مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة المائدة — الجزء 6

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 286 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

وقوله ﴿وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌ﴾ إذًا نسبتها إلى الله نسبة أَمَة، هي عبدة لله تعالى، خلقها الله عز وجل وهي تعبده وتصدق به سبحانه وتعالى، كما قال الله ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَـٰنِتِينَ﴾ [التحريم: 12] ولا نسب بينها وبين الله سبحانه وتعالى كما هو معلوم لدى أهل الإسلام

قال ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ﴾ قالوا هنا: وهما يأكلان الطعام لحاجتهما إليه، فكيف يكونان إلهين مع حاجتهما للطعام، فقوله كانا يأكلان الطعام برهان على بطلان عقيدة النصارى.

كيف تزعمون أن عيسى عليه السلام إله؟ أو كيف تزعمون أن مريم كذلك ثالث ثلاثة أو أنها أحد الأقانيم الثلاثة؟ كيف يكون الأمر كذلك؟ وعيسى عليه السلام وأمه عليها السلام يأكلان الطعام، والذي يأكل الطعام لا يصلح أن يكون إلهًا، ولا ابنًا للإله ولا منسوبًا للإله، لأن ابن الإله لو وجد لكانت صفاته كصفات أبيه،معاذ الله، والله قال عن نفسه ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 1 -2] قال بعضهم أي: الذي لا يأكل ولا يشرب، وقال وهو يطعم ولا يطعم سبحانه وتعالى

أما هنا قال ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ﴾ أي: فلا يصلحان للإلهية، ذلك فمعروف أن من أكل الطعام احتاج إلى الإخراج، ومن احتاج للإخراج فإنَّ هذا يدل على عجزه وعلى فقره، فكيف يكون إلهًا؟ولذلك قالوا ما قالوا في ذلك، وقرروه، ونظم بعضهم في ذلك أبياتًا

ويا عجبًا لقـــــــــــــــــــــــــبر ضــــــــــــم ربـــــــــا وأعجب منه بطن قد حــــــــــــــــــواه

أقام هناك تسعًا من شهور لدى الظلمات من حيض غذاه

وشق الفرج مولودًا صغيرًا ضعيفًا فاتحًـــــــــــــــــــــــا للثــــــــــــدي فــــــــــــاه

ويأكل ثم يشرب ثم يأتـــــــــــــي بلازم ذاك هل هذا إله؟

تعالى الله عن إفك النصارى سيسأل كـــــــــــــــــل عــــــــــــما افـــــــــــــــــــــــتراه

◂فقولهم يأكل ويشرب ثم يأتي، أي: ثم يخرج بلازم ذلك فهل هذا إله؟ فلا يمكن بحال من الأحوال أن

يكون إلهًا،

ثم قال ﴿ٱنظُرْ﴾، أي: انظر نظر تأمل ﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾

﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾

فعيسى عليه السلام لا يملك لنفسه فضلًا عن غيره ضرًا ولا نفعًا، وقد تقدم معنا قول الله ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ والعجيب أنهم مع زعمهم أنه إله وأنه ابن الإله إذا بهم يزعمون أنه قد صُلِب! فلو كان إلهًا، أو ابنا للإله، فلم لم يدفع عن نفسه الضر؟ ولم لم يدفع عنه أبوه الضر كما يزعمون؟

ثم قال ﴿وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ هنا قالوا في التفسير: والله هو وحده السميع لأقوالكم، أخذوا قولهم “ هو وحده “ من أن قوله ﴿وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ المبتدأ وهو الله، أعظم المعارف كما هو معروف أعرف المعارف و “ السميع “ وهو الخبر معرفة

وقد تقدم معنا أن تعريف جزئي الجملة يدل على الحصر، إذا كان المبتدأ والخبر معرفين فإنَّ هذا يدل على الحصر أي: والله وحده السميع، فكيف وقد دخلت “ هو “ أيضًا؟ وهي ضمير فصل، ومن فوائد ضمير الفصل إفادة الحصر.

فإفادة الحصر استفيدت من وجهين:

◂الوجه الأول: تعريف جزأي الجملة المبتدأ والخبر

◂ والوجه الثاني دخول ضمير الفصل هو أي: والله وحده هو السميع العليم

وقوله ﴿وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ السميع لأقوالكم العليم بأفعالكم، لا يخفى عليه شيء

ثم قال الله ﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾

﴿قُلْ﴾ لهم يا رسول الله ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ﴾ وسبب ضلال النصارى هو الغلو؛ ولذلك H0

قال الله ﴿لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ ﴿قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ﴾ فهذا ضلال سابق، ﴿وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًا﴾ يعني: أضلوا غيرهم ﴿وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾: ضلوا عن طريق الحق

◂ وبعض العلماء يقول ﴿قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ﴾ بتحريفهم كتبهم، ثم قال ﴿وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ ضلوا

حين جاء القرآن فضلوا عن القرآن الكريم أيضًا

من فوائد الآيات:

بيان كفر النصارى في زعمهم ألوهية المسيح عليه السلام، وبيان بطلانها، والدعوة للتوبة منها

من أدلة بشرية المسيح وأمه: أكلهما للطعام وفعل ما يترتب عليه

عدم القدرة على كف الضر وإيصال النفع من الأدلة الظاهرة على عدم استحقاق المعبودين ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ للألوهية؛ لكونهم عاجزين

النهي عن الغلو وتجاوز الحد في معاملة الصالحين من خلق الله تعالى

قال الشيخ حفظه الله:

بيان كفر النصارى في زعمهم ألوهية المسيح عليه السلام، وبيان بطلانها، والدعوة للتوبة منها، وهذا واضح في قوله ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم في قوله ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَـٰثَةٍ﴾ ولذلك الذي يزعم خلاف ذلك فهو يخالف صريح القرآن الكريم، أما وقد صرح القرآن فلا ينبغي مخالفة صريح القرآن كما هو معلوم

وأما قولهم والدعوة للتوبة منها فذلك في قوله ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ويشهد له أن بعض المفسرين فسروا الاستفهام بالأمر فقالوا بمعنى “ توبوا إلى الله واستغفروه “

من أدلة بشرية المسيح وأمه أكلهما للطعام وفعل ما يترتب عليه، وهذا في قوله ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ﴾

عدم القدرة على كف الضر، وإيصال النفع من الأدلة الظاهرة على عدم استحقاق المعبودين ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾؛ للألوهية لكونهم عاجزين ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ ولذلك فإنَّ خليل الله إبراهيم عليه السلام نعى على أبيه صنيعه ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْـًٔا﴾ [مريم: 42] فكذلك هنا

قالوا: النهي عن الغلو وتجاوز الحد في معاملة الصالحين من خلق الله؛ ولذلك كثير من الضلال راجع إلى الغلو، فنسأل الله السلامة

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ﴾

بين الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء الكفار من بني إسرائيل قد سبق لعنهم على لسان هذين النبيين الكريمين (داود عليه السلام وعيسى ابن مريم)؛ بسبب تحريفهم الكلم عن مواضعه، بسبب عصيانهم واعتدائهم قال هنا ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

وذكر ﴿دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ عليهم السلام؛ لأنهما مشهوران بكتابيهما، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى لنا اسمي هذين الكتابين فداوود عليه السلام آتاه الله الزبور، قال ﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: 55]، وعيسى عليه السلام آتاه الله الإنجيل، فهما ملعونان ﴿عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ ﴿ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ﴾ أي: بسبب عصيانهم واعتدائهم

ثم بين الله سبحانه وتعالى الفعل الشنيع الذي كان يقع منهم، قال:

﴿كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾

﴿كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ أي: لا ينهى بعضهم بعضًا، بل يجاهرون بالمعصية دون رادع أو زاجر، وهذا يدل على سوء صنيعهم، ويدل أيضًا على أن إنكار المنكر واجب، وإن كان بحسبه، فقد يكون على سبيل التعيين وقد يكون على سبيل الكفاية، لكن إنكار المنكر لازم؛ لأن الناس إذا تركوا المنكر استمر المنكر، واستمرأ أصحابه، وبعد ذلك غابت الحقائق، فبعد أن كان يعرف كثير من الناس أن هذا منكر، فبسبب عدم إنكاره تغير الحال، فيظن أن المنكر معروف، وهذا من سوء التأخر، والتلكأ، والتقاعس، وترك تغيير المنكر؛ لذلك قال الله هنا ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾

فسمى تركهم النهي عن المنكر فعلًا سماه فعلًا، فمن ترك النهي عن المنكر فكأنَّما فعل؛ لأنه قد فعل معصية، وقد سبق معنا قوله سبحانه ﴿لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾

وهنا قال ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ﴾ ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾، قال بعضهم هنا تقدير، أي: لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ هو ﴿أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، فقوله ﴿أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هو قدمته لهم أنفسهم، فبدلًا من أن تقدم النفوس لهم ما يرضي الله سبحانه قدمت لهم ما يسخط الله عز وجل

◂ والمعنى الآخر: لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ بأن سخط الله عليهم، فكان هذا هو الجزاء أن سخط

الله سبحانه وتعالى عليهم﴿وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ﴾

وقوله ﴿تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ ترى كثيرًا منهم قالوا هنا: من الكفرة من هؤلاء اليهود، يحبون الكافرين ويميلون، إذًا قوله ﴿تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ﴾ علام يعود الضمير في قوله منهم؟ أي: ترى كثيرًا منهم من كفار اليهود، من كفار أهل الكتاب من ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ الذين تقدم ذكرهم

طيب قوله سبحانه وتعالى بعد ذلك ﴿تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ إذًا فما المراد بالذين كفروا؟ قالوا: المراد بهم المشركون، فهم يرون أن المشركين أقرب إليهم من الموحدين، فيقدمونهم على الموحدين، كما جاء ومر معنا في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَـٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا﴾ [النساء: 51]

◂ والقول الثاني: أن قوله ﴿تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ﴾، أي: من المنافقين، ﴿يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ أي: من اليهود

قال الله بعد ذلك ﴿وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾

ما اتخذوا الكافرين أولياء، وإنما سيوالون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ﴿وَلَـٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾: خارجون عن طاعة الله

ثم قرر الله سبحانه وتعالى واقعًا وبين حال هؤلاء، بين الله سبحانه واقع هؤلاء اليهود والنصارى فقال

﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾

لتجدن ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول معظم الناس عداوة للمؤمنين ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، فهؤلاء أشد الناس عداوة

اليهود والمشركون هم أشد الناس عداوة للمؤمنين ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً﴾ أقرب الناس مودة ﴿لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ﴾ فالنصارى أقرب إلى المؤمنين من اليهود،

◂وذهب آخرون إلى أن هذا مقيد بسبب نزول الآية الكريمة

وعلى كل حال فإننا نقول أن هذا الوصف الذي قاله الله ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ﴾ مرتبط بتتمة الآيات وسياقها، فإنَّ الله بين السبب فقال ذلك، أي: هذا القرب ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، أي: علماء وعباد، فقالوا “ القس “ : العالم والراهب العابد، فمنهم العلماء والعباد، ومنهم من يجمع بين هذا وذاك، والمعنى: أنه عالم زاهد، وليس ممن يشتري بآيات الله ثمنا قليلا؛ فلذلك يعود إلى الحق والهدى

قال ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فهم لا يتكبرون عن الحق بل يستجيبون له

﴿وَإِذَا سَمِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا۟ مِنَ ٱلْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾

فقلوبهم لينة، وبكاؤهم حاضر، وخشيتهم ظاهرة، يرجعون إلى الحق ويقولون ماذا؟ ﴿رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ قالوا أي: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي آمنت بالرسول وشهدت له بالرسالة

وما من شك أن هذا ليس حال كثير من النصارى في أيامنا هذه، وإنما هذا حال طائفة، فتكون الآية الكريمة ليست خاصة بمن وردت فيهم الآية الكريمة، أو بمن نزلت فيهم الآية كسبب نزول، سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنها نزلت في جماعة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم من عند النجاشي، أم ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنها نزلت في غيرهم فهي ليست مقصورة عليهم باعتبار أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب،

بيد أن الآيات أيضًا مرتبطة بسياقها بهؤلاء الذين يقع في قلوبهم هذا ويقع منهم ما يقع من خشية الله، ويحصل منهم من الرجوع إلى الحق ما يحصل، ولا يستكبرون عن آيات الله، بل يقولون كما قال الله﴿رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾

ولذلك نقل ابن الجوزي رحمة الله عن القاضي أبي يعلى قال: “ وربما ظن جاهل أن هذه الآية الكريمة مدح مدحت النصارى وليس كذلك، يظن أن هذه الآية فيها مدح النصارى وليس كذلك؛ لأنه ﴿أَنَّمَا﴾ ورد فيمن آمن منهم “ ويدل عليه ما جاء بعد ذلك في قوله ﴿رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ ثم قال القاضي أبو يعلى: “ ولا شك أن مقالة النصارى أقبح من مقالة اليهود، يعني من حيث الاعتقاد: النصارى الذين يقولون أن الله ثالث ثلاثة، وأن عيسى ابن الله، أو أنه الإله، لا شك أن هذه مقولة أخبث ما يكون من العقائد، لكن الكلام فيمن يكون أقرب رجوعًا إلى الله وأكثر رجوعًا إلى الحق

والواقع يشهد بأن من النصارى يسهل أو تسهل عودتهم إلى الحق، لا سيما وأن كثيرًا منهم موسومون بالجهل، بخلاف المكابِر المُغَالِط الذي يدعي أنه أفضل من غيره، إذ يزعم كثير منهم أعني من اليهود أنهم شعب الله المختار وما إلى ذلك كما هو معلوم “

ثم قال الله ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾

من فوائد الآيات:

ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجب للعن والطرد من رحمة الله تعالى

من علامات الإيمان الحب في الله والبغض في الله

موالاة أعداء الله توجب غضب الله عز وجل على فاعلها

شدة عداوة اليهود والمشركين لأهل الإسلام، وفي المقابل وجود طوائف من النصارى يدينون بالمودة للإسلام لعلمهم أنه دين الحق

قال الشيخ حفظه الله:

ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجب للعن والطرد من رحمة الله

وهذا واضح في قوله سبحانه ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ فبين أن هذا سبب للعن

من علامات الإيمان الحب في الله والبغض في الله ﴿وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ﴾

موالاة أعداء الله توجب غضب الله سبحانه وتعالى على فاعلها ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ﴾

شدة عداوة اليهود والمشركين لأهل الإسلام وفي المقابل وجود طوائف من النصارى يدينون بالمودة للإسلام لعلمهم أنه دين الحق، ولذلك ثبت H0

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه وتعالى ذاكرًا قول أولئك ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾

﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾

﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ﴾ ما يمنعنا من الإيمان بالله ﴿وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ فهذا يدل على إيمانهم، وإخلاصهم، وصدقهم، فهؤلاء هم الممدوحون والمحمودون

قال ﴿فَأَثَـٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾

وهذا لأنهم آمنوا بالله وبرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله ﴿فَأَثَـٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟﴾ أي: بما قالوا، واعتقدوا، وعملوا؛ لأن بعض المرجئة استدل بالآية الكريمة على أنه لا يطلب من الإنسان إلا القول وبعضهم يقول الاعتقاد والقول، قالوا: لأن الله علق الثواب ودخول الجنة على القول، فقال ﴿فَأَثَـٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟﴾

◂فنقول لهم عودوا إلى الآيات، ألم يقل الله سبحانه ﴿تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا۟ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ وهذا عمل، فهم جمعوا بين الاعتقاد والقول والعمل وليس مجرد قول فحسب، وإلا فإنَّ

المنافقين قالوا كلمة التوحيد ولم تنفعهم؛ لأن القلوب لم تعتقدها، وزعموا أن محمدا رسول الله

كما قال الله ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ

ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1] فكذبهم الله سبحانه لأن القول الذي قالوه خالف الاعتقاد الذي

عندهم، ثم قال الله:

﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾

وهنا فسر الجحيم بالنار المتأججة، نسأل الله السلامة، قال: التي لا يخرجون منها أبدًا لأنهم كفار كذبوا بآيات الله

ثم قال﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾

وقد يقول قائل ما وجه هذه الآية؟ وما صلتها بما سبق؟ والآيات السابقة تتحدث عن اليهود والنصارى وسوء اعتقادهم؟

◂يمكن أن يقال والعلم عند الله: أن الله لما أثنى على هؤلاء القسيسين والرهبان قد يظن ظان أن

المسلمين يوافقونهم فيما كانوا عليه في السابق، فبين الله أنه لا رهبانية في الإسلام، وأن هؤلاء وإن

كانوا قسيسين ورهبانًا ولهم ما لهم من علم وعبادة، فينبغي للمسلم أن يأخذ بالإسلام، ومن

الإسلام: التوازن، وعدم الغلو في الدين اعتقادًا أو سلوكًا أو عملًا

فقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾: لا تحرموا المستلذات المباحة من المآكل، والمشارب، والمناكح، لا تحرموها تزهدًا أو تعبدًا؛ ترون بذلك أنكم زهاد أو أنكم بذلك عباد، فتحرمون أنفسكم منها وتحلفون لا نأكل كذا ولا نشرب كذا؛ ظنًا منكم أن هذه قربى تتقربون بها إلى الله سبحانه وتعالى،

ولذلك ورد في سبب نزول الآية الكريمة: أن بعضهم امتنع عن أكل اللحم وقال “ إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء، وأتتني الشهوة “ فأنزل الله سبحانه وتعالى الآية، فقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾ وأقبح ما يكون أن يعتقد الإنسان تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى، ولكن إذا وقع منه ذلك بتأَوُّل فإنه يُوَجَّه، كما وجه النبي صلى الله عليه وسلم من وقع في مثل ذلك وأنزل الله الآية ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾ تعليمًا لهم كيف يكون الزهد؟ وكيف يكون التبتل إلى الله سبحانه وتعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾ يعني: لا تتجاوزوا الحلال إلى غيره، إذا أحل لكم الطيبات فاطعموا منها وكلوا، ولكن لا تتجاوزوها إلى الحرام

فقوله ﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾ قالوا هنا: ولا تتجاوزوا حدود ما حرم الله عز وجل، ويحتمل أن معنى قوله ﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾ بتحريم الطيبات أو تحليل المحرمات فيكون من جنس التأكيد لما سبق أو التعميم بعد التخصيص، ثم قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ تعليل لقوله ﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾

ثم قال ﴿وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًا طَيِّبًا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ﴾

إذًا لا تحرموا طيبات: هذا نهي، ثم جاء الأمر صراحة ﴿وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًا طَيِّبًا﴾ فهذا مما يؤكل ويشكر الله سبحانه وتعالى عليه ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ﴾

ثم قال الله سبحانه ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ ۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

هذا حديث عن كفارة اليمين أو الأيمان، وأيضًا قد يقول قائل وما وجه ذلك بالآيات السابقة؟ ويمكن أن يستفاد هذا والعلم عند الله مما ورد في قوله ﴿لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾؛ لأنه من أشهر طرق التحريم الحلف واليمين، بأن يقول والله لا آكل كذا، أو والله لا أشرب كذا، فحينئذ يقال له كفر عن يمينك وائتِ الذي هو خير، فكيف أكفر عن يميني؟ جاءت الآية الكريمة لبيان كفارة اليمين وأحكامها

فقال﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: لا يحاسبكم الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون بما يجري على ألسنتكم من الحلف من غير قصد، وهذا معنى اللغو في اليمين

فاللغو في اليمين معناه: الحلف من غير قصد، بأن تحلف على شيء، وأنت غير عامد، أو قاصد، كما قالت عائشة كقوله “ بلى والله ولا والله “، فيقولها الإنسان دون أن يكون قاصدًا لها فهذه لا كفارة فيها

◂ وهناك قول آخر في تفسير اللغو في اليمين وهو: أن يحلف الإنسان على شيء ظنًا منه أنه كذا، وتبين

خلاف ما ظنه، فهذا يدخل في اللهو أيضًا ولا تكون فيه كفارة.

ثم قال ﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ﴾ والقراءة الأخرى ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ﴾، تعقيدها بالإصرار عليها، والعزم عليها وهو ما قرره الله في الآية الأخرى ﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 225]

﴿فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ﴾، ﴿فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ﴾ أي: فكفارته إذا حنثتم أو إن حنثتم فكفارته إطعام مساكين، ولذلك أيضًا في قوله بعد ذلك: ﴿ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ أي: وحنثم؛ لأن الموجب للكفارة هو الحنث في اليمين لا مجرد الحلف، فلو أن شخصًا حلف على شيء وأنجزه فإنه لا تلزمه كفارة،وإنما الكفارة تلزم من وقع في الحنث، فهذا يعرف من السياق مع الدلائل الأخرى

قال ﴿فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ قالوا: يعني مخير أحد ثلاثة أشياء على التخيير، ولذلك يمثلون بهذا على الواجب المخير. بمعنى أنه يجب عليه في الكفارة أحد هذه الثلاث:

إما الإطعام، وإما الكسوة، وإما تحرير الرقبة، ثم بعد ذلك الصوم على الترتيب ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ﴾

وقوله ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ دلالة على أنه لا ينتقل إلى الصيام إلا عند العجز عن هذه الثلاثة، فمن قدر على الإطعام، أو الكسوة، أو تحرير الرقبة فإنه لا ينتقل إلى الصيام، وإنما ينتقل إلى الصيام عند عدم القدرة أو عدم الوجدان، إذا كان لا يجد الرقبة، وإذا كان لا يستطيع الإطعام أو الكسوة، فحينئذ يكون الصيام

قال الله سبحانه وتعالى ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾

قالوا: من المتوسط،

◂ومنهم من فسر الأوسط بالأفضل، والكثيرون على أن معناه المتوسط، والأوسط بمعنى المتوسط ويأتي

بمعنى الأفضل “ قال أوسطهم “ : أفضلهم

قال الله سبحانه وتعالى ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ قالوا: أو كسوتهم بما يعتبر عرفًا كسوة وقالوا في الإطعام: قالوا لكل مسكين نصف صاع، وهذا رأي فريق من الفقهاء

◂فمنهم من يرى أنه مد وهو على هذا ربع صاع

◂ومنهم من يرى نصف صاع، ومن دلائل الذين قالوا أنه نصف صاع ما جاء في شأن كفارة من ارتكب

محظورًا من محظورات الإحرام فقاسوه على ذلك، في قول الرسول صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة رضي الله عنه “ أو أطعم ستة مساكين بثلاثة آصع يرحمك الله “

قال الله سبحانه ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ أي: وحنثتم ﴿وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ﴾ احفظوا ايمانكم من: الحنث إلا إذا كان ذلك خيرًا؛ لأن النبي علمنا من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأتي الذي هو خير، وأيضًا من كثرة الحلف.

قال ﴿وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وذكر الشكر مناسب للتخفيف، بأن الكفارة تخفيف ورخصة وتيسير، فناسبها شكر الله سبحانه وتعالى

ثم قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

عادت السورة الكريمة إلى العقود والمواثيق، فالسورة كما تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ سورة تبين الأحكام الشرعية

التي تتعلق بحق الرب سبحانه، وبحقوق العباد على اختلاف أنواعهم، وهنا جاء الحديث عن بعض المنهيات التي ينبغي للمؤمنين أن يتجنبوها، وإذا كان الله قد قال قبله ﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾ وقال ﴿وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًا طَيِّبًا﴾ فالمقابل ولا تأكلوا الحرام، ولا تقربوا الحرام، ومن جنس المحرم ما جاء في هذه الآية، ولذلك سيأتينا أيضًا ما يتعلق بالمحرم في جانب الصيد، وما إلى ذلك من أحكام

إذًا بعد ذكر المباح وما نهانا الله عز وجل أن نحرمه وهو حلال، بين الله عز وجل لنا بعض المحرمات

فقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾

﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ﴾ قالوا: المسكر الذي يذهب العقل، ولذلك قيل لها خمر، فالخمر: ما خامر العقل وأذهبه، قال ﴿وَٱلْمَيْسِرُ﴾ قالوا: القمار المشتمل على عوض من الجانبين فيقال له ميسر، ﴿وَٱلْأَنصَابُ﴾ تقدم أن الأنصاب كما مضى معنا، ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ قالوا: الحجارة التي يذبح عندها المشركون تعظيمًا لها أو ينصبونها لعبادتها ففيها القولان

﴿وَٱلۡأَزۡلَٰمُ﴾: القداح التي كانوا يطلبون بها ما قسم من الغيب، كما مضى معنا في قوله ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ﴾

قال هنا ﴿وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ يعني: هذا إثم من تزيين الشيطان، فالمراد بقوله ﴿رِجۡسٞ﴾ يعني: إثم وتزيين ﴿مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

وقوله ﴿فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ علام يعود الضمير في قوله فاجتنبوه؟ أي: فاجتنبوا ذلك، فهو يعود على المذكورات كلها، ﴿فَٱجْتَنِبُوهُ﴾، أي: فاجتنبوا ذلك ﴿لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾

فيه: أن من اجتنب هذه المحرمات، فهو مفلح من المفلحين جعلنا الله منهم بمنه وكرمه

◂بعض العلماء فسر الرجس بالنجس، ولذلك قالوا بنجاسة هذه الأشياء، لكن يعكر عليه أن الأنصاب

والأزلام من حيث هي ليست نجسة النجاسة حسية، فقالوا إنها نجاسة معنوية، ومن هنا ورد الخلاف

في شأن الخمر، أهي نجسة نجاسة حسية أم نجاسة معنوية كما هو مقرر في الفقه.

من فوائد الآيات:

الأمر بتوخي الطيب من الأرزاق وترك الخبيث.

عدم المؤاخذة على الحلف عن غير عزم للقلب، والمؤاخذة على ما كان عن عزم القلب ليفعلن أو لا يفعلن.

بيان أن كفارة اليمين ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ ۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أو كسوتهم، أو عتق رقبة مؤمنة، فإذا لم يستطع المكفر عن يمينه الإتيان بواحد من الأمور السابقة، فليكفر عن يمينه بصيام ثلاثة أيام.

قوله تعالى ﴿أَنَّمَا﴾ الخمر هي آخر آية نزلت في الخمر وهي نص في تحريمه.

قال الشيخ حفظه الله:

الأمر بتوخي الطيب من الأرزاق وترك الخبيث ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾

ثم قال ﴿وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًا طَيِّبًا﴾

عدم المؤاخذة على الحلف عن غير عزم القلب، والمؤاخذة على ما كان عن عزم القلب، وهذا في قوله ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ﴾

بيان أن كفارة اليمين ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ ۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إلى آخر الكلام، وهذا ظاهر في قوله سبحانه ﴿فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ﴾ إلى آخر الآية الكريمة

قوله تعالى ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ﴾ هي آخر آية نزلت في الخمر وهي نص في تحريمه، وهذا ظاهر، لذلك فالآية التي جاء فيها تحريم الخمر تحريمًا قاطعًا هي هذه الآية الكريمة، فهي آية متأخرة في النزول عن قوله سبحانه ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219] وأيضًا بعد قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]

ولذلك بعض العلماء يرى أن الخمر مرت بثلاث مراحل، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بل مرت بأربع مراحل:

والخلاف في ذلك سببه الاختلاف في آية سورة النحل، وهي قوله ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 67] فاختلفوا في معنى سكرًا:

فبعضهم قال المراد بها: المسكرات الخمر، وهذا كان في بادئ الأمر والآية تدل على إباحتها

لكن الله قال ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: ومن كان يعقل فإنه لن يشرب هذا المسكر، كان فيه لفتة إلى ترك ذلك دون تحريمه، فقالوا هذا يدل على الإباحة، ثم بعد ذلك جاء تحريمها تحريمًا مؤقتًا في بعض الأوقات ﴿لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ﴾

ثم جاء التحريم القاطع القطعي في قوله ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

وتكون هناك مرحلة أيضًا من المراحل أو ليست مرحلة ﴿أَنَّمَا﴾ آية من الآيات ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]

وهناك من يرى أن قوله ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لا يدل على إباحة الخمر، وأن الخمر كانت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾

في مرتبة العفو، ولم تكن مباحة، فلم يأتِ نص في القرآن يدل على حلها، ﴿أَنَّمَا﴾ كانت معفوًا عنها،

يعني لا يتكلم في شأنها، ثم بعد ذلك دُعِي الناس إلى تركها على سبيل التدرج بهم إلى أن جاء التحريم

القاطع،

والفرق بين القولين:

◂أننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن قوله ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يدل على الإباحة، فتكون الخمر قد مرت

بمرحلة الإباحة ثم التحريم، فتكون هذه الآية ناسخة لتلك

◂وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن الآية أعني آية النحل لا تدل على الإباحة، فتكون هذه في العفو، وبناء عليه فيكون هذا

الحكم حكمًا مستقلًا، وليس من قبيل الناسخ والمنسوخ

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾

بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أن هذه المنهيات ومنها الخمر، والميسر ﴿رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾، قال: يريد الشيطان بتزيينه الذي يزينه لكم أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ، أي: بسبب الخمر والميسر، فالخمر والميسر سببان من أسباب وقوع العداوة والبغضاء، وكم كانت الخمر سببًا في قتل النفوس، وإزهاق الأرواح، وإفساد الأحوال، فلذلك قال الله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ﴾ وكذلك الأمر في القمار، فكم أودي بأرواح، وكم أهلك من نفوس

قال ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ﴾، فمن شرب الخمر ولعب القمار صد ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ

﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ والمعنى: انتهوا

ولذلك الصحابة الكرام قالوا انتهينا، ولما نزلت الآيات الكريمة في تحريم الخمر وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رسوله، أن ينادي في الناس على أن الخمر قد حرمت، فقاموا رضي الله عنهم مبادرين ومستجيبين، وأهريقت الخمور التي كانت لديهم حتى صارت تجري في سكك المدينة، كما جاء في حديث أنس رضي الله عنه في شأن أبي طلحة رضي الله عنه، ومن معه من الأصحاب الكرام رضي الله عنهم. وهذه الآيات الكريمة صريحة في تحريم الخمر، فالله وسم الخمر بأنها رجس وأنه من عمل الشيطان

وقال هنا ﴿لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ والإنسان مطلوب منه أن يسعى فيما يكون طريقًا لفلاحه، وبين أنها سبب لوقوع العداوة والبغضاء، وأنها تصد ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ، وجاء الأمر في قوله ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ بصيغة الاستفهام، كل هذا يدل على تحريم الخمر والميسر

قال الله سبحانه ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾

ثم جاء التعميم في الأحكام ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ﴾ بامتثال ما أمر الشرع به واجتناب ما نهى عنه، ما نهى الشرع عنه ﴿وَٱحْذَرُوا۟﴾ من المخالفة ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ هذه مهمته صلى الله عليه وسلم

ثم قال ﴿لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾

وهذه الآية لها سبب نزول:

وذلك أن الخمر لما حرم سأل بعض الأصحاب ماذا عن بعض الصحابة الذين ماتوا وهي في بطونهم؟ أي: ماتوا قبل تحريم الخمر، هل يحاسبون على ذلك؟ فقال الله ﴿لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوٓا۟﴾ يعني فيما شربوا سابقًا قبل نزول التحريم، وكذلك ممن شربها من الأصحاب الذين كانوا أحياء فقد عفا الله عنهم، ولا مؤاخذة بما كان قبل تحريمها، وهذا معنى ﴿فِيمَا طَعِمُوٓا۟﴾

ولذلك من استدل بالآية الكريمة على أنه لا حرج على أن يتناول الإنسان المسكرات كما ورد عن بعض السلف إذ فهم الآية خطأ وأنه لا حرج عليه بشرط أن يكون من المتقين المؤمنين؛ لأنّّ الله قال ﴿لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوٓا۟﴾

◂فيقال هذا استدلال في غير موضعه؛ لأن الآية وردت على سبب نزول، ولأن الله قال ﴿فِيمَا طَعِمُوٓا۟﴾

ولم يقل: فيما يطعمون ﴿لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوٓا۟﴾ سابقا أي: قبل

التحريم، وأما بعد ذلك فيؤاخذون

وقد استدل بعض العلماء بقوله هنا ﴿لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ لم يقل ليس على الناس جناح، فقالوا: إذًا الكافر عليه جناح؛ لأن الله نفى الجناح عن المؤمنين الذين يعملون الصالحات، قالوا: لأن الكافر يحاسب على كل ما تلذذ به في الدنيا، من مباح أو من محرم

ولذلك أيضًا قال الله في الآية الأخرى في الأعراف قال الله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ﴾، ثم قال ﴿قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ ما قال: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هي للناس؛ لأنه يقال للكافر أنت لبست وشربت، فلم لم تشكر الله سبحانه وتعالى؟ أنت شربته، شربت الماء فلم تشكر الله عليه فيحاسب، مع أنَّ شرب الماء حلال ومباح، يحاسب على عدم الشكر، فكيف إذا كان خمرًا وقد حرمه الله سبحانه وتعالى، ثم قال ﴿إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ فيه بيان أهمية التقوى والإيمان

قال ﴿ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟﴾: يعني داوموا على التقوى والإيمان سابقًا ولاحقًا ﴿ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟﴾ وهذه مراتب بعضها فوق بعض، فجمع بين الإيمان والعمل الصالح، والمداومة على التقوى والإيمان والمداومة على التقوى والرقي إلى الإحسان ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾،

ثم قال الله سبحانه في نداء آخر من هذه النداءات العظيمة للمؤمنين وتأملوا عدنا إلى النداءات، تقدم معنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ﴾

وهنا ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

أيضًا حديث عن المحرمات والمباحات فيما يتعلق بالطعام أو بالشراب أو بالصيد، فهناك ﴿وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ الأكل والخمر ما يتعلق بالشرب، وهنا الصيد وهذا يذكرنا بأول السورة الكريمة، ولذلك هذه الآيات تؤذن بأن ختام السورة قد اقترب فهناك ارتباط بين المطلع والمقطع، ففي أول السورة ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ وهنا جاء العود على بدء وهذا أصل في سور القرآن الكريم وفي تدبرها، والتناسب بين بدئها وختامها، أو مطلعها ومقطعها

﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾: ليختبرنكم الله ﴿بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ أي: من الصيد وأنتم محرمون ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ﴾ أي قالوا هنا: ليختبرنكم الله بشيء يسوقه إليكم من الصيد البري لأنه مُحَرَّم، والمراد به: الصيد البري المتوحش بخلاف الإنسي فهذا شيء آخر، فالمراد بهذا الصيد: البري في حالة الإحرام سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا، وهذا معنى قوله ﴿تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ﴾ لكونها صغيرة، والكبار يكون بالرماح

﴿لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ﴾، والمعنى: أنه يكون قريبًا منكم، يسهل صيده، لكنه محرم عليكم أن تصطادوا، فالمؤمن الذي يخاف الله يمتنع عن ذلك، إذًا هذا من جنس الابتلاء، أن يكون المحرم بمقربة منك، وأن يكون ميسرًا لك، لكنك تمتنع عنه ابتغاء مرضات الله، وخوفًا من الله سبحانه وتعالى قال ﴿لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

وقوله ﴿لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ﴾ قالوا هنا: علم ظهور يحاسب عليه العباد، وهذا تقدم كثيرًا في الآيات السابقة أو في السور السابقة، وله نظائر ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَا۟ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31] وقال ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143] قال الله سبحانه وتعالى ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾،

ثم قال﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّـٰرَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾

أيضًا نداء آخر للمؤمنين ﴿لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾: نهي صريح عن قتل الصيد حالة الإحرام، ويلحق بذلك وأنتم في الحرم ﴿لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ وأيضًا وأنتم في الحرم، فالمحرم يحرم عليه الصيد، ثم جاء بعد ذلك في الآية التي بعدها بيان الصيد المحرم

فهنا قال ﴿لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ﴾، ثم جاء بعد ذلك ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَـٰعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ إذًا علم أن المراد بالصيد صيد البر﴿وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾

﴿وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا﴾ يبين الله سبحانه وتعالى من خالف فوقع في ارتكاب هذا المحظور، ولذلك عندنا ارتكاب المحرم في الإحرام على أنواع:

◂هناك من يرتكب محظورًا في الإحرام، بحلق كأن يحلق، أو يأخذ شيئًا من رأسه، أو من أظفاره، فهذا

له شأن، جاء في سورة البقرة ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] وتقدم بيانه هناك

◂وأيضًا من ذلك ما يتعلق بالصيد إذا اصطاد وهو محرم فماذا عليه؟بين الله الفدية هنا، فقال: ﴿وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾

قوله ﴿وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا﴾ هذا فيه أن هذه الكفارة وأن هذه الفدية على المتعمد، وجمهور أهل العلم جمهور الفقهاء على أن هذه الكفارة تلزم المتعمد وغير المتعمد

◂لكن الفرق أن المتعمد تلزمه مع الإثم، وأما غير متعمد فتلزمه بدون إثم

وأما كونها تلزمه قالوا: لأنه أتلفه بغير حق، ليس له أن يتلفه وهو محرم، فحينئذ يضمن فتكون عليه هذه الفدية

◂ والآخرون قالوا هذا حق الله، ليس من أجل الصيد لأن الصيد، ما حق الصيد؟ هو حق الله، والله لا

يؤاخذ العباد بما لا يتعمدونه، فتسقط الكفارة حينئذ ولا يكون فيها شيء وذهب إلى هذا بعضهم

◂ومنهم من قال بل الآية قالت متعمدًا، ثم جاءت السنة والأخبار تدل على عموم الكفارة في ذلك؛ لذلك

قال بعضهم التعمد أخذ من الآية، وغير ذلك أخذ من السنة والكلام فيها معروف في الفقه

قال ﴿فَجَزَآءٞ﴾ يعني: هذه هي فديته، أو كفارته ﴿فَجَزَآءٌ مِّثْلُ﴾ يعني: مماثل لما قتله من النعم أي: من الصيد من الإبل أو البقر أو الغنم، بمعنى أنه ينظر إلى الشبيه به، هذا الذي اصطاده ما الذي يشابهه من الأنعام؟ وفسر هنا ﴿ٱلنَّعَمِ﴾ بالإبل والبقر والغنم، و (النَّعم) يطلق على الإبل وحده، ويطلق على الإبل والبقر والغنم أيضًا، ولا يطلق على البقر والغنم بلا إبل، فإذا وجد الإبل صح أن يقال النَّعم؛ لذلك قالوا هنا: من الإبل والبقر والغنم

وقد جاء في السنة، وقد ورد في بعض الأحاديث والآثار ما يدل على بعض هذه الأحكام التي وردت في ذلك ف﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ يعني رجلان عدلان يقولان: أن هذا الذي اصطاده شبيه بكذا، فقالوا مثلًا الحمامة شبيهة بالشاة فإذا اصطاد حمامة فتجب عليه، فيجب عليه هذا مشابهة من الأنعام، وكذلك إذا اصطاد نعامة، قالوا: النعامة شبيهة بالبدنة، فتجب عليه بدنة، وإذا اصطاد بقرًا وحشيًا، وجبت عليه بقرة، إلى غير ذلك مما ورد في حديث “ الضبع صيد وفيه كبش “ إذا قتله المحرم، وتفصيل ذلك معروف في الفقه

قال الله ﴿يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًۢا﴾ هديا يعني: حال كونه هديًا ﴿بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ﴾ أي: يبلغ إلى الكعبة، فهذا الهدي يصل إلى الكعبة ويوزع على فقراء الحرم، قال ﴿هَدْيًۢا بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ﴾، وقوله ﴿بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ﴾ جاء قوله ﴿بَٰلِغَ﴾ صفة لقوله ﴿هَدۡيَۢا﴾

◂ ولا يقال كيف يكون صفة لقوله ﴿هَدۡيَۢا﴾ مع أنَّ ﴿هَدۡيَۢا﴾ جاءت نكرة، و﴿بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ﴾ قد أضيف،

ومعروف أن النعت يوافق المنعوت تعريفًا وتنكيرًا، فيقال لأن قوله ﴿بَٰلِغَ﴾ اسم فاعل، فلا يستفيد

بهذه الإضافة التعريف، فلذلك صح الوصف به

وتقدم نظير ذلك في مواضع أخرى، فإذا جاء اسم الفاعل ﴿بَٰلِغَ﴾ مع أنه أضيف إلى ﴿ٱلۡكَعۡبَة ﴾ لا يعد معرفة فلذلك وصف النكرة هو قوله ﴿هَدۡيَۢا﴾ وكذلك العكس، ولذلك جاء ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِۦ﴾ جاءت حالا مع أنها مضافة أيضًا، والحال تكون نكرة؛ لأن الثانية أيضًا جاءت على هذا الوزن اسم فعل.

وقوله ﴿هَدْيًۢا بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ﴾ ليس المراد أن يبلغ الكعبة تحديدًا، وإنما المراد حدود الحرم، لكن هنا بين تعظيمًا للكعبة قال ﴿بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ﴾، كأنه وصل إلى الكعبة نفسها، وإذا لو كان في حدود الحرم فإنه يجزئه

﴿أَوْ كَفَّـٰرَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ﴾، هو مخير بين هذا أن يهدي، وأن يقدم هديًا شبيهًا مماثلا لما قتل من النعم، يعني للذي قتل بأن ينظر إلى مثيله من النعم، أو أن يكفر بإطعام مساكين ﴿أَوْ كَفَّـٰرَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ﴾ قالوا هنا: أو قيمة ذلك من الطعام، يعني يقوِّم ذلك بالطعام، لكن يقوم ماذا؟ اختلفوا مما نقوم:

◂يقوم هذا الذي اصطاده،

◂وكثيرون يقول بل يقوم هذا الذي قدر به بأن قدر الذي صنعه بالشاة أو بالإبل أو بالبقر فإما أن يهدي

هذه البقرة أو أن يدفع بثمنها طعاما بأن تقدر بأنها تقدر بكذا وكذا من الأطعمة في طعم

قالوا هنا: تدفع لفقراء الحرم، لكل فقير نصف صاع، ومنهم من قال مد

قال ﴿أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا﴾ أي: يصوم يوم، أو صيام يوم مقابل كل نصف صاع من الطعام، أو مقابل مد يقدر هذا ويقابله بالصيام ﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ﴾ أي: ليذوق قاتل الصيد عاقبة ما أقدم عليه من قتله، ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾: تجاوز الله عما سبق ومضى من قتل صيد الحرم، وقتل المحرم صيد البر قبل تحريمه، فالله عفا عما سلف كان قبل التحريم ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ﴾ بعد أن صار الأمر محرمًا وبلغتهم الحجة ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾

من فوائد الآيات:

عدم مؤاخذة الشخص بما لم يحرم أو لم يبلغه تحريمه

تحريم الصيد على المحرم بالحج أو العمرة وبيان كفارة قتله

من حكمة الله عز وجل في التحريم: ابتلاء عباده وتمحيصهم، وفي الكفارة الردع والزجر

قال الشيخ حفظه الله:

عدم مؤاخذة الشخص بما لم يحرم أو لم يبلغه تحريمه؛ لذلك قال ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾

تحريم الصيد على المحرم بالحج أو العمرة وبيان كفارة قتله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾، فالنهي يقتضي التحريم، ثم بين الكفارة ﴿وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ﴾

إلى آخر الآية

من حكمة الله عز وجل في التحريم: ابتلاء عباده، وتمحيصهم وفي الكفارة الردع والزجر، فالله سبحانه وتعالى يبتلي عباده، ولذلك قال الله ﴿لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ﴾ وقبلها قال ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ﴾

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَـٰعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

فصل الله القول في الصيد المحرم والصيد المباح حالة الإحرام، فبعد أن نهى، وقال ﴿لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ بين هذا الصيد ما نوع الصيد المحرم؟ فقال ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَـٰعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي: لا حرج عليكم في صيد البحر

قالوا هنا: صيد الحيوانات وطعامه، والفرق بين الصيد والطعام أن الصيد قالوا هنا: ما يقذفه البحر لكم حيًا أو ميتًا، فسواء كان صيدًا أي: حيًا أم كان طعامًا ميتًا فإنه مباح، ولذلك فهذه الآية الكريمة يستدل بها على حل ميتة البحر، ففسر قوله ﴿وَطَعَامُهُۥ﴾ بميتة البحر، ودل على ذلك أيضًا السنة، فقد جاء في حديث ابن عمرو رضي الله عنهما (أحلت لنا ميتتان ودمان)، فهذا أيضًا دليل على أن ميتة البحر حلال “ أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد “، فقوله “ السمك “ هذا لأنه طعام البحر

قال الله ﴿مَتَٰعٗا لَّكُمۡ﴾ أي: تتمتعون به ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي: من كان مسافرًا يتزود به أيضًا، فمعنى السيارة أي: السائرين، هذا معنى قوله ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾

ولذلك تقدم معنا أنه ترد بعض الألفاظ القرآنية استعملها الناس في كلامهم في حياتهم استعمالًا آخر، فلا ينبغي لهم أن يخطئوا في فهم القرآن الكريم بالمصطلح الذي اصطلحوا عليه في زمن من الأزمنة، أو من الأزمان، فالسيارة الآن تطلق على نوع معين من أنواع المراكب التي يركبها الناس، وليس هذا هو المراد هنا، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾: عموم السائرين

﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ولذلك بالمناسبة قد يقرأ قارئ سورة يوسف عليه السلام فيقرأ ﴿وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ [يوسف: 19] فيقول هل كان أيامهم سيارة؟ هل كان في أيامهم سيارات؟ وخفي عليه أن قوله ﴿سَيَّارَةٌ﴾ قوم سائرون، ففرق بين هذا وبين المصطلح الذي اصطلح عليه الناس في أيامنا هذه

قال الله ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الصيد البري الوحشي هذا مُحَرَّم على المُحْرِم حالة إحرامه ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، فإذا انتهى الإحرام حل له صيده، قال ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ سبحانه وتعالى

ثم قال ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَـٰمًا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾

﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾ فهي البيت الحرام وقد جعلها الله ﴿قِيَـٰمًا لِّلنَّاسِ﴾ أي: تقوم به مصالحهم، به تقوم مصالحهم الدينية والدنيوية، فمن المصالح الدينية الصلاة والحج والعمرة، فنحن نستقبل الكعبة عينًا أو جهة، وكذلك فإننا نحج ونعتمر ففي الحج والعمرة الطواف بالبيت، فهذا من المصالح الدينية

ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في شأن الحج قال ﴿فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ حين قال ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: 96 -97]

قال هنا ﴿وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰٓئِدَ﴾ هنا في التفسير راعوا أن هذه الكلمات معطوفة على قوله سبحانه ﴿ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾، فقوله ﴿قِيَـٰمًا لِّلنَّاسِ﴾ هذا تعليل لكل المذكور هنا، فأيضا الشهر الحرام قيام للناس، فكيف يكون الشهر الحرام قياما للناس؟ قالوا: لأنه يحرم فيه القتل، فحينئذ يأمن الناس فهذا من قيامه للناس، وكذلك الهدي والقلائد فأصحابها يأمنون على أنفسهم في الذهاب والإياب، إلى أن يصلوا إلى الحج ويقوموا بالنسك، فهذا من معنى قوله قيامًا للناس

قال ﴿وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰٓئِدَ﴾ وقد تقدم الكلام في مسألة الشهر الحرام وأن من العلماء من يرى أن هذا الحكم قد نسخ، ولذلك تلاحظون أيضًا من العلاقة ومن الصلة بين المبدأ والختام أن الله عز وجل قال في الآية الثانية من سورة المائدة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ﴾ فعادت الآية الكريمة لتذكر بهذا الحكم أيضًا

ثم قال ﴿ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ وهو سبحانه وتعالى يشرع ما فيه خير للعباد

ثم قال ﴿ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

ففيه دعوة إلى امتثال أمر الله وعدم مخالفته، والوعيد لمن خالف أمر الله، ثم فتح باب التوبة للعباد ليتوبوا إلى الله سبحانه

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾

ثم قال ﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ هذه مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم، ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾،

ثم قال ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

﴿قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ﴾ قالوا هنا: لا يستوي الخبيث من كل شيء مع الطيب من كل شيء

﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ﴾،إذًا ما المراد بالخبيث والطيب؟ قالوا: الخبيث من كل شيء والطيب من كل شيء لا يستويان، حتى وإن كان الخبيث كثيرًا، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ﴾، فلا يغتر بهذا الخبيث

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة