مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة النحل — الجزء 2

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 333 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

ثمّ قال ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) قالوا هنا في المختصر ( ومع كون عابديهم صنعوهم بأيديهم فهم جمادات لا حياة فيها ولا علم فهم لا يعلمون ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يبعثون مع عابديهم يوم القيامة ليرموا معهم في نار جهنّم) لذلك يطلق على الجماد : ميّت، والآية تدلّ على هذا فإنّهم عدّدوا جمادات سمّاها الله بالأموات ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) والميّت لا علم له فإذًا لا علم لها!!، ولا يعرفون ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ سيكون البعث فكيف تعبد! وإذا كانت لا تعلم ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ البعث هل ستدفع عن عابديها ضرًّا؟ وهي لا تملك لنفسها شيئًا ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ (النحل: 101) وقد يقول قائل: فإذا قيل غير أحياء وما المستفاد من قوله ﴿غَيْرُ أَحْيَآءٍ﴾ (النحل: 21) يستفاد من ذلك ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ (النحل: 101) في المستقبل يعني إيه فالحال ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 3) ولا يرجى لها الحياة في تلك الدّنيا فهناك أشياء ميتة في الدّنيا أحياها الله كالنّطفة تصير بعد ذلك حيّة يحييها الله، وينفخ في الإنسان الرّوح وكذلك أو هذه النّطفة تتحوّل إلى علقة إلى مضغة، وهكذا كذلك البضة قد يخرج منها الدّجاجة لكن هؤلاء ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ (النحل: 101) لا يرجى منهم حياة مطلقًا في هذه الدّنيا ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ (النحل: 101) ولذلك بعضهم قال قوله ﴿غَيْرُ أَحْيَآءٍ﴾ (النحل: 21) احتراز يعني : أنّها باقية على هذا الوضع، وأمّا إحياء الله أو بعث الله لها فهذا شيء آخر فهذا بعث أخروي ﴿وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (النحل: 5) لذلك قوله ﴿وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (النحل: 5) على من يعود الضّمير في قوله ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النحل: 21)؟ قولان : -

1 - منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (النحل: 5) أي : - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يبعثون؟ أي : الأصنام ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تبعث هذه الأصنام؟ يعني : الصّنم لا يدري ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ سيبعث! وهذا ما قرّروه هنا في المختصر إذ قالوا (فهم لا يعلمون ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يبعثون مع عابديهم يوم القيامة ليرموا معهم في نار جهنّم) كما قال الله ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَٰرِدُونَ﴾ (الأنبياء: 98) [سورة الأنبياء:98].

2 - ومن المفسّرين من قال ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَٰرِدُونَ﴾ (الأنبياء: 98) يعني : - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يبعث العابدين؟ هم لا يدرون ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ سيبعث هؤلاء الّذين عبدوهم والآية تحتمل هذا وذاك.

لكن تأمّل في قوله ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النحل: 21) فيه أسلوب بلاغي جليل وهو أسلوب الإدماج؛ لأنّ الحديث هنا كان عن عجز الأصنام، وأنّها غير صالحة للألهية، وفي أثناء الحديث عن ذلك ذكر الله البعث مع أنّ الأصل الكلام عن أنّ الآلهة لا تستحقّ العبادة هذه الآلهة المزعومة لكن قوله ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النحل: 21) أي: لا يشعرون ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يُبعثون، لعلّ هناك بعث فإذا كانوا لا يدرون ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ البعث؟ إذًا هناك بعث ففيه أيضًا ذكر البعض، ثمّ جاء ذكر البعث بعد ذلك بوضوح ﴿وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 8) وهنا اقتران بين قضيّة التّوحيد وقضيّة البعث وما أشرت إليه في بدايات الآيات : - أنّ الله قرن في السّورة بين قضيّة الإيمان بالله، وهي قضيّة البعث اليوم الآخر ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل: 9) هو المستحقّ للإلهية واحدة ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (النحل: 10) تنكر التّوحيد، إذًا ينكر التّوحيد من كذّب بالآخرة؛ فالّذي يكذّب بالآخرة يكذّب بالله ﴿يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 11) تأمّل الاستكبار كما قال بعد : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (النحل: 12)

﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (النحل: 13) أي حقّ فـ ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (النحل: 13) من معانيها : (حقّاً) لذلك قالوا في المختصر (حقًّا) إذا كلمة حقًّا الّتي ذكروها تفسير لقوله ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (النحل: 13) أي : ثبت وحقّ ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 14)

تأمّلوا قال ﴿يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 11) ﴿وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَـٰرًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 15) وبعده قال ﴿وَعَلَـٰمَـٰتٍ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 16) ولذلك نقل القرطبيّ عن العلماء قالوا : - (كلّ ذنب يمكن التّستّر منه وإخفاؤه إلا الكبر )، الإنسان قد يكون صاحب ذنب؛ لكنّه يحاول أن يستر الذّنب وألا يظهره كلّ ذنب يمكن التّستّر منه وإخفاءه إلا الكبر فإنّه فسق يلزمه الإعلان.

المتكبّر لا بد أن يظهر كبره، فلابّد أن يظهره وأن يعلنه وهو أصلّ العصيان كلّه، وهو أصل العصيان كلّه ولذلك في سورة الحجر، وهذا من الرّابط بين الحجر والنّحل حديث عن قصّة آدم وإبليس إمام المستكبرين، فذكر لنا أصل الاستكبار من إبليس ثمّ جاءت النماذج الواقعة من الأمم، ومنها هؤلاء المشركون على عهد النّبيّ الأمين صلوات الله وتسليماته عليه.

﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 17) هذا انتقال إلى أمر آخر ما هو؟ الرّدّ على منكري النّبوّة الّذين ينكرون الرّسالة، والذين يطعنون في القرآن قضيّة الوحي إذًا الحديث عن التّوحيد وجرى حديث موجز عن البعث، وجاء الحديث عن إنكار الرّسالة هذه هي الأصول.

﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 17) لم يقولوا : قرآن كريم - كتاب مبين -عظيم عزيز له قالوا ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 18) قالوا هنا في المختصر (وإذا قيل لهؤلاء الّذين ينكرون وحدانيّة الخالق ويكذّبون بالبعث ماذا أنزل الله على محمّد ‘ قالوا لم ينزل عليه شيئًا؛ وإنّما جاء من نفسه بقصص الأوّلين وأكاذيبهم ) هذا المراد بـ ﴿أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (النحل: 24) إذًا ما المراد بـ ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 18) فسّروه هنا بقولهم (قصص الأوّلين وأكاذيبهم) وما يقال عنه الخرافات والتّرّهات؛ لذلك يفسّرون الأساطير : بأنّها الخرافات والتّرّهات ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (النحل: 19)

﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20) قد يسأل هنا سائل ويقول : هل هم قالوا أساطير الأوّلين من أجل أن يحملوا أوزارهم كاملة؟ هل هم كانوا راغبين في أن يحملوا ﴿أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾؟

هل اللّام في قوله ﴿لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (النحل: 25) للتّعليل؟ بمعنى لكي فهم قالوا : أساطير الأوّلين من أجل أن يحملوا الأوزار، قالوا هنا في التّفسير تأمّل قولهم : (ليكون مآلهم أن يحملوا أثامهم دون نقص) إذًا هم لم يفسروها بلام التّعليل؛ إنّما هذه اللّام يقال لها لام الصّيرورة أو لام العاقبة يعني : أن تعمل الشّيء لا من أجل أن يحدث كذا ولكن هذا العمل الّذي عملته ترتّب عليه كذا فيقال لها لام العاقبة.

إذًا هم لما قالوا ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 18) ماذا ترتّب على ذلك من أثر؟ أنهم يحملون ﴿أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ كقوله سبحانه ﴿أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النحل: 21) ومن المعروف أنّ آل فرعون لما التقطوا موسى يلتقطوه من أجل أن يكون لهم عدوًّا وحزنًا إذًا ما معنى ﴿إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل: 22) يعني : صار الأمر صار ذلك هذه هي العاقبة، لا مصيرها.

1- لذلك قالوا هنا (ليكون مآلهم أن يحملوا أثامهم دون نقص) فهذا فيه أنّ أصحاب المختصر مالوا إلى أنّ اللّام هي - لام العاقبة - أو لام الصيرورة.

2-هناك من العلماء من قال: إنّ اللّام هي لام التعليل؛ لكنّهم قدّروا هنا قالوا : أساطير الأوّلين (وقدّر الله ذلك) ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (النحل: 23)

فقالوا إذًا هنا تقدير أي : (وقدّر الله ذلك) لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ.

قال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (النحل: 24) لأنّهم ضلّوا وأضلوا وكانوا مفسدين فقوله ﴿لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (النحل: 25) فالمؤمن تكفر عنه السّيّئات، وتغفر له الذّنوب والزّلّات؛ أمّا هذا الكافر فلا يكفّر عنه ولا يغفر له إذا لم يتب إلى الله من شركه فلذا قال ﴿قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النحل: 26) أي : أيضًا يحملون من ﴿أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، وهذا فيه أنّ من أضل غيره فإنّ له حظًّا ونصيبًا من وزر الّذي أضل، بمعنى : أنّ صاحب الوزر، وأنّ صاحب العمل السّيء يعاقب على سيئ عمله، والآخر يعاقب نظير ذلك أيضًا، يعاقب مثل ذلك لِمَ؟ لأنّه أضل وهذا ما دلّ عليه حديث النبي ﷺ (ومن سنّ في الإسلام سنة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) فهو لا ينقص من أوزاره شيئًا؛ لكن مع ذلك فإنّه يحمل من هذه الأوزار أي : له وزر مستقلّ عن صاحب الوزر فهذا يأخذ سيء عمله والآخر يأخذ أيضًا.

فإنْ قال قائل كيف ذلك؟ والله قال ﴿مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15) [سورة الإسراء:15]. فكيف هذا؟ فالجواب ﴿مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15) لا مدخل لها فيه، يعني : الإنسان لا يتحمّل وزر أخرى - ليس له دخلٌ به - إمّا أن يضلّه فهذا من كسبه؛ لأنّ الإضلال عمل لأنّ الإفساد عمل، فهو يأخذ جزاء ضلاله جزاء إفساده، ولذلك في سورة النّحل ﴿ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (النحل: 27) وقال الله ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 28) قال ﴿فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (النحل: 29) وتأمّل قوله ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: 30) هذا فيه :- أنّ الّذي يستجيب لهؤلاء من هم؟ غير العقلاء الّذين لا يعون؛ لأنهم لو أبصروا حقيقة الأمر ما تبعوهم؛ لكنّه التّقليد الأعمى، التّقليد الأعمى زيّنوا لهم فاتّبعوهم.

وفي قوله ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: 30) أي : بعد إقامة الحجّة عليه، أقيمت الحجّة عليهم، واتّضحت المحجّة وبان السّبيل وظهر الحق وأرسل الرّسل، وأنزل الكتب؛ لكنّ هؤلاء لمّا أضلوهم اتّبعوهم - بغير حجّة - بغير علم وغير دليل ولا حجّة فتركوا الدّليل، واتجهوا إلى غير الدّليل، فحينئذ لا يعذرون؛ لأنّ الدّليل قد اتّضح ووصلهم قال الله ﴿جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: 31) نسأل الله السّلامة ﴿جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: 31).

ثمّ قال ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 32)

﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (النحل: 33) تذكير بأحوال السّابقين ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (النحل: 34) ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ (النحل: 35) أي : - فهدم الله أبنيتهم من أسسها هذا معنى من الأساس وهذا فيه بيان أنّ الإهلاك عمّ الموضع والمكان ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: 36) من الأسس ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (النحل: 37) أي : - فسقطت عليهم سقوفهم من فوقهم، وهذا معنى السّقف المراد به جنس السّقف لذلك قبل سقوفهم ﴿وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 38) وتأمّل قوله ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ﴾ (النحل: 39) وقد يقول قائل والسّقف لا يكون إلا فوق لكن في قوله ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ﴾ (النحل: 39) لأنه قد لا يكونون تحت السّقف فهذا هو السّقف وخرّ عليهم لكنّهم بعيدين عنه -لكن قوله ﴿وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 38) أي : - وهم تحته وأيضا ربّما كان هذا سقفًا بالنّسبة لغيرهم، فهناك سقفٌ يعلوه سقف فالآن كما ترون المباني، وهي أدوار (سقف) (سقف فوق سقف) فقد يكون ما في أسفله (سقف له سقف لغيره هو سقف لغيره) ولكنه بالنّسبة له في أسفله لكن قال السّقف من فوق أي : وهم تحته.

قال الله ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (النحل: 40) أي : - من حيث لا يتوقّعون فقد كانوا يتوقّعون أنّ أبنيتهم تحميهم فأهلكوا بها.

بعض المفسّرين ذكر أنّ المراد بذلك النّمرود، وبعضهم ذكر أنّ المراد به (بختنصر )، وبعضهم قال غير ذلك، وعلى كلٍّ فهذه أمثلة، والآية تشمل هذا وذاك ممّن أهلكهم الله ممّن كذبوا بآيات الله فأهلكهم بهذا الهلاك الّذي ذكره في هذه الآية الكريمة.

قال الشيخ حفظه الله

نعم من فوائد الآيات

في الآيات من أصناف نعم الله على العباد شيء عظيم مجمل ومفصّل يدعو به العباد إلى القيام بشكره وذكره ودعائه : قال ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41) وهذا فيه إجمال، وجاء التّفصيل ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 42)

طبيعة الإنسان الظلم والتجرؤ على المعاصي والتقصير في حقوق ربه كفّار لنعم الله لا يشكرها ولا يعترف به إلا من هداه الله : قال ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43) يعني هنا قولهم (طبيعة الإنسان الظّلم والتجرؤ على المعاصي) معنا هنا في الطّبعة السّادسة لكن في الطبعة السابعة حذفوها لأنّ الآية هنا ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41) وأمّا وصفّ الإنسان بالكفّار والظلوم في سورة إبراهيم فحقّها هناك لذا حذفت في الطّبعة الجديدة نعم.

مسأواة المضلّ للضال في جريمة الضّلال إذ لولا إضلاله إياه لاهتدى بنظره، أو بسؤال النّاصحين : قال الله سبحانه ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (النحل: 24) فالضال يأخذ جزاء ضلاله والمضلّ يأخذ جزاء إضلاله.

أخذ الله للمجرمين فجأة أشد نكأية لما يصحبه من الرّعب الشّديد بخلاف الشّيء الوارد تدريجيًّا :قال الله ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (النحل: 40).

قال الشيخ حفظه الله

بعد أن ذكر الله ما يلحق هؤلاء الكافرين المكذّبين من العذاب الدّنيويّ، والهلاك في الدّنيا اتّبع الله ذلك وأردفه بذكر عقاب الآخرة فقال ﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44)

﴿أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النحل: 45) يهينهم ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (النحل: 46) بهذا الأسلوب وبهذا الاستفهام التّوبيخيّ التقريعي ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 47) أي كنتم تعادون الأنبياء والمؤمنين بسببهم لذلك بعضهم جعل فيهم بمعنى السّبب فتكون سببيّة أي بسببهم.

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَـٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ﴾ (النحل: 48) أي قال العلماء الرّبّانيّون ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل: 49) وهذا جزاء المتكبّرين فالمتكبرون يذلّهم الله قالوا ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: 50) أي واقع على الكافرين.

﴿۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ (النحل: 51)

﴿وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ (النحل: 52) تتوفّاهم الملائكة عند قبض أرواحهم ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـَٔرُونَ﴾ (النحل: 53) يعني حال كونهم ظالمي أنفسهم، لذلك قالوا هنا في المختصر (وهم متلبّسون بظلم أنفسهم بالكفر لله).

﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 54) أي : فانقادوا مستسلمين لما نزل بهم من الموت ﴿لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 55) أي : أنكروا الكفر والشّرك كما قال الله سبحانه ذاكرًا قولهم ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ ۗ تَٱللَّهِ لَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (النحل: 56) إذًا هناك في الآخرة مقامات ففي بعض الأحوال ينكر الكفّار أنهم وقعوا في الشّرك، ثمّ بعد ذلك يختم على أفواههم وتتكلّم الجوارح وتنطق بأفعالهم وتبيّن شركهم وكفرهم فقوله هنا ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 24) يقولون : ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ﴾ هذا على سبيل الكذب منهم، وكما قال الله ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 24) [سورة الأنعام:24]. وقال الله ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 24)

قال ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 24) لا وجه لكذبكم.

﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ (النحل: 57)

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (النحل: 58) نسأل الله السّلامة حسب أعمالكم لم يظلمكم ربّكم ﴿وَعَلَـٰمَـٰتٍ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 16)تأمّلوا هذا السّبب ﴿وَعَلَـٰمَـٰتٍ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 16)

﴿يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: 59) ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (النحل: 60) ماذا أنزل ربّكم؟ عودٌ على ذكر الوحي حينما يقال للمتّقين ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (النحل: 61)؟ هذا في مقابلة ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 17) تأمّل الفرق : فأهل الكفر إذا ﴿قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ﴾؟ ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ﴾ (النحل: 62) في المقابل ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (النحل: 60) بادروا بقولهم ﴿تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 63) وتقدير الكلام : أنزل خيرًا؛ لكنّهم بادروا فقالوا ﴿تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 63) هم يستبشرون بهذا الخير نعم الوحي يخيّر وأيّ خير! نسأل الله ﴿إِلَّا﴾ يحرمنا هذا الخير.

﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 64) قالوا في المختصر (أحسنوا عبادة الله وأحسنوا التّعامل مع خلقه) فالإحسان يشمل الأمرين : الإحسان في العبادة، وإحسان إلى الخلق ﴿وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (النحل: 65) هذا فيه أنّ جزاء المتّقين جزاء عاجل وآجلٌ، جزاء دنيويّ وجزاء أخروي كما أنّ الله ذكر عقوبة الكافرين فقال ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (النحل: 37) ذكر جزاء المتّقين، ولذلك تجد في القرآن أنّ الله يذكر جزاء المحسنين فيذكر أنّ لهم جزاءين جزاء في الدّنيا وجزاء في الآخرة، ولذلك سيأتينا بعد ذلك ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41) [سورة النحل:41]. وأيضاً جاء بعد ذلك في سورة النّحل أيضًا ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41) تأمّل يذكر الله الجزاء في الدّنيا والجزاء في الآخرة وقوله ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 64) ما المراد بحسنة الدّنيا؟ تشمل أبوابا كثيرة لذلك قالوا في المختصر (مثوبة حسنة منها النّصر وسعة الرّزق) هذا يدخل في هذه الحسنة.

قال ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 42) أي : - دار الآخرة خير أيّ خير!! فخيرٌ هنا أفعل تفضيل يعني (أخير) ممّا أعطاه إياهم في الدّنيا ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43) لكن كثيراً ما يحذف، تحذف الهمزة -همزة أفعل -من كلمة (خير)، قال ﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44) وهي : الجنّة ثمّ فسّر فقال :

﴿أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النحل: 45)

﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (النحل: 46) فهي بدل من قوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 47) فهي جنّات إقامة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَـٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ﴾ (النحل: 48) أي قالوا في المختصر (بمثل هذا الجزاء الّذي يجزي المتّقين من أمّة محمّد ‘ يجزي المتّقين من الأمم السّابقة ) أي بمثل ذلك الجزاء الّذي يجازي به هؤلاء أو يجزي الله به هؤلاء يجزي كلّ المتّقين.

﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل: 49)

﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: 50) تأمّلوا المقابلة بين عمل هؤلاء وعمل هؤلاء ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ﴾ (النحل: 62) أعني المشرك؛ وأمّا الطّيّبون المتّقون المحسنون ﴿۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ (النحل: 51) جزاء الكافرين ﴿وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ (النحل: 52) وهنا جزاء المتّقين ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: 50) حال كونهم طيّبين قالوا هنا في المختصر (في حالة طهارة قلوبهم من الكفر) في مقابلة ظالمي أنفسهم ﴿وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ (النحل: 52) أي بسبب عملكم؛ فالعمل سببٌ ويدخلون الجنّة برحمة الله وتقدّم تفصيل ذلك ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾.

﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـَٔرُونَ﴾ (النحل: 53)

﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 54) ما معنى ﴿لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 55)؟ ينتظرون، وتقدّم معنا أنّ كلمة النّظر إذا تعدّت بنفسها فهي بمعنى أي : ما ينتظر، ولذلك دخلت معها إلا؛ فالمراد بالاستفهام هنا :" هل " يعني - لا - النّفي : لا ينتظرون ﴿إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾.

﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ ۗ تَٱللَّهِ لَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (النحل: 56) قالوا هنا في المختصر (أو يأتي أمر الله باستئصالهم بالعذاب في الدنيا) ما الّذي ينتظرون؟ ينتظرون (مجيء الملائكة لقبض الأرواح، ولضرب الوجوه والأدبار أم ينتظرون عذاب الله الّذي يستأصلهم) يعني لماذا لا يؤمنون؟ لماذا لا يعجّلون بالإيمان قبل فوات الأوان ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (النحل: 34)

﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (النحل: 34) [سورة النحل:34].نعم.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

فضيلة أهل العلم وأنّهم الناطقون بالحقّ في ﴿ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ﴾ وأنّ لقولهم اعتبارًا عند الله وعند خلقه : ففي هذا المقام العظيم يذكر الله ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: 50) فشهادتهم مقبولة ولهًا وزن وقدرٌ.

من أدب الملائكة مع الله أنّهم أسندوا العلم إلى الله دون أن يقولوا : إنا نعلم ما ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وإشعارًا بأنهم ما علموا ذلك إلا بتعليم من الله تعالى : حينما قالوا ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ (النحل: 35) لم يقولوا بلى إنّا نعلم؛ إنّما قالوا ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ (النحل: 35) مع أنّه في صدر الآية قال ﴿وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ (النحل: 52) وهذا فيه : أنّ العبد يفوّض الأمر إلى الله ، ويحيل على علم الله فالعبد ما علم إلا لأنّ الله علّمه.

من كرم الله وجوده أنّه يعطي أهل الجنّة كلّ ما تمنّوه عليه حتّى أنّه يذكّرهم أشياء من النّعيم لم تخطر على قلوبهم. وهذا يدخل في قوله ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 42) ثمّ قال ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: 36)

العمل هو السّبب والأصل في دخول الجنّة والنّجاة من النّار وذلك يحصل برحمة الله ومنّته على المؤمنين لا بحولهم وقوّتهم ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (النحل: 37) ولا تعارض بين ذلك، وما ورد من قول النبي ﷺ (لن يدخل أحد منكم الجنّة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمّدني الله منه برحمة ) فأصل دخول الجنّة برحمة الله، والعمل سبب وهناك أوجه أخرى تقدّم بيانها في سورة الأعراف وغيرها نعم.

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 38)

هذه مقولة المشركين يتعلّلون بالقدر، ويرون أنّ ذلك حجّة لهم مع أنّ حجّة الله قد قامت عليهم فيرددون قائلين ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ﴾ (النحل: 39) لو أراد الله لنا أن نسلم يا محمّد لأسلمنا لو أراد لنا أن يوحّد الله لوحدنا، فالله تركنا هكذا نشرك! وهذا يعني أنّ الشّرك مرضيٌ له، وهذا خطأ وباطل لأنهم لم يميّزوا بين الإرادة الكونيّة والإرادة الشّرعيّة، فكلّ ما يقع في الكون بقدر الله لكنّ الله أراد شرعًا أن نوحده - منعنا شرعًا - أن نكفر به كما قال ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (النحل: 40) ثمّ أعطى العبد المشيئة والاختيار، فإذا اختار العبد طريق الكفر وكفر فإنّ هذا لا يرضى الله عنه لكنّه وقع بقدر الله ومشيئته، وتقدّم بيان ذلك أيضًا، وقد قال الله في سورة الأنعام ﴿سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: 148) [سورة الأنعام:148].

وهنا قال ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41) أي هذه مقولة تردّدت عند السّابقين يردّدها المشركون ثمّ قال ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 42) أي : ليس ﴿عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾، لا يملك الرّسل إلا البلاغ وقد بلغوا والمعنى قد أقيمت عليهم الحجج بدعوة الرّسل فالله لم يتركهم هملًا؛ بل أرسل الرّسل وأنزل الكتب وهذه حجج الله قائمة لذلك قال هناك في الأنعام ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43) فالإنسان مخاطب بما أمر به وبما دعي إليه، وقد دعي إلى التّوحيد ونهي عن الشّرك وأعطي القدرة والاختيار والإرادة على ذلك ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ أن يحتج بالقدر، ولذلك قالوا : لا يستدلّ بالقدر في باب المعايب، يعني الإنسان لا يعصي الله ثمّ يقول : هذا بقدر؛ لأنّ الله قد منعك من المعصية وقال لك : إنّ المعصية حرام فكان من شأنك أن تمتنع منها وأن تأخذ بالأسباب قال ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 42) لذلك قالوا هنا (ولا حجّة للكفّار في الاعتذار بالقدر بعد أن جعل الله لهم مشيئة واختيارًا أرسل إليهم رسله).

ثمّ قال الله ﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44)

﴿أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النحل: 45) فالله أقام الحجج ببعثة هؤلاء الرّسل، ﴿بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ﴾ جماعة من النّاس فالمراد بالأمّة هنا الجماعة من النّاس ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (النحل: 46) اعبدوا الله وحده لا شريك له ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 47) قالوا في المختصر (يأمر أمته بأن يعبدوا الله وحده ويتركوا عبادة غيره من الأصنام والشّياطين وغيرهم) هذا معنى الطّاغوت.

إذًا ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 47) يعني : عبادة غير الله من الأصنام ونحوها، لذلك قال بعضهم : (الطّاغوت من عبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ وهو راض بذلك ) لئلّا ندخل في الطّواغيت (عيسى وعزيرًا ونحو ذلك )، أو لئلّا ندخل في هؤلاء (الملائكة ) أيضًا؛ لأنّهم لم يرضوا بذلك، ولم يدعوا إلى ذلك قال ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 47) وأيضاً الطّاغوت : ما تجاوز به العبد حدًّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاع.

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَـٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ﴾ (النحل: 48) إذًا منهم من هدى الله، ووفّقه وأرشده واستجاب لدعوة الرّسل، ﴿وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ﴾ ٱلضَّلَٰلَةُ وتأمّل هذا التّعبير القرآنيّ وتقدّم مرارًا أنّه من باب التّأدّب مع الله في باب الضّلالة لا ننسبها إلى الله مع علمنا بأنّه الّذي قدّرها لكنّه لا يظلم أحداً فقال ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل: 49) لم يقل ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ﴾ أضله الله إنّما قال ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: 50) كيف كان مصيرهم؟ بعدما حلّ بهم من عذاب وهلاك.

﴿۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ (النحل: 51)

﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل: 9) أي : إن تجتهد يا رسول الله على هداهم وعلى أن يستجيبوا لدعوتك ﴿وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ (النحل: 52) والرسول كان حريصًا حرصًا بالغًا على أن يؤمن قومه وقد قال الله له ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـَٔرُونَ﴾ (النحل: 53).

﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 54) قالوا هنا في المختصر (فإنّ الله لا يوفّق للهدأية من يضلّه) أي : ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ الله إضلاله دون أن يظلمه فإنّه لا يوفّقه سبحانه عدلًا منه، وإذا أراد هدأيته وتوفيقه وفّقه رحمة منه وفضل، وهناك قراءة أخرى ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ﴾ (النحل: 37) لا يهدي من أراد الله إضلاله لا يستطيع أحد أن يهديه، وهذا كقوله سبحانه ﴿وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِّنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ۗ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ (الكهف: 17) [سورة الكهف:17]. فهذا في هذا المعنى وكقوله ﴿وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِّنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ۗ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ (الكهف: 17).

﴿وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِّنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ۗ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ (الكهف: 17) يعني لا يستطيع أحد أن يهدي من أضلّه الله ، وهذا فيه أنّ العبد يلجأ إلى الله، إذًا العبد مخاطب بأن يأتمر بأمر الله، وأن يجتنب ما نهى الله عنه، وأن يأخذ بالأسباب، وأن يتوكّل على الله، وأن يسأل الله الهداية، وأن يسأل الله الهداية.

قال ﴿لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 55) ليس ﴿لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ﴾ ينصرهم ويدفع عنهم.

ثمّ قال ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ ۗ تَٱللَّهِ لَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (النحل: 56) ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ (النحل: 57) أقسم هؤلاء المشركون مجتهدين في الأيمان، وهذا معنى ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (النحل: 58) يجتهدون في الأيمان ويغلّظونها ويؤكدونها ﴿يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: 59) وهذا شأن المستيقن كأنهم متيقّنون أنّه لا بعث، وهناك جماعات منهم كان عندهم تردّدٌ وشكٌّ ـ ومنهم من يجزم بعدم البعث ﴿يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: 59) فردّ الله ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (النحل: 60) يبعث من يموت ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (النحل: 61).

﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ﴾ (النحل: 62)

قد يقول قائل وما الحكمة من البعث؟ جاء الجواب في هذه الآية، إذًا إذا قيل لك : استخرج من هذه الآيات فوائد البعث وحكمة البعث؟

1-فمن ذلك ﴿تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 63) يبعث الله العباد ليبيّن لهم الاختلاف الّذي وقعوا فيه في الدّنيا، هناك من يوحّد الله وهناك من يشرك بالله يفصل الله بينهم ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج: 17) [سورة الحج:17]. فيوم البعث للفصل بين الخلائق (شككوا في النّبوّات - شككوا في الرّسالات - شككوا في الكتب المنزّلة ) ﴿تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 63) لذلك قالوا هنا في المختصر (يبعثهم الله جميعًا يوم القيامة ليوضّح لهم حقيقة ما كانوا يختلفون فيه من التّوحيد والبعث والنّبوّة ) هذه فائدة.

والفائدة الثّانية من البعث في الآية ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 64) هؤلاء الّذين أقسموا ﴿لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾، ويقول لهم كذبتم! قد بعثكم الله، هؤلاء الّذين قالوا (لله شركاء)! يعلمون أنهم كاذبون ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 64) فيما ادّعوا من ادّعاء الشّركاء لله، وإنكار البعث.

﴿وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (النحل: 65) هذا ردٌّ على من أنكر البعث، يا هذا الّذي تنكر البعث لم تنكره أما تعرف قدرة الله! ﴿إِلَّا﴾ ﴿تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾! ﴿إِلَّا﴾ تعلم أنّ أمر الله ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ شيئًا أن يقول له كن فيكون فمن يحول بينه وبين أمره؟ ﴿وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (النحل: 65).

ثمّ قال الله مثنياً على المهاجرين ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41)

في الآيات السّابقة مضى معنا في ذكر جزاء المتّقين : أنّ الله يجزيهم في الدّنيا، وفي الآخرة كذلك هنا في الآية قال ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِّلشَّـٰرِبِينَ﴾ (النحل: 66) هذا جزاء في الدّنيا ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (النحل: 67) ولذلك هناك ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43) ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أخير من الدّنيا كما قال هنا (أكبر) وقوله ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (النحل: 68) : هاجروا من أجل الله لا من أجل دنيا زائلة، (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)

1-وقد قال بعضهم : هذه الآية في شأن الّذين هاجروا هجرة الحبشة.

2-ومنهم من قال : إشارة إلى ما سيكون من الهجرة النّبويّة /أو أنّ هذا مستثنًى من السّورة المكّيّة أو باعتبار ما سيكون؛ لأنّ السّورة كما تقدّم أنّها سورة مكّيّة؛ وإن استثنى بعضهم منها بعض الآيات والأصل أنّ السّورة تكون كلها مكّيّة إلّا ما استثني بدليلٍ وسيأتي التّنبيه على ذلك في بعض المواضع في هذه السّورة الكريمة.

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِّلشَّـٰرِبِينَ﴾ (النحل: 66) ما معنى ﴿ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 69) قالوا هنا في المختصر (لننزلنهم في الدّنيا دارًا يكونون فيها أعزة ) قال بعضهم أي : المدينة باعتبار أنّ هذا سيقع في المدينة أو أنّهم في الحبشة باعتبار أنّهم لم يظلموا هناك.

﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (النحل: 67) وبعضهم يعمّم في قوله ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (النحل: 70) من سعة الأرزاق من دفع الهموم والكروب وما إلى ذلك.

ثم قال ﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (النحل: 71) أي : من أوصاف هؤلاء الّذين هاجروا أنّهم جمعوا بين الصّبر والتّوكّل ﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (النحل: 71) ولعلّكم تتذكرون ما مضى معنا في سورة إبراهيم من ذكر الصّبر والتّوكّل على الله ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (إبراهيم: 12) [سورة إبراهيم:12].وقلنا هناك : إنّ الله جمع في هذه الآية بين ذكر الصّبر والتّوكّل ومن شأن هؤلاء الرّسل لأنّ الصّبر والتّوكّل يحتاج إليهما المرء، فهو حينما يصبر يكبح بذلك جماح شهواته ونزواته، فيستقيم على طاعة الله، ويترك معصية الله وهو حين يتوكّل على الله سبحانه فإنّ هذا التّوكّل مبنيّ على اليقين، وهذا اليقين يزيل فتن الشّبهات فبالتوكل تزال فتن الشّبهات وبالصّبر تزال فتن الشّهوات بفضل الله قال ﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (النحل: 71) نعم.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

العاقل من يعتبر ويتّعظ بما حلّ بالضّالّين المكذّبين كيف آل أمرهم إلى الدّمار والخراب والعذاب والهلاك قال الله ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (النحل: 72) هذا الّذي ينتفع بالسّير في الأرض والنظر والاعتبار.

الحكمة من البعث والمعاد إظهار الله الحقّ فيما يختلف فيه النّاس من أمر البعث وكل شيء : قال الله ﴿تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 63) هذه حكمة من حكم البعث، وهذه حكمة أخرى ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 64)

فضيلة الصّبر والتّوكّل : أمّا الصّبر فلما فيه من قهر النّفس؛ وأمّا التّوكّل فلأنّ فيه الثّقة بالله تعالى والتّعلّق به : قال الله ﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (النحل: 71) قولهم فلما فيه من قهر النفس وحينئذ ينجو من فتن الشّهوات؛ وأمّا التّوكّل فلأنّ فيه ثقة بالله والتّعلّق به وفي ذلك النّجاة من فتن الشّبهات.

جزاء المهاجرين الّذين تركوا ديارهم وأموالهم وصبروا على الأذى وتوكّلوا على ربّهم هو الموطن الأفضل والمنزلة الحسنة والعيشة الرّضيّة والرّزق الطّيب الوفير والنّصر على الأعداء والسّيادة على البلاد والعباد : قال الله لنا ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (النحل: 73)

أسأل الله الكريم من فضله، ونقف عند هذا الحدّ هذا والله أعلم

وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى إله وسلّم تسليمًا كثيرًا

والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المجلس الحادي والثامنون

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين أمّا بعد فنواصل التّعليق على كتاب المختصر في التّفسير للقرآن الكريم، وما زلنا مع آيات سورة النّحل.

قال الله سبحانه ﴿فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 74)

يبيّن الله في هذه الآيات أنّه لا وجه لإنكار المشركين نبوّة النبي ﷺ بدعوى أنّ الرّسول محمّدًا ‘ من جنس البشر، وليس من جنس الملائكة فإنّ الرّسل من قبله كانوا بشرًا؛ وبناءً على ذلك فالرّسول ليس بدعًا من الرّسل لذلك قال الله سبحانه ﴿۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَمَن رَّزَقْنَـٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 75) فالرّسل الّذين أرسلهم الله كانوا من البشر والرّسول ‰ ليس بدعًا عن هذه الحالة فقال ﴿۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَمَن رَّزَقْنَـٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 75) أي : رجالًا وليسوا ملائكة فالمراد بقوله ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 76) أي : من البشر، ولذلك قالوا هنا في المختصر ( فلم نرسل رسلًا من الملائكة وهذه سنّتنا المطّردة ) فقال ﴿۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَمَن رَّزَقْنَـٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 75) فليس لكم مستند ولا حجّة في ردّكم دعوة النبي ﷺ من أجل أنّه بشر والحقّ في ذلك أنّ الملائكة يرسلهم الله أو يرسل من شاء الله منهم إلى الرّسل، والرّسل يرسل الله إلى النّاس فلذلك هناك رسل من الملائكة فالآية لا تنفي أن يكون من الملائكة رسل؛ ولكنّها تبيّن أنّ الرّسل إلى النّاس هم من جنس البشر؛ وأمّا رسل الملائكة فلأنّهم يكونون رسلًا إلى الرّسل أنفسهم كما قال الله ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۚ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فاطر: 1) [سورة فاطر:1] وكما قال ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ (الحج: 75) [سورة الحج:75]. فقال ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۚ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فاطر: 1) وبعض العلماء استند بهذه الآية إلى أنّ النّبوّة والرّسالة لا تكون إلا في الرّجال؛ فلا تكون المرأة نبيّة، ولا تكون رسولًا؛ لأنّ الله قال ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (النحل: 77) قالوا هنا في المختصر (فاسألوا أهل الكتب السّابقة يخبروكم أنّ الرّسل كانوا بشرًا ولم يكونوا ملائكة إن كنتم لا تعلمون أنّهم بشر).

فقوله ﴿وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون إن كنتم تترددون في هذه المسألة وتنكرون نبوّة النّبيّ محمّد ‘ من أجل أنّه بشر فأمامكم أهل الكتاب، وأنتم تعرفونهم؛ بل وتشهدون لهم بالعلم، ولذلك جاء الأمر لهم ﴿وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78) لماذا وجّه المشركين إلى أهل الكتاب؛ لأنّ أهل الكتاب عند المشركين أعلم فهم يرون أنّ أهل الكتاب لأنّهم أصحاب كتاب فهم أعلم منهم، فكانوا يلجأون إليهم في مثل هذه الأبواب وأهل الكتاب وإن كان فيهم التّحريف والتّغيير والتّبديل؛ إلا إنّهم هذا المقام سيقرون بالحقيقة فإذا قيل لهم : ما تقولون في موسى؟ قالوا إنّه رسول الله وهو من البشر، ولن يجعلوه من الملائكة فلذلك قال الله ﴿وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78) فالمراد بالذّكر في قوله ﴿أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 79) يعني : أهل الكتب السّابقة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَـٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ﴾ (النحل: 48).

﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَـٰمِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَـٰثًا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍ﴾ (النحل: 80)

قوله ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 81) بما يتعلّق؟

1-قال بعض العلماء : هو وصفٌ لقوله ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ (النحل: 82) يعني : إلا رجالًا متلبّسين بالبيّنات والزّبر فقوله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (النحل: 83) يتعلّق بما هو وصفٌ لقوله ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ (النحل: 82) فهؤلاء الرّجال من شأنهم أنّهم جاءوا بالبيّنات، وجاؤوا بالزبر.

2-أو : أنّ قوله سبحانه ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 81) جواب عن سؤال مقدّر؛ وكأنّ السّؤال بما أرسلهم الله؟ ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۚ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فاطر: 1) بما أرسلهم الله؟ ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 81) ولذلك قالوا هنا في المختصر (أرسلنا هؤلاء الرّسل من البشر بالدّلائل الواضحة وبالكتب المنزّلة ) فهم اختاروا التّقدير، إذًا ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 81) أي : أرسلنا هؤلاء الرّسل من البشر بالدّلائل الواضحة وبالكتب المنزّلة.

وما معنى قوله ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 81) أمّا البيّنات : فهي الدّلائل الواضحة الّتي تدلّ على صدقهم فما بعث الله نبيًّا ولا أرسل رسولًا إلا وأيّده بدلائل وحجج تدلّ على صدقه حتّى يتّبعه أتباعه أو حتّى يتّبعه النّاس الّذين أمر بتبليغ دعوتهم وأرسل إليهم فهذا معنى ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (النحل: 83) : الحجج والدّلائل الواضحة.

﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (النحل: 84) ما معنى الزّبر؟ المراد بالزبر: الكتب المنزّلة، وأصل مادّة (زبر) تقول (زبرت الشّيء) : إذا كتبته كتابة غليظة فالمراد بالزبر هنا : كلّ كتاب غليظ الكتابة؛ للدّلالة على عظمة هذا الكتاب فلأنّها كتبٌ سمأويّة مباركة سمّيت بالزبر فالمراد بها الكتب المنزّلة هذا معنى بالبيّنات والزّبر.

﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ (النحل: 85) إذا كان ربّ العزّة سبحانه وبحمده قد أيّد الأنبياء السّابقين والرّسل الماضيين بالبيّنات والحجج وأيدهم بالكتب، فبماذا أيّد الله رسوله ‘ بما أيد الله النّبيّ محمّدًا ‘؟ أيّده بالقرآن الكريم وهو الذّكر فقال ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 86) فقوله ﴿وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (النحل: 87) في قوله ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 86) المراد به القرآن وقد نقل ابن الجوزيّ ¬ في زاد المسير إجماع المفسّرين على أنّ المراد بالذّكر القرآن الكريم إذًا ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 86) أي : القرآن وتقدّم معنا أنّ القرآن يسمّى بالذّكر أو يطلق عليه الذّكر لأنه مذكّرٌ للنّاس بالله، ولأنّه أعظم ما يذكر به العبد ربّه ولأنّه شرفٌ لمن تمسّك به إلى غير ذلك من معانٍ يشملها قولنا : إنّه الذّكر.

قال الله ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ﴾ (النحل: 88) هنا تأمّل قوله ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 86) مع أنّه ذكر فيما أرسل به الرّسل ذكر أمرين أ- البيّنات والزّبر ب - وهنا قال ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 86) فاكتفى بذكر الذّكر وذلك لأنّ الذّكر -والعلم عند الله- يشمل الأمرين فالذّكر آية وحجّة وهو أيضًا منهج فالقرآن الكريم هو الكتاب المنزّل وهو أعظم الآيات الّتي أيّد الله بها النّبيّ محمّدًا ‘ ولذلك جاء عن النبي ﷺ كما في المتّفق عليه من حديث أبي هريرة ¢ (ما من الأنبياء نبيٌّ إلا وأعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنّما كان الّذي أوتيته وحيًّا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ) ‘ فمعجزة النبي ﷺ وآيته الكبرى - القرآن الكريم - وهو المنهج فالقرآن جمع بين كونه المنهج والرّسالة وكونه الآية والمعجزة ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 86) ثمّ بيّن الحكمة من إنزال هذا الذّكر وعلّة إنزاله فقال ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89)

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90) أي : لتوضح لهم ما نزل إليهم وقوله ﴿وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل: 91) يشمل أمرين يشمل بيان الألفاظ وبيان المعاني معنى ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: 92) بأن تبلّغهم القرآن وأن تبيّن لهم معاني القرآن ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 93) وهو القرآن ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 93) وهو القرآن الكريم أي : أنت مهمتك وأن تبيّن هذا القرآن الكريم فالله أنزله عليك أو أنزله إليك لتبيّنه للنّاس فأنت أعلم النّاس به - أعلم النّاس بالقرآن الكريم والرّسول ‰ إذ أوحى الله إليه بهذا القرآن فهو أعلم النّاس به، ولذلك أعظم ألوان التّفسير تفسير القرآن بالقرآن ثمّ تفسير القرآن بالسّنّة بتفسير النبي ﷺ أو ما يسمّى بالتّفسير النّبويّ

﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ (النحل: 85) أيضًا من حكم إنزال القرآن الكريم ومقاصده التّفكّر وهذا يدلّ دلالة واضحة على أنّ القرآن كتاب تفكّر، فالله بيّن من مقاصد إنزال القرآن التّفكّر؛ فالقرآن كتابٌ يدعو إلى التّفكّر، ولذلك ليس كما يصنع بعضهم مع بعض الكتب الأخرى أن يحجب النّاس عن تأمّل ما في كتبهم وأن يقول لهم : خذوا هكذا الكتاب دون تدبّرٍ ودون تأمّل؛ لأنّه يعلم أنّ في هذه الكتب تناقضًا وتحريفًا؛ أمّا القرآن فإنّه يدعو النّاس إلى التّفكّر فيه لأنه كلّما أمعن الإنسان فيه وتفكّر أيقن بأنّه كلام الله لا كلام غيره .

وهنا في المختصر قالوا (وأنزلنا إليك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرّسول القرآن لتوضح للنّاس ما يحتاج منه إلى توضيح) ما يحتاج منه إلى توضيح وهذا منهم جليل وجميل لأنّ هذا يحلّ لنا إشكالا في هذا الباب، وهو هل بيّن الرّسول ‘ معاني القرآن؟ لأنّ قوله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 94) يبيّن أنّ النبي ﷺ من مقاصد إنزال القرآن إليه أن يبيّن للنّاس معنى هذا القرآن الكريم.

وهنا يرد السّؤال هل بيّن الرّسول ‘ جميع معاني القرآن؟

فبعض العلماء قال بذلك.

وبعض العلماء قال لم يبيّن منه إلا القليل والأقرب في ذلك أن يقال بيّن لهم ما يحتاجون إلى بيانه، وذلك أنّ القرآن أو أنّ ألفاظ القرآن أو كلمات القرآن الكريم على أنواع وعلى درجات فهي ليست على درجة واحدة

فهناك كلمات واضحة يقرأها القاصي والدّاني وقريب الفهم ومن عنده غورٌ في الفهم فيدرك الجميع هذه المعاني، ولا ﴿تَكَادُ﴾ تخفى على أحد، وكذلك كلمات لا تحتمل إلا معنىً واحدًا.

بينما نجد كلمات أخرى : فيها بعض غرابة يحتاج النّاس إلى معرفة لسان العربيّة ليدركوا معناها، هناك كلمات تحتمل أكثر من وجه فيستطيع العلماء أن يرجّحوا المعنى المراد، ولا يصل إليه غيرهم؛ وإنّما يقلّدونهم فيما وصلوا إليه؛ وبناء عليه :- فإنّ النّبيّ صلوات الله وتسليماته عليه يبيّن للنّاس ما يحتاجون إليه من معاني القرآن الكريم.

أمّا المعنى الواضح الّذي لا يختلف فيه اثنان؛ فلا حاجة إلى بيانه لأنّ النّاس على العربيّة والصّحب الكرام كانوا أصحاب لسان فبيّن لهم الرّسول ‘ ما يحتاجون إليه لذلك كان إذا أشكل عليهم أمر في فهم آية من آيات القرآن سألوا الرّسول ‘ عنه، وأيضاً فإنّ النبي ﷺ كان يطبّق القرآن فكان خلقه القرآن؛ فإذا فهمنا أنّ المراد ببيان النبي ﷺ بيان يشمل البيان القوليّ والبيان الفعليّ التطبيقي فإنّ هذا يوضّح لنا أنّ صورة البيان أوسع دائرة ممّا لو حصرنا الأمر في مسألة البيان القوليّ؛ فإنّ الإنسان إذا تتبّع الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في تفسير القرآن الكريم لن يجدها شاملة لكلّ آيات القرآن؛ بل ولا أكثر آيات القرآن لكنّنا إذا أدخلنا مع ذلك بيانه العمليّ صلوات ربّي وتسليماته عليه فإنّ الأمر يزيد.

إذًا القول في هذا الباب أنّ النبي ﷺ بيّن لهم ما يحتاجون إليه ويدل على ذلك أيضًا – أعني أنّه لم يبيّن كلّ كلمة - وجود اختلافٍ بين الصّحابة ٪، ولو كان النبي ﷺ بيّن للصّحابة كلّ معاني آيات القرآن وكلّ معاني كلمات القرآن ما وقع اختلافٌ بين الصّحابة؛ بل كان يكفي الواحد منهم أن يقول للآخر قد قال الرّسول كذا فحينئذ يتوقّف الآخر، ولا يجتهد؛ لأنّه يتبع النبي ﷺ فيما قال، وهذا أيضًا من فضل الله وإحسانه أن يبقى القرآن الكريم، وأن تبقى معانيه لتفتح الآفاق لأولي العلم ليتميّز بعضهم عن بعض بمزيد من التّأمّل والاجتهاد ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.

قال الله سبحانه ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89) ثمّ قال الله منكرًا وموبّخاً لأولئك الكفّار الّذين لا يرعون عن غيّهم ولا يرتدعون فقال :

﴿وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 95)

هذه أربعة أحوال ذكرها الله وتوعّد بها أولئك الّذين يمكرون السّيّئات من الكافرين الجاحدين لنبوّة النّبيّ الأمين ‘ ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 96) أي : دبّروا المكائد ﴿لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أفأمن هؤلاء ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97) كما خسفها بقارون ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (النحل: 46) من حيث لا ينتظرون مجيئه! توعّدهم الله سبحانه بخسف الأرض بهم أو بأن يأتيهم العذاب فجأة من حيث لا يشعرون ولا يدرون.

فهذا وعيدٌ لــمن مكر السّيّئات كما قال الله سبحانه ﴿أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ (الأعراف: 99) [سورة الأعراف:99]. وقال قبلها ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأعراف: 97-98) [سورة الأعراف:97-98].

قال ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأعراف: 97-98) هذه حالة ثالثة : أن يأخذهم الله سبحانه في تقلّبهم، ما معنى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ (النحل: 98) يعني : في حال تقلّبهم، وتصرّفهم في أمور معاشهم، وفي سفرهم؛ فالمراد بالتّقلّب : التّصرّف والحركة في الأسفار، وفي السّعي على أمر المعاش ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأعراف: 97-98) ليسوا بفائتين، ولا ممتنعين على الله فلا يعجزون الله، ولا يفلتون من عذابه.

ثمّ قال ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99) هذا أمرٌ رابع يهدّد الله به أولئك الّذين يمكرون السّيّئات فيقول ﴿إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 100) ما معنى ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) قوله ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) فيها قولان : -

1 - هنا قالوا في المختصر (أو أمنوا أن ينالهم عذاب الله حال خوفهم منه) فإذًا معنى ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) يعني : وهم خائفون من الله فيكون قوله ﴿إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 100) في مقابلة قوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (النحل: 46) يعني : أنّهم يخافون وينتظرون مجيء العذاب، فيأتيهم العذاب على تخوّف يعني :- هم يترقبونه فيأتيهم العذاب، والأول أن يأتيهم فجأة دون ترقّبٍ منهم وتخوّف، فذكر الأمرين.

2- والمعنى الثّاني وقال به عدد من الصّحابة ومن بعدهم قالوا : إنّ التّخوّف يأتي بمعنى (التنقّص) فمعنى ﴿إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 100) يعني : على تنقّص بأن يهلك بعض أطرافهم، أو يهلك بعضهم إلى أن يستأصلهم فيكون المراد (بالتخوف) : التنقّص شيئًا فشيئًا إلى أن يهلكهم جميعًا ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99) وقوله ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (النحل: 61) فيه بيان أنّه لم يفعل ذلك بهم لرأفته ولرحمته فهو لا يعاجلهم بالعقوبة؛ بل يفتح لهم مجال التّوبة والأوبة فهو رؤوف رحيم .

ثمّ قال ﴿قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 102)

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 103) هذا فيه إنكارٌ وتوبيخٌ لهم ما الّذي يجعلهم يعرضون؟ يعرضون عن الإلهية ويعرضون عن التّصديق بالنّبيّ محمّد ‘، فعادت الآيات إلى الحديث عن التّوحيد واثبات أنّ الله واحدٌ لا شريك له ، وهذا كثير في القرآن الكريم تجد أنّ الآيات الكريمة حينما تتحدّث عن بعض قضايا العقيدة تعود مرّة أخرى إلى تقرير التّوحيد؛ لأنّ التّوحيد هو الأصل عبادة الله وحده لا شريك له هي الأصل فإذا وحّد العبد ربّه اتّبع رسوله واستجاب لدعوته، وآمن بالبعث والآخرة ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 103) وهناك قراءة أخرى متواترة (أولم تروا ) وقراءة (أولم تروا ) فيها التفات لأنّ الحديث عنهم كان بالغيبة قال الله ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97) ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 104) فإذا قال (أولم تروا ) صار هذا من قبيل الالتفات.

﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 105) قالوا هنا في المختصر (أولم ينظر) فمعنى ﲂ ﲃ} : أولم ينظروا بدليل قوله ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 106) وهذا نراه ونبصره فلذلك فسّرت الرّؤية هنا : بالرّؤية البصريّة، قالوا في المختصر (أولم ينظر هؤلاء المكذّبون نظر تأمّلٍ إلى مخلوقاته)

ما المراد بالرّؤية هنا؟ : النّظر نظر التّأمّل والاعتبار قال الله ﴿قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 102)

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (النحل: 107) قالوا هنا في المختصر (تميل ظلالها يمينًا وشمالًا تبعًا لحركة الشّمس وسيرها نهارًا وللقمر ليلًا) قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾ (النحل: 108) يعني : يميل ظلالها، فالتفيؤ : من الفيء، والفيء معناه : الميل والرّجوع فأحياناً يميل الظّلّ جهة اليمين، وأحيانا يميل جهة الشّمال، فهذا موجود، وهذا موجود.

وقد قال بعضهم : إنّما أفرد اليمين؛ لأنّ اليمين يذكر معه أهل اليمين، ويذكر معه أهل الجنّة فيناسبهم التّقديم من جهة والإفراد من جهة فإنّ الإفراد من معانيه أو من مقاصده وأسراره التّنويه بشرف هذا الّذي جاء بصيغة الإفراد ولذلك لـمّا ذكر الله النور والظلمات أفرد النّور وجمع الظّلمات فقال ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام: 1) [سورة الأنعام:1]. فكذلك قالوا هنا : أفرد فقال ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام: 1).

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة