مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

لمحة في سورة الحاقة

لمحة في سورة · الدرس 58 من 134 · 19 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. الحاقة يوم الحق والتهويل
  2. ثمود بالطاغية وعاد بالصرصر
  3. نفخة واحدة ويومئذ تعرضون
  4. كتاب اليمين وسلسلة الشمال
  5. قول رسول كريم لا شاعر ولا كاهن
  6. تذكرة للمتقين وحسرة وتسبيح
التفريغ النصي الكامل للدرس

الحاقة يوم الحق والتهويل

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، مع مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة لمحة في سورة ونحن الليلة بفضل الله وتوفيقه على موعد مع سورة الحاقة سورة الحاقة هذه السورة الكريمة الجليلة حدثنا الله فيها عن يوم القيامة وعن بعض شدائده وأهواله وإن شئت فقل إن مقصود السورة العظيمة بيان، أن يوم القيامة يوم حق وأنه يوم جد وأنه لا هزل فيه وأنه واقع لا محالة.

ولذلك قيل لها سورة الحاقة فيوم القيامة يوم حق لا مرية فيه ولا ريب كما قال الله ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾2 فيوم الجمع يوم القيامة يوم حق. ولذلك سُمِّيَت السورة بالحاقة قال بعضهم الحاقة هذه الهاء دخلت عليها فجعلتها مصدرية أو هي بمثابة المصدر فدخلت على مصدر كقولهم باقية بمعنى بقائه فمعنى الحاقة، أي: الحق حق فيوم القيامة يوم حق ويوم صدق وأيضًا قيل لها الحاقة لأنه تحق فيها الحقوق كل صاحب حق يأخذ حقه فمن ضاع حقه في الدنيا فإنَّه لا يضيع في الآخرة.

ولذلك من دلائل أن يوم القيامة يوم عدل أن بعض الناس في الدنيا قد يظلم، ولا يأخذ حقه فلو لم تكن هناك دار غير الدار الدنيوية لقيل أن فلانًا ظلم وهضم حقه ولم يستوف ماله لكننا حينما نعلم، أنَّ هناك دارًا أخرى هي أعظم وأجل وأن من فاته في الدنيا شيء من حقه. فإنَّ الله سيعوضه به في الآخرة. فإنَّ العبد يعلم، أن الاعتقاد بأن الدار الآخرة حقه حق وصدق وأنه لا ينبغي الأمتراء أو الشك في ذلك الحاقة ما الحاقة، ومنه من جعل الهاء هنا للتأنيث، أي: الحاقة ما الحاقة معناه، يعني: هاليوم الحق فكما قال الله ﴿ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا﴾3 مآبًا الحاقة ما الحاقة ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا4 ٱلْحَآقَّةُ﴾ هكذا جاء السؤال عنها الحاقة ما الحاقة ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ هذه الأسئلة يراد بها التهويل والتفخيم لهذا اليوم فهو يوم يسأل عنه الحاقة ما الحاقة، ولم يقل الحاقة ما هي وما أدراك ما هي ﴿أَنَّمَا﴾ أعاد الكلمة الحاقة ما الحاقة ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾، وكأنَّه يقول الحقيقة وما أدراك ما هي.

ثمود بالطاغية وعاد بالصرصر

ثم قال ﴿ٱلْحَآقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌۢ بِٱلْقَارِعَةِ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا۟ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا۟ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾5 ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌۢ بِٱلْقَارِعَةِ﴾ وما المراد بالقارعة هي الحاقة. لكن أعادها بوصف آخر فلم يقل كذبت ثمود وعاد بها فرب العزة يبين، أن يوم القيامة يوم حق ثم بين جزاء المكذبين بها كيف أن الله عاقب من كذب بالآخرة في الدنيا قبل عقاب الآخرة ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌۢ بِٱلْقَارِعَةِ﴾ التي تقرع الأسماع

والقلوب بأهوالها وشدائدها وما أدراك قال سبحانه ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا۟ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بالطاغيه أي: هذه العقوبة الطاغية التي طغت وزادت عن المتوقع فالشيء يقال له: طاغ إذًا عتى وزاد، يعني: أنها عقوبة فاقه الوصف فلذلك سماها الله بالطاغيه أو الطاغية، أي: الطغيان بسبب طغيأنها كما قال ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَىٰهَآ إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا﴾6 قال. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا۟ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ريح شديدة باردة شديدة الهبوب عاتيه سَخَّرَهَا ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا7 فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ﴿وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا﴾ صرعا كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٍ﴾ أهلك الله عادا الذين قالوا من أشدّ منا قوة وكذبوا بالآخرة فكيف أهلكهم الله بريح صرصر شديدة ﴿عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ سلطها ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾8 وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ كيف أنه ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ﴾ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ أي: ابتدأ التسخير لتلك الريح وتسليطها عليهم باليوم بالنهار فبدأت باليوم

ثم جاءت ليلة ثم يوم ثم جاءت ليلة ثم يوم جاءت ليلة وانتهت عند نهاية اليوم الثامن فلذلك قال ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾، يعني: بدأ الهلاك من النهار قال الله ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ ما معنى حسوما قال بعضهم متتابعة، يعني: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ﴾ ورا بعض رياح شديدة لا تنقطع متتابعة أو حسوما، يعني: تحسمهم تقطع دابرهم أو حسوما، يعني: قاطعه قطع الله عز وجل بها ﴿فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.

وقال في الأخرى أعجاز نخل منقعر قالوا: لأنَّ الرياح جاءت شديدة أو الريحه جاءت شديدة فكانت تقلع الرؤوس فيبقى الواحد منهم كأنَّه كما قال الله أعجاز نخل منقعر أعجاز نخل خاويه عجز النخل دون رأس يقطع الله عز وجل رأسه ويذهب من شدة هذه الرياح ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٍ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُۥ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتُ بِٱلْخَاطِئَةِ﴾9 ﴿فَعَصَوْا۟ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾10 ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ﴾، ومن قبله أي: من الأمم السابقة والقراءة الأخرى، ومن قبله، ومن قبله من جنوده وأتباعه فالقراءتان افادتا معنيين ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ﴾، ومن قبله، يعني: الأمم السابقة ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ﴾، ومن قبله من جنوده وأتباعه والمؤتفكات من قرى قوم لوط ﴿بِٱلْخَاطِئَةِ فَعَصَوْا۟ رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أي: رسل ﴿رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ زائدة شديدة ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ﴾11 وهي سفينة نوح عليه السلام ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ﴾ إذن12 واعيه إذًا ذكر الله عز وجل هلاك بعض الأقوام في الدنيا لما كذبوا بآيات الله، ولما انكروا الآخرة، ولما كذبوا وعصوا رسل الله عز وجل.

نفخة واحدة ويومئذ تعرضون

ثم قال سبحانه وتعالى ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَٰحِدَةٌ﴾ هذه الحقة قال ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَٰحِدَةٌ وَحُمِلَتِ ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَٰحِدَةً﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ كما قال الله ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ﴾13 قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَحُمِلَتِ ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَٰحِدَةً﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ والملك على ارجائها على جوانبها ونواحيها ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ﴾ وهو غني عنهم سبحانه وتعالى، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ وتأمَّل! كلمة يومئذ، يعني: أنت إذا قرأت قرأت الآيات ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَٰحِدَةٌ وَحُمِلَتِ ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَٰحِدَةً﴾14 فيومئذ اللي هو يوم القيامة ﴿وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ﴾ وهي ﴿وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرْجَآئِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ يَوْمَئِذٍ﴾.

تأمَّل! وأنت تقرأ الآيات يعربون يقول تذكر يومئذ يومئذ إذ يقولون هذا التنوين تنوين عوض عن جملة محذوفه مقدرة، يعني: تتذكر الجمل السابقة يومئذ، يعني: يومئذ وقعت الواقعة يومئذ حدث كذا وكذا يومئذ كلما ذكره الله سبحانه تتذكره مرة أخرى حينما تقرأ كلمة يومئذ يومئذ تعرضون تعرضون وتعرض اعمالكم ﴿لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ كل شيء تخفيه يظهره الله سبحانه كما قال الله ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌۢ﴾15.

فقال يومئذ تعرضون وكما قال ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾16 تظهر وتنكشف ﴿تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ثم بين الله انقسام الناس في يوم القيامة. كما أن سورة المعارج بينت انقسام الناس ﴿۞ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾17 وذكرت أقسام هؤلاء فكذلك ذكر الله عز وجل أحوال الناس. لكن ذكر هنا أحوالهم يوم القيامة، وفي سورة المعارج ذكر أوصافهم في الدنيا.

كتاب اليمين وسلسلة الشمال

فقال سبحانه وتعالى، هنا ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ﴾ خافيا ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ﴾ فيقول: هاؤم اقرؤوا كتابيه فرح مسرور يريد أن يطلعهم على الكتاب فالإنسان فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ إذا كان مسرورًا بنتيجته فإنَّه يعرض نتيجته على كل من يراه تعالى. انظر قلب الصفحات. انظر إلى الصلاة إلى الزكاة إلى الصيام إلى البكاء من خشية الله إلى قراءة القرآن إلى العمرة إلى الحج إلى مَن أفعال البر فيقول: هاؤم اقرؤوا كتابي أني ظننت قالوا أيقنت أَنِّى مُلَٰقٍ ﴿حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ العيشه راضية فكيف بمن يعيش فيها ﴿فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ﴿فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ قطوفها دانية قريبة كلوا واشربوا هنيئًا هنيئًا بما اسلفتم قدمتم في الأيام الخاليه في الدنيا.

نسأل الله من فضله. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهْرِهِۦ﴾ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فيقول: ﴿يَـٰلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـٰبِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَـٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾18 حينمات ليت ذلك كان القاضيه لم يكن هناك بعث لم يبعث، ولم يقف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عز وجل ما أغنى عني مالي أين ماله أهلك عني سلطاني أين سلطانه أين جاه فيقال له: خذوه فغلوه أسأل الله السلامة قيدوه

﴿ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَٱسْلُكُوهُ﴾ وهو لا يحتاج هذا كله 70 ذراع 70 ذراع أطول واحد كم متر، يعني: أطول واحد مترين وكما وكم سنتيمتر 70 ذراعًا يتعمل في آية قالوا لأنَّها تلف يلف فيها شيئًا فشيئًا سبحان الله فاسلكوه والتعبير القرآني فاسلكوه كأنَّه يسلك فيها كما يسلك الشيء داخل الشيء زيادة في التنكيل به ﴿ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَٱسْلُكُوهُ﴾ ادخلوه فيها ما السبب ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ لا يأمن بالله العظيم لا يعظم الله، ولا يأمن به ﴿إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ ليس مطيعًا للحق، ولا محسنًا للخلق ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ اليوم ها هنا حميم أين صديقه الذي يدافع عنه أين الشفيع الذي يشفع له ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ اليوم ها هنا حميم، ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ ﴿لَّا يَأْكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلْخَـٰطِـُٔونَ﴾ هكذا يأكل من ويشرب من عصارة أهل النار وصديد أهل النار وغساله أهل النار ﴿لَّا يَأْكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلْخَـٰطِـُٔونَ﴾ أسأل الله السلامة ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾.

قول رسول كريم لا شاعر ولا كاهن

وهذا القسم كما قال بعض المفسّرين هو من أوسع الأقسام في القرآن دائرة أو من أعم أنواع الأقسام لأنه لما قال ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ دخل فيه كل شيء، يعني: أحيانًا ربنا أقسم بالليل أقسم بالنهار أقسم بالشمس أقسم بالقمر أقسام. لكن لما قال ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ بما ترون ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ وما لا ترون إذا دخل فيه المخلوقات ما نراه وما لا نراه أنه، أي: القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ أنه، أي: القرآن لقول رسول من الرسول هنا محمد ﷺ بخلاف الرسول في سورة التكوير أنه لقول رسول كريم ﴿ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُم﴾ مجنون هناك الرسول هو جبريل عليه السلام إذًا أنه لقول رسول كريم من التراكيب التي تكررت في القرآن الكريم جاءت مرة بمعنى جبريل كما في سورة التكوير وجاءت مرة بمعنى الرسول محمد ﷺ كما في سورة الحاقة، ومن المعلوم، أن القول قول من ابتدأ القول. وأما الرسول فإنَّه يبلغ كلام من أرسله فلا يأتي ات ويقول مثلًا: أن الله قال أنه لقول رسول كريم أهو القرآن قال أنه قول محمد كما افترى بعضهم وخرج علينا.

فقال أن القرآن يقول أن القرآن من عند محمد لما قال لأنَّ الله يقول عندكم في القرآن أنه لقول رسول كريم نقول أنه قال أنه لقول رسول وما دام أنه رسول إذًا هو في الأصل كلام من كلام من أرسله وهو الله عز وجل فلم يقل أنه لقول نبي ولم يقل أنه لقول ملك ﴿أَنَّمَا﴾ قال أنه لقول رسول فهو رسول يبلغ ما أرسله الله عز وجل به ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ﴾ ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾ أخذنا منه بالقوة قضينا عليه وأهلكناه ما تركناه لو أنَّ الرسول كذب على الله ما تركه الله لو كان الرسول كاذبًا ما نصر الله دعوته، ولا أقام حجته، ولا أظهر ملته، ولا أكثر من الاتِّباع له صلوات الله وتسليماته عليه ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾ وهو نياط القلب.

وقالوا: إنَّ هذا العرق المتصل بالقلب إذًا قطع مات الإنسان في اللحظة فلو أن الرسول كان كاذبًا ما تركه الله لقضى الله عليه. لكن الله أظهره وأظهر دينه وأظهر دعوته وأبقى ذكره صلوات الله وتسليماته عليه قال الله عز وجل ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ﴾ ما كان أحد يستطيع أن يدفع عن الرسول ذلك لو أراد الله عز وجل به ذلك.

تذكرة للمتقين وحسرة وتسبيح

لكن الرسول ﷺ صادق فيما يبلغ عن ربه سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ وَإِنَّهُۥ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ وَإِنَّهُۥ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾19 فالقرآن الكريم تذكره للمتقين وحسرة على الكافرين القرآن تذكره للمتقين يتذكر به أهل التقوى وهو حسرة على الكافرين وأيضًا التذكير بالآخرة حينما يذكرنا الله بيوم القيامة ففيه تذكره لأهل التقوى، وفيه حسرة على الكافرين ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ كما ذكر الله أولئك الكافرين.

وقال ﴿إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾20 ففي ختام السورة أمرنا بتسبيحه عز وجل وتسبيح اسمه فسبح باسم ربك أي: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم هكذا، يا أيها الإخوة الكرام، هذه السورة الكريمة الجليلة سورة الحاقة تذكرنا بالدار الآخرة وبجزاء المتقين وجزاء المكذبين المعرضين عن آيات ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وأنت إذا تأمَّلت كثيرًا من السور المكية تجد أن فيها حديثًا كبيرًا وواضحًا وجليًّا عن الدار الآخرة وعن الإيمان باليوم الآخر وعن شدائد يوم القيامة وأهوال يوم القيامة لأنَّ اليوم الآخر يشجع النفس البشرية على العمل الصالح.

ولذلك إذا أردت أن تقوى عزيمتك فتذكر الآخرة فإذا تذكرت الآخرة هأنت عليك الدنيا هأنت عليك الدنيا وإنَّما يتصاغر الناس ويضعف الإنسان في عمل الطاعات حين ينسى الآخرة وحينما يتذكر الآخرة ويجعلها نصب عينيه فإنَّه يعان على طاعة الله بفضل الله سبحانه وتعالى. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يتذكرون الآخرة ويعملون لها وأن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يجعلنا من السعداء وأن يتقبل منا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال هذا والله أعلم.

وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 7 ↩
  3. آية: ﴿ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا﴾ — كما ورد في الدرس: النبإ 39 ↩
  4. آية: ﴿ٱلْحَآقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌۢ بِٱلْقَارِعَةِ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا۟ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 1-5 ↩
  5. آية: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا۟ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 6 ↩
  6. آية: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَىٰهَآ إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 11-12 ↩
  7. آية: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 7 ↩
  8. آية: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 7 ↩
  9. آية: ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٍ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُۥ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتُ بِٱلْخَاطِئَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 8-9 ↩
  10. آية: ﴿فَعَصَوْا۟ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 10 ↩
  11. آية: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 11 ↩
  12. آية: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَٰعِيَةٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 12 ↩
  13. آية: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 37 ↩
  14. آية: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَٰحِدَةٌ وَحُمِلَتِ ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَٰحِدَةً﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 13-14 ↩
  15. آية: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ ۝ وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ ۝ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌۢ﴾ — كما ورد في الدرس: العاديات 9-11 ↩
  16. آية: ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ — كما ورد في الدرس: الطارق 9 ↩
  17. آية: ﴿۞ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ — المعارج: 19-22 ↩
  18. آية: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـٰبِيَهْ ۝ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ۝ يَـٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 25-27 ↩
  19. آية: ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ وَإِنَّهُۥ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ وَإِنَّهُۥ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 48-52 ↩
  20. آية: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 33 ↩

من سلسلة: لمحة في سورة (134 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة