تفسير سورة القصص 9 1 11 2013م ج 1
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» كما صلّيت على إبراهيم «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، إنك حميد مجيد، «اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ» «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، إنك حميد مجيد، أمَّا بعدُ:
فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة القصص، وقد توقّف بنا الحديث عند قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾2 (القصص: 38)، ﴿وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾3 (القصص: 39)، ﴿فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾4 (القصص: 40)، ﴿وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾5 (القصص: 41)، ﴿وَأَتْبَعْنَـٰهُمْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ﴾6 (القصص: 42).
قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (القصص: 38). هذا ذكر لما وقع من فرعون مع من يجالسه من الملأ وعليه القوم. وقال فرعون: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ﴾، والملأ كما تقدّم مرارًا المراد بها: عليه القوم والمترفون منهم، وغالباً ما يأتي الفساد من قبلهم؛ فالترف في غالب الأحيان يطغي صاحبه: ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾7 (العلق: 6-7)، في كثير من الأحيان يطغى الإنسان ويكون سبب طغيانه غناه وما لديه من ماله.
وقال فرعون: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾8 (القصص: 38)، أنا لم أعلم أن لكم إلهًا غيري، فهكذا يزعم فرعون لعنه الله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾9 (القصص: 38)، وكأن فرعون في هذا يزعم أنه بحث وجدّ في بيان هذا الأمر: أثمت إله غيره؟ فلم يجد إلهًا غيره، فلم يجد فرعون إلهًا غيره، فلذلك يقول لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ﴾ غيره. وقد قال عدد من أهل العلم إن فرعون كان يزعم أنه خلاصة الآلهة أو أنه ابن للآلهة أو صورة عنهم، وإلا فثمت أصنام كانت على عهد فرعون ﴿تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ سبحانه وتعالى. والدليل على ذلك بقوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ﴾10 (الأعراف: 127) بقول الملأ منهم: ويذرك وآلهتك، فقالوا إنه كان على عهد فرعون آلهة، لكن فرعون كان يزعم أنه ابن الآلهة وأنه المتحدّث باسمها وما إلى ذلك. موسى عليه الصلاة والسلام — أي: الذي زعم موسى أنه إله — لا أعرف عنه شيئًا ولا أعتقد إلهيّته.
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ﴾11 (القصص: 38) ﴿لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ﴾ إِلَٰهِ مُوسَىٰ. ﴿فَأَوْقِدْ لِى يَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾12 (القصص: 38). فأوقد لي يا هامان على الطين: طلب فرعون من هامان — وهو اسم وزيره أو لقبه — أوقد لي يا هامان على الطين، أي: أوقد لي يا هامان على الطين بإدخال هذا الطين في النار فحينئذٍ يقوى هذا الطين ويصير آجُرّاً، فحينئذٍ يتحجّر ويستطيعون البناء به.
فاجعل لي صرحاً: أريد منك يا هامان أن تبني لي بناءً مرتفعًا وقصراً شامخًا ﴿لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ﴾ إِلَٰهِ مُوسَىٰ. موسى يزعم أن إلهه في السماء فأنا أريد أن أصعد البناء المرتفع لعليّ أصل إلى هذا الإله الذي يزعم موسى أنه قد أوحى إليه. ﴿فَٱجْعَل لِّى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ﴾13 (القصص: 38) لكي أطلع على هذا الإله الذي يزعم موسى أنه أوحى إليه. ﴿وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾14 (القصص: 38) وأنا مع هذا الطلب الذي أطلبه منك يا هامان من رفع بناء شامخ وقصر مشيد فأنا أعتقد وغالب ظنّي أنني لن أجد إلهًا ولن أجد شيئًا مما يزعمه موسى عليه الصلاة والسلام. وكأن فرعون لعنه الله بذلك يريد أن يبيّن لقومه أنه حريص عليهم وأنه لا يفتات بلا علم بل هو باحث عن الحقيقة؛ يعني: هو ما علم لهم إلهًا في الأرض، يعني: بحث هنا وهناك فلم يجد هذا الإله الذي زعمه موسى، إذن هو يزعم أنه في السماء، سأصعد إلى السماء لأصل إلى هذا الإله الذي يزعم موسى أنه أوحى إليه. ﴿وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (القصص: 38)، أظنّ موسى من الكاذبين، ليس كاذبًا فحسب وإنَّما من الكاذبين، كأن الكذبة معروفون وهو واحد منهم يدخل في زمرتهم، وموسى عليه الصلاة والسلام بريء من ذلك كلّ البراءة، وهو نبيّ مبارك مكلَّم، كلّمه الله سبحانه: ﴿قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾15 (الأعراف: 144). لكن هذا من سفاهة فرعون ومن سفاهة الملأ الذين استجابوا لدعوته، والأمر كما قال الله: ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ﴾16 (الزخرف: 54).
قال: ﴿فَٱجْعَل لِّى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ﴾ (القصص: 38). وهنا ذكر بعض العلماء كلامًا فقالوا إنه لم يأمر ببنائه من الحجارة ابتداءً ﴿أَنَّمَا﴾ من الطين الذي يتعرّض للنار فيصير آجُرّاً لأنه لم يقصد بذلك الإقامة في البناء ﴿أَنَّمَا﴾ المقصود من البناء مهمّة مؤقّتة، فلذلك لم يشتغل به كأن يُبنى ابتداءً من الحجارة. ولذلك قالوا: إن هذا الصرح الذي أراده فرعون ليس من الأهرامات لأنَّ الأهرامات ﴿أَنَّمَا﴾ بُنيت من الحجارة ودُفن أصحابها فيها فليست هي من الأهرامات. ثم اختلفوا: أَبُني هذا الصرح أم لم يُبنَ؟ فمن قائل يقول إنهم شرعوا في بنائه وبينما هم يرفعون البناء إذًا به يقع على هؤلاء العمّال الذين يقومون بتلك المهمّة التي هي مهمّة باطلة جائرة، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: بل ارتفع ثم بعد ذلك سقط، الله أعلم. كلّ هذا مما لم يذكره الكتاب العزيز، لكن المهمّ في ذلك أن فرعون قد وصل في السفاهة إلى هذا الحدّ؛ يعني: موسى عليه السلام أخبرك بأن الله في السماء، وكما قلت: استفاد أهل العلم من ذلك أن هذا فيه دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 38 ↩
- آية: ﴿وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 39 ↩
- آية: ﴿فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 40 ↩
- آية: ﴿وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 41 ↩
- آية: ﴿وَأَتْبَعْنَـٰهُمْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 42 ↩
- آية: ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 6-7 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 38 ↩
- آية: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 38 ↩
- آية: ﴿وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 127 ↩
- آية: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 38 ↩
- آية: ﴿فَأَوْقِدْ لِى يَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 38 ↩
- آية: ﴿فَٱجْعَل لِّى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 38 ↩
- آية: ﴿وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 38 ↩
- آية: ﴿قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 144 ↩
- آية: ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 54 ↩
من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)