مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الرحمن جزء 2 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة التفسير · الدرس 30 من 61 · 22 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فهذا هو الدرس الثاني. يا أيها الإخوة الكرام، في تفسير سورة الرحمن؛ قال الله عز وجل وهو أصدق القائلين: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ (الرحمن: 1) ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾2 (الرحمن: 2) ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾3 (الرحمن: 3) ﴿عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾4 (الرحمن: 4) ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾5 (الرحمن: 5) ﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾6 (الرحمن: 6).

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ (الرحمن: 1) تقدّم في الدرس السابق حديث مختصر عن اسم الله جل وعلا الرحمن؛ فتقدّم أن الرحمن وصف لذات الله سبحانه وتعالى وأن الرحمن خاص الاسم عام المعنى؛ فالرحمن لا يُطلق إلا على الله عز وجل.

والرحمن معناه: واسع الرحمة؛ واسم الله الرحمن من الأسماء التي أنكرها كثير من المشركين؛ فقد كان المشركون يجهلون أو يتجاهلون اسم الله الرحمن؛ ولذلك قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُوا۟﴾ لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا۟ وَمَا ٱلرَّحْمَٰنُ

لا نعرف شيئًا اسمه الرحمن؛ ﴿قَالُوا۟ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾؛ فكانوا ينكرون اسم الله الرحمن ويقولون: لا نعرف اسماً يقال له: الرحمن؛ وأما أهل الإيمان فإنَّهم يقرّون باسم الله الرحمن وهم يعلمون أن هذا الاسم له آثار عظيمة؛ فمن آثار رحمته سبحانه وتعالى ما نحن فيه من نعم وخير وبركة؛ فكل ذلك من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى؛ ورحمة الله صفة من صفاته على الوجه اللائق به عز وجل؛ فقال: هنا: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ (الرحمن: 1)؛ وهذا أيضًا كما تقدّم مناسب لسورة الرحمن لأنَّ فيها كثيرًا من نعم الله سبحانه وتعالى على العباد.

فقال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ (الرحمن: 1) ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3)؛ أخبر عن الرحمن بعدة أخبار؛ فقال: الرحمن علّم القرآن؛ الرحمن خلق الإنسان؛ الرحمن علّمه البيان؛ الرحمن ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾؛ كأنه على تقدير ضمير كما سيأتي إن شاء الله؛ فكلها أخبار عن اسم الله الرحمن؛ يعني: إذا سألت وقلت: من الرحمن نريد أن نتعرّف على بعض أفعاله وعلى بعض أوصافه؛ فقال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ (الرحمن: 1) ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3)؛ لذلك لم تأتِ وأو عاطفة؛ فلم يقل: الرحمن علّم القرآن وخلق الإنسان وعلّمه البيان؛ لا؛ جعل كل جملة مستقلة كأنها خبر جديد؛ الرحمن كذا الرحمن كذا من صفته كذا.

وبدأ بهذه الصفة الجليلة أو بهذا الفعل الجليل فقال: ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2)؛ وقوله: «علّم القرآن»، القرآن مفعول ثانٍ والمفعول الأول مقدَّر تقديره محمد عليه الصلاة والسلام؛ فالمعنى: علّم محمدًا القرآن؛ فقوله: ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) علّم من المقصود به بالدرجة الأولى محمد «صلى الله عليه وسلم» رسول الله؛ فالمعنى: الرحمن علّم محمدًا القرآن.

وفي هذا ردّ على أولئك حينما قالوا كما قال الله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾7 (النحل: 103)؛ فربنا يرد عليهم: أنتم تقولون محمد معلَّم؛ هم قالوا أيضًا معلَّم مجنون؛ فنقول: هو معلَّم لكن الذي علّمه هو الله سبحانه وتعالى؛ وجبريل عليه السلام علّمه بتعليم الله إياه؛ ولذلك في سورة النجم: ﴿عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾؛ وهو علّمه لأنَّ الله علّمه؛ فجبريل اقرأ فاقرأ وعلّم فعلّم؛ ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2)؛ فالمعلّم ابتداء هو الله سبحانه وتعالى؛ ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2).

وعُلم من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس له في القرآن تصرّف؛ فليس من شأنه أن يزيد فيه أو أن ينقص منه؛ وإنَّما هو معلَّم يعلّم الناس ما علّمه «صلى الله عليه وسلم».

﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2)؛ فالقرآن طريقة التعليم؛ الله علّمه للرسول عليه الصلاة والسلام علّمه إياه؛ والرسول «صلى الله عليه وسلم» علّم الناس هذا القرآن؛ والعلم الأصل فيه أن يترك أثراً في المتعلّم؛ ولذلك قيل علامة؛ فالعلامة تضع أثراً أو تبيّن أثراً؛ فالعلم علم لأنه يترك أثراً في صاحبه؛ فمن زعم أنه متعلّم ولم يترك العلم فيه أثراً فهذا الذي تعلّمه ليس بعلم في الحقيقة؛ فقوله: ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) علّمه القرآن وأثر فيه القرآن.

لذلك كان خلق النبي «صلى الله عليه وسلم» القرآن؛ حينما سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي «صلى الله عليه وسلم» قالت: أولست تقرأ القرآن فإنَّ خلق نبي الله كان القرآن؛ ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) علّم محمدًا «صلى الله عليه وسلم» القرآن.

ولذلك الذي يقول إن الرسول عليه الصلاة والسلام عبقري — كمن يقول: عبقرية محمد عليه الصلاة والسلام — هذا الكلام فيه إشكال؛ نحن نقول إن الرسول عليه الصلاة والسلام أذكى الناس وهو فوق العباقرة وأجلّ منهم شأنًا ومكاناً ورزقه الله عقلًا رصينًا وفكراً ثاقباً؛ بيد أن القرآن ليس من قبيل الاجتهاد في شيء.

فلو إحنا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه عبقري؛ أي عبقري ممكن يخطئ؛ لا القصة مش قصة عبقرية؛ أصل العبقرية دي ممكن يكون صاحبها؛ أما الرسول فهو نبي يوحى إليه؛ ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾؛ فهو فوق العبقرية وهذا أعظم وأجلّ؛ فلذلك الرسول معلَّم؛ هذا شرف له عليه الصلاة والسلام.

ولذلك من حكمة الله جل وعلا أن جعل الرسول أمّياً؛ فهو أمّي حتى لا يقال إنه قرأ في الكتب السابقة؛ حتى لا يقال إنه أخذ من معلّم يهودي أو نصراني أو ما أشبه؛ لا أخذ من هؤلاء ولا من هؤلاء؛ ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾؛ من أين يزعمون أنك أخذت القرآن من أحد وأنت لا تخطّ بيمينك كتاباً ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍ﴾ فأنّى لك أن تقرأ القرآن وأن تتلو هذا الكلام ﴿أَنَّمَا﴾ هذا متلقًّى من عند الله؛ وإنك لتُلقَّى القرآن؛ تُلقَّى؛ فطريقة التلقّي وطريقة السمع؛ ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2).

﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3) ﴿عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 4)، أي: المعنى: الرحمن خلق الإنسان؛ إذا سألت وقلت: من الرحمن؟ فيأتي الجواب أيضًا: الرحمن خلق الإنسان؛ لأنَّ خلقك رحمة من الله بك وهي نعمة الإيجاد؛ فهناك نعمة الإيجاد وهناك نعمة الإعداد والإمداد؛ فالله أوجدك وهذه نعمة؛ وأوجدك على أحسن صورة وأوجدك في أحسن تقويم؛ فهذه نعمة من نعم الله عز وجل على عباده؛ فقال: ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3).

فإنَّ المشركين إذا سُئلوا من خلقكم قالوا الله؛ ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾؛ إذن ذكر ذلك في هذا الموضع ردّ على من ينكر اسم الله الرحمن؛ فيقال لمن أنكر الرحمن: ﴿إِلَّا﴾ تعرف الرحمن الرحمن هو خالق الإنسان؛ الرحمن هو خالق الإنسان؛ فالرحمن هو الذي خلقك، هو الذي أوجدك في هذه الصورة هو الذي جعل الكون كله مسخّراً لك؛ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾؛ هو الذي سخّر لك الحيوان الكبير والصغير؛ الجمل مع ضخامته ينيخ لصاحبه؛ ينيخه صاحبه ولربما كان صاحبه طفلًا من الأطفال؛ فمن الذي ذلّل الجمل لهذا الصبي إنه الله سبحانه وتعالى؛ إذًا الكون من حول الإنسان مسخّر للإنسان؛ فقال: ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3)؛ وفي تقديم ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) على ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3) دليل على عظمة القرآن وأن تعليم القرآن وتعلّمه نعمة جليلة عظيمة؛ والعبد الذي ينشأ بعد مجيء الرسول عليه الصلاة والسلام وإيحاء الله عز وجل له بالقرآن ثم يترك القرآن ولا يلقي له بالًا فإنَّ خلقه كالعدم لا فائدة منه ولا طائل من ورائه.

إذا كان هذا مخلوقًا وقد بلغه أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد أوحى الله إليه بالقرآن وعرف عن القرآن وسمع عن القرآن وأعرض عن القرآن فما فائدة خلقه إنهم ﴿إِلَّا كَٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾؛ نسأل الله السلامة؛ فقال: ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3) ﴿عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 4).

أي: الرحمن علّمه البيان؛ وهذه من نعمة الإمداد والإعداد؛ يعني: ما خلقك وتركك؛ لا؛ خلقك وأعطاك الهيئات التي تتيح لك السير في الطريق والتي تعينك على أمور معاشك؛ فعلّمك البيان؛ وتلك نعمة عظيمة؛ والبيان الإفصاح وإظهار المراد؛ فإنَّك تستطيع أن تبيّن عما في نفسك بكلامك؛ فالواحد منَّا، يا أيها الإخوة، مهما جال فكره ومهما تعدّدت آراؤه يمكنه أن يعبّر عنها بألفاظ قلّت أو كثرت؛ فهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى؛ لكن البهيمة ممكن تئنّ البهيمة وأنت مش عارف هي عاوزة إيه؛ ولذلك من أصعب الأشياء التي تواجه علاج الأطفال أن الطفل مش عارف يبيّن المرض اللي عنده؛ فلذلك ليه الأم تقول: الواد ماله؟ عيَّان بس مش عارفين عنده إيه تجد الأب لا يدري ماذا يصنع فيهرول إلى الطبيب؛ وربما كان مرض الطفل مرضًا يسيراً؛ لما لأنَّ الولد لا يفصح عما عنده.

لكن لما الولد يتعلّم القراءة ويقدر يكلّم الأمور تتيسّر؛ فكم من مشكلة تُحلّ وكم من عويصة تُفضّ وكم من مضمار يظهر بسبب الكلمة التي ينطق بها الإنسان؛ فهذه نعمة الله سبحانه وتعالى.

هل الإنسان تذكّر هذه النعمة ﴿عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 4) إنك أنت لك مخارج كده وصفات وحروف وعمّال تقدّم وتأخّر في الكلام؛ دي نعمة عظيمة؛ نعمة البيان؛ نعمة الكلام؛ نعمة التلاوة؛ نعمة اللسان.

ولذلك ربنا منّ علينا بالنعمتين: نعمة الكتابة ونعمة القراءة؛ ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾8 (العلق: 1) ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ﴾9 (العلق: 2) ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ﴾10 (العلق: 3) ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾11 (العلق: 4) ﴿عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾12 (العلق: 5)؛ و﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾13 (القلم: 1) ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾14 (القلم: 2)؛ كذلك هنا قال: ﴿عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 4)؛ لذلك مما يميّز الإنسان نطقه؛ هذا النطق المفهوم؛ لا النطق الذي لا فائدة منه كما يجري من الحيوانات بحيث لا تُفهم؛ لكنك تتكلم فيُفهم كلامك ويستبين بفضل الله سبحانه وتعالى.

ولا يحيط باللغة — كما قال الإمام الشافعي رحمة الله — إلا نبي؛ يعني: اللغة فيها من الألفاظ الكثير والكثير التي لا يمكن لأحد أن يحيط بها؛ ولذلك الإنسان مهما بلغ في العربية فصاحة وبلاغة وإبداعًا وبيانًا لا يمكنه أن يحيط باللغة العربية؛ ولذلك مهما بلغ فقد يغفل عن كلمات وقد تندّ عنه كلمات ولا يدريها ولا يعرفها؛ ولا سيما اللغة العربية فإنَّها لغةٌ واسعة شاسعة كبيرة جليلة عظيمة؛ ولا عجب فهي لغةُ القرآن الكريم؛ قال: ﴿عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 4) ﴿عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 4).

لذلك أنت تنظر أيضًا للشخص الذي لا يتكلم، الذي يتعامل مع غيره عن طريق الإشارات، فتحمد الله على ما أنعم عليك من الكلام؛ كيف يسّر لك سبل التواصل كيف يسّر لك سبل التواصل أن تتواصل مع الناس بهذه الكلمات هذه نعمة الرحمن؛ ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3) ﴿عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 4)؛ ومن أجلّ ما يجعلك ذا بيان القرآن الكريم؛ فإنَّك إذا قرأت القرآن وأمعنت النظر فيه رُزقت البيان بفضل الله سبحانه وتعالى؛ ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3) ﴿عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 4) ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5).

قال بعض العلماء: هذا خبر آخر؛ يعني: ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) هذا خبر أول؛ ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3) خبر ثانٍ؛ ﴿عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 4) خبر ثالث؛ طيب ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5) قالوا أي: التقدير: الشمس والقمر بحسبانه؛ يعني: ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ربنا سبحانه وتعالى؛ ومعنى بحسبان يعني: بحسابه الدقيق بحسابه جل وعلا؛ ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5)، أي: بحسابه وتحديده وتقديره؛ كما قال: وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَٰهُ ﴿مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ﴾؛ يعني: الشمس بحساب بتقدير؛ لذلك قال: لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا الليل ﴿سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾؛ يبقى هذا من معاني ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5)، يعني: بحساب بنظام منه سبحانه وتعالى؛ وهذا من دلائل وجود الله.

وهذا دليل على استحقاقه العبادة، استحقاقه الألوهية، وأن نعبده سبحانه وتعالى؛ لأنَّ الذي ينظّم الكون هذا النظام البديع لا يكون إلا إلهاً؛ لا يمكن أن يكون عن طريق الصدفة؛ لأنَّ الصدفة لا تسير على نسق واحد دوماً؛ فتأتي على حال ثم تأتي على حال أخرى؛ لكن أن يكون في كل يوم شمس وقمر؛ في كل يوم شمس وفي كل ليلة قمر؛ وأن يأتي هذا في وقته وأن تأتي هذه في وقتها؛ هذا كله تقدير الله سبحانه وتعالى؛ ذلك تقدير العزيز العليم؛ ولذلك قال هناك: والشمس والقمر بحسبان ذلك تقدير العزيز العليم؛ يعني: بحساب ونظام عجيب؛ ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5).

﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن: 6) كأن هذا في ردّ على المشركين الذين يرفضون عبادة الرحمن؛ يقول لهم: الكون من حولكم يسبّح الله ويسجد له؛ ﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن: 6)؛ عطف هنا لأنه بدأ يذكر بعض المخلوقات الشمس والقمر فقال: ﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن: 6).

﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن: 6)، أي: يخضعان لله سبحانه وتعالى؛ فالكون كله خاضع؛ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآ15ءُ﴾ (الحج: 18)؛ فهو سجود بمعنى الخضوع أو سجود من نوع خاص؛ فكل الكائنات تسجد سجوداً يناسبها ويلائمها؛ وكما قال: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ﴾ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ؛ وقوله: ﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن: 6) النجم فيه قولان؛ القول الأول أن النجم هو النجم الموجود في السماء؛ وقالوا المراد الجنس أي: النجوم؛ يبقى ما معنى والنجم يعني: والنجوم؛ يبقى ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5) إيه اللي معاهم النجوم؟؛ إيه اللي موجود في أفلاك السماء؟ شمس وقمر ونجوم؛ فذكر الله الشمس والقمر وذكر النجم يبقى النجوم والشجر هذا في الأرض؛ فذكر مخلوقات في السماء ومخلوقات في الأرض.

وقال آخرون: بل النجم الذي ينبت في الأرض مما ليس له ساق؛ فالذي ينجم ﴿فِى ٱلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُۥ﴾ ساق يقال له: نجم؛ فالنبات والحشيش وما إلى الحشائش الموجودة في الأرض الذي لا يكون له ساق هذا يسمّونه نجم؛ والشجر هو الذي ينبت وله ساق؛ فيرجّح هذا ذكر قول الله بعده والشجر؛ فمن نظر إلى الشجر قال النجم هو نجم الزرع، نجم الأرض؛ ومن نظر إلى الشمس والقمر قال المراد بالنجم نجم السماء؛ وهذا من بديع إعجاز القرآن الكريم أن تأتي لفظة واحدة فتحتمل أكثر من معنى؛ تقعد بص الآية اللي قبلها تقول ده يبقى المعنى الأرجح كذا؛ تقعد تنزل لبقية سياق الآية تقول ده ليحتمل إيه كذا؛ وأيّما كان الأمر فنجم الأرض ونجم السماء يسجد لله سبحانه وتعالى.

﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن: 6)، أي: يسجدان ويخضعان لله؛ والمعنى: فما الذي يمنعكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الثقلان ما الذي يمنع الإنس والجن من أن يسجدوا لله رب العالمين ﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن: 6)؛ ونكمل إن شاء الله تعالى تفسير الآيات في الدروس المقبلة؛ هذا والله أعلم؛ وفّقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى؛ وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا؛ السلام عليكم.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 2 ↩
  3. آية: ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 3 ↩
  4. آية: ﴿عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 4 ↩
  5. آية: ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 5 ↩
  6. آية: ﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 6 ↩
  7. آية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 103 ↩
  8. آية: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 1 ↩
  9. آية: ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 2 ↩
  10. آية: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 3 ↩
  11. آية: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 4 ↩
  12. آية: ﴿عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 5 ↩
  13. آية: ﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 1 ↩
  14. آية: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 2 ↩
  15. آية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ۩﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 18 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 1

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة