مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الرحمن جزء 4 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة التفسير · الدرس 32 من 61 · 20 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة الرحمن، وقد توقف بنا الحديث عند قول الله جل ذكره: ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ﴾2 (الرحمن: 14) ﴿وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾3 (الرحمن: 15) ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾4 (الرحمن: 16)

ذكر الله سبحانه وتعالى ما يدل على عظيم قدرته فذكر خلق الإنسان وخلق الجان؛ وفي خلق الإنسان آيات وعبر؛ والواقف عليها والمتأمّل فيها — أعني في هذه العبر والآيات — يوقن إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ؛ وصدق الله إذ قال: ﴿وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ففي خلق الإنسان آيات وآيات؛ قال: ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ﴾ (الرحمن: 14)؛ وقوله: من صلصال وهو الطين اليابس كالفخار؛ هذا الطين المتحجّر المحترق.

وعليه فقوله: ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ﴾ (الرحمن: 14) تذكير لحال خلق الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام؛ فالذي خُلق من صلصال هو آدم عليه السلام؛ وأما الإنسان فكما قال الله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ﴾5 (المرسلات: 23)؛ وقد قال الله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾6 (المؤمنون: 13)؛ فقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ هو آدم عليه السلام ثم جعلناه نطفة أبناء آدم ذرية آدم عليه السلام؛ فأحيانًا يذكّرنا الله بأصل خلق الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام وأحيانًا يذكّرنا الله عز وجل بأصل خلقنا من النطف ومن الماء المهين؛ وهو في ذلك كله له المنّة والنعمة؛ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾؛ فأين الطين من آدم وآدم قد سوّاه الله وعدّله وجعله في أحسن صورة وأين كذلك الماء المهين من خلق الإنسان الآن وأنت تراه أن لك سمعًا وبصراً وأن لك يدين ورجلين وعينين وأذنين فالحمد لله على هذا الخلق الكريم؛ ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ﴾ (الرحمن: 14).

وعليه فقوله: كالفخار صفة لقوله صلصال؛ أي: هذا الصلصال وهو الطين اليابس متصف بأنه كالفخار؛ فهو محترق كأنه محترق؛ وهناك من أهل العلم من جعل قوله كالفخار حالًا من الإنسان؛ أي: خلق الإنسان كالفخار؛ فالإنسان صار كالفخار؛ وذلك أنَّ الفخار يتسم بالصلابة؛ فالله جعلك ذا جسد صلب قوي؛ فلست هشاً وإنَّما أنت تتسم بالليونة مع القوة؛ وهذا من فضل الله عز وجل على الإنسان؛ فجسم الإنسان فيه ليونة وفيه قوة أيضًا وصلابة.

﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ﴾ (الرحمن: 14)؛ وليس هناك تعارض أبدًا بين هذه الآية ونظيراتها من آيات القرآن؛ كقوله: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ﴾؛ فأحيانًا يذكر الله أننا خُلقنا من تراب وأحيانًا أننا خُلقنا من طين وأحيانًا طين لازب وأحيانًا صلصال كالفخار وأحيانًا مِن صَلْصَٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ؛ ولا تعارض؛ فهو ذكر لمراحل الإنسان وتطوّرها؛ فيذكر الله في هذا الموضع ما يناسبه وفي هذا الموضع ما يناسبه؛ والله عز وجل ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾7 (نوح: 14)؛ ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾؛ فالإنسان مرّ بأطوار ومرّ بمراحل سواء أكان الإنسان الأول أم من جاء بعد ذلك من بني آدم؛ فأبونا آدم عليه السلام مرّ في خلقه بمراحل؛ وأنت في بطن أمك كذلك مررت بمراحل.

ويذكر الله عز وجل في بعض المواضع ما لا يذكره في الموضع الآخر؛ وهذا من إعجاز القرآن؛ ولذلك من إعجاز القرآن العجيب — وهذا الذي يحتاج إلى جهود كبيرة ولا يزال المجال فيه واسعًا — لِمَ خصّ الله سورة الحج بذكر التراب؟ ولِمَ خصّ سورة الرحمن بالصلصال كالفخار ولِمَ خصّ سورة الحجر ﴿صَلْصَـٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ فهذا هو موضع السرّ؛ وكما ذكر بعض العلماء كالبقاعي في أن موضع الإعجاز — أو من مواضع الإعجاز — في القرآن وفي قصص القرآن أن ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ كرّر القصة يذكر في موضع ما لا يذكره في آخر؛ فتجد مثلًا قصة موسى عليه السلام يذكرها الله في مواضع عديدة من القرآن كذلك قصة آدم؛ لكن تجد في سورة يذكر مشهدًا معينًا وفي سورة أخرى يذكر مشهدًا أو موقفًا معيناً؛ العجيب أن تبحث عن وجه السرّ في أن هذا جاء هنا ولم يجئ هناك؛ وهذا تحار فيه العقول؛ ومن ذلك أوصاف أهل الجنة وأوصاف أهل النار — أو أوصاف الجنة وأوصاف النار —؛ الجنة جاءت بأوصاف كثيرة في القرآن وكذلك النار؛ لكن في سورة كذا جاء ذكر أوصاف للجنة معينة في باب معين؛ في السورة الأخرى ذكر الله أوصافاً أخرى للجنة؛ فما وجه تخصيص هذه السورة بهذه الأوصاف دون تلك ولذلك هذا باب عظيم يتبارى فيه أكابر المفسرين ليقف كل واحد منهم ما أمكنه؛ ويبقى الأمر ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.

والمقام هنا مقام في مقابلة خلق الجان؛ ﴿وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ (الرحمن: 15)؛ وذكر مارج النار يدل على الطيش وعلى الخفّة؛ فإنَّ النار من دأبها الطيش ومن دأبها أنها تهيج ومن دأبها أنها تحطّم ما يكون أمامها؛ وأما الفخار ففيه صلابة؛ فهو وصف مقابل لوصف الجان؛ والله أعلم؛ فقال: ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ﴾ (الرحمن: 14) ﴿وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ (الرحمن: 15)؛ والجان خلق من خلق الله.

وأصل مادة الجن تدل على هذا؛ فإنَّ «جنَّ» يعني: استتر؛ جنّ الشيء؛ فلما جنّ عليه الليل ما معنى جنّ يعني: أظلم الليل دخل بظلامه وستره؛ ولذلك يقال هذه جنّة لأنَّها تستر من يدخلها؛ ويقال هذا جنين لأنه في بطن أمه وهو مستتر؛ ويقال هذا الشخص مجنون لأنه قد غاب عقله واستتر؛ وهكذا فالجان خلق يستترون لا يراهم الناس يختفون منهم؛ وهذا مناسب لأصل المادة؛ قال وخلق الجان وهو الشيطان وما تبعه من الشياطين من نسله من الجن؛ مِن مَّارِجٍ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ نَّارٍ يعني: من أخلاط من نار؛ فهي من أنواع النيران التي خلقها الله عز وجل؛ فهو مخلوط من هذه النيران؛ هكذا خلقه الله سبحانه وتعالى.

والجن حينما سمعت تلك الآيات وسمعت سورة الرحمن قالت كما سمعنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ حينما كان يقرأ الرسول عليه الصلاة والسلام على الجن هذه الآيات ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 16) قالوا: ولا بشيء من نعمك يا ربنا نكذّب فلك الحمد؛ فأنّى للرسول عليه الصلاة والسلام أن يعرف من تلقاء نفسه أن الجن خُلقوا من كذا أو من كذا ﴿أَنَّمَا﴾ أعلمه الله سبحانه وتعالى.

﴿وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ (الرحمن: 15)؛ ولذلك جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: خُلقت الملائكة من نور ﴿وَخَ8لَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ وخُلق آدم مما وُصف لكم؛ واستدلّ أهل العلم بهذا على أن إبليس من جنس الجن وأنه أبو الجن وليس من جنس الملائكة؛ لأنَّ بعض العلماء — بل إن كثيرًا من العلماء ويُعزى للجمهور — يقولون: إن إبليس من الملائكة؛ يقولون بدليل أنه أُمر بالسجود لآدم؛ ولو لم يكن من الملائكة فلماذا توجّه الأمر إليه وقالوا الأصل في الاستثناء أن يكون متصلًا في قوله فسجدوا إلا إبليس؛ إذن إبليس منهم؛ لكن قال عدد من المحققين: إبليس لم يكن منهم طرفة عين؛ ﴿أَنَّمَا﴾ إبليس أبو الجن؛ بدليل أن الملائكة مخلوقون من نور وهو مخلوق من ماذا ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾؛ فالخلق مختلف؛ والله قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ ۚ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًا﴾9 (الكهف: 50)؛ الآخرون يقولون الجن هنا في معناه: العام وهو أن الملائكة أيضًا خلق مستتر عن البشر؛ على كلٍّ الظاهر أن الاستثناء منقطع وأن إبليس كان مأمورًا بالسجود مع الملائكة وإن لم يكن من الملائكة؛ ولذلك أيضًا في بعض المواضع: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ﴾ ٱلسَّٰجِدِينَ، «مع الساجدين» يعني: أن تكون معهم؛ وإلا فهو في الحقيقة ليس منهم على وجه التحقيق؛ والله تعالى أعلم؛ ﴿وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ (الرحمن: 15) ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 16).

وإن خلق الإنسان على هذه الهيئة وبتلك الصفة وخلق الجان على هذه الهيئة وبتلك الصفة دليل على أن الله عز وجل هو الخالق القادر المقتدر؛ وأن هذا الخلق لم يصدر عن صدفة؛ إذ كيف يُخلق خلق من طين وخلق مِن مَّارِجٍ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ نَّارٍ من يقدر على ذلك إلا الله القادر على كل شيء؟ وهل الصدفة تخرج من نار جنّاً وتخرج من طين إنسانًا لا يمكن؛ ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 16)؛ لذا قال بعضهم: فبأي آلاء يعني: عجائب ربكما تكذّبان؛ ولذلك قلت: إن الآلاء ليس معناها النعم بالاطراد؛ وأن تفسير أكثر المفسرين للآلاء بالنعم يحتاج إلى شيء من التحفّظ؛ وأن الآلاء تأتي بمعنى العجائب؛ ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ﴾؛ ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 16)؛ ثم قال: ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾10 (الرحمن: 17) ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 18).

ما زال الحديث عن بعض أوصاف الله وأفعاله؛ فهو الخالق للإنس والجن والجان وهو كذلك ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾؛ ربهما خالقهما ومالكهما ومدبّر أمرهما؛ ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾ (الرحمن: 17)؛ وهنا ذكر الله مشرقين ومغربين؛ وفي موضع آخر قال: ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾؛ وفي موضع قال: ﴿قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾11 (الشعراء: 28)؛ قال موسى عليه السلام في سورة الشعراء؛ وفي موضع قال: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ إِنَّا لَقَـٰدِرُونَ﴾12 (المعارج: 40) ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾13 (المعارج: 41)؛ فمرة جمع ومرة ثنّى ومرة أفرد؛ ولا إشكال؛ فهو رب المشرق يعني: جنس المشرق ورب المغرب جنس المغرب؛ إذن هناك مشرق ومغرب؛ فهو رب المشرق بكل ما يتعلّق به ورب المغرب بكل ما يتعلّق به.

وهو رب المشرقين والمغربين لأنَّ هناك مشرقين ومغربين للشمس؛ فلهما سمتان؛ فهناك سمت للشمس في فصلي الصيف والخريف وفي فصلي الشتاء والربيع؛ فهذا له سمت وهذا له سمت؛ فهو رب المشرق للشمس وقت صيفها وخريفها ورب المغرب لها أيضًا وكذلك في فصل الشتاء؛ فجمع الله بين الفصول كلها فقال: ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾ (الرحمن: 17)؛ ومن هنا قال: يولج الليل فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى الليل؛ فيطول الليل أو يطول النهار أو يقصر الليل أو يقصر النهار؛ فهو ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾؛ وأما باعتبار الجمع فلأن لكل يوم مشرقًا ولكل يوم مغربًا كذلك؛ فهناك مشرق لكل يوم ومغرب لكل يوم؛ فلذلك قال: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ﴾؛ ومقتضى ذلك أنه رب كل مشرق ورب كل مغرب للأرض كلها؛ فما من بقعة في الأرض تشرق فيها شمس أو تغرب فيها شمس إلا والله ربّها والمتصرّف فيها؛ وليس لها أن تسبق في غروب أو أن تمتنع عن شروق أو غروب؛ والله عز وجل إذا شاء فإنَّه يجعل الشمس تطلع من مغربها وذلك من علامات الساعة الكبرى؛ وإنَّما يكون ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى.

ومن الملحوظ أيضًا في الآية الكريمة أن المواضع الأخرى التي ذكر الله فيها المشرق والمغرب لم يكرّر لفظة رب؛ هناك رب المشرق والمغرب؛ ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ﴾؛ لكن في الموضع الذي معنا في سورة الرحمن ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾ (الرحمن: 17) ما قال والمغربين ﴿أَنَّمَا﴾ قال رب المشرقين وإيه ورب المغربين؛ وهذا أيضًا له دلالة؛ لأنَّ المقام مقام ذكر لمواضع الإنعام ومواضع الاقتدار ومواضع العجائب؛ والآية كرّرت ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 21) إحدى وثلاثين مرة؛ فلذلك المناسب أن يكرّر لفظة رب؛ لأنَّ ربوبية المشرق دالة على قدرته وربوبية المغرب دالة على قدرته؛ فقال: ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾ (الرحمن: 17)؛ ولذلك ماذا قال الخليل إبراهيم عليه السلام للنمرود قال له: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ﴾؛ كيف يحوّلها عن مسارها إن ﴿ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ﴾ ٱلظَّٰلِمِينَ؛ فقال: ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾ (الرحمن: 17) ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 18)؛ ولذلك كما تقدّم الصحيح.

يقال: لا تكرّر كثيرًا؛ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هذا ليس من قبيل التكرار؛ التكرار أنك تكرّر شيئًا معيناً؛ تقول: تعالى تعالى تعالى تعالى؛ أو لك كفاية؛ لكن أنا ما أقول لك: تعالى من أجل كذا؛ تعالى من أجل أن أعطيك هذه؛ تعالى من أجل أن تقابل فلانًا؛ تعالى من أجل أن تفعل كذا؛ إذن المواضع مختلفة؛ فما جاء في الآيات الكريمة ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 23) متعلّق بما قبله لئلّا يتوهّم واهم أن كل هذا ليس إلا نعمة واحدة؛ بل كل منها نعمة أو عجيبة من عجائب الله سبحانه وتعالى التي تستوجب على العبد أن يشكر الله وأن يعترف بقدرة الله سبحانه وتعالى.

ثم قال الله جل وعلا: ﴿مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾14 (الرحمن: 19) ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾15 (الرحمن: 20) ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 21)؛ وفي الآية إعجاز كما لا يخفى؛ سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في الدرس المقبل؛ ونقف عند هذا؛ هذا والله أعلم؛ سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 14 ↩
  3. آية: ﴿وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 15 ↩
  4. آية: ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 16 ↩
  5. آية: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المرسلات 23 ↩
  6. آية: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 13 ↩
  7. آية: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 14 ↩
  8. تعليق: من: 15)؛ ولذلك جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: خُلقت الملائكة من نور ﴿وَخَ — كتاب: «صحيح مسلم». الذكر في الدرس: صحيح مسلم. ↩
  9. آية: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ ۚ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 50 ↩
  10. آية: ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 17 ↩
  11. آية: ﴿قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 28 ↩
  12. آية: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ إِنَّا لَقَـٰدِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المعارج 40 ↩
  13. آية: ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المعارج 41 ↩
  14. آية: ﴿مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 19 ↩
  15. آية: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 20 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة