سورة الرحمن
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
ســــــورة الرحمن
سورة الرحمن - مَدنية-
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] تذكير الجن والإنس بالنعم الباطنة والظاهرة وآثار رحمته في الدنيا والآخرة.
التعريف بالسورة
سورة الرحمن مدنية، هكذا قالوا والذي عليه الجمهور أنها سورة مكية. وكما نص عليه بعضهم، هذا قول جمهور أهل العلم؛ بل جمهور الصحابة والتابعين. وقد نسب القول للجمهور ابن عطية وابن الجوزي، بل نسبه الفيروز آبادي بالاتفاق : إلى أنّ السورة مكية، وكذلك نسبه ابن عاشور إلى قول جمهور الصحابة والتابعين. لذلك في قولهم هنا محل نظر.
وقلت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ : إنّ المصاحف التي بأيدينا حينما نجد أنهم يقولون سورة مدنية أو مكية، لا يلزم بالضرورة أنّ ما قالوه قول متفق عليه؛ ﴿أَنَّمَا﴾ مسألة اجتهادية. هناك سور أجمع العلماء على مكيتها، وسور أجمع العلماء على مدنيتها، وسور وقع الخلاف فيها. والأقرب أنّ سورة الرحمن سورة مكية كما عليه الجمهور. ويشهد لهذا والعلم عند الله أنّ النبي صلوات ربي وتسليماته عليه قد قرأ سورة الرحمن وقال للصحب الكرام: «لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودًا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد» ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) إلا قالوا : «لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد» وقالوا : كان هذا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم
وورد أيضًا في رواية جابر رضي الله عنه، وهي رواية ثابتة صحيحة؛ وأيضاً جاء في مرسل عروة هو مرسل صحيح إلى ( أنّ عبد الله بن مسعود : كان أول من جهر بالقرآن، وجهر بسورة الرحمن، وضُرِبَ وأصابه ما أصابه)؛ وإن كان مرسلاً، لكن يشهد له روايات أخرى، وقد ورد هذا عن عدد من السلف من الصحابة والتابعين. فلذلك الأرجح أنها مكية ويشهد لها أيضًا : موضوع السورة والتذكير :- تذكير العباد بنعم الله سبحانه وتعالى وآلائه. قالوا من مقاصد السورة (تذكير الجن والإنس بنعم الله الباطنة والظاهرة وآثار رحمته في الدنيا والآخرة) فهذه السورة سورة الرحمن من اسمها : اسمها الرحمن، فالسورة تسمى باسم ( الله الرحمن) سبحانه وتعالى، من أسماء الله الحسنى، هذه السورة من اسمها تدل على أنها سورة فيها ذكر لبعض نعم الله - سبحانه وتعالى - بالخلق. ومن ذلك نعمه الباطنة والظاهرة الحسية والمعنوية بالإنس والجن، وأيضاً لك أن تقول : إنها سورة العجائب. فهي سورة تتحدث عن عجائب كثيرة في ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ وخلق الإنسان، وغير ذلك من المخلوقات وهذا أحد المعاني في قوله ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) أن المراد بالآلاء العجائب ومال إلى ذلك الشيخ عبد الحميد الفراهي، وكلامه في ذلك جيد وله وجه قوي، وأن الآلاء لا يلزم أن يكون المراد بها النعم؛ لأنَّها جاءت في بعض المواضع لا يكون فيها مقام إنعام؛ وإن كان الإنعام أيضًا : يتم بالتذكير والزجر كما يتم بالترغيب والعطاء. كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في التعليق على قوله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (الرحمن: 26) ثم قال ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77)، وذكر أيضًا أوصاف النار وقال ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) الشاهد هنا أنّ من مقاصد سورة الرحمن : التذكير بنعم الله وعجائب الله في خلقه حتى يرجع الخلق إلى الحق سبحانه وتعالى. والمناسبة ظاهرة بين سورة الرحمن وسورة القمر؛ فإذا كانت سورة القمر إنذار فسورة الرحمن سورة تبشير. هذا في المجمل ولا يمنع أن تحوي السورة الجانبين؛ لكن كما قلت تتميز سورة عن سورة بشيء؛ بمعنى أنّ يكثر في سورة ذكر شيء، ويكثر في السورة الأخرى ذكر شيء آخر والعلم عند الله تبارك وتعالى.
وأيضاً ختام سورة القمر ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ﴾ (القمر: 54) من هو؟ ﴿ٱلرَّحْمَٰنُ﴾ (الرحمن: 1) فهو الرحمن سبحانه وتعالى الذي يمنُّ على عباده المتقين بذلك.
قال الشيخ حفظه الله:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾
نعم سورة الرحمن قال الله جل وعلا في صدرها ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ الرحمن ذو الرحمة الواسعة، هذا من معاني الرحمن، (الرحمن ) : ذو الرحمة الواسعة، (والرحيم ) : ذو الرحمة الواصلة، والرحمن كما قالوا : خاص الاسم عام الفعل، فهو خاص الاسم :- لا يسمى به إلا الله. وعام السبب : فهو رحمن بالمؤمنين والكافرين. وقالوا الرحيم عام الاسم خاص الفعل. لذلك وصف الله النبي محمدًا - صلى الله عليه وسلم- فقال ﴿بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128) [التوبة: 128]، وقال ﴿وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: 43) [الأحزاب: 43]، فقالوا : خاص بأهل الإيمان، وقالوا أيضًا :- الرحمن :- صفة ذات، والرحيم صفة فعل، والكلام في ذلك معروف ومشهور. لا سيما في سورة الفاتحة وتفسيرها.
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ فعلم القرآن يعني : علم الناس القرآن، أو علم النبي محمدًا -صلى الله عليه وسلم- القرآن ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3) وهذا عجيب! وقد قدم الله هنا التعليم على الخلق. والإنسان لا يتعلم إلا بعد أن يُخْلَق، لكن لأنّ القرآن عظيم قُدِّمَ في الذكر فقال ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقول ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3) وقوله ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) هنا فائدة أيضًا نعرفها من قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – «خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه» التعبير بالتعليم له مغزى كبير، وهو أن أصل مادة العلم يدل على الأثر. ومنه العلامة فالعلامة أثر ظاهر، وهذا يعني أن من يتعلم القرآن ينبغي أن يوجد الأثر من هذا التعليم فيه، وهذا يعني أنّ من يتعلم القرآن ينبغي أن يوجد الأثر من هذا التعليم فيه في نفسه، وفي سلوكه وفي أخلاقه لذلك جاء في إطار تعليم القرآن في مواضع كثيرة في الكتاب والسنة. ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ فخلق الإنسان جاء بين تعليمين : تعليم القرآن وتعليمه البيان. ﴿عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 4) كيف يُبين عمّا في ضميره نطقًا وكتابة، وهذه من نعم الله العظيمة ﴿عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 4).
﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5)
﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5) يا أيها الإخوة الكرام سورة الرحمن تقوم على ذكر الثنائيات، فهي تذكر نعماً متقابلة، فمن فضل الله جل وعلا على عباده أن ينعم بالشيء وأن ينعم بمقابله. ثم بعد ذلك ذكر الله جزاء الفريقين جزاء الأشقياء مُمَثَّلاً في النار، وجزاء السعداء مُمَثَّلاً في الجنة، ووصفت الشمس والقمر بالحسبان، وفيها أيضًا فضل تعليم الحساب، كيف يعرفون الشهور؟ فكما علمه النطق وعلمه اللغة ﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن: 6) من هنا جاء اختلاف المفسرين في معنى النجم ﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن: 6) فمن نظر إلى أنّ السورة تقوم على الثنائيات، قال : قد ذكر السماء وذكر الأرض، وذكر الشمس وذكر القمر وذكر الإنس وذكر الجن هذه مقابلات فقالوا : إذاً (النجم والشجر )، الشجر معروف : الذي له ساق، إذاً النجم ما لا ساق له. لذلك قالوا هنا (وما لا ساق له من النبات) هذا شق وهو النجم الذي ينبت وليس له ساق، والشجر يعني الذي له ساق.
ومن أهل العلم من قال بل النجم : مناسب لذكر الشمس والقمر فلما ذكر الشمس والقمر أتبعه أيضًا بذكر النجم قالوا وهو النجم المعروف في السماء لكنهم فسَّروا النجم بالنبات الذي لا ساق له وهو قول وجيه والعلم عند الله.
﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7) ومن معاني الميزان العدل ﴿أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ﴾ (الرحمن: 8) فأنعم الله علينا بنعم حسية وبنعم معنوية. من ذلك العدل.
﴿وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ (الرحمن: 10)
﴿فِيهَا فَـٰكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلْأَكْمَامِ﴾ (الرحمن: 11) قالوا في المختصر (الأوعية التي يكون منها التمر)، والأكمام أيضًا جمع (كم) قالوا هو : ليفها الذي في أعناقها، ﴿وَقِيلَ﴾ : غلاف الثمرة (الغلاف) الذي يكون هناك فقالوا جمع كم ﴿وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ﴾ (الرحمن: 12) أيضًا قُرئ ﴿وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ﴾ (الرحمن: 12) قالوا هنا في المختصر (وفيها الحب ذو التِّبْن كالبُر والشعير، وفيها النباتات التي تستطيبون رائحتها ) أنواع مختلفة ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) تفسير الآلاء بالنعم واضح هنا، لكن حملهم على تفسيره بالعجائب ما سيأتي بعد بإذن الله تعالى.
﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ﴾ (الرحمن: 14)
﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ﴾ (الرحمن: 14) ولا تعارض بين هذه الآية وبين الآيات التي وردت بأن الله خلق الإنسان من تراب، أو من طين، وهنا قال ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ﴾ (الرحمن: 14) أيضًا كل هذا يدل على مراحل خلق الإنسان. فالآيات ذكرت بعض المراحل هذه ذكرت مرحلة وهذه ذكرت مرحلة أو طوراً وحينئذٍ فلا إشكال.
﴿وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ (الرحمن: 15) قال في المختصر (وخلق أبا الجن من لهب خالص من الدخان) إلى خلق الإنس والجن وهما المخاطبان بعد بقوله ﴿أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴾ (الرحمن: 31).
تحليل مقارن وربط بين السور
﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾ (الرحمن: 17) تقدم معنا في سورة الصافات عن الفرق بين الجمع والتثنية والإفراد، ففي بعض المواضع ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾ ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾ (الرحمن: 17) كما هنا في الرحمن وأيضاً جاء ﴿بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ﴾ وجاء ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ إِنَّا لَقَـٰدِرُونَ﴾ فمرة جمع ومرة ثنى ومرة أفرد فقالوا هنا في المختصر (رب مشرقي الشمس ومغربيهما شتاءً وصيفًا ) يعني باعتبار الشتاء والصيف، الشاهد من ذلك أن هذا من طرق الجمع في ذلك، ﴿بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ﴾ لأن كل يوم له مطلع (له مشرق وله مغرب ) وأيضاً ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾ يعني الجهة (جهة المشرق وجهة المغرب ) هذا ذكره العلماء، لكن السر فوق هذا،
ما سر التثنية ويذكر في آيات الجمع هذا وراءه أسرار أخرى ولذلك هنا قربوا المشرقين ورب المغربين هذا يناسب ما تقدم من أنّ السورة تتحدث عن الثنائيات، فلذلك جاء ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾، ومن أفضل مَن قرأت له ممن فصَّل في الأسرار المتعلقة بذكر المشارق والمغارب إفراداً وتثنية وجمعاً والأقوال التي قيلت فيها الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن لمن رغب في الزيادة والعلم عند الله تعالى.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• ابتداء الرحمن بذكر نعمه بالقرآن دلالة على شرف القرآن وعظم منته على الخلق به.
• مكانة العدل في الإسلام.
• نعم الله تقتضي منا العرفان بها وشكرها، لا التكذيب بها وكفرها.
قال الشيخ حفظه الله :
• ابتداء الرحمن بذكر نعمه بالقرآن دلالة على شرف القرآن وعظم منته على الخلق به : وهذا واضح. في قوله ﴿عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن: 2) ثم قال ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ (الرحمن: 3).
• مكانة العدل في الإسلام : ﴿وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ﴾ ﴿وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 9) يعني لا تتجاوزوا الحد في العدل، بلا زيادة ولا النقصان وإنما كونوا عدولاً، والمجاوزة : أن تطلب الزيادة وليست حقك أو أن تنقص الحق الذي عليك وهكذا.
• نعم الله تقتضي منا العرفان بها وشكرها، لا التكذيب بها وكفرها : لذلك قال ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) يعني لا ينبغي أن يكذِّب الإنسان؛ بل عليه أن يشكر الله سبحانه وتعالى.
قال الشيخ حفظه الله:
﴿مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (الرحمن: 19) قالوا في المختصر (كبار الدر وصغاره) هكذا فسروا اللؤلؤ والمرجان بهذا، وهناك من يفسر بتفسيرات أخرى لكن هذا التفسير تفسير مشهور وله وجهه. وسيأتينا بإذن الله تبارك وتعالى ذكر المرجان فيما بعد، لكن هنا قالوا في المختصر : (يخرج من مجموع البحرين كبار الدر وصغاره.) يخرج من مجموع البحرين وذلك أنّ بعض المفسرين : يرون أنّ اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان إلا من البحر، ولا يخرجان من النهر العذب. فقالوا هنا يخرج من -هما- يعني من المجموع لا من كل واحد منهما؛ وأحياناً يُسنَد الضمير إلى المثنى ويراد به أحدهما؛ لكن القول المحقق المحرر والعلم عند الله أنّ اللؤلؤ والمرجان يخرجان من البحر ومن النهر (منهما) على بابها الأصلي. ويشهد لهذا قوله سبحانه ﴿وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (فاطر: 12) فقوله (ومن كل ) يعني : ومن كل واحد منهما، والواقع أيضًا شهد بهذا.
قال الله ﴿وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَـَٔاتُ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَـٰمِ﴾ (الرحمن: 24)
هذه أيضًا آية من آيات الله - سبحانه وتعالى – قالوا في المختصر (وله - سبحانه وتعالى - وحده التصرف في السفن الجارية في البحار مثل الجبال) قد تقدم مثل هذا في قوله سبحانه ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَـٰمِ﴾ (الشورى: 32) [الشورى: 32] في سورة الشورى.
قال الله عز وجل ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (الرحمن: 26) كل من على الأرض (على وجه الأرض) كما فسَّروه هنا في المختصر، وقد يقول قائل وأين ذكر الأرض في السياق؟ الأرض ليست مذكورة؛ لكن هذا مفهوم من فحوى الكلام، مفهوم من سياق الكلام وإن لم يكن مذكورا. وقد سبق أن مرَّ معنا في عدة مناسبات : أن الضمير قد لا يعود على مذكور، وإنما يُعرَف هذا من السياق. قال هنا ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (الرحمن: 26) قالوا هنا في المختصر (ويبقى وجه ربك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول ذو العظمة والإحسان والتفضل على عباده فلا يلحقه فناء أبداً). ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 27)
قوله سبحانه وتعالى ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (الرحمن: 27) البقاء هنا ليس للوجه فحسب، وإنما هو بقاء ذات الله، لذلك فسره كثير من المفسرين بقولهم : وتبقى ذات ربك ذات الجلال والإكرام. ولا يعني هذا نفي صفة الوجه؛ بل أيضًا أن لله سبحانه وتعالى وجهًا لأنه أخبر بذلك على الوجه الذي يليق به ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾. لكن لا ينبغي أن يُفهَم أنّ البقاء للوجه دون ذاته؛ وإنما هو بقاء الذات، والوجه صفة لله سبحانه وتعالى ثابتة له. فلا إشكال حينئذٍ ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 27) ﴿ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 27) : قالوا ذو العظمة والإحسان والتفضل على عباده - سبحانه وتعالى - ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) هنا قد يرد السؤال الذي أشرت إليه قبلُ وهو : ما وجه الإنعام في ذكر فناء الخلق وأنّ الله سبحانه وتعالى هو الباقي وحده. هنا قال ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) وكذلك ما جاء بعدُ في الآيات ﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ (الرحمن: 29) قال بعدها ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴾ (الرحمن: 31) وهذا في مقام التهديد والوعيد، وكذلك ما جاء ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ (الرحمن: 35) وما جاء من أهوال يوم القيامة وما جاء من ذكر أهل النار كقوله ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ﴾ (الرحمن: 39) هذه آيات جاء بعدها ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) فما وجه ذلك؟
فالجواب عن ذلك من وجهين :-
1- الوجه الأول : أنّ التذكير والتنبيه على ما يلحق المرء، إذا عصى الله - عز وجل - ولم يستقم على الطاعة هو نعمة ومنة جليلة؛ فإذا نبهك الله - سبحانه وتعالى - وذكرك بلزوم الطاعة وبعقاب العبد العاصي، والوعيد الذي يلحقه؛ فإنّه بذلك قد أنعم عليك نعمة عظيمة؛ لأنّه دعاك ونبهك وذكرك، فالإنعام هنا في التذكير.
2- والوجه الثاني : أنّ : آلاء بمعنى : عجائب، وتقدم طرف من ذلك في قوله ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ﴾ (النجم: 55) في سورة النجم، وهذا التفسير للآلاء بالعجائب وإن لم يكن مشهوراً لكن يشهد له السياق القرآني، وقد حرره من المعاصرين الشيخ عبدالحميد الفراهي - رحمة الله تعالى - وله جهد مشكور فيما يتعلق بأصول التفسير ومفردات القرآن، وإن كانت كتابته في ذلك ليست بالكثيرة، لكن أجاد فيما كتب والعلم عند الله تعالى.
﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ (الرحمن: 29)
قال الله -سبحانه وتعالى- ﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ (الرحمن: 29) كُلَّ يَوْمٍ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ فِى شَأْنٍ : يغفرُ ذنباً ويستر عيباً،يغني فقيراً، يُعطي شخصًا ويمنع آخر كل هذا من شأن الله - سبحانه وتعالى - ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77)
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴾ (الرحمن: 31)
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴾ (الرحمن: 31) ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ (الرحمن: 31) تأتي على معنيين، مادة الفراغ فَرَغَ تأتي على معنيين :-
1- إمّا أنّ له شُغْلًا فرغ منه وتركه، وهذا معنىً لا يليق بحق الله - سبحانه وتعالى - وهذا ما ذكره الزجاج هذا أحد المعنيين.
2- والمعنى الثاني : أنّ الفراغ معناه : القصد والإقبال فمعنى تَفَرَّغْتُ لك يعني : أنني أقبلت عليك وتوجهت إليك ولا يلزم من هذا أنَّ هناك شغلاً قد تركه وانصرف عنه فهذا ليس مراداً، ولا شك أنّ المراد بقوله - سبحانه ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ (الرحمن: 31) يعني : سنقصد إليكم ونقبل عليكم من باب التهديد والوعيد، فالآية وردت في مورد التهديد والوعيد، ﴿أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴾ (الرحمن: 31) من الإنس والجن ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) وجاء تفسير الثقلين بعد في قوله ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍ﴾ (الرحمن: 33) وهنا قالوا في المختصر ( لا تنفذون إلا بسلطان ) قالوا : (ولن تستطيعوا أن تفعلوا ذلك إلا بقوة وبينة وأنى لهم ذلك ) إذاً معنى : ( فَٱنفُذُوا۟ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَٰنٍ ) يعني : لا تنفذون إلا بقوة وبينة وأنّى لكم ذلك! فالمراد النفي يعني ما اختاره هنا أصحاب التفسير أنّ قوله لا تنفذون إلا بسلطان يعني : بقوة وبينة وأنتم لا تقدرون على هذا!، ولم يُعطِكم الله عز وجل ما تتمكنون به من أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ. هذا ما عليه كثير من العلماء.
بعض الناس فسر الآية ﴿لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍ﴾ (الرحمن: 33) قالوا : هو سلطان العلم، وفيه إشارة إلى أنّ سلطان العلم سيجعلهم ينفذون ﴿مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ كما هو في عالم الفضاء وما إلى ذلك.
لكن الآيات سيقت في مساق التهديد والنفي، وليس في الإثبات والعلم عند الله تبارك وتعالى، ويشهد لهذا ما جاء بعدُ في السياق نفسه ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ (الرحمن: 35) يعني لا تتمكنون من هذا، وأيضاً هنا قالوا : (ويقول الله يوم القيامة إذا جمع الجن والإنس يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تجدوا لكم مخرجاً من ناحية من نواحي السماوات والأرض فافعلوا) فهذا فيه إشارة من أصحاب المختصر أن هذا ﴿أَنَّمَا﴾ يكون يوم القيامة، وبناءً عليه فلا يَرِد ما قيل في هذا الأمر، وهذا أيضًا وجيه ويشهد له أيضًا السياق بعدُ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ (الرحمن: 35).
﴿فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ﴾ (الرحمن: 37)
قال الله سبحانه ﴿فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ﴾ (الرحمن: 37) قالوا في المختصر : (فكانت حمراء مثل الدهن في إشراق لونه) ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ﴾ (الرحمن: 37) الدهان فسر بتفسيرين مشهورين :-
إما أن (الدهان ) : الجلد الأحمر، يعني : كانت وردة مثل الجلد أو الأديم الأحمر، وحينئذٍ يكون المراد : وصف السماء باللون الأحمر، مثل الورد أو الجلد الأحمر.
والمعنى الثاني ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ﴾ (الرحمن: 37) أنّ الدهان من الدُهْن، وهي : المادة الذائبة، فيكون حينئذٍ في الآية وصفان للسماء، وليس وصفاً واحداً، الوصف الأول: حُمرتها وذلك بقوله : (فكانت وردة) والوصف الثاني : بأنّها : تصير ذائبة؛ لأنَّها تصير ذائبة، وهذا المعنى قد جاء في مواضع أخرى في القرآن الكريم ولذلك في قوله ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾ (المعارج: 8) فالمهل قال بعضهم : أنه دُرْدِيُّ الزيت أو عكر الزيت أو إذا قُلنا إنّه : الذائب من النحاس أو الرصاص أو غير ذلك فإنّه أيضًا يشهد لمعنى الذوبان، فحينئذٍ يكون في الآية وصفان والعلم عند الله تبارك وتعالى.
﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) هنا نفى الله سبحانه وتعالى السؤال فقال ﴿لَّا يُسْـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ﴾ (الرحمن: 39) يعني : لا يُسأل الإنسي ولا الجني عن الذنب الذي وقع منه، وقد جاءت آيات أخرى فيها إثبات السؤال ﴿فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف: 6) [الأعراف: 6]، وقال الله ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الحجر: 92) [الحجر: 92-93] فكيف الجواب عن هذا؟ أو كيف الجمع بين الآيات؟
للعلماء في ذلك أوجه : من أشهرها أنّ السؤال المنفي غير السؤال المثبت، وابتداءً فالسؤال المنفي هنا سؤال يتعلق بالذنب؛ وأمّا السؤال المثبت ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الحجر: 92) سؤال عام عن الأعمال عموماً، لكن هنا النفي عن الذنب أو نفي السؤال عن الذنب، ومن طرق الجمع في ذلك أن يقال : إنّ السؤال المنفي هو سؤال الاستعلام والاستخبار؛ وأمّا السؤال المثبت فهو سؤال التوبيخ والتبكيت، يعني : أنهم حينما يُسألون لا يُسألون من أجل الاستعلام، الاستخبار لأن الله يعلم وإنما يُسألون سؤال توبيخ وسؤال تقريع وسؤال تبكيت - لا - سؤال استعلام فإنّ الله عليم بكل شيء.
أو أن يُقال إنّ يوم القيامة يوم طويل ومشاهده كثيرة، ففي بعض المواضع أو المواطن يُسألون، وفي بعضها لا يُسألون.
﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) قالوا هنا في المختصر (يُعْرف المجرمون يوم القيامة بعلامتهم وهي سواد الوجوه وزرقة العيون) ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ (طه: 102)، وقال ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (آل عمران: 106) إذاً سيما المجرمين سواد الوجوه وزرقة العيون ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَٰصِى وَٱلْأَقْدَامِ﴾ (الرحمن: 41) ونسأل الله السلامة والعافية.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• الجمع بين البحر المالح والعَذْب دون أن يختلطا من مظاهر قدرة الله تعالى.
• ثبوت الفناء لجميع الخلائق، وبيان أن البقاء لله وحده حضٌّ للعباد على التعلق بالباقي -سبحانه- دون من سواه.
• إثبات صفة الوجه لله على ما يليق به سبحانه دون تشبيه أو تمثيل.
• تنويع عذاب الكافر.
قال الشيخ حفظه الله: نعم وهذه فوائد واضحة من الآيات.
• الجمع بين البحر المالح والعَذْب دون أن يختلطا من مظاهر قدرة الله تعالى : وهذا يشهد له تفسير الآلآء بالعجائب وهذا من دلائل قدرته سبحانه وتعالى.
• ثبوت الفناء لجميع الخلائق، وبيان أن البقاء لله وحده حضٌّ للعباد على التعلق بالباقي -سبحانه- دون من سواه : وذلك في قوله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (الرحمن: 26) (وبيان أنّ البقاء لله وحده) ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 27) (وفي هذا حضٌ للعباد على التعلق بالباقي سبحانه دون من سواه) كما في قوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لَا يَمُوتُ﴾ (الفرقان: 58).
• إثبات صفة الوجه لله على ما يليق به سبحانه دون تشبيه أو تمثيل : كما في قول سبحانه ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 27).
• تنويع عذاب الكافر.
قال الشيخ حفظه الله:
﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77)
قال الله سبحانه وتعالى ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) قالوا هنا في المختصر (ويقال لهم توبيخًا ) هذا تكرر معنا مراراً، وهو أنّ فعل (القول ) قد يُقدَّر لظهوره من السياق، فهو وإن كان مستتراً محذوفاً إلا أنه باد من حيث الفهم والإدراك وهذا كثير جداً في القرآن الكريم؛ لا سيما في آيات الوعيد كما ترون، ﴿هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ (الرحمن: 43)
تقدَّمَ أنّ سورة الرحمن يغلب فيها جانب الوعد، وإن ورد فيها بعض وعيد؛ لكن جانب الوعد فيها أكثر وجانب الترغيب فيها أكثر، وهذا على خلاف ما تقدَّم في سورة الطور؛ فإنّ جانب الوعيد وجانب التهديد في سورة الطور، قال الله ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 46) هنا قالوا في التفسير ( وللذي خاف القيام بين يدي ربه في الآخرة فآمن وعمل صالحاً جنتان) إذاً ما معنى (لمن خاف مقام ربه) يعني : للذي خاف القيام بين يدي ربه، إذاً مقام بمعنى قيام، ومن القائم هنا؟ المراد به الإنسان، يعني : (ولمن خاف مقام ربه) يعني : مُقَامه بين يدي ربه، وهذا يشهد له ما جاء في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ (النازعات: 40) فقوله ﴿وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ (النازعات: 40) يشهد لمعنى قوله ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 46) بأن المراد أن الشخص هو الذي يخاف وقوفه وقيامه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ - سبحانه وتعالى –
هناك معنى ثان في الآية ومعنى صحيح : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 46) يعني : ولمن خاف قيام الله عليه، ومحاسبة الله له. فيكون المراد بقوله ﴿مَقَامَ رَبِّهِۦ﴾ (الرحمن: 46) يعني : مقام ربه عليه، وأنّ الله قائم عليه محاسب العباد. كقوله سبحانه ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ (آل عمران: 2) وكقوله ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (الرعد: 33) إذاً مقام ربه يحتمل أنّ المراد قيام العبد ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وأن يكون المراد قيام الله - سبحانه وتعالى - على العباد بمحاسبتهم ومجازاتهم، وكلا المعنيين صحيح.
﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) تلاحظون يا أيها الإخوة الكرام : أنّ سورة الرحمن لم تقتصر على ذِكرِ الآلاء في الدنيا، وإنما حدثتنا عن الآلاء والنعم الدنيوية وحدثتنا أيضًا عن النعم الأخروية، وتمثل ذلك في وصف نعيم الجنة بهذه الأوصاف الجليلة العظيمة، ووصف الله عز وجل لنا أربع جنات فقال : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 46) وقال بعدها ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 62) والذي عليه الأكثرون من أهل العلم أن الجنتين الأوليين أعلى درجةً من الجنتين اللتين جاء ذكرهما بعدُ في قوله ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 62) وحاول المفسرون إثبات ذلك بعقد مقارنة بين أوصاف الجنتين اللتين وردتا أولًا في قوله ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 46) وبين الجنتين اللتين ذُكرتا بعدُ في سياق الآيات. وليس المقام مقام استفاضة في هذا. لكن مما يشهد لهذا الأمر ويدلل عليه قوله ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 62) فإنّ قوله سبحانه (ومن دونهما) فُهِم منه أنهما : جنتان أقل من الجنتين السابقتين.
وذلك أنّ كلمة ( دون ) تأتي بمعنى : أقل، وإن كانت (دون ) تأتي بمعان أخرى، فمن مجيء (دون) بمعنى : أقل قوله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ (النساء: 116) [النساء: 48]، ﴿أَنَّمَا﴾ يُفَسَّر : ويغفر ما هو (أقل ) من الشرك لمن يشاء؛ لأنّنّا لو فسرنا (﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ﴾ ذلك لمن يشاء ) : بمعنى ويغفر هو غير ذلك لمن يشاء، فهناك أمور ليست شركاً من حيث الأصل لكنها أيضًا تُخرج صاحبها من الملة ويستحق بها العذاب كالاستهزاء بآيات الله والتكذيب بآيات الله وما إلى ذلك، فالشرك له أنواعه وهناك أمور أخرى كفرية يخرج الإنسان بها من الملة، فهذا يُستفاد منه أن كلمة (دون ) تأتي بمعنى (أقل)؛
على أن كلمة (دون ) تأتي أحياناً بمعنى ( غير ) كقوله سبحانه في شأن سليمان عليه السلام ﴿وَمِنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ﴾ (الأنبياء: 82) قال كثيرون من أهل التفسير ( ويعملون عملاً غير ذلك ) وبناءً على الاختلاف في تفسير ﴿وَمِن دُونِهِمَا﴾ يأتي الاختلاف في تحرير الأمر في الجنتين السابقتين والجنتين اللاحقتين وقدر كل من هاتين ومن هاتين فربنا قال ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 62)
وأيضاً قالوا إن ربنا قال في الجنتين السابقتين ﴿هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ﴾ (الرحمن: 60) فهذا يدل على أفضليتهما وأنّ هاتين الجنتين للمقربين ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 46) وقد جاء.
﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشٍۭ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ۚ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ (الرحمن: 54) هنا في قوله سبحانه وتعالى ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشٍۭ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ (الرحمن: 54) فإذا كانت البطائن من إستبرق فكيف بالظَّهائر، بما هو ظاهر، هذه البطانة، فكيف بما هو أعلى؟ لا شك أنه أعظم وأجل. ﴿وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ (الرحمن: 54) ما معنى ﴿وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ (الرحمن: 54) يعني : وثمر الجنتين قريب، لذلك قالوا في المختصر (وما يُجْنَى من الثمار والفواكه من الجنتين قريب يتناوله القائم والجالس والمتكئ ) وأنا أضرب مثالاً بهذه الجملة لأمر أراه يعني لأمر أراه مفيداً وهو ما يتعلق بأهمية اللغة العربية، وأنّ الإعراب فرع المعنى وأنّ التفسير يُفيد في الإعراب وكذا العكس فإنّ قارئًا لو قرأ ﴿وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ (الرحمن: 54) فأعرب ( جنى ) على أنها فعل ماض مثلاً : ( وجنى الجنتين دام ) اضطرب عليه المعنى ولم يفهم شيئًا من الجملة.
لكن حينما يعلم أنّ (جنى ) هنا : ليست فعلاً، وإنما (جنى ) هنا : اسم، أو مصدر والمراد به :- الثمر، وإنّ كلمة ( دان ) قريب وهي الخبر، فالمعنى : ( ثمر الجنتين )، والجنتين مضاف إليه، (وقريب أو دان ) هو : الخبر، اتضح عليه المعنى، فإذا فُهِم المعنى استطاع أن يُعرِب فبينهما صلة وثيقة جداً.
قال الله - سبحانه وتعالى – ﴿فِيهِنَّ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾ (الرحمن: 56) نعمة عظيمة أن تقصُر طرفها على زوجها، فلا تلتفت إلى غيره، ولا تتعلق بغيره من تمام الوصف بالعفة. وهو وصف جميلٌ وحسن. وتقدم نظيره ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في سورة الصافات. ﴿هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ﴾ (الرحمن: 60)
قال الله - سبحانه وتعالى - ﴿هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ﴾ (الرحمن: 60) قالوا في المختصر (ما جزاء من أحسن بطاعة ربه إلا أن يحسن الله جزاءه؟!) واستفاد العلماء من هذه الآية أيضًا أن من أحسن إلينا فإنّ الواجب علينا أن نقدم له الإحسان أيضًا استدلالاً بهذا أو استنباطاً والله أعلم. نعم.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• أهمية الخوف من الله واستحضار رهبة الوقوف بين يديه.
• مدح نساء الجنة بالعفاف دلالة على فضيلة هذه الصفة في المرأة.
• الجزاء من جنس العمل.
قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أهمية الخوف من الله واستحضار رهبة الوقوف بين يديه : وهذا في قوله ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 46).
• مدح نساء الجنة بالعفاف دلالة على فضيلة هذه الصفة في المرأة : وذلك في قوله ﴿فِيهِنَّ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾ (الرحمن: 56)، وتأمل هنا قوله سبحانه ﴿فِيهِنَّ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ﴾ (الرحمن: 56)(فيهن ) : ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ شيء؟ ﴿فِيهِنَّ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ﴾ (الرحمن: 56) هل يعود على الجنتين؟ إذا قُلنا إنّه يعود على الجنتين؛ فإنّ الجنتين مُثنَّى، والضمير فيهن جمع. قالوا لا مانع من هذا، وباعتبار أنّ كل جنة في داخلها خيرات كثيرة وغرفٌ وما إلى ذلك، أو أنّ قوله (فِيهِنَّ) الضمير يعود على : الفرش، والفُرُش ذُكرت قبل قاصرات الطرف، ويكون (فيهن ) أي عليهنّ، فهذا قول ثان في الآية والعلم عند الله تبارك وتعالى.
• الجزاء من جنس العمل : وهذا في قوله ﴿هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ﴾ (الرحمن: 60) ونطلب منكم أن تذكروا لنا من القرآن الكريم ثلاثة أدلة تشهد لهذه القاعدة العظيمة الجزاء من جنس العمل نعم.
قال الشيخ حفظه الله:
﴿فِيهِنَّ خَيْرَٰتٌ حِسَانٌ﴾ (الرحمن: 70)
نعم قال الله سبحانه ﴿فِيهِنَّ خَيْرَٰتٌ حِسَانٌ﴾ (الرحمن: 70) قالوا في المختصر أي (في هذه الجنان نساء طيبات الأخلاق حسان الوجوه) إذاً خيرات في الأخلاق، حسانٌ في الجمال حسان الوجوه، ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77) قالوا في المختصر أي (حور مستورات في الخيام صونًا لهنّ)، وهذا فيه أن استتار المرأة في البيت مما تُمتَدح به؛ وليس ممّا تُذَم به، كان هذا قد ورد في الحديث عن أهل الجنة فإنّه أيضًا يُستفاد منه ذلك، وعلى ذلك أدلة كثيرة كما هو معلوم. فهذا في مقام المدح والثناء قال ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾ (الرحمن: 74)
﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِىٍّ حِسَانٍ﴾ (الرحمن: 76)
﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِىٍّ حِسَانٍ﴾ (الرحمن: 76) قالوا هنا في المختصر (متكئين على وسائد مغطاة بأغطية خضر، وفرش حسان) والعبقري يقال له : الطنافس، وبعضهم يقول : الديباج، والعرب تسمي الثياب الفاخرة والبُسُطْ يقال لها : عبقريات دلالة على حسنها وجمالها ثمّ ختم الله - سبحانه وتعالى- السورة بقوله ﴿تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 78) هذه السورة وما فيها من نعيم وما فيها من آلاء تُبيِّن لنا عظمة الله سبحانه وتعالى وعِظَم منَّته على خلقه فكثُرَ خيره وثبت خيرُه سبحانه وتعالى ﴿تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 78) وهنا قوله سبحانه وتعالى «ذي» لأنّه بدل من قوله (اسم ربك ) من قوله (ربك)؛ وأمّا ما تقدم في قوله (ذو ) فإنّه وصفٌ أو بدل من قوله ( وجه ) في قوله ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 27) ومن هنا رد بعض العلماء على من تأول الوجه هناك بالثواب؛ فقالوا إن الثواب لا يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام؛ ﴿أَنَّمَا﴾ الذي يوصف بقوله «ذو الجلال والإكرام» هو وجه الله سبحانه وتعالى وذات الله عز وجل. هذا والله تعالى أعلم، وبهذا نكون قد انتهينا من تفسير سورة الرحمن وبقي لنا أن نقرأ الفوائد المتعلقة بها.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• دوام تذكر نعم الله وآياته سبحانه موجب لتعظيم الله وحسن طاعته.
نعم، وهذا واضح؛ ولذلك فسورة الرحمن من مقاصدها أيضًا التذكير بآلاء الله ونعمه والدعوة إلى الشكر. والدعوة إلى الشكر نعم. ننتقل بعد ذلك إلى تفسير سورة الواقعة ونسأل الله العون والتوفيق.
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)