مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة المائدة — الجزء 7

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 287 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

◂بعضهم يقول ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ﴾ أي: لا يستوي الخبيث من الطعام أو الشراب مع الطيب من

الطعام والشراب، فهذا مناسب لما ذكر بعض المحرمات كالخمر والميسر.

◂أو لا يستوي الخبيث من الأشخاص مع الطيب من الأشخاص. ففرق بين هذا وذاك

﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ﴾ فكما قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ فهذا يدخل في أحد الأوجه في معنى قوله هنا ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

ثم جاء نداء آخر من النداءات للمؤمنين فيه توجيه لهم:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

﴿لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، كما أن الله نهانا عن تحريم الطيبات ﴿لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، فنهانا الله سبحانه عن السؤال الذي لا يفيد، والذي لا حاجة إليه، أو الذي ربما كان الجواب فيه أو الجواب عنه مؤديًا إلى وقوع حرج

وقد ورد في سبب نزول الآية الكريمة أن بعضهم سأل الرسول عن أبيه من أبي يا رسول الله؟ فقال له أبوك حذافة وقد كان هذا من عبد الله بن حذافة رضي الله عنه ففيه توجيه، لماذا تسأل؟ لأن السؤال عن الأب معناه ينظر هل كانت الأم عفيفة أم وقع منها ما هو خلاف ذلك؟ فهذا سؤال خاص فنهوا عن مثل هذه الأسئلة التي لا داعي لها، والأصل أن الولد للفراش فمن أجل ذلك قال ﴿لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾،

وقد ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في البخاري أن بعض الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءً، ليس كبعض الصحابة، وإنما هؤلاء كانوا يسألون استهزاءً فيقول الرجل من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته أين ناقتي؟ فيسأل الرسول عن ناقته؟ لا أن يسأل الرسول فيما فيه نفع لهم في أمر دينهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾

وهنا نداء للمؤمنين، فيقال أيضًا نُهي المؤمنون عن أن يشابهوا المنافقين فيما كانوا يصنعون، ففيه توجيه للمؤمنين، وإرشاد، وتحذير من المنافقين

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ تُساءون بسببها أو يساء بعضكم، إن تبد لكم تسوءكم أو تسوء بعضكم

قال ﴿تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ إن ﴿تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ﴾: يعني تؤخروا هذا السؤال إلى أن ينزل القرآن، فإنها تبد لكم فلا تتعجلوا عليها، وإنما تجابون في الوقت المناسب، وهذا معناه أن الإخبار عنها يكون نزول القرآن الكريم ﴿وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ﴾

◂وقال بعضهم وإن تسألوا عنها أي: فيما أشكل عليكم فإنكم تجابون إليه حين ينزل القرآن الكريم

ولذلك ورد في سبب نزول الآية أيضًا في بعض روايات الحديث أنها وردت في إيجاب الحج “ يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾

الناس إن الله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾ الحج فحجوا، فقال رجل أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت الرسول، ثم

أعاد ثانية وثالثة، فH0

إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡ‍َٔلُواْ عَنۡهَا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ

ولذلك جاء أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “ ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم “، فهذا السؤال ربما كان سببًا في تحريم أشياء لم تكن محرمة، ولذلك قالوا هنا في التفسير: فإنكم إن سألتم عنها نزل عليكم التكليف بحكمها، فحينئذ تكون المشقة وأنتم كنتم السبب في ذلك

◂وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله سبحانه وتعالى ﴿وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ﴾

قالوا: إن قوله ﴿حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ﴾ تتعلق بقوله ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾، فالقول المشهور عند المفسرين أن

قوله ﴿حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ﴾ تتعلق بقوله ﴿وَإِن تَسْـَٔلُوا۟﴾، يعني تسألوا عنها عند نزول القرآن وحين نزول

القرآن تبد لكم

◂ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بل المعنى: وإن تسألوا عنها تبد لكم حين ينزل القرآن، وكأن المعنى: لا تسألوا عن أشياء

إن تبد لكم تسوءكم، فإنَّ أبيتم إلا السؤال فإنها ستبين لكم ولكن عند نزول القرآن الكريم، فلن

يتعجل لعجلتكم، وإنما عند نزول القرآن سيأتي بيانها، فيكون قوله على هذا القول ﴿حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ﴾ متعلق بما جاء بعد لا بما جاء قبل، وهو وجه تفسيري ذكره ابن عاشور وبعض أهل

العلم، والله أعلم

قال ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَـٰفِرِينَ﴾

﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾ على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله ﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾؟ يعود على أشياء، أي: قد سألوا أشياء، ولا يلزم أن تكون الأشياء هي الأشياء السابقة؛ لأنهم سألوا أشياء أخرى لكن ﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾ أي: قد سأل أشياء، ولا يلزم أن تكون هي الأشياء السابقة، فهو قريب من قولهم عندي درهم ونصفه، والمراد نصف درهم آخر ولا يلزم أن يكون هو، قال الله سبحانه ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾

بعض المفسرين يقول قد سألها أي: سأل المسألة فأعاده على المصدر،

◂ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ “ قد سأل أمثالها “، وهو الذي قالوا هنا إذ قالوا: قد سأل عن مثلها قَوْمٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَـٰفِرِينَ﴾، أصبحوا بأمثالها كافرين

وقوله ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا﴾ أي: بسببها ﴿كَٰفِرِينَ﴾، بسبب هذه الأسئلة جعلتهم يكفرون بالله، أو أن بها الباء للتعدية، “ أصبحوا كافرين بها “.

◂ فيحتمل أن تكون سببية أي: بسببها، أو كانوا كافرين بها، أصبحوا بها كافرين أي: كافرين بها

ثم قال الله ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾

يبين الله سبحانه وتعالى أن ما ذكره الله من محرم فهو المحرم، وأما ما يدعيه أهل الشرك من تحريم ما أحل الله فلا ينبغي الالتفات إليه، ولا فيما صنعوا، فمن ذلك ما اتخذوه من بحيرة وسائبة ووصيلة وحام، فهذا ليس من شرع الله سبحانه وتعالى في شيء، فجاء التنصيص عليه.

فقال ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ ودخلت “ من “ قبلها بالدلالة على التعميم “ ما جعل أي بحيرة “، فليس المراد به ذبيحة واحدة، أو ناقة واحدة، أو بقرة واحدة، ﴿أَنَّمَا﴾ عموم ما كانوا يسمونه بأنه بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حام.

والجامع المشترك بين هذا أنه تحريم لما أحل الله سبحانه وتعالى، وتقربٌ بما لا ينبغي التقرب إليه، إذ كانوا يتقربون بهذه إلى أصنامهم، أو يجعلون هذا دلالة على عبادتهم، وكل هذا من الباطل

فقال ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍ﴾ قالوا: البحيرة أصل المادة بحيرة مبحورة، والبحر يأتي بمعنى القطع

فالمراد به: الناقة التي تقطع أذنها إذا أنجبت عددًا معينًا، قالوا: حينئذ تقطع أذنها وتترك هكذا وتخلى لآلهتهم، أو لا يقربونها.

قال ﴿وَلَا سَآئِبَةٍ﴾ قالوا هنا أي: الناقة التي إذا بلغت سنًا معينة تُترك للأصنام تُسيَّب، لذلك جاء في الحديث أن عمرو بن لحي أول من يجر قصبه في النار؛ لأنه أول من سيب السوائب، فهو الذي اخترع هذا، وتقلده المشركون فيما صنع وفيما ابتدع.

قال الله سبحانه ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ وهي: الناقة التي تواصل إنجاب أنثى بأنثى فحينئذ يسمونها وصيلة ﴿وَلَا حَامٍ﴾ والمراد به: فحل الإبل، إذا نتج عدد من الإبل من صلبه، وهذا أيضًا كانوا يسمونه حام، فحينئذ لا يركب، وإذا نتج عدد، يعني خرج من صلبه عدد من الإبل فحينئذ يخلى سبيله أيضًا ولا يركب فهذا كله من المحرم.

قال ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ فهذا كله من الافتراء الكاذب، من افتراء الكذب على الله ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ لا يميزون بين الحق والباطل والحلال والحرام.

من فوائد الآيات:

الأصل في شعائر الله تعالى أنها جاءت لتحقيق مصالح العباد الدنيوية والأخروية، ودفع المضار عنهم

عدم الإعجاب بالكثرة فإنَّ كثرة الشيء ليست دليلًا على حله أو طيبة، وإنما الدليل يكمن في الحكم الشرعي.

من أدب المستفتي: تقييد السؤال بحدود معينة، فلا يسوغ السؤال عما لا حاجة للمرء ولا غرض له فيه.

ذم مسالك المشركين فيما اخترعوه وزعموه من محرمات الأنعام مثل: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.

قال الشيخ حفظه الله:

الأصل في شعائر الله أنها جاءت لتحقيق مصالح العباد الدينية الدنيوية والأخروية، ودفع المضار عنهم

وهذا واضح في قوله ﴿قِيَـٰمًا لِّلنَّاسِ﴾

عدم الإعجاب بالكثرة فإنَّ كثرة الشيء ليست دليلًا على حله أو طيبة، وإنما الدليل يكمن في الحكم الشرعي ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ﴾

من أدب المستفتي: تقييد السؤال بحدود معينة، فلا يسوغ السؤال عما لا حاجة للمرء ولا غرض فيه

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾

◂ولذلك بعضهم يرى أن قوله ﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ هي صفة لقوله ﴿أَشۡيَآءَ﴾، فليس النهي هنا

نهيا عامًا عن كل سؤال؛ لأنه قد يقول قائل: أوليس السؤال عما على الإنسان من الحسن؟ أوليس

الإنسان مطلوبًا منه أن يسأل أهل العلم؟ والله قال:﴿فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:

7]، فيقال إن السؤال المنهي عنه: هو سؤال لا منفعة من ورائه، أو يؤدي إلى الإساءة لنفسك أو

لغيرك، لذلك قال لا تسألوا عن أشياء من وصفها ﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ فهذا وصف لتلك الأشياء

ذم مسالك المشركين فيما اخترعوه وزعموه من محرمات الأنعام مثل: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ فكانوا يحرمون هذه الأنواع، ولا يقربونها

فقال ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾

ونسأل الله السلامة، ونسأله سبحانه أن يوفقنا لما يحبه ويرضى،

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا،

هذا والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾

قالوا هنا في التفسير: وإذا قيل لهؤلاء المفترين على الله الكذب بتحريم بعض الأنعام، وهذا ما تقرر بيانه في قوله ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾فإذًا ذكر هؤلاء ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ﴾ أي: ﴿لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ﴾ الكذب، وانظروا إلى ما قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، كان جوابهم: ﴿قَالُوا۟ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ﴾، وقولهم ﴿حَسْبُنَا﴾: أن يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا.

﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ أو لو كان اباؤهم قالوا هنا في التفسير: كيف يكفيهم ذلك؟ وقد كان أسلافهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون إلى الحق، يعني: أيكفيهم هذا ولو ﴿كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ شيئًا ولا يهتدون.

تقدم مرارًا أن مثل هذا الأسلوب “ أولو “، “ أو لم “ ونحو ذلك يكون هناك تقدير قبل الواو على رأي فريق من أهل التفسير، أيكفيهم هذا ولو ﴿كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ شيئًا ولا يهتدون، وهذه الآية الكريمة تدل على ذم التقليد الأعمى، وأن سبب ضلال هؤلاء المشركين تقليدهم للآباء الجهلة الضالين.

وتقدم أيضًا أن من أسباب الضلال الغلو، لذلك فسورة المائدة حدثتنا بعض أسباب الضلال والإضلال، فمن ذلك الغلو ومن ذلك تقليد الآباء، وتقليد السابقين ممن لا علم لهم ولا عقل، ولا حق يتبعونه، وقد نعى الله سبحانه وتعالى على المشركين هذا الصنيع في كثير من القرآن الكريم، فقال الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: 69 -70]، وقال ﴿وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23] هذه مقولة ترددت كثيرًا من أهل الشرك.

قال الله سبحانه بعدها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾: هذا أسلوب فيه إغراء، ﴿عَلَيْكُمْ﴾، أي: الزموا ﴿أَنفُسَكُمْ﴾ فبعضهم يقول اسم فعل أمر بمعنى الزموا أنفسكم ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾ أي: الزموا أنفسكم بالقيام بما يصلحها، فعليكم إصلاح نفوسكم، فإذا أصلحتم أنفسكم فلا يضركم شيء بعد ذلك، وقوله ﴿لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾ إذًا المهم أن تكونوا من المهتدين.

وهنا قد أحسنوا في التفسير حينما قالوا: ومن اهتدائكم أمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر، وهذا حسن منهم؛ لأن بعض الناس فهم الآية خطأ، فقال إن الله قال ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾ هذا فيه أنه لا يلزم الإنسان أن يأمر غيره بالمعروف أو أن ينهاه عن المنكر، وهذا خطأ في الفهم؛ لأنّّ الله قال في الآية إذا اهتديتم ومعروف أن من سبل الهدى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فقوله ﴿لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾ معناه:أنكم أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وأطعتم الله ورسوله ولم يستجب لكم، فحينئذ عليكم أنفسكم، لا تشغلوا بالكم بغيركم، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ، والزموا إصلاح أنفسكم، وليس معنى ذلك التخلي أو التخلف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولذلك جاء عند أحمد رحمة الله تعالى، عند الإمام أحمد في المسند من طريق قيس أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه صعد المنبر وخطب في الناس وحمد الله وأثنى عليه، وقال: “ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس إنكم تقرأون هذه الآية وقرأ الآية ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾ الآية، وقال: “ وإنكم تضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه يوشك أن يعمهم، أو يعمهم الله بعقاب من عنده “

فالشاهد من ذلك أنه بهذا يبين لهم أن الآية ليس فيها ترك الدعوة، ليس فيها أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يلزم به الإنسان، بل عليه أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر قدر استطاعته، ثم بعد ذلك إذا استجيب له فالحمد لله، وإن لم يستجب له فلا ضير عليه

قال الله سبحانه ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًا لَّمِنَ ٱلْءَاثِمِينَ﴾

هذه الآية الكريمة ذهب بعض العلماء إلى أنها منسوخة، والذي عليه الأكثرون والجمهور من العلماء أن الآية محكمة وهو كذلك، حكمها باق إذا تحققت الضوابط والشروط التي بينها الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة

وهذه الآية وما يتبعها في الآيتين اللتين قد أتيتا بعدها يبينها ما ورد في سبب نزول هذه الآيات الكريمة، وذلك أن رجلًا من بني سهم، أن رجلًا سهميًا من بني عدي، هذا الرجل كان في سفر وحضرته الوفاة، فلم يجد من يشهده، لم يجد من يشهده على ما له من مال أو يوصي له، فحينئذ ما كان منه إلا أن أشهد رجلين لم يكونا على الإسلام، فأشهد تميمًا الداري رضي الله عنه وقد أسلم بعد ذلك، وأشهد كذلك عدي بن بداء، ثم إنهم رجعوا إلى قومه أو إلى أهله وأقاربه، فأعطوهم المال الذي لصاحبهم لهذا الرجل الذي هو من بني سهم، ولكنهم في هذا الوقت فقدوا جاما يعني إناء من فضة مخوصًا من ذهب، ثم بعد ذلك وجدوه بمكة، فسأل عنه فقالوا اشتريناه من تميم الداري وعدي بن بداء، فحينئذ طلب منهم أن يحلفوا، وأن يحلف الأقارب بأن عدي بن بداء وتميمًا الداري هما اللذان قد خانا، وهما اللذان قد كذب وغدر وأنهما سرقا هذا الإناء، وأنه لصاحبهما ومن ثم فإنه من ميراثهم

فالشاهد من ذلك فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات ليبين ماذا يكون فيها من حكم وماذا يجري فيها من أمر،

قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ﴾ إنسان شارف على الموت، ﴿حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ﴾ وحينئذ فإنه يوصي، وهذا معنى قولهم: إذا اقترب موت أحدكم بظهور علامة من علامات الموت فليشهد على وصيته عدلين من المسلمين، أو رجلين من الكفار عند الاحتياج؛ لفقد غيرهما من المسلمين إن سافرتم.

فقوله ﴿حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ﴾ الأصل أن الإنسان يوصي وهو صحيح، لكن الوصية تتأكد حين يشرف الإنسان على الموت، فحينئذ تتأكد الوصية وقد تجب عليه إذا كانت هناك حقوق ستضيع إن لم يوصِ

فهنا قال ﴿ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ من الذي يشهد؟ اثنان منكم وقوله ﴿مِّنكُمْ﴾، أي: من المسلمين

◂وبعضهم يقول أي: من قبيلتكم فليكن هؤلاء أو “ فليكن الشاهدان من قبيلة هذا الموصي “، أو هذا

الذي قد أشرف على الموت

◂والأرجح الأول وهو: أن المعنى ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ أي: من المسلمين ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، أي: من الكفار

* والإشكال الذي ورد في هذه الآية أن الآية الكريمة فيها أن الكافر يشهد، وأن الكافر على قول بعضهم له ذلك؛ لأنهم اختلفوا هل هذا في مقام الوصية أم هو في مقام الشهادة؟،

والأقرب أنه في مقام الشهادة،

◂وبعضهم يعني طعن في ذلك، من باب أن الشاهد لا يطلب منه أن يصنع ما يصنع هؤلاء من الحلف وما إلى ذلك،

ويقال هذه حالة خاصة لها أحكامها الخاصة، فقال هنا ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، إذًا فيها جواز شهادة الكافر، والوصية له بأن يأخذ هذا المال ليوصله إلى أصحابه المستحقين من الورثة، ولكن بشروط،

ربنا قال ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ يعني: إن كنتم مسافرين، إذًا هذا لا يصلح في موضع الإقامة، يعني وأنت مقيم في بلدك، لا تشهد الكافر على تلك الوصية، ﴿أَنَّمَا﴾ عندك المسلم يكفيك

قال ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ واشترط كثير من الأئمة أيضًا ﴿إِلَّا﴾ يوجد هؤلاء المسلمون، يعني ﴿إِلَّا﴾ يوجد من يشهد لك من المسلمين

فيكون قول ﴿ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: عند فقدهم، كما قالوا هنا في المختصر وهذا ما عليه الأكثرون

فيكون هناك شرطان وهو:

2 -وألا يجد من يشهد له من المسلمين وأن تكون الوفاة قد حضرته

قال الله سبحانه ﴿فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ وهذا فيه أن الموت مصيبة ولا شك أنه مصيبة وأي مصيبة، قال ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًا لَّمِنَ ٱلْءَاثِمِينَ﴾ ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ﴾، اختلفوا في بيان هذه الصلاة:

◂فمنهم من قال المراد بالصلاة: صلاة العصر، كما ورد في بعض الأحاديث، في مسألة الحلف الكاذب أن

يكون هذا بعد صلاة العصر

◂ومنهم قال بل المراد بعد صلاة من الصلوات، أو بعد الصلاة التي يعظمها هؤلاء بعد الصلاة، التي

يعظمها هؤلاء وهذا فيه دلالة على أن أمر الصلاة أمر عظيم، وأن الإنسان الذي صلى ينبغي له أن

يتبع صلاته بالطاعة، لا أن يتبعها بالمعصية، فأقل شيء أن يكون لديه شيء من الحياء عقب الصلاة

من أن يقع في معصية، ثم بعد ذلك يقع له ما يقع إن لم يكن مراقبًا لربه سبحانه وتعالى

قال ﴿فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ وقع هناك شك ﴿إِنِ ٱرْتَبْتُمْ﴾ هناك شك في أمرهما ﴿لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًا لَّمِنَ ٱلْءَاثِمِينَ﴾ نحن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ الحق والصدق، وهذا هو مال فلان، ولم ننقص منه، ولم نكتم شيئًا مما أوصانا به أو مما جعلنا شهداء عليه، أو شهودًا عليه

﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَـٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾

﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ يعني: تبين بعد التحريف كذبُهما في الشهادة أو اليمين، وجدت قرينة تدل على ذلك، أو ظهرت خيانتهما كما في القصة أنه وجد هذا الجام أو هذا الإناء، وجده في مكة فسألوا عنه فقالوا اشتريناه من عدي بن بداء وتميم الداري فعلم بذلك أنهما قد خانا في ذلك وكذبا، وكان هذا كما قلت قبل إسلام تميم رضي الله عنه

قال الله سبحانه ﴿فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَـٰنِ﴾ يعني من الأقارب من أقرب الناس إلى الميت، فحينئذ يُقدَّم هؤلاء؛ لأن هؤلاء لديهم خبرة بمملوكات صاحبهم، فيقولون كلا إنه معه كذا وكذا، وهؤلاء كتما وغدرا وما إلى ذلك

﴿فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ نحن شهادتنا أحق من شهادتهما، فنحن أعلم بحقيقة الأمر، وهؤلاء أو هذان كاذبان فيما ادعياه وهما قد أنقصا الحق وما إلى ذلك

﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوٓا۟ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾

﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ﴾ أي: ذلك المذكور، على ما يعود اسم إشارة ذلك؟ أي: ذلك المذكور من تحليف الشاهدين بعد الصلاة، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾؟ إن ارتبتم، عند الشك في شهادتهما، ومِن رَدِّ شهادتهما؛ لأن قوله سبحانه ﴿فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ فحينئذٍ يقبل كلامهما ويقدم على كلام الرجلين الذين قد كذبا فيما أتيا به

فحينئذ قال الله سبحانه ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَـٰدَةِ﴾ أي: بعد أي من تحريف الشاهدين بعد الصلاة عند الشك في شهادتهما، ومن رد شهادتهما أقرب إلى إتيانهما بالشهادة على الوجه الشرعي للإتيان بها، يعني هذا يجعلهما حينما يعلمان أنه عند الشك في أمرهما سيُؤتى بهما، ويَحْلِفان بعد الصلاة، وأنهما إن وقع منهما كذب أو بيان لكذبهما فإنَّ أقارب الميت سيحلفون، وسيقدم كلامهم على كلامهم، فحينئذ يقع منهم خشية وخوف من ﴿أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ﴾

قالوا أن ترد أيمان الورثة بعد أيمانهم فيحلفون على خلاف ما شهدا به فيفتضحان

فبعض الناس يمتنع من الكذب خوفًا من الله وبعضهم يمتنع من الكذب لئلا يؤثر عنه ذلك كما ذكر أبو سفيان “ لولا الحياء من أن يؤثروا على الكذب لكذبت “ في قصة هرقل معه

فبعض الناس يمنعهم الحياء أو يمنعهم كراهية الافتضاح من أن يقع منهم الكذب، ويكون المقصود من هذا كله الذي ذكره الله سبحانه في هذه الآيات: إيصال الحق إلى أصحابه، فتكون هذه الشهادة لها وقعها، ولها موضعها

وبيّن الله ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ ترد ومتى تقبل قال ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ وهذا معنى قولهم الخارجين عن طاعته، فالفاسقون: هم الخارجون عن طاعة الله سبحانه وتعالى

من فوائد الآيات:

إذا ألزم العبد نفسه بطاعة الله، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر بحسب طاقته، فلا يضره بعد ذلك ضلال أحد، ولن يُسأل عن غيره من الناس، وخاصة أهل الضلال منهم.

الترغيب في كتابة الوصية مع صيانتها بإشهاد العدول عليها

بيان الصورة الشرعية لسؤال الشهود عن الوصية

قال الشيخ حفظه الله:

إذا ألزم العبد نفسه بطاعة الله وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر بحسب طاقته، فلا يضره بذلك ضلال أحد، ولن يسأل عن غيره من الناس، وخاصة أهل الضلال منهم، وهذا صحيح لأنه أدى ما عليه، وهذا معنى ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾

الترغيب في كتابة الوصية مع صيانتها لإشهاد العدول عليها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ الآية، والنبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه كما في الصحيحين “ ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين أو ثلاثة إلا ووصيته مكتوبة عنده “، فلا يفرط الإنسان في كتابة الوصية لا سيما إذا اقترب أو دني أجله

بيان الصورة الشرعية لسؤال الشهود عن الوصية، وهذا بينه الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمة، كما تقدم

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ﴾

انتقلت الآيات الكريمة من الحديث عن أفعال المشركين، وأفعال النصارى وعقيدتهم الباطلة، وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى بعض أحكام الشهادة والوصايا، أذنت السورة الكريمة بالختام، فتحدثت عن يوم القيامة، كما هو في كثير من الأحوال في سور القرآن الكريم، حديث عن يوم القيامة وتذكير بالآخرة، إلا أن التذكير بالآخرة في هذه السورة جاء بطريقة أخرى

وهي: التذكير بأمر عيسى عليه السلام في الآخرة، وأنه يتبرأ من المشركين، ويتبرأ من هؤلاء الذين زعموا أنه إله، أو أنه ابن للإله، معاذ الله سبحانه وتعالى عن أن يكون شيء من ذلك، فهو الإله الواحد الذي لا شريك له

وهنا قال الله ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ﴾ اذكروا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ﴾، وهذا في يوم القيامة، كما قال الله ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾ [التغابن: 9] وقال ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: 7] وقال ﴿ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: 103]

فقال هنا ﴿۞ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ﴾ أي: ماذا أجابتكم به أممكم التي أرسلتكم إليها، هذا معنى ﴿مَاذَآ أُجِبْتُمْ﴾، ما الذي أجابكم به أممكم ﴿قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ﴾ أي: قالوا مفوضين الجواب إلى الله لا علم لنا وإنما العلم لك ربنا أنت وحدك من تعلم الأمور الغائبة،

فقولهم ﴿لَا عِلْمَ لَنَآ﴾ قالوا هنا في التفسير: مفوضين الجواب إلى الله، جعلوا قول الأنبياء والمرسلين من باب تفويض العلم إلى الله؛ لأن الأنبياء والرسل يخفى عليهم ما يخفى، ويعلمون ما يقدر الله عز وجل لهم أن يعلموا، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقال له يوم القيامة في شأن قومه حينما يقول “ أصحابي “ أو “ أمتي “ يقال له “ إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك “، وأيضًا قال عيسى ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾

لكن قد يقول قائل هنا: قال ﴿قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ﴾، أوليس رسل الله يشهدون على أممهم ولأممهم، والله قال ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، فهناك شهادة الرسل على الأمم، وهنا ﴿قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ﴾؟

◂لذلك ذهب بعض المفسرين إلى أن قولهم ﴿لَا عِلْمَ لَنَآ﴾: عند إجابة السؤال مباشرة لشدة الهول،

ولعظيم هول يوم القيامة، فكأن هذا السؤال أصابهم بشيء من الفزع، فقالوا ﴿لَا عِلْمَ لَنَآ﴾ ثم بعد

ذلك كانت الشهادة بما يعلمون، فيكون هذا جوابًا منه تبعه بعد ذلك التفصيل فيما يعلمون، وهم

يفوضون الأمر إلى الله سبحانه وتعالى وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

وذكر كثير من المفسرين أن الاستفهام في قوله ﴿مَاذَآ أُجِبْتُمْ﴾؛ لتوبيخ الأمم المكذبة، لكن قوله ﴿قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ﴾ هذا في الجواب، فالكلام الآخر في شأن جوابهم ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوٓا۟﴾ أولًا “ لاعلم لنا “ ثم كانت الشهادة التفصيلية

﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ﴾، بهذا الأسلوب المؤكد بتأكيدات متعددة:

◂ بإنَّ وهي معروفة في التوكيد، والجملة الاسمية، وأيضًا ضمير الفصل أنت، وتعريف جزئي الجملة

﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ﴾

﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى ۖ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾

ذكرت الآيات بما من الله عز وجل به على عيسى عليه، وذكرت لنا موقفًا جرى بين عيسى والحواريين ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تطوى هذه الصحيفة لتعود السورة الكريمة في ختامها؛ للحديث عن مشهد عظيم من مشاهد يوم القيامة

فقال هنا ﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ﴾ وهي مريم عليها السلام ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ﴾ جبريل عليه السلام ﴿تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ وأيدتك أي: قويتك ﴿فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ يعني وأنت رضيع صغير وهذا معنى في المهد ﴿وَكَهْلًا﴾ أي: في كهولتك وشبابك ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾

وقوله ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ الكتاب هنا المراد به: الكتابة، ولذلك قالوا هنا الخط، فالكتاب جاء هنا بمعنى الكتابة، ولا يقال أن المراد بالكتاب الإنجيل؛ لأن الإنجيل ذكر بعد ذلك، فهو قال

﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾، فعلم من ذلك أن الكتاب شيء غير الإنجيل

فالكتابة هنا أو الكتاب هنا بمعنى الكتابة أو الخط، ونكرر ما تقدم ذكره في هذه الكلمة، كلمة الكتاب أنها وردت في القرآن الكريم على أوجه متعددة:

◂فجاءت معنا في هذه السورة الكريمة بمعاني، كما في قوله ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾، فالكتاب في أول الآية المراد به: القرآن الكريم.

◂وهناك الكتاب بمعنى الخط.

قال ﴿وَٱلۡحِكۡمَة ﴾، قالوا هنا: وعلمتك أسرار الشرع وفوائده وحكمه، هذا معنى الحكمة ﴿وَٱلتَّوْرَىٰةَ﴾ المنزلة على موسى عليه السلام، ﴿وَٱلْإِنجِيلَ﴾ المنزل على عيسى عليه السلام.

﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى﴾ قالوا هنا: وإذ تصور من الطين مثل صورة الطير، إذًا معنى ﴿تَخْلُقُ﴾: يعني تصور، فهذا هو المراد، ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ﴾ على صورة طين تشكله من الطين، ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى﴾ وفي آية آل عمران﴿بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 49]، فهذا كله بإذن الله سبحانه وتعالى.

﴿وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ﴾ يعني تشفي بإذن الله مَن ولد أعمى من عماه تشفي الأبرص، وهذا معنى الأكمه: من ولد أعمى.

فالفرق بين الأكمه والأعمى: أن الأكمه أخص، فالأعمى قد يكون منذ الولادة، وقد يكون العمى قد طرأ عليه بعد حين، أما الأكمه فهو من ولد أعمى، وهذا أبلغ؛ لأنه إذا شفى من وُلِد أعمى فهذا أبلغ من أن يشفى من طرأ عليه المرض، أو طرأ عليه العمى، وكل ذلك بإذن الله.

﴿وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى﴾ تحيي الموتى بدعائك الله أن يحييهم، تدعو الله أن يحييهم الله عز وجل، هذا كله بإذن الله وهي كلها آيات أيد الله بها عيسى عليه الصلاة والسلام تدل على صدقه في دعوته وأنه رسول الله.

﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ﴾ هذه نعمة أيضًا؛ لأن هذا معطوف على ما سبق، فمن نعم الله على عيسى أنه كف بني إسرائيل عنك ﴿إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ كف أذاهم وما هموا به من قتلك فرفعك الله عز وجل إليه، فلم ينالوا ما أرادوا ولم يصيبوك بأذى ولا بقتل.

﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّـۧنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾

قال ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّـۧنَ﴾ أيضًا هذا معطوف على ما سبق، أي: واذكر أيضًا ما أنعمت به عليك ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّـۧنَ﴾ أي: يسرت لك أعوانًا حين ألهمت الحواريين أن يؤمنوا بي وبك

فما معنى أوحيت إلى الحواريين؟ الإلهام؛ لذلك قالوا هنا في المختصر: حين ألهمت الحواريين، فالوحي هنا بمعنى الإلهام؛ لأن الحواريين أتباع لعيسى عليه السلام وليسوا رسلًا، فليس هناك نبي بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فالوحي هنا معناه الإلهام، ألهمهم الله عز وجل ويسر لهم سبل الإيمان ﴿بِعِيسَى﴾ عليه السلام، فكان هذا من إنعام الله على عيسى

وهذا معناه أن من وفق الله عز وجل له الناس ويسرهم لدعوته وقبولها، فإنَّ هذا من نعمة الله على العبد، فقال ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّـۧنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾

وهذا فيه أن الأنبياء والرسل كلهم دعوا إلى الإسلام الذي هو الاستسلام، وتوحيد الله سبحانه وتعالى

فهنا كما قال ﴿وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، وأيضًا فإنَّ الله سبحانه وتعالى قال في حق الخليل إبراهيم ﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 131 -132]

وكذلك ملكة سبأ ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [النمل: 44]

﴿إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

قال هنا ﴿إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ﴾ أي: اذكر يا نبي الله يا رسول الله عيسى عليه السلام ﴿إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ﴾ اذكر يا رسول الله، الخطاب لنا لأهل الإيمان، اذكروا، أو اذكر يا رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم حين قال الحواريون ﴿يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

﴿إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ﴾ وهم أتباع عيسى عليه السلام وأنصاره ﴿يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾

◂ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا كان من سوء أدبهم وترددهم في إيمانهم مع عيسى عليه الصلاة

والسلام، فقالوا إنهم قالوا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ وهذا لا يليق، ولذلك جاء الوعيد بعد ذلك ﴿قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

◂وذهب جماعة من المفسرين إلى أن هذا ليس من سوء أدب الحواريين، كيف وقد أثنى الله عليهم قبل

ذلك؟ وذكر نعمته على عيسى بإيمانهم وقال ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّـۧنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ وإنما قالوا: ﴿أَنَّمَا﴾ قال الحواريون ذلك هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً

من السماء؟ بهذا الاستفهام الذي يبدو من صاحبه أنه شاك، وإنما المراد به التلطف في الطلب،

كأنهم ما يجرؤوا على أمره بهذا الطلب فلا يقول له يا عيسى ابن مريم نزل ﴿عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾،

اطلب من ربك، كما قال بنو إسرائيل ﴿فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا﴾

[البقرة: 61] ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ يعني بهذا التلطف

◂ومنهم من قال أن معنى هل يستطيع يعني: هل يستجيب ربك؟ فالاستطاعة تأتي بمعنى الاستجابة،

فمعنى ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾، يعني هل يستجيب ربك؟ وقالوا أن هذا يكون من قبيل الاستعارة أو من قبيل

مجازي المرسل، بإطلاق السبب وإرادة المسبب، فمعنى ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ يعني: هل يستجيب ربك؟ أي:

﴿يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾، قالوا والدليل على ذلك: أنهم عللوا طلبهم، فحين قال لهم عيسى عليه السلام ﴿قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أما يكفيكم الدلائل التي أعطيتكم، إياها وبينتها لكم، فبينوا ما سبب طلبهم، ﴿قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا﴾، وهذا أمر يتعلق بدنياهم فنستفيد منها الخير، ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ فيكون عندهم يقين أكثر، وزيادة في الإيمان، ﴿وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ تكون آية وحجة لئلا يبتعد الناس عن الإيمان، وتكون قد أقيمت الحجة

فحينئذ ﴿قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ لأنها ستكون آية لجميع بني إسرائيل فلا يسعهم إلا الإيمان حينئذ، والله تعالى أعلم

ولهذا أيضًا فإنَّ القراءة الأخرى قراءة الكسائي ﴿هَلۡ تَسۡتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ يعني: هل تستطيع أن تسأل ربك؟ يعني هل هذا في وسعك أن تسأل أنت ربك السؤال، أم أن هذا من السؤال الممنوع والمرفوض؟ فقال ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ فبينوا له الغرض الذي من أجله طلبوها، على كلٍ هذا كله قاله علماء التفسير، والكلام في ذلك يطول

قال الله سبحانه ﴿قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا﴾ أي: نأكل من هذه المائدة ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ بكمال قدرة الله وبأنك رسوله، ونعلم علم اليقين أنك صدقتنا فيما جئت به من عند الله، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ لمن لم يحضرها من الناس، أي: شاهدين لمن لم يحضرها بأنك قد فعلت، وأن الله قد أعطاك هذه، أو أنزل عليك هذه المائدة.

من فوائد الآيات:

إثبات جمع الله للخلق يوم القيامة جليلهم وحقيرهم

إثبات بشرية المسيح عيسى عليه السلام، وإثبات آياته الحسية من إحياء الموتى، وإبراء ﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ التي أجراها الله على يديه

بيان أن آيات الأنبياء تهدف لتثبيت الأتباع وإفحام المخالفين، وأنها ليست تلقاء أنفسهم بل تأتي بإذن الله

قال الشيخ حفظه الله:

إثبات جمع الله للخلق يوم القيامة جليلهم وحقيرهم ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ﴾

إثبات بشرية المسيح عيسى عليه السلام، وإثبات آياته الحسية من إحياء الموتى، وإبراء ﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ التي أجراها الله على يديه؛ وذلك لأنه فعل ذلك بماذا؟ بإذن الله، وهذا معنى ﴿بِإِذۡنِي﴾ فالله يمتن عليه بأن ما وقع له ﴿أَنَّمَا﴾ كان بإذن الله سبحانه

بيان أن آيات الأنبياء تهدف لتثبيت الأتباع وإفحام المخالفين، وأنها ليست تلقاء أنفسهم بل تأتي بإذن الله قالوا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فالأمر يتعلق بربه، يعلمون أنه مرسل من عند الله،

والذين قالوا بسوء أدبهم قالوا أنهم قالوا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، لم يقولوا هل يستطيع ربنا

والذين قالوا أن هذا من أدبهم لأنهم يعلمون مكانة عيسى عند الله، فقالوا هل يستطيع ربك فأنت قريب منه، وأنت رسوله وأنت تطلب منه فإنه يجيبك، إلى غير ذلك مما قيل في تفسير هذه الآيات

قال الشيخ حفظه الله:

﴿قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةً مِّنكَ ۖ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾

قالوا هنا: فأجاب عيسى طلبهم، أجاب عيسى طلبهم الذي طلبوه فقال لربه أو فقال داعيًا ربه: ﴿ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: مائدة طعام من السماء

﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا﴾ أي: نتخذ من يومنا هذا عيدًا نعظمه شكرًا لك

﴿وَءَايَةً مِّنكَ﴾: علامة وبرهانًا على وحدانيتك وقدرتك وصدق رسولك

﴿مِّنكَ ۖ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ وقوله ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ مناسب للدعاء بقوله ﴿وَٱرْزُقْنَا﴾، وهذا تقدم أنه ينبغي للعبد أن يراعيه حين يدعو الله بأسمائه الحسنى، فيتخير من أسماء الله الحسني ما يناسب مقام دعائه

﴿قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

﴿قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ قالوا: فاستجاب الله دعاء عيسى عليه السلام وقال إني منزل هذه المائدة التي طلبتم إنزالها عليكم، ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ أي: بعد نزولها ﴿فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ لم؟ قالوا هنا: لأنه شاهد الآية الباهرة فكان كفره كفر عناد، وذلك أن الأصل أن الله يؤيد الرسول بالآية دون أن يطلبها قومه، أما أن يطلبها القوم ويقترحون اقتراحات ففي كثير من الأحوال يكون عندهم شيء من التعنت، وشيء من الغفلة عما يجب عليهم أن يتبعوه؛ فلذلك جاء التوعد بهذا، قال ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

◂فهم قالوا هنا: وحقق الله لهم وعده، فأنزلها

◂وبعضهم قال: لم تنزل لأنهم خشوا على أنفسهم، وخافوا من الوعيد الذي بينه الله، فلم يطلبوا إنزالها

* ونقول هذا من المسكوت عنه

بيد أن ظاهر الآيات الكريمة تدل على أن الله أنزلها؛ لأنّّ الله قال ﴿إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾، والله سبحانه لا يخلف وعده ولم يرد في الآيات خلاف ذلك

والذي حمل بعض المفسرين على ما ذهبوا إليه من عدم إنزالها، قالوا: أنه لم يرد لها ذكر في الإنجيل، فليست موجودة في الكتاب المقدس، ليس فيه ذكر لهذه المائدة

وأجيب عن ذلك:

◂ بأن الله ذكر في كتابهم أو ذكر عن كتابهم أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ولعل هذا مما حرف ومما

تركوه، ولم يجعلوه في الكتاب

◂ثم أيضًا قد يكون سكت عنه في الكتاب المقدس وجاء القرآن، من عظيم ما في القرآن الكريم أن يذكر

هذا الذي لم يرد في كتابهم، مع أنه وقع لهم،

◂ أو أن يكون هذا مما اشتهر بينهم فاستغني به عن أن يذكر في كتابهم المقدس، ومن المعلوم أن بعض

ما يقع ربما لا يوجد في الكتاب الذي أنزله الله سبحانه وتعالى

على كل هذا ذكره عدد من المفسرين

ثم قال الله سبحانه ﴿وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ﴾

أُذكِّر بما قلته في أول السورة من أن الله سمى هذه السورة المباركة بسورة المائدة؛ لأن الله عز وجل ذكر هنا ما وقع من أمرها وقال ﴿إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ لأن هؤلاء حينما قالوا ﴿قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ هذا بمثابة العهد، وبمثابة الميثاق الذي يجب عليهم أن يفوا به، وألا يخلفوه، والله أعطاهم على قول كثيرين، وقال ﴿إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾، وبناء عليه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾، كما أن المائدة كانت من العهد الذي يجب الالتزام به، فكذلك في بقية الأحكام التشريعية، إذا أمركم الله بأمر فائتمروا به، وإذا نهاكم الله عن شيء فانتهوا عنه

﴿وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ﴾

﴿وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يكون هذا القول؟ هذا القول يكون يوم القيامة؛ لذلك قالوا: واذكر حين يقول الله يوم القيامة، مخاطبًا عيسى ابن مريم عليه السلام

إذًا قوله ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ يعني: يقول فهنا عبر عن المستقبل بالفعل الماضي؛ لتحقق وقوعه، وهذا كثير في كتاب الله العزيز، ومعروف في لغة العرب وبلاغتهم، قال الله ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ﴾ [الأعراف: 44] وقال ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 50] وهذا سيأتي وسيكون

إذًا قوله ﴿وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى﴾ يعني هذا سيكون يوم القيامة

قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ﴾ وهنا ناسب أن يذكر ﴿يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ﴾ وفي بعض المواضع يأتي ﴿عِيسَى﴾ وحده دون ذكر ﴿ٱبْنَ مَرْيَمَ﴾، لكن هذا مناسب المقام فأنت ابن مريم، ابن امرأة، فكيف تكون ابنًا للإله سبحانه وتعالى؟

﴿أَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، والمقصد من هذا الاستفهام: توبيخ الكفار، وتبكيتهم بإقراره عليه الصلاة والسلام على رؤوس الأشهاد، أو الإشهاد على رؤوس الأشهاد.

فعيسى سيقر على رؤوس الأشهاد كما قال هنا ﴿سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ﴾ فيكون في هذا تبكيت لهؤلاء الذين عبدوه وتوبيخ لهم.

قال ﴿سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ﴾ قالوا هنا: لا ينبغي لي أن أقول، فمعنى ﴿مَا يَكُونُ لِىٓ﴾: يعني ما يجوز ﴿لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ﴾ بحق، ثم تدرج فقال ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ﴾ أنت تعلم كل شيء ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ﴾ وأنا لم أقله.

قال ﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ فهذا من ثنائه على ربه سبحانه وتعالى

﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ﴾ أيضًا بهذا الأسلوب المؤكد، كما تقدم قريبًا ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ﴾ الجملة الاسمية، ودخول إن، ودخول ضمير الفصل أنت، وكذلك تعريف جزئي الجملة

﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾

﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ﴾ كما تقدم معنا في الآيات السابقة ﴿وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72]

﴿أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أي: رقيبًا على ما يقولون طيلة وجودي بين أظهرهم، ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا فيه: أن النبي لا يعلم الشيء الذي يقع بعد وفاته، بعد ذهابه، وهنا بعد رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، لكن الشاهد هنا ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾: وأنا باق بينهم، لكن إذا ذهبتُ فحينئذ ماذا أعلم؟ لا أعلم شيئًا من ذلك،

ولذلك تقدم في قول بعض الناس حينما يقول: الله ورسوله أعلم، أن هذا الكلام يختلف باختلاف الحال، فالأحكام الشرعية التي هي في دين الله سبحانه وتعالى، الله ورسوله أعلم، فالرسول يعلم الحق، ويعلم الحلال والحرام، لكن إذا تكلم في أمر غيبي كأن يسألك سائل ويقول: أخوك في البيت؟ فتقول له الله ورسوله أعلم، من أين يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان أخوك في البيت أم لم يكن موجودًا؟ فهذا مما لا يصلح في الجواب.

قال ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم من حكمته وفقهه صلوات الله وتسليماته عليه قال أيضًا حينما وقع ما يقع من الناس من تغيير، وتبديل، وتحريف، أو يقع من الناس ما يقع من ابتداع في دين الله، فقال: “ فأقول قول العبد الصالح ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ “.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يستدل بقول عيسى عليه السلام حينما يرى أحداث الناس، وابتعاد الناس عن دين الله سبحانه إلا من رحم الله رب الناس.

قال ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى﴾ قالوا هنا: فلما أنهيت مدة بقائي بينهم برفعي إلى السماء حيًا، فيكون إذًا ما معنى توفيتني؟ يعني استوفيت بقائي بينهم، فرفعتني، لذلك لم يقل فلما أمتني.

هناك فرق بين الوفاة والموت، فالوفاة معناه استيفاء، استيفاء الشيء.

وقد يكون استيفاءه بموته،

وقد يكون استيفاءه بغيره،

فهو كان له أجل في هذه الفترة فيكون فيه في هذه المدة، ثم يرفعه الله إلى السماء، ثم ينزل في آخر الزمان

﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى﴾: استوفيت بقائي في هذه المدة ﴿كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ على أن هذا يكون يوم القيامة، ولا شك أن عيسى سيموت قبل هذا الوقت، فلا إشكال حينئذ، يعني عيسى عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان، فإنه أيضًا بعد ذلك يموت عليه الصلاة والسلام والكلام هنا عن يوم القيامة، بخلاف ما مضى معنا في سورة آل عمران ﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ [آل عمران: 55] فهناك احتجنا إلى أن نتكلم في هذا الباب، وذكرنا عدة أجوبة للعلماء عن معنى قوله: ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ في تفسير سورة آل عمران.

قال ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيضًا بأسلوب الحصر، ﴿كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني ﴿وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾.

﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾

﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ﴾ يا رب ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ وهنا ناسب أن يقول ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾؛ لأن المقام ليس مقام استعطاف؛ لأن هؤلاء كفار، ولأن هؤلاء عبدوا عيسى عليه السلام واتخذوه إلهًا ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾، فليس المقام مقام استرحام لهم، وهم قد وقعوا ما وقعوا فيه من شرك، ففوض الأمر إلى الله، هم عبادك وأنت لك مطلق ما تريد يا رب سبحانك فأنت تحكم ما تريد،

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة