مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة القمر جزء1 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة التفسير · الدرس 23 من 61 · 19 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليّ الصالحين، وأشهد أن نبيّنا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» كما صلّيت على إبراهيم «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ: فننتقل الليلة، يا أيها الإخوة الكرام، بعد أن منّ الله عز وجل علينا وفرغنا من تفسير سورة النجم ننتقل إلى تفسير سورة القمر. وسورة القمر من السور المكّية التي نزلت قبل هجرة النبي «صلى الله عليه وسلم» من مكّة المكرّمة إلى المدينة النبويّة، وكما تقدّم مرارًا فالسور المكّية تُعنى بالحديث عن العقيدة وتقرير أصولها فتتحدّث عن توحيد الله وإثبات الرسالة وإثبات الدار الآخرة، ويكثر فيها التذكير بقصص الأنبياء السابقين ليكون فيها عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين. وهكذا سورة القمر ففيها وعد ووعيد وفيها تبشير وإنذار، وذكر الله فيها طرفًا من قصص الأنبياء والمرسلين، وذكر الله فيها ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا۟ مَسَّ سَقَرَ﴾، وختمها الله بقوله: إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍ وَنَهَرٍ ﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍۭ﴾. فهناك المجرم وهناك المتّقي، جعلنا الله من المتّقين بمنّه وكرمه.

فنشرع في تفسير السورة المباركة سائلين الله التوفيق والسداد، فنقول ولا حول ولا قوّة إلا بالله: قال الله جل وعلا: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾2 (القمر: 1)، ﴿وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةً يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾3 (القمر: 2)، ﴿وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾4 (القمر: 3)، ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾5 (القمر: 4)، ﴿حِكْمَةٌۢ بَـٰلِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ﴾6 (القمر: 5).

﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾، وقد سُمّيت السورة المباركة بسورة القمر، ويقال لها: سورة اقتربت الساعة، ويقال لها: سورة اقتربت. والنبي «صلى الله عليه وسلم» ثبت عنه كما في صحيح مسلم من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه أن النبي «صلى الله عليه وسلم» كان يقرأ بقاف واقتربت الساعة وانشق القمر، يحسن القراءة بهما في هذه المواطن التي يجتمع فيها خلق كثير من الناس، وذلك لاشتمال السورتين على المبدأ والمعاد والترغيب والترهيب وذكر أمر الآخرة وما إلى ذلك، فقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ بهما في هذه المواطن.

ابتدأها الله بقوله: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ (القمر: 1)، هكذا في البداية، وتلحظ أخي الكريم أن هذه البداية قريبة من النهاية التي ختم الله بها سورة النجم؛ فمضى معنا في الدرس الماضي قول الله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾7 (النجم: 58). أزفت الآزفة، وهنا يقول: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾. فالآزفة كما تقدّم هي الساعة، وهنا قال: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾. الساعة يوم القيامة وهي الساعة المنتظرة حقًّا التي هي آتية لا محالة.

وقوله: اقتربت الساعة دليل على عظيم قربها وأن وقوعها قريب، وهذا كقوله سبحانه: ﴿أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾8 (النحل: 1)، ﴿أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وكما قال: ﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾9 (الأنبياء: 1). وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بُعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بأصبعين السبّابة والوسطى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل في بعض الروايات: حتى كادت تسبقني. ولذلك فالساعة قريبة جدّاً. قال: اقتربت الساعة. وإذا كانت الساعة قد اقتربت فعلى العبد أن يستعدّ: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُۥ بَعِيدًا وَنَرَىٰهُ قَرِيبًا﴾10 (المعارج: 6-7). ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾.

وانشقّ القمر أي: حدث له انشقاق، حدث له تشقّق وتصدّع. والذي عليه كثير من أهل التفسير أن هذا إشارة إلى ما وقع على عهد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام إذ طلب المشركون من الرسول «صلى الله عليه وسلم» آية، طلبوا منه آية معجزة فانفلق القمر فلقتين: فلقةٌ دون الجبل وفلقةٌ أمام الجبل. قالوا: هاتان الفلقتان رآهما أهل مكّة ورآها كذلك المسافرون، فلما قيل لهم إنه شوَّش عليهم قالوا: سحرنا ابن أبي كبشة — يقصدون الرسول عليه الصلاة والسلام — فما يأتيهم مسافر من سفره إلا سألوه: هل رأيت القمر شقّين أو فلقتين؟ فيقول: نعم، رأيته كذلك. ففلقه الله فلقتين: فلقة أمام الجبل وفلقة خلف الجبل. وأحاديث انشقاق القمر أحاديث ثابتة وصحيحة، ثبت منها حديث أنس رضي الله عنه وكذا أحاديث غيره من الصحابة، وقد ورد عن ابن عباس وأبي هريرة وأنس وغيره من الصحابة حتى إن بعض العلماء حكم بتواتر الأحاديث التي وردت في انشقاق القمر، فهي معجزة منّ الله بها على الرسول عليه الصلاة والسلام.

ولكن الكفار كما هم يقولون: سحرنا محمد، جعلنا نرى القمر شقّين. طيب والذين لم يحضروا مع الرسول عليه الصلاة والسلام، أين هم حتى يسحرهم رسول الله «صلى الله عليه وسلم»؟ وقال بعض العلماء بل المراد بانشقاق القمر هنا ما سيكون في علامات الساعة، أو يوم القيامة، لأنَّ القمر يحدث له ذلك، قال بعضهم: وهو الخسوف الذي قال الله: ﴿وَلَآ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾11 (القيامة: 2). وعلى كلٍّ فانشقاق القمر من المعجزات التي وقعت لنبينا عليه الصلاة والسلام. والعلم الحديث قد خرج علينا ببعض المعلومات وقالوا إن هذا القمر حدث له شيء من التصدّع والانشقاق، وأرادوا وتوصّلوا إلى ذلك دون أن يسبق لهم علم بما جاء في القرآن الكريم؛ فإنَّ يكن ذلك فالحمد لله، وإلا فنحن مصدّقون بما جاء في سنّة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» لا نشكّ في ذلك طرفة عين.

والآية الكريمة وحدها ليست دالة على قضية انشقاق القمر فليست صريحة فيه لأنه قد يقال في تفسيرها: وانشقّ القمر أي: سينشقّ القمر لأنه يُعبَّر عن المستقبل بالماضي لتحقّق الوقوع كما قال الله: ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ﴾ يعني: سينادون، هذا سيكون يوم القيامة، لكننا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ بذلك من سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾، فماذا ينتظرون؟ معجزة؟ والمعجزة قد بلغتهم، لا يعملون للآخرة والآخرة قد اقتربت، فما الذي يمنعهم من الإيمان وما الذي يحجزهم عن طاعة الرحمن؟

قال: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةً يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾12 (القمر: 1-2). وإن يروا آية — الآية هنا بمعنى المعجزة — حينما يرون آية أي: معجزة حسّية يرونها بأعينهم يقيم الله بها الحجّة عليهم. وإن يروا آية، والآية جاءت نكرة في سياق الشرط فهي تفيد العموم، يعني: وإن يروا كلّ آية مهما أتتهم من آيات لا يصدّقون: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾. فهؤلاء يعرضون ويقولون كما قال الله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾13 (الحجر: 14). فماذا يصنع لهم الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ﴿وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةً يُعْرِضُوا۟﴾. الرسول يأتيهم بمعجزة، وكم من معجزة أيّد الله بها نبيّه عليه الصلاة والسلام: ينبع الماء من بين أصابعه، يسبّح الطعام وهو يؤكل بين يديه عليه الصلاة والسلام، ينشقّ القمر له، يحنّ الجذع إليه، يكلّم النخلة فتتحرّك وتأتي إليه عليه الصلاة والسلام إلى غير ذلك من المعجزات الكثيرة الثابتة الصحيحة. ﴿وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةً يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾.

قال بعض المفسّرين: كلمة مستمرّ من مَرَّ أي: سحر ذهب، مستمرّ أي: ذاهب ومضمحلّ، يعني: إذا كان محمد قد شقّ القمر، فهذا سحر سيذهب وينتهي أمره، فيقولون هذا سحر، يعني: كأنهم يقولون هذا سحر، لكن المقصود ومحطّ الفائدة هنا الخبر، فحُذف المبتدأ، فبادروا قائلين: سحر، يعني: ما يصنع محمد إلا السحر وهو سحر باطل وسحر ذاهب وسحر غير باقٍ. وقال بعض المفسّرين بل مستمرّ هنا معناه: دائم من الاستمرار، ومعناه: قويّ كقوله: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ﴾، كما تقدّم معناه، أي: سحر قويّ وصامد وثابت ومحمد يتقدّم فيه يومًا بعد يوم.

﴿وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةً يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾14 (القمر: 2-3). هكذا ما يكون منهم إلا أن يروا كلام الرسول «صلى الله عليه وسلم» والآيات التي يؤيّد الله بها الرسول «صلى الله عليه وسلم» بأنها ﴿وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةً يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾. وكذّبوا التكذيب واتّبعوا أهواءهم؛ اتّبعوا الأهواء ما اتّبعوا الحقّ، والهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى نار جهنّم — سلّمنا الله — فهو يهوي بهم في النار، فمنتهى أمرهم اتّباع الهوى لا اتّباع العقل ولا اتّباع الشرع: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾15 (الجاثية: 23).

﴿وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ (القمر: 3) فكلّ أمر من أمور الله من الأمور مستقرّ أي: له موضع استقرار كما قال: ﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. فقال بعضهم: وكلّ أمر مستقرّ يعني: كلّ أمر له موضع استقرار ونهاية، فأمر الرسول آيل إلى الاستقرار وآيل إلى العلوّ وإلى الازدهار كما قال الله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾. وكلّ أمر مستقرّ أو كلّ أمر له نهاية؛ فهم يقولون ما شاءوا في الدنيا ولكن عمّا قريب سيموتون وعمّا قريب ستأتي الساعة وسيعرفون موضع الاستقرار؛ فهم في الدنيا ﴿أَنَّمَا﴾ استقرارهم استقرار مؤقّت. وأما الاستقرار الحقيقي في الآخرة: ﴿أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ﴾. وقال بعضهم: وكلّ أمر مستقرّ يعني: اقتربت الساعة واقترب كلّ أمر مستقرّ، وهذا عند من قرأ «مستقرٍّ» بالجرّ: وكلّ أمرٍ مستقرٍّ، فلا يجعلونه خبرًا وإنَّما هو وصف للأمر، فالمعنى اقترب كذلك استقرار الأمور، فالرسول دعوته ستنتشر يومًا بعد يوم وهكذا كان؛ بدأ الرسول وحده منفردًا عليه الصلاة والسلام ولم يزل الإسلام في قوّة ولم يزل الإسلام في ازدهار وفي نموّ وفي ازدياد بفضل الله سبحانه وتعالى.

﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾. لماذا الإعراض عنه؟ لماذا التكذيب واتّباع الأهواء؟ والله لقد جاءهم من الأنباء — والنبأ هو الخبر المهمّ — جاءهم من الأنباء ومن الأخبار المهمّة ما فيه مزدجر، ما فيه اتّعاظ وما فيه اعتبار. وكأن الآية الكريمة فيها تمهيد وإجمال لما سيفصّل بعد ذلك؛ لأنَّ سورة القمر فيها: كذّبت قبلهم قوم نوح وبعدها كذّبت عاد وبعدها كذّبت ثمود ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍۭ بِٱلنُّذُرِ﴾ إلى غير ذلك، ﴿وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ﴾. فالله يقول: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ﴾، جاءهم من أخبار السابقين وجاءهم مما فيه العظات والاعتبار؛ أما يتعظون كيف أهلك الله عادًا وكيف أهلك ثمود وكيف أهلك قوم لوط وكيف أهلك فرعون ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌۢ16 بَـٰلِغَةٌ﴾ (القمر: 4-5)، أي: القرآن حكمة بالغة، هذه الأخبار حكمة بالغة، الله جعلها حكمة فيها الحكمة، لكن من الذي يتلقّاها؟ هي التي تبلغ قلبه فينتفع بها، بالغة من شاء الله أن تبلغه.

ولذلك من أوصاف القرآن الحكيم: ﴿يسٓ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. ولِمَ لا يكون القرآن حكيمًا وهو تنزيل الحكيم فهو تنزيل الحكيم العليم، فالله حكيم وكتابه حكيم. قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌۢ بَـٰلِغَةٌ﴾؛ فمن رام الحكمة فليقرأ القرآن الكريم: ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآ17ءُ﴾ (البقرة: 269)، قال بعض العلماء يعني: يؤتي القرآن ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾، ومَنْ يؤتَ الحكمة يعني: يؤتَ القرآن ويُعطى فهم القرآن ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ وما يذّكّر إلا أولو الألباب. ﴿حِكْمَةٌۢ بَـٰلِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ﴾؛ ما تغني النذر كما قال: ﴿وَمَا تُغْنِى ٱلْءَايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾18 (يونس: 101). فهؤلاء لا يؤمنون فلا تغنيهم النذر؛ الرسول يدعوهم ولا يتعظون ولا يستفيدون فما تغني النذر، فتكون «ما» هنا نافية أي: النذر مع كثرتها لا تغنيهم شيئًا ولا تنفعهم بشيء فهم صمّ بكم عمي. ويتواصون فيما بينهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ﴾، وقالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾. واسمع التعبير القرآني وقد تقدّم تفسير فُصّلت: لم يقلوا وبيننا وبينك حجاب. ويصحّ أن يقال إن «ما» هنا استفهامية يعني: فماذا تغني النذر؟ ماذا تغني النذر لهؤلاء؟

فتولّ عنهم يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ، خشّعاً أبصارهم يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مهطعين إلى الداعي ﴿يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾. نكمل إن شاء الله تفسير الآيات في الدرس المقبل. هذا والله أعلم، وفّقنا الله وإيّاكم لما يحبّ ويرضى، وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 1 ↩
  3. آية: ﴿وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةً يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 2 ↩
  4. آية: ﴿وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 3 ↩
  5. آية: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 4 ↩
  6. آية: ﴿حِكْمَةٌۢ بَـٰلِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 5 ↩
  7. آية: ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 58 ↩
  8. آية: ﴿أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 1 ↩
  9. آية: ﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 1 ↩
  10. آية: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُۥ بَعِيدًا ۝ وَنَرَىٰهُ قَرِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: المعارج 6-7 ↩
  11. آية: ﴿وَلَآ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: القيامة 2 ↩
  12. آية: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ ۝ وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةً يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 1-2 ↩
  13. آية: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 14 ↩
  14. آية: ﴿وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةً يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ۝ وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 2-3 ↩
  15. آية: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الجاثية 23 ↩
  16. آية: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ۝ حِكْمَةٌۢ بَـٰلِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 4-5 ↩
  17. آية: ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 269 ↩
  18. آية: ﴿وَمَا تُغْنِى ٱلْـَٔايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 101 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة