تفسير سورة الرحمن جزء 3 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:
فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة الرحمن، وقد توقفنا عند قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾2 (الرحمن: 5) ﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾3 (الرحمن: 6).
ثم قال الله جل ذكره: ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ﴾4 (الرحمن: 7) ﴿أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ﴾5 (الرحمن: 8) ﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ﴾6 (الرحمن: 9) ﴿وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾7 (الرحمن: 10) ﴿فِيهَا فَـٰكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلْأَكْمَامِ﴾8 (الرحمن: 11) ﴿وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ﴾9 (الرحمن: 12) ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾10 (الرحمن: 13).
قال سبحانه: ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7)؛ بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى طرفًا من مخلوقاته ومما سخّره سبحانه وتعالى في الكون للإنسان قال: ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7)؛ ولم يقل: والسماء خلقها؛ لأنَّ الرفع من مقتضياته الخلق أولًا؛ فهو خلقها ورفعها؛ ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾؛ فقوله: ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7)، أي: لم يخلقها فحسب وإنَّما جعلها مرفوعة.
وهذا مناسب لمقامها الشريف؛ فإنَّ أوامر الله تتنزّل من السماء؛ والسماء فيها مخلوقات عظيمة من الملائكة إلى غير ذلك؛ والله قال: ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ﴾11 (الملك: 16)؛ والمراد به الله سبحانه وتعالى؛ فقال: ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7)؛ كما قال الله سبحانه: ﴿رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾؛ فقال: ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7).
والميزان على قول كثير من المفسرين بمعنى العدل؛ أي: وضع العدل بينكم؛ فالله رفع السماء وجعلها محلًا لتنزّل أوامره سبحانه — أو أن أوامره تنزل من السماء — ووضع بينكم العدل لينتشر بينكم؛ فقال: ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7).
وقال بعضهم: المراد بالميزان الميزان الحسي الذي يُستعمل في وزن الأشياء وفي تقدير الأشياء؛ لكن الأول عليه الأكثرون؛ وهو أن الميزان هو العدل؛ ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ﴾؛ ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾؛ فقال: ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7)، أي: الميزان ميسور العلم به وهو العدل؛ فالعدل يمكنكم أن تقوموا به بإذن الله سبحانه وتعالى؛ ﴿أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ﴾ (الرحمن: 8) ﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 9).
﴿أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ﴾ (الرحمن: 8) يحتمل أن «﴿إِلَّا﴾» أصلها «أن لا» وأنها تفسيرية؛ أي: مما أمركم أو نهاكم الله عز وجل ﴿أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ﴾ (الرحمن: 8)؛ لا تطغوا في هذه الموازين التي تزنون بها الأشياء؛ أو ﴿أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ﴾ في العدل فلا تتجاوزوا به حدَّه؛ فإنَّ العدل وسط بين طرفين بين إفراط وتفريط وبين غلوّ وجفاء؛ ﴿أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ﴾ (الرحمن: 8).
وقال بعض المفسرين إن «﴿إِلَّا﴾» بمعنى لئلّا تطغوا في الميزان فتكون تعليلية؛ يعني: ربنا وضع العدل لئلّا تطغوا فيه؛ لم يجعل العدل إليكم أنتم الذين تضعونه كيف شئتم؛ وإنما الله هو الذي وضع العدل بيننا؛ فيسّر لنا معرفته وحدّ لنا حدوده وخطّ لنا معالمه بيّنها وأرشدنا إليه سبحانه وتعالى؛ فبيّن لنا أن هذا من العدل وأن هذا من الجور أو الظلم؛ ﴿أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ﴾ (الرحمن: 8)، يعني: ﴿إِلَّا﴾ تتجاوزوا الحد؛ وأعاد كلمة الميزان تشريفًا له؛ فالكلمة ذات المكانة العالية تتكرّر لتتقرّر؛ فقال: ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7) ﴿أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ﴾ (الرحمن: 8)؛ لم يقل: ﴿إِلَّا﴾ تطغوا فيه؛ و﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 9) لمرة ثالثة يكرّر كلمة الميزان؛ لأنَّ العدل به تقوم الدنيا وأمور الدين؛ ولذلك قالوا: بالعدل قامت السماء والأرض؛ فالعدل لا بد منه وهو أساس الملك والسؤدد ونيل السعادة في العاجل والآجل؛ فقال: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ﴾ (الرحمن: 8) ﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 9).
أقيموا الوزن بالقسط وهو العدل وهو كذلك تنفيذه؛ فقد تعرف العدل لكن لا تقوم بتنفيذه؛ لكن القسط فيه إحقاق الحقوق وإيفاؤها إلى أصحابها وافية غير منقوصة؛ قال: ﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 9) أقيموه بالعدل فأعطوا لكل ذي حق حقَّه فلا تبخسوا الناس أشياءهم؛ قال: ﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 9) لا تخسروا يعني: لا تنقصوا؛ إن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الميزان هو الميزان الحسي يعني: لا تنقصوا في الموازين والمكاييل؛ كما حذّرنا الله فقال: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾12 (المطففين: 1) ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾13 (المطففين: 2) ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾14 (المطففين: 3).
إن نبي الله شعيبًا عليه السلام — وهو الملقّب بخطيب الأنبياء كما قال الإمام مالك وغيره من أهل العلم؛ ورُوي مرفوعًا إلى الرسول لكن في الحديث المرفوع كلام — وعظ قومه في ذلك وذكّرهم بالإيفاء بالكيل والميزان؛ فقال لهم: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾15 (هود: 84) ﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾16 (هود: 85)؛ وقال: فأوفوا الكيل والميزان؛ فذكر الكيل والمكيال؛ فهو يكلّمهم عن الكيل وعن الآلة نفسها؛ لأنَّ الشخص قد يتلاعب في الآلة وقد يتلاعب في الموزون؛ ممكن يكون الآلة نفسها يلعب فيها؛ فتجيب معيار أنت تحسبه ميزانًا صحيحًا لكن الاختلال في الآلة نفسها؛ وقد يكون الاختلال في الموزون؛ فجمع بين الأمرين عليه الصلاة والسلام؛ فهنا تحذير من مثل ذلك.
وقال: ﴿كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾؛ فقال: سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 9).
إياك أن تنقص في عدلك؛ أنت عادل؛ والعدل لا يكون في الموازين فحسب؛ فالتعبير عن العدل بالميزان لأنَّه آلة محسوسة مشهورة؛ وإلا فالعدل أوسع دائرة؛ وهذا كما يقول من يثبت المجاز بأنها من قبيل الاستعارة التصريحية إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن المراد به العدل؛ فقال: ولا تخسروا الميزان؛ فالعدل يكون في المعاملات، يكون في البيع والشراء؛ عدل مع زوجته؛ عدل مع أولاده؛ عدل مع مرؤوسيه؛ عدل مع رعيته؛ عدل مع الناس؛ عدل في معاملاته كلها؛ كل ذلك داخل في معنى: ولا تخسروا الميزان.
ثم أتبع الله ذلك بالحديث عن الأرض فقال: ﴿وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ (الرحمن: 10)؛ فبعدما قال ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7) قال ﴿وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ (الرحمن: 10)؛ فالسماء مرفوعة والأرض موضوعة؛ وهذا من رحمة الله؛ فالسماء مرفوعة نرى زينتها فنرى في السماء النجوم؛ ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا﴾ بِمَصَٰبِيحَ ﴿وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾؛ ونرى في السماء الكواكب والنجوم والشمس والقمر وهي آيات من الله سبحانه وتعالى يمنّ بها على عباده وامتنّ بها على عباده؛ والأرض مبسوطة ميسّرة مسهّلة مذلّلة حتى نتحرّك عليها ونسير عليها؛ لذلك قال ﴿وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ (الرحمن: 10)، يعني: جعلها.
فقوله: ﴿وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ (الرحمن: 10) جعلها موضوعًا جعلها للأنام؛ الأنام الخلق؛ وقال بعض العلماء بل الأنام الناس البشر؛ فبعضهم خصّ الأنام بالإنسان وبعضهم عمّم الخلق؛ ﴿وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ (الرحمن: 10)؛ ولا شك أن المخلوقات مسخّرة للإنسان؛ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ جَمِيعًا مِّنْهُ.
ولذلك من رحمة الله بعباده أن بسط لنا الأرض ومهّدها؛ قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزْقِهِۦ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾17 (الملك: 15)؛ وتصوّر معي لو كانت الأرض كلها عبارة عن جبال ومنحنيات وليست هناك أرض مبسوطة وليس هناك فراش ووطاء للاستقرار عليها وأنت تسير تتمايل هنا وهناك فكيف يكون الاستقرار على هذه الأرض لكن هذا من رحمة الله بعباده؛ ﴿وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ (الرحمن: 10) ﴿فِيهَا فَـٰكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلْأَكْمَامِ﴾ (الرحمن: 11) ﴿وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ﴾ (الرحمن: 12) ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 13).
ذكر بعض المنافع التي ينتفع بها الإنسان من هذه الأرض التي وضعها الله عز وجل له فقال: ﴿وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ (الرحمن: 10) ﴿فِيهَا فَـٰكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلْأَكْمَامِ﴾ (الرحمن: 11).
والفاكهة ما يتفكّه به الإنسان ويتلذّذ مما لا يكون ضرورة من ضرورات العيش؛ الواحد يستغني عن الفاكهة؛ تسمّى الفاكهة؛ فالفاكهة ما يتلذّذ به الإنسان ويتفكّه به وليس قوتاً؛ يعني: ليس من الأقوات الأساسية؛ فإذا كانت فيها الفاكهة ففيها الغذاء من باب أولى؛ يعني: إذا كان ربنا جعل في الأرض الفاكهة اللي أنت تتلذّذ بيها يبقى الطعام الأصلي موجود ولا مش موجود موجود؛ وقال بعدها ﴿وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ﴾ (الرحمن: 12) أيضًا؛ فقال: فيها فاكهة يعني: تتفكّهون وتتلذّذون بها بفضل من الله سبحانه.
والنخل ذات الأكمام يعني: وفيها أيضًا النخل ذات الأكمام؛ فالنخل يوضع في هذه الأرض ويثمر ويكون يانعًا ذات الأكمام؛ والأكمام جمع كِمّ بكسر الكاف والمراد به الطلع؛ ذلك الغشاء أو الغلاف الذي تكون فيه التمرة أو الثمر ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تخرج؛ فالنخل ذات الأكمام حينما ترى هذا الطلع وفي داخله هذه التمرة وأنت تنتظر انفراجها حتى تخرج لك التمرة حسنة جميلة تأكلها فتستفيد منها بفضل الله سبحانه وتعالى؛ والتمر فيه من الخير الكثير والكثير والإنسان يتغذّى به ويتفكّه به بفضل من الله ويتداوى به؛ فيكون منه الغذاء ومنه التفكّه ومنه الدواء؛ ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام قال: بيت لا تمر فيه جياع أهله18؛ «بيت لا تمر فيه جياع أهله»، يعني: أهله في عداد الجائعين لمكانته وفضله؛ وهذا حديث ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح؛ قال: ﴿فِيهَا فَـٰكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلْأَكْمَامِ﴾ (الرحمن: 11).
﴿وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ﴾ (الرحمن: 12)؛ وتجد في القرآن ذكر الفاكهة والنخل؛ ولذلك ﴿فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾؛ وسيأتينا الكلام عليها إن شاء الله في آخر السورة؛ فشتَّان، شتَّان بين فاكهة وفاكهة ونخل ونخل؛ فما في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء؛ يعني: المشترك الأسماء بس؛ دي فاكهة ودي فاكهة بس إيه الاسم هو نفس الاسم لكن الطعم شيء تاني اللون الرائحة؛ يعني: ولذلك هذا في قوله وأتوا به متشابهًا على قول كثير من المفسرين؛ قال سبحانه: ﴿فِيهَا فَـٰكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلْأَكْمَامِ﴾ (الرحمن: 11) ﴿وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ﴾ (الرحمن: 12).
والحب يعني: أيضًا في الأرض الحبوب؛ هذه الحبوب التي يستفيد منها الناس؛ ذو العصف أيضًا ذو القشر؛ فهذا الحب يكون في قشرة تحفظه؛ فكما أنَّ الطلع يحفظ الثمرة فكذلك القشر أو العصف يحفظ الحب؛ وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى إنه يرزقك بالشيء وبما يحفظ ذلك الشيء؛ تلاقي كده البطيخ محفوظًا بساتر؛ البيضة تطلع محفوظة بغطاء بساتر؛ فسبحان الله هذا من حفظ الله سبحانه وتعالى لأطعمة العباد ولأرزاقهم؛ وأيضًا ليس هذا فحسب؛ لأنَّ هذا القشر يستفيد منه غيره؛ فيستفيد منه الحيوان يستفيد منه غيره؛ وقد يستفيد من بعضه الإنسان في أمور أخرى يستعملها أيضًا؛ يعني: تأتيه الرياح فتعصفه فيتساقط؛ فلذلك قالوا ذو العصف؛ كما قال: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍۭ﴾؛ من هذا التبن ونحو ذلك الذي يُعصف به فيتناثر ولا يثبت.
فنستفيد من ذلك أنه حبّ مأكول وأنه ذو عصف يستفيد منه الحيوان؛ وهذا مما جعل بعضهم يفسّر للأنام للخلق جميعًا؛ فالإنسان يستفيد وكذلك غيره يستفيد؛ وربنا قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَـٰمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ والامتنان من الله برزق الأنعام امتنان على الإنسان؛ لأنَّ رزق الأنعام رزق للإنسان؛ لأنَّ الأنعام نفسها رزق للإنسان؛ ما الأنعام لما تأكل ما أنت في نهاية أنت لا تأكل الأنعام يبقى هذا الخير عليك فهو لك بفضل من الله سبحانه وتعالى؛ فقال: ﴿وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ﴾ (الرحمن: 12).
وفيها الريحان أي: أيضًا في الأرض الريحان الرياحين؛ فتخرج ثمار طيبة ذوات رائحة طيبة؛ فيقال هذا ياسمين وهذا ورد وهذا رائحة كذا وكذا؛ كل هذا موجود في زروع وأشجار وثمار الأرض بفضل الله سبحانه؛ بل قد ترى هذا الشيء له رائحة طيبة ورائحة تسرّ بها؛ فهذا من إنعام الله على العباد؛ ﴿وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ﴾ (الرحمن: 12).
وفي قوله «والريحان» قراءات وهي متواترة؛ فهناك من قرأ: ﴿وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ﴾؛ ﴿وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ﴾؛ إذن الحب نفسه منه القشر وأيضًا من الحب ما يكون له رائحة من هذه الأنواع التي يستطيبها الإنسان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يأكلها؛ والقراءة الأخرى قراءة الجمهور: ﴿وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ﴾؛ والريحان؛ يعني: في الأرض فاكهة وفي الأرض نخل وفي الأرض حب وفي الأرض ريحان؛ يبقى الريحان ده جزء مستقل؛ وقراءة ابن عامر: ﴿وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ﴾؛ فجعل والحب ذا العصف والريحان بنصب «الحبَّ» و«ذا العصف»؛ يعني: أيضًا جعل في الأرض سبحانه؛ ﴿وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ (الرحمن: 10) ووضع أيضًا الحب؛ فهي معطوفة على الأرض؛ فالله جعل في الأرض الحب المتصف بهذه الصفات الكريمة؛ ثم قال: ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 13)
وكما قال سبحانه: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾؛ فهذا من إنعام الله عز وجل على العباد؛ فهل يتذكّر أحدنا أن الزراعة ﴿أَنَّمَا﴾ هي من رزق الله سبحانه وتعالى على العباد؟ ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 13) بأي شيء من هذه النعم ومن هذه الدلائل التي تدل على عظيم قدرته وجميل منّته على خلقه بأي شيء من ذلك يكذّب الإنس والجن بأي شيء من ذلك يكذّب الثقلان نقول كما قالت الجن: ولا بشيء من نعمك يا ربنا نكذّب فلك الحمد.
فالحمد لله على ما أنعم؛ ونسأل الله أن يبارك لنا فيما رزقنا وأن يؤتينا ﴿فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةً﴾ وأن يقينا عذاب النار؛ ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس المقبل؛ وفّقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى؛ وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا؛ والله أعلم؛ سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 5 ↩
- آية: ﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 6 ↩
- آية: ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 7 ↩
- آية: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 8 ↩
- آية: ﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 9 ↩
- آية: ﴿وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 10 ↩
- آية: ﴿فِيهَا فَـٰكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلْأَكْمَامِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 11 ↩
- آية: ﴿وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 12 ↩
- آية: ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 13 ↩
- آية: ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ﴾ — كما ورد في الدرس: الملك 16 ↩
- آية: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المطففين 1 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المطففين 2 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المطففين 3 ↩
- آية: ﴿۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 84 ↩
- آية: ﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 85 ↩
- آية: ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزْقِهِۦ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ — كما ورد في الدرس: الملك 15 ↩
- حديث: «بيت لا تمر فيه جياع أهله» — نسبة الشيخ: الصحيح ↩
من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)