مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الرحمن جزء 1 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة التفسير · الدرس 29 من 61 · 21 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فننتقل الليلة، يا أيها الإخوة الكرام، إلى تفسير سورة الرحمن.

وسورة الرحمن سورة مكية على قول جمهور أهل التفسير؛ ومعنى ذلك أنها نزلت قبل هجرة النبي «صلى الله عليه وسلم»؛ وقد ثبت أن النبي «صلى الله عليه وسلم» قرأ هذه السورة المباركة على الجن؛ فسمعته الجن وهو يتلو سورة الرحمن.

فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «كانوا أحسن مردودًا منكم؛ ما سمعوا قول الله عز وجل ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾2 (الرحمن: 13) إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك يا ربنا نكذّب فلك الحمد.

الجن سمعت من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يتلو سورة الرحمن؛ فكان لهم جواب كلما سمعوا قول الله جل ذكره ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 16) قالوا: ولا بشيء من نعمك يا ربنا نكذّب فلك الحمد.

فالرسول يقول: كانوا أحسن مردودًا منكم، يعني: أنهم أحسن جوابًا على هذا السؤال الذي يسأل الله عباده — بل يسأل الله عز وجل الثقلين عنه — فيقول: ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 18)؛ فنقول كما قالت الجن: ولا بشيء من نعمك يا ربنا نكذّب فلك الحمد.

سورة الرحمن سورة مباركة ذكر الله عز وجل فيها آيات كثيرة وعجائب عديدة ونعمًا متعددة؛ ولذلك فيها تذكير بنعم الله سبحانه وتعالى من كل وجه كما سيأتي تفصيله في السورة المباركة.

وسورة الرحمن يقال لها: عروس القرآن؛ لكن ذلك لم يثبت بسند صحيح عن الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ وهي سورة مباركة. ولذلك يقبل الناس على قراءتها لما يرون فيها من تذكير بنعم الله؛ والواجب على العبد ﴿إِلَّا﴾ يكتفي بقراءتها وإنَّما عليه أن يتدبّرها وأن يعمل بمقتضاها؛ وفي سورة الرحمن أمر ليس كثيرًا في القرآن الكريم وهو أمر التكرار في هذه السورة بكثرة شديدة؛ فقد تكرّر فيها قول الله: ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 21) إحدى وثلاثين مرة.

وهذا ليس له نظير في القرآن الكريم كله؛ فعندنا مثلًا ويل يومئذٍ للمكذبين في سورة المرسلات؛ وعندنا ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾3 (القمر: 16) و﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾4 (القمر: 17)؛ وعندنا قوله: إِنَّ ﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ في سورة الشعراء تكرّرت ثمان مرات؛ وويل يومئذٍ للمكذبين» عشر مرات؛ لكن إحدى وثلاثون مرة تتكرّر آية في سورة واحدة.

هذا عظيم؛ وهذا يدل على أن هذه الآية لها معنى جليل وأن العبد عليه أن يتعقّله؛ ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 23) فبأي آلاء؟ قال بعضهم: نِعَم؛ وهذا قول الأكثرين أن معنى الآلاء النعم؛ يعني: ربنا بعدما يذكر نعمة من نعمة يتبعها بقوله ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 25).

والمقصود بالآلاء العجائب؛ فبأي عجائب ربكما تكذّبان فهي دلائل على قدرته سبحانه وتعالى؛ عمومًا بعض الناس طعن في السورة المباركة من أهل الشرك والكفران وقالوا: إن التكرار مذموم لدى العرب؛ فأنّى للقرآن أن يكرّر هذا الأمر يكرّر هذه الآية بهذا العدد الكبير في سورة واحدة فهذا مطعن ومنقصة في لغة العرب؛ نقول: هذا كلام باطل ولا يقول ذلك إلا جاهل أو معاند أو مغرض.

وذلك أنَّ هذا في تحقيق الأمر ليس من قبيل التكرار المذموم في شيء؛ ﴿أَنَّمَا﴾ كره العرب التكرار إذا لم يكن لفائدة أو إذا كان على نفس الشيء؛ يعني: أنت بتكلم عن حاجة وتعيد وتكرّر وتعيد وتزيد ولا خلاص إنك تعمل تعيد وتزيد؛ فبعضهم قال: لا يتكرّر الشيء أكثر من ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؛ طب ده إحدى وثلاثون مرة طب إزاي قالوا: لأنَّ التكرار في السورة ليس على شيء واحد.

هل ربنا كرّر هذه الآية مباشرةً بمعنى لما قال مثل ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾5 (الرحمن: 17) ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 18) هل جاءت هذه الآية مكرّرة دون فواصل، أم كان بينها فواصل؟

كان بينها فواصل؛ إذن كل من هذه الآيات المكرّرة بهذا اللفظ جاءت بعد ذكر نعمة أو آية أو دليل من دلائل قدرة الله سبحانه وتعالى؛ فذكرها مؤذن بأن كل واحدة من المذكورات مستقل بالدلالة على عظيم قدرة الله عز وجل.

يعني: من باب تقريب المثال: لو إن الأب مثلًا يريد أن يذكّر ابنه ببعض الفضائل أو النعم اللي قام بها له؛ شاف الابن كده يتمرّد والابن بدأ يعقّ؛ قال له: يا ابني أنت تعمل إيه أنت نسيت يا ابني ألم تكن صغيرًا ففعلت بك كذا وكذا تتذكر ولا لا يقولك: أتتذكر ولا لا يقول المتذكّر: يا أبتي؛ يقول: طب أنت فاكر عملت وعملت؛ متذكر ولا لا يقول: متذكر؛ تتذكر لما حدث كذا تتذكر ولا لا يقول: متذكر؛ هو حينما يقول له: تتذكر تتذكر تذكر؛ هل هو يكرّر نفس الكلام ولا هو يريد أن يعمل فاصل يعني: دي نقطة وتعالى شوف نقطة تانية نقطة تالتة تعالى شوف نقطة رابعة.

ولله المثل الأعلى؛ القرآن الكريم حينما يذكر الله في سورة الرحمن يأتي بنعمة ويقول ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 30)؛ يا رب من كذبش طب خلاص أترك هذه الآية؛ تعالى انظر لإيه تانية؛ ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾6 (الرحمن: 3) و﴿وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾7 (الرحمن: 15) وبعدين يجيب ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾ (الرحمن: 17) ورب أدِّ آية ﴿مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾8 (الرحمن: 19) أدِّ آية.

آيات متعددة؛ فكلما ذكر آية أو عجيبة يقول ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 32)؛ لكن لو النعم جاءت مع بعضها ممكن تظن إنها نعمة واحدة؛ يعني: أنت لو واحد قال لك كذا وكذا جمع التلاتة فوق بعض ممكن أنت تفتكرهم إيه تظنها شيئًا واحدًا؛ لكن حينما تُفرد ثم يأتي التذكير. فهذا فيه عظيم الامتنان من الرحمن على عباده جل وعلا سبحانه وبحمده؛ فهو دليل على عظيم صنعه بعباده وهم عباده الفقراء إليه وهو الغني عنهم سبحانه وتعالى؛ فلذلك ليس في الآيات الكريمة أيّ إشكال؛ وإنَّما الذي يطعن في القرآن الكريم لا يعي مثل هذا الأمر.

كذلك في السورة الثانية مثل سورة الشعراء: إِنَّ ﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾؛ يجيبها إمتى يجيب قصة، يجيب قصة من القصص، يقول الآية: إن في ذلك لآية؛ تيجي قصة تانية: إن في ذلك لآية؛ ما هي لو جاءت مرة أنت ممكن تفتكر إن القصص كلها فيها عبرة واحدة؛ لا، ده كل قصة فيها عبرة كل قصة فيها عظة.

فهذا من دقة تعبير القرآن الكريم؛ لذلك مسألة التكرار التي يراها بعض الناس حينما يقرأ القرآن هي في حقيقة الأمر دليل على إعجاز القرآن وليست فيها منقصة بحال من الأحوال.

على كلٍّ هذا غيض من فيض مما يقوله العلماء في مسألة التكرار في القرآن؛ لأنَّ الذي يقرأ للمستشرقين ولغيرهم من أذنابهم يجد أنهم يطعنون في القرآن بسبب ذلك؛ مثلًا يطعنون في سورة الكافرون؛ يقول لك: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾9 (الكافرون: 1) ﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾10 (الكافرون: 2) ﴿وَلَآ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾11 (الكافرون: 3) ﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾12 (الكافرون: 4) ﴿وَلَآ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ (الكافرون: 5) ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾13 (الكافرون: 6)؛ إيه التكرار

يقولوا: أنت مش عارف حاجة؛ يقولك: أنت مش عارف؛ ده في نفي للماضي ونفي للمستقبل؛ وكل جملة لها مدلول لا يقوم غيرها مقامها؛ لا يقوم مقامها شيء آخر؛ ﴿أَنَّمَا﴾ جاءت بهذا السياق وبهذا الاتساق وبهذا الأسلوب؛ وهو أسلوب معجز بفضل الله سبحانه وتعالى.

على كلٍّ سيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله في أثناء تفسير الآيات ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 34)؛ ونقف مع مسألة أيضًا فيها مبحث وهي أن الله ذكر الآية بعد ذكر أشياء تتعلق بالنار.

ربنا بيجيب جهنم: ﴿هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ﴾؛ ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 45)؛ طب ده ذكر النار هو طب إيه علاقة النار بالآلاء وبعدين يقول ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾14 (الرحمن: 26) ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾15 (الرحمن: 27) ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 38)؛ نعم.

هذا داخل في الآلاء على وجهين كما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ هل المراد بها: العجائب أو المراد بها: النعم وأيضًا التذكير بالوعد والوعيد هو من النعم كما لا يخفى؛ سورة الرحمن افتتحها الله بفاتحة عجيبة ليس في القرآن مثلها؛ وهي أن فاتحتها اسم الله الرحمن؛ وقلِّب المصحف من فاتحته إلى خاتمته فلا تجد سورة ابتدأها الله باسمه الصريح إلا هذه السورة.

يعني: عندما تفتح المصحف تجد السور القرآنية ما فيش أولها اسم من الأسماء الحسنى؛ دايماً بيجي كلمة؛ ممكن يأتي اسم الله بعد كلمة: ألف لام ميم ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾؛ الحمد لله رب العالمين؛ وفي الحروف المقطّعة — والحروف المقطّعة فيها كلام طويل — لكن اللي بدأت باسم من أسماء الله هي سورة الرحمن.

أولها كذا: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ (الرحمن: 1)؛ وآية كاملة: الرحمن؛ آية هذه تفرّدت بها السورة المباركة وبها سُمّيت هذه السورة باسمه جل وعلا الرحمن.

وتسمية السورة باسمه الرحمن وتصديرها باسم الرحمن دليل على أن المقصود الكبير في السورة الكريمة الحديث عن رحمة الله جل وعلا وعن بعض مظاهر رحمته ودلائل نعمته؛ فلا يضرّ في ذلك أن يُذكر الوعيد وأن تُذكر النار وأن يُذكر العذاب؛ لأنَّ من أحبك ذكّرك بالعذاب حتى لا تقع فيه؛ مش اللي يحبك يخوّفك ويرغّبك؛ يقولك: ده صح امشي مع الصح واخد بالك لو أنت عملت الغلط ده فيه نار.

وأعظم من علم البيان رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام؛ فيها حديث عن خلق الإنسان وخلق الجان وذكر نِعَم الله وعجائبه وفيها ذكر للوعد والوعيد وذكر للآخرة والبعث والنشور؛ ثم خُتمت السورة الكريمة: ﴿تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾16 (الرحمن: 78)؛ فأولها الرحمن وختامها ذو الجلال والإكرام سبحانه عز وجل؛ واسمه الرحمن.

اسم يدل على ذات الله؛ فالفرق بين الرحمن والرحيم أن الرحمن صفة ذات وأن الرحيم صفة فعل كما قال غير واحد من المحققين؛ ما معنى هذا الكلام؟ أن الرحمن صفة ذاتية لله بصفة ربنا؛ طب والرحيم صفة فعلية تتعلّق بفعله؛ هو في ذاته رحمن؛ والرحيم واصل الرحمة؛ فالله رحمته واسعة ورحمته واصلة؛ واسعة، قلت من كلمة إيه؟ الرحمن على وزن فعلان تدل على السعة؛ فتقول الرحمن تدل على السعة يعني: واسع الرحمة؛ لذلك قال: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾.

طيب رحمته الواسعة إحنا بننتفع بها آه؛ فجاءت كلمة إيه الرحيم؛ يبقى رحمته هو واسعة هذا صفته هو؛ طيب بالنسبة للمخلوقين رحمته واصلة؛ فرحمته واسعة ورحمته واصلة.

وأيضًا من الفروق بين الاسمين الكريمين أن اسمه الرحمن خاص الاسم عام المعنى وأن اسمه الرحيم عام الاسم خاص الفعل؛ ما معنى هذا؟ اسمه الرحمن خاص الاسم يعني: لا يُطلق على غير الله فلا يتسمّى أحد بالرحمن.

وحينما حاول مسيلمة الكذّاب أن يسمّي نفسه برحمن اليمامة كساه الله بجلباب الكذب؛ فلا يُذكر اسمه إلا ويوسم بالكذب؛ لما جيء مسيلمة يقول إنه رحمن اليمامة؛ أطلق على نفسه رحمن اليمامة؛ ما قدرش يقول الرحمن هكذا؛ حتى إيه أضافه: رحمن اليمامة.

الكذّابون كثيرون صح ولا لأ كثير جدًّا؛ تلاقي دايمًا أول ما نقول مسيلمة، على طول تقول لي: الكذّاب؛ الكذّابين كثير؛ بس لو قلت: مسيلمة تقول: الكذّاب؛ ليه أنت راح تقرأ وتقول: الرحمن اليمامة ده شيء لا يمكن؛ فالرحمن لا يُطلق إلا على الله؛ لذلك جاء مع اسمه الآخر الذي قيل إنه الاسم الأعظم على أقوال كثيرة؛ لكنه اسم جامع لصفات الجلال ونعوت الجمال وهو اسمه الله؛ لذلك تجد بينهما الاثنين شيء من الاقتران؛ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً ﴿مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾.

فلذلك جاء اقتران الله الرحمن؛ وجاء ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾17 (طه: 5) دلالة على عظمة هذا الاسم وجلال هذا الاسم؛ ولكنه عام المعنى؛ يعني: رحمان الدنيا والآخرة؛ ورحمان رحمته تعمّ المؤمن والكافر والبرّ والفاجر؛ يعني: ربنا بيرحم الكافر؛ ما هو من رحمة ربنا بالكافر أنه بينعم عليه؛ هو ربنا منع الرزق يعني: الكافر أم بيأكل أم ما بيأكلش بيأكل من خير الله ومن نعمة الله برحمة الله اللي هو رحمان.

أما الرحيم فعام الاسم يعني: قد يُطلق على غير الله رحيم؛ ولذلك ربنا قال في حق الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾18 (التوبة: 128).

وقالوا: الرحيم خاص المعنى بمعنى أن رحمته خاصة بالمؤمنين؛ لذلك قال: وكان بالمؤمنين رحيماً؛ ما قالش: وكان بالمؤمنين رحماناً؛ لأنه بالجميع رحمن؛ لكن لما جاء عند المؤمنين: وكان بالمؤمنين رحيمًا.

ومعروف أنَّ قوله «بالمؤمنين» متعلّق بالرحيم؛ وتقديم ما حقّه التأخير يفيد الحصر؛ هذا هو الأصل؛ لذلك استدلّوا به على هذه المسألة؛ يعني: وكان بالمؤمنين وحدهم رحيماً؛ أيوه رحمن بالجميع؛ بس الرحيم دي رحمة خاصة. خاصة بمَن؟ بعباده المؤمنين؛ هذا من أشهر الفروق أو هذه أشهر الفروق بين الرحمن والرحيم؛ وفيها أخذ وردّ في بعض المسائل منها.

افتتح الله السورة المباركة بقوله: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ (الرحمن: 1)؛ جدير بنا حينما نسمع اسمه الرحمن أن نتذكّر رحمة الله جل وعلا وأنه لولا رحمة الله بنا ما استحققنا أن نعيش على هذه الحياة؛ ولو أنَّ الله جل وعلا يؤاخذنا بتقصيرنا لذهبنا؛ وهذا من معاني حلم الله؛ والحلم لا ينفكّ عن الرحمة؛ لذلك الله رحمن رحيم حليم؛ ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾.

يبقى رحمن تتذكّر رحمة ربنا إنك أنت تحدث لك أشياء وتقصير وتفريط والله عز وجل يرحمك ويغفر لك؛ ومن رحمته ومن آثار رحمته تلك النعم التي تتوالى وتتتابع عليك ليلًا ونهارًا؛ ﴿أَلَمْ تَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُۥ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ﴾19 (لقمان: 20) ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ﴾؛ فتتذكّر رحمة الله عز وجل به وتتذكّر أنَّ كل ما في الخلق من رحمات جزء من مئة جزء من رحمة الله عز وجل.

كل اللي إحنا فيه كده من الرحمات؛ ومش رحمة الإنس فقط؛ ده الإنس وغير الإنس؛ حتى إيه إن الفرس تمتنع عن أن تضع حافرها على ولدها بسبب هذه الرحمة؛ يحنو الحيوان على ولده بسبب ذلك الجزء من مئة جزء من رحمة الله سبحانه وتعالى.

فهو الرحمن؛ ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ (الرحمن: 1) ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾20 (الرحمن: 2) ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3)؛ الكلام عن اسم الله الرحمن يحتاج إلى مزيد تفصيل؛ نكمل الحديث عنه إن شاء الله تعالى في الدرس المقبل؛ لا سيما وأن الله أتبعه بصفة جليلة جميلة إذ قال: ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2)؛ والعجيب أنها تقدّمت على خلق الإنسان مع أنَّ الخلق متقدّم؛ فهل سيتعلّم الإنسان القرآن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يُخلق

لكن مع ذلك ربنا قال: ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) الأول وبعدين قال: ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3)؛ كأنَّ الإنسان بدون تعليم القرآن فما فائدته؟ ما هو فيه من خلق ومن وجود في هذه الحياة إذا لم يعرف الفائدة من خلقه نسأل الله أن يعلّمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علّمنا وأن يزيدنا علمًا وأن يتقبّل منا الصالح من الأعمال؛ هذا والله أعلم.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 13 ↩
  3. آية: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 16 ↩
  4. آية: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 17 ↩
  5. آية: ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 17 ↩
  6. آية: ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 3 ↩
  7. آية: ﴿وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 15 ↩
  8. آية: ﴿مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 19 ↩
  9. آية: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الكافرون 1 ↩
  10. آية: ﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الكافرون 2 ↩
  11. آية: ﴿وَلَآ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ — كما ورد في الدرس: الكافرون 3 ↩
  12. آية: ﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الكافرون 4 ↩
  13. آية: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الكافرون 6 ↩
  14. آية: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 26 ↩
  15. آية: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 27 ↩
  16. آية: ﴿تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 78 ↩
  17. آية: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: طه 5 ↩
  18. آية: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 128 ↩
  19. آية: ﴿أَلَمْ تَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُۥ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: لقمان 20 ↩
  20. آية: ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 2 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 1

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة