتعظ الإنسان، إذا وجد ما يؤثر فيه وهو القرآن الكريم، إذًا المؤثر الذي يقتضي الاتعاظ والتذكر هو القرآن الكريم.
﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ﴾ [ق: 37] وهو المحل القابل؛ لأن الإنسان قد يقرأ القرآن، ولا ينتفع به، لمَ؟
لأن قلبه مريض، أو لأن قلبه ميت، إذًا لا بد من محل قابل، ﴿أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ﴾ [ق: 37] وهذا شرط لحصول التأثر أن يلقي السمع، وأن يصغي، وأن يقبل على هذا القرآن، ثم قال: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37] أي غير غائب، غير مشغول بأمور الدنيا، غير مشتغل بهذه الأمور التي تشغل باله، وعقله وفكره عن القرآن الكريم، حينئذ انتفى المانع، وحينئذ انتفع بالنصيحة وبالتذكر بفضل الله سبحانه وتعالى.
لذلك ينبغي للعبد أن يحضر قلبه وهو يقرأ القرآن، ويقبل عليه، ويزيل العوارض، والصوارف، أما أن يقرأ القرآن، وباله، وعقله، وقلبه في انشغال، واشتغال بأمور الدنيا، ثم يقول: لم يخشع قلبي، ولم يتأثر فؤادي؛ فذلك لوجود الموانع التي صرفته عن هذا الخشوع.
ثم قال الله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: 38] فكما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ [ق: 16] هنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ [ق: 38] أيضًا عود على بدء، وتذكير ببراهين البعث ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا﴾ [ق: 6] وأيضًا فيه رد على أولئك الزاعمين أن الله عز وجل أصابه إعياءٌ أو عجزٌ بعد أن ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾، أو تعب، وهذا قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: 38] فهو القوي المتين سبحانه وتعالى، لكن ربنا خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ وفي هذا تعليم للناس بسنة التدرج، والصبر، والأناة وهذا مناسب لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر؛ لذلك قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ [ق: 38، 39] يعني لا تتعجل.
فربك القادر على كل شيء خلق السموات والأرض، وما بينهما في ستة أيام، ولم يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك، وأيضًا ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: 38] مع أنهم اتهموه بذلك فقد اتهم اليهود رب العزة بهذا فإذا كان الأمر كذلك فاصبر يا رسول الله، ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾ [ق: 39].
وقد مضى معنا أنه في كثير من المواضع يقترن الأمر بالصبر بالأمر بالتسبيح، والصلاة؛ ولذلك فسر بعضهم: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾ [ق: 39] بصلاة الفجر، وصلاة العصر كما قالوا هنا: (قالوا: وصل لربك حامدًا إياه صلاة الفجر ﴿قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾، وصلِّ العصر قبل غروبها) وهذا من الاستعانة بالصبر والصلاة كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45] ثم زد ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: 40] أيضًا سبح ربك وزد له في الصلاة وسبحه أيضًا بعد الصلوات، أو في أدبار الصلوات.
﴿وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: 41] ثم جاء ختام السورة للتذكير أيضًا بمشهد يكون يوم القيامة يكون عند البعث، وعند النفخ في الصور ﴿وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ﴾ [ق: 41] النافخ في الصور الموكل به وهو إسرافيل ﴿مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: 41].
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ إِنَّا نَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ﴾ [ق: 42، 43] تأمل لم يقل إنا نحي ونميت، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ﴾ [ق: 43] فهو الله وحده الذي يُحيي ويُميت ﴿وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ﴾ [ق: 43].
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ۚ ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ [ق: 44، 45] يعني لست بمسلط عليهم، ولا بمجبر لهم، ﴿أَنَّمَا﴾ أنت مبلغ.
﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45] وفي أول السورة ذكر القرآن ﴿قٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ﴾ [ق: 1] فنسأل الله أن يجعلنا ممن يتذكرون بالقرآن الكريم.
وقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45] مع أنَّ القرآن تذكير لجميع الناس، ﴿أَنَّمَا﴾ خص من يخاف وعيد بذلك؛ لأنهم المنتفعون بالذكرى، من الذي ينتفع بالذكرى، ومن الذي ينتفع بالقرآن؟ هم الذين يخافون الله، ويخافون وعيده سبحانه وتعالى.
من فوائد الآيات:
الاعتبار بوقائع التاريخ من شأن ذوي القلوب الواعية.
خلق الله الكون في ستة أيام لحكم يعلمها الله؛ لعل منها بيان سنة التدرج.
سوء أدب اليهود في وصفهم الله تعالى بالتعب بعد خلقه السموات والأرض وهذا كفر بالله.
(الاعتبار بوقائع التاريخ من شأن ذوي العقول الواعية) هذا إذا رجحنا أن اسم الإشارة في قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [ق: 37] أي في إهلاك الأمم السابقة، وإلا فبعضهم يقول: إن ذلك المذكور في السورة كلها ويدخل فيه هذا أيضًا.
(خلق الله الكون في ستة أيام لحكم يعلمها الله؛ لعل منها بيان سنة التدرج) وأيضًا فيها تعليم الناس التأني، والصبر.
(سوء أدب اليهود في وصفهم الله تعالى بالتعب بعد خلقه السموات والأرض وهذا كفر بالله) نعوذ بالله منه.
ننتقل بعدها إلى سورة الذاريات ونسأل الله العون، والتوفيق!
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)