تفسير سورة القصص 9 1 11 2013م ج2
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
إلى الجنة بقوله، ويدعو الناس إلى النار بفعله، فلا يكن أحدنا قاطعًا للطريق يقطع على الناس الطريق يقول للناس: افعلوا، فيردّ الناس قائلين: لو كان الفعل حقّاً لماذا لم يفعل فلان لماذا لم يبدأ بنفسه ولذلك جديرٌ بالداعية أن يبدأ بنفسه أوّلاً فإنَّ هذا ييسّر الطريق لقبول دعوته بفضل الله سبحانه وتعالى. وقد قال شعيب عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾2 (هود: 88).
نبيّنا محمد «صلى الله عليه وسلم» كان أعبد الناس وأتقى الناس وأعلم الناس فكان يبدأ «صلى الله عليه وسلم» بنفسه، لا يدعو الناس إلى شيء ثم يتركه وإنَّما كان أوّلاً الفاعل. لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله عارٌ عليك إذًا فعلت عظيمة، ابدأ بنفسك فانهَها عن غيّها فإذا انتهيت عنه فأنت حكيمه. يبدأ الإنسان بنفسه.
قال الله: ﴿وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾3 (القصص: 41). يوم القيامة لا يجدون ناصرًا ينصرهم؛ هم في الدنيا عددٌ كثير وجمٌّ غفير لكنهم يوم القيامة لا ناصر لهم، لا ناصر لهم، كما قال الله: ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾4 (الطارق: 10). ليس له قوّة تدعمه ولا ناصر ينصره، كلّ ذلك ذهب، حلّ به الخذلان وذهب عنه التوفيق والعون والسداد، نسأل الله السلامة. ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾5 (القصص: 41).
وسُمّي يوم القيامة بيوم القيامة لعدّة أسباب، من ذلك أن يوم القيامة يوم يقوم فيه الناس لربّ العالمين: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾6 (المطففين: 1-6). وكذلك يوم القيامة سُمّي بيوم القيامة لأنه يُقام فيه العدل فهو يوم فيه العدل والقسط كما قال الله: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـًٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ﴾7 (الأنبياء: 47). فيوم القيامة سُمّي بيوم القيامة لأنه يوم يقوم فيه الناس لربّ العالمين، وسُمّي يوم القيامة بهذا الاسم أيضًا لأنه يوم يُقام فيه العدل والقسط، وسُمّي يوم القيامة أيضًا لأنه يوم يقوم فيه الأشهاد فيكثر الأشهاد والشهداء في هذا اليوم، قال الله: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ﴾8 (غافر: 51). فلهذه الأسباب كلّها سُمّي يوم القيامة يومَ القيامة. ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾، لا يجدون ناصرًا ينصرهم كما قال الله: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾9 (البقرة: 48). لا يجدون ناصرًا ينصرهم.
قال: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَـٰهُمْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً﴾10 (القصص: 41-42)، وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ. ﴿وَأَتْبَعْنَـٰهُمْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً﴾11 (القصص: 42)، وهذه إشارة للقريب وذلك لدنوّها ودناءتها، وسُمّيت الدنيا دنيا لأنَّها دانية قريبة فالدنيا قبل الآخرة فهي قريبة، وسُمّيت دنيا أيضًا لدناءتها لأنَّها خسيسة إلا من استعملها في طاعة الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما عند الترمذي وغيره: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلّماً»12.
وأتبعناهم في هذه الدنيا — هذه الدنيا التي لم يستعملوها في طاعة الله وإنَّما جعلوها في معصية الله سبحانه وتعالى — وَأَتْبَعْنَٰهُمْ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً، أي: وألزمناهم في هذه الدنيا لعنة، فاللعنة تلزمهم ملتصقة بهم لا تفارقهم، واللعنة الطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى. لذلك يُذكر فرعون فيُتبع باللعنة فيقال: لعنه الله، قاتله الله. وَأَتْبَعْنَٰهُمْ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً: أُلزموا بتلك اللعنة وأُلصقوا بها. فسبحان الله العظيم! أهل الفضل والصلاح يُوسمون بالرحمات والترضّي عنهم فلا نذكر صحابيًّا إلا وأتبعناه بقولنا رضي الله عنه، نذكر التابعين ونذكر الأئمّة السابقين فنقول رحمهم الله، نذكر العلماء الأحياء فنقول حفظهم الله. ففرقٌ كبير بين أهل الفضل والإيمان وبين غيرهم من أهل الغيّ والضلال والكفران؛ يقال عن هؤلاء الكفار إنهم مبعدون مطرودون، نسأل الله السلامة. ﴿وَأَتْبَعْنَـٰهُمْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ﴾13 (القصص: 42).
وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ14، وجاءت الجملة هنا اسمية: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ﴾ (القصص: 42) وذلك لأنَّ يوم القيامة مستمرّ لأنَّ الآخرة مستمرّة. وَأَتْبَعْنَٰهُمْ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً: قال بعضهم: إلى أن ماتوا يعني: لزمتهم اللعنات إلى موتهم، أو لا تزالون يُلعنون كلّما ذكرهم ذاكر، وهذا من الحين إلى الحين؛ يعني: ليس كلّ دقيقة سنذكر فرعون، لا نذكر فرعون إلا من الحين إلى الحين وما إلى ذلك، فاللعنات تأتي من فترة إلى فترة. وأما يوم القيامة فهم من المقبوحين أي: من المذمومين دوماً؛ المقبوحون هم من المذمومين. وقال بعضهم: هم من هؤلاء الذين استحقّوا التقبيح والذمّ والسبّ وما إلى ذلك، استحقّوا أن يُطعن فيهم فهم مطعونون وأن يُذمّوا فهم أهل للذمّ، نسأل الله السلامة. ﴿وَأَتْبَعْنَـٰهُمْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ﴾.
فرعون ذهب وذهبت مملكته، ذهبت قوّته وذهب جنده، والله غالب على أمره؛ أجرى الله الأنهار من فوقه بعد أن كانت تجري من تحته، أهلكه الله وأغرقه، وفي ذلك آية ﴿لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. ثم قال الله بعده: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلْأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾15 (القصص: 43). ولقد آتينا موسى الكتاب، ولقد آتينا موسى الكتاب، أي: والله لقد آتينا أعطينا موسى الكتاب.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 88 ↩
- آية: ﴿وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 41 ↩
- آية: ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٖ وَلَا نَاصِرٖ﴾ — كما ورد في الدرس: الطارق 10 ↩
- آية: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 41 ↩
- آية: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المطففين 1-6 ↩
- آية: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـًٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 47 ↩
- آية: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ﴿فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ — كما ورد في الدرس: غافر 51 ↩
- آية: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 48 ↩
- آية: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَـٰهُمْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 41-42 ↩
- آية: ﴿وَأَتْبَعْنَـٰهُمْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 42 ↩
- حديث: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلّماً» — الذكر في الدرس: النبي عليه الصلاة والسلام. نسبة الشيخ: الترمذي ↩
- آية: ﴿وَأَتْبَعْنَـٰهُمْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 42 ↩
- آية: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 42 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلْأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 43 ↩
من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)