سورة النحل — الجزء 1
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
سورة النحل
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين أمّا بعد.
فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلس جديد من مجالس التّعليق على كتاب المختصر في التّفسير وننتقل اللّيلة بفضل الله وتوفيقه إلى التّعليق على تفسير سورة النّحل.
التعريف بالسورة
قال أصحاب المختصر (سورة النّحل : سورة مكّيّة. من مقاصد السّورة التّذكير بالنّعم الدّالّة على المنعم )
سورة النّحل : سورة مكّيّة، هذه السّورة الجليلة تسمّى بسورة النّحل وقد ذكر الله فيها النّحلة فقال ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) [آية : 68] فممّا اختصّت به هذه السّورة ذكر النّحل وذكر بعض فوائد النّحل، وما يتعلّق بغذائها، وما يستفاد منها وهذا خلقٌ عجيبٌ وفيه آيات جليلة، ولذا سمّى الله هذه السّورة بسورة النّحل؛ وكأنّ النّحل يدلّ على ما سواه من النّعم الكثيرة الّتي أنعم الله بها على العباد؛ لكنّ أكثر النّاس في غفلة عن تلك النّعم العظيمة.
سورة النّحل تسمّى أيضًا بـ ( سورة النّعم )، وهذا يدلّك على مقصود السّورة وقد تقدّم معنا مرارًا أنّ معرفة اسم السّورة يساعد على معرفة مقصودها، وأحياناً يكون ذلك من خلال الاسم التّوقيفيّ وهو الأصل وربّما استفيد ذلك ممّا ذكره بعض العلماء في أسماء بعض السّور حينما يذكرون أسماءً غير توقيفيّة - وهي الأسماء الاجتهاديّة.
هذه السّورة الجليلة كما قلت سمّاها بعضهم بسورة النّعم وهذا ينبّئك عن أنّ مقصودها :-
1- الحديث عن نعم الله .
2-ولك أن تقول : - إنّه من مقاصد السّورة العظيمة ذكر الدّلائل الكونيّة والشّرعيّة.
ففي السورة كثير من آيات الله الكونيّة.
وأيضاً حديثٌ عن آيات الله الشّرعيّة يتمثّل ذلك في الوحي - في القرآن الكريم - والسّورة من بدايتها حدّثتنا عن نعمة الوحي ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ (النحل: 101).
-ثمّ استفاضت السّورة في الحديث عن آيات الله الكونيّة ولذلك في السّورة ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 3) ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 4) ﴿وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (النحل: 5) ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (النحل: 6) إلى غير ذلك ممّا ورد في هذه السّورة الكريمة الجليلة.
هنا قالوا من مقاصد السّورة ( التّذكير بالنّعم الدّالّة على المنعم ) إذًا هذه السّورة - سورة حدّثنا الله فيها عن النّعم ليذكرنا به وليعرفنا به ولنعلم أنّ الإله الواحد الّذي لا شريك وهذا بيّنٌ من أول السّورة إلى آخرها؛ لذلك نجد في السّورة - ذكر النّعمة - ففي السّورة أيضًا ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَـٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 7).
ثمّ كذلك إذا نظرنا في النّعم كما قلت فإنّنا سنجد نماذج كثيرة من الآيات الكونيّة : - من نعمة الماء، وتسخير البحر، وما في ذلك من نعم كثيرة، واللّيل ﴿وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ﴾ إلى غير ذلك ممّا ذكره الله في هذه السّورة.
كذلك ممّا ذكره الله ما تعلّق بأمر النّحل والنّعمة الّتي أنعم الله بها علينا في أمر النّحل.
وكذلك ﴿وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 8) فهي نعمة قد تخفى على كثير من النّاس؛ لكنّها عند التّأمّل ترى أنّها نعمة عظيمة وجليلة بفضل الله؛ بل إنّ الله أيضًا في آخر السّورة الكريمة ذكر لنا مثلاً لهذه القرية ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112) [سورة النحل:112]
كذلك لما أثنى الله على إبراهيم عليه السلام في هذه السّورة - أثنى عليه فقال ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ٱجْتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 120-121) [سورة النحل:120-121]. فتأمّل وصف الله لإبراهيم ’ في هذه السّورة الكريمة بقوله ﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (النحل: 122) فهذا يدلّ على أنّ هذه النّعمة نعمة جليلة، وأنّ النّعم الّتي أنعم الله بها على العباد ينبغي أن تقابل بالشّكر لا أن تقابل بالكفر على خلاف ما وقع من الكافرين والجاحدين للنبوات ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 123) فذكر الله أنّ هؤلاء يعرفون نعمة الله؛ لكنّهم ينكرون نعم الله ولا يقرّون بها ـ ولا يشكرون الله عليها وقال ﴿لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 55) [سورة النحل:55] فهذا يدلّ على أنّ كثيرًا من النّاس يقابل النّعمة بالكفران لا بالشّكر فكان لنا في ذلك الأسوة بإبراهيم ’، والحذر ممّا وقع من هؤلاء الجاحدين لنعم الله وهكذا.
نرى في السّورة الكريمة أيضًا ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَـٰمِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَـٰثًا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 80-81) [سورة النحل:80-81] إلى آخر الآيات الكريمة.
بل أيضًا في أوائل السّورة قال الله سبحانه ﴿وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَـٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 5-8) [سورة النحل:5-8] هذه آيات في السّورة الكريمة بثّت فيها آيات كثيرة، ونعم كثيرة وجليلة، ولذلك يمكنك أن تقول -والعلم عند الله- أنّ هناك صلة كبيرة بين سورتي إبراهيم والنحل فإذا كنّا قد قرّرنا سابقًا في مقصود سورة إبراهيم أنها سورة الحديث عن النّعمة، ولا سيّما نعمة التّوحيد، وعنّ النّقمة ولا سيّما نقمة الشّرك؛ فإنّ سورة النّحل جاءت متمّمة لما ذكرته سورة إبراهيم.
- فإذا كانت سورة إبراهيم كان التركيز فيها وتوجيه الخطّاب فيها إلى ( نعمة الإيمان ) فإنّ سورة النّحل عمّمت فذكرت ما يتعلّق ( بنعمة التّوحيد والإيمان ) وذلك في باب التّوحيد، والإيمان بالله ربّ العالمين والتّحذير من الشّرك ثمّ استفاضت في بقيّة النّعم.
ولذلك نجد أيضًا في سورة إبراهيم وسورة النّحل اشتراكًا في قصّة الخليل إبراهيم عليه السلام أو في ذكر إبراهيم عليه السلام، فهناك في سورة إبراهيم ذكر الله قصّة إبراهيم عليه السلام فيما يتعلّق بالتّوحيد وإقامة الصلاة، وما يتعلّق ببلد الله الحرام وبلد الله الحرام والكعبة المشرّفة رمزٌ لهذا الدّين العظيم حينما تصرف العبادة لله وحده لا شريك له.
وجاءت سورة النّحل لتتحدث عن قضيّة الأنعام في قوله ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل: 9) أيضًا -والعلم عند الله-ï فإنّ هذه السّورة سورة النّحل إذا كانت قد تعرّضت كثيرًا للآيات الكونيّة، وقد كثر فيها ذلك على اختلاف أنواعها وأشكالها فإنّها أيضًا تحدّثت عن الوحي في مواطن كثيرة من السّورة الكريمة
ج- بل إنّك تجد أنّ وصف التّبيين الموجود في إنزال القرآن على النبي ﷺ ممّا ذكر في هذه السّورة بل زاد بيانه في هذه السّورة بما تختصّ به عن غيرها فجاء في السّورة الكريمة ما يبيّن هذا المعنى في أكثر من موضع -والعلم عند الله- تعالى
1-فقوله سبحانه ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (النحل: 10) في هذه السّورة الكريمة.
2-وأيضا ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89) في هذه السّورة، فهذا ممّا جاء في سورة الكهف.
3- بل أيضًا فيها ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89) [سورة النحل:89] فهذا في سورة النّحل.
إذًا الحديث عن القرآن، وأنّ القرآن تبيان وأنّ القرآن مبين وأنّ الرّسول ‰ من أعظم مهامه أن يبيّن ﴿لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ممّا جاء في هذه السّورة الكريمة وتكرّر وتقرّر فهذا يدلّك على أنّ الوحي نعمة لأنّه بيّنٌ ومبيّن إذا كان الأمر كذلك فلا ينبغي أن يترك، ولا ينبغي أن يجحد؛ بل على النّاس أن يقبلوا على هذا الدّين وأن يؤمنوا بالله ربّ العالمين على كلّ حال سيظهر هذا بجلاء بفضل الله في أثناء تفسير السّورة الكريمة
بل إنّك تلاحظ في السّورة الكريمة كلمة (لكم) تتكرّر كثيرًا في السّورة ﴿جَعَلَ لَكُم﴾ (النحل: 72) (لكم) (لكم) من أجلكم فهذا يدلّ على أنّ السّورة فيها تحدثٌ عن نعم الله وآيات الله الكونيّة تدعو الإنسان إلى اعتقاد أنّ الله مالك كلّ شيء، وأنّه المستحقّ للعبادة والنّاظر أيضًا في الآيات الشّرعيّة من الكتاب العزيز وتلاوة القرآن وتدبّره فهذا يقوده أيضًا إلى الإيمان بالله ربّ العالمين.
نسأل الله سبحانه أن يرزقنا الإيمان وأن يوفّقنا لما يحبّه ويرضاه.
نعم يجدر بنا أيضًا بين يدي تفسير السّورة الكريمة أن نقرّر ما هو متقرّر عندنا في أنّ السّور المكّيّة تعنى بأصول الاعتقاد - بالحديث عن التّوحيد -، والحديث عن الرّسالة، والحديث عن البعث، وهذا يقودنا إليه ما تقدّم من ذكر نعم الله سبحانه الّتي تقودنا إلى الإيمان بهذه الأصول كلّها.
لذلك من أول السّورة ﴿أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ أَنْ أَنذِرُوٓا۟ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ﴾ (النحل: 1-2) [سورة النحل:1-2]. وهذا هو الوحي وهذه هي الرّسالة ﴿إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل: 22) فجاء حديث عن التّوحيد وحديث عن الرّسالة.
وكذلك جاء الحديث عن البعث ﴿إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل: 22) [سورة النحل:22]. وسيأتينا بإذن الله في تفسير هذه الآيات أنّ هذه الآيات من خصائصها أنّها جمعت في الوقت ذاته بين الحديث عن الإيمان بالله، والحديث عن الإيمان بالبعث وأنّ بينهما ارتباطًا وثيقًا، وأنّه لا ينبغي أن يفصل الإنسان بينهما؛ بل عليه أن يؤمن بالله، وأن يؤمن باليوم الآخر كما جاء في ذلك في مواضع كثيرة من القرآن الكريم على كلّ حال فأصول الاعتقاد من الإيمان بالله والإيمان بالرّسالة والإيمان بالبعث مذكورة ومبثوثة في هذه السّورة الكريمة بفضل الله.
قال الشيخ حفظه الله
افتتح الله السّورة بقوله ﴿أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 1)
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (النحل: 24) قالوا هنا في المختصر (اقترب ما قضى الله به من عذابكم)، إذًا ما المراد بـ ﴿أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾ (النحل: 1)؟
1-المراد بـ (أمر الله ) على قول كثيرين المراد به : - السّاعة، ويلحق بالسّاعة عذاب الكافرين.
﴿قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النحل: 26) أمر الله الّذي قضاه الله وقدره، وهو يوم القيامة، وما يتبعه من حساب وعذاب للكافرين ونعيم للمؤمنين.
2-لكنّ بعضهم : خصّ ذلك بالعذاب؛ لأنهم قالوا :إنّ الخطّاب في قوله ﴿ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (النحل: 27) : إنّما هو لأهل الشّرك والكفر؛ لأنّهم هم الّذين يستعجلون.
فأهل الإيمان يخافون من يوم القيامة ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِى ٱلسَّاعَةِ لَفِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍ﴾ (الشورى: 18) [سورة الشورى:18]. وأمّا الكفّار فكما قال الله ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (العنكبوت: 53-54) وكما قال ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (العنكبوت: 53-54) [سورة العنكبوت:53-54]. ومن ذلك ما فعلوه، ومن ذلك قولهم ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (العنكبوت: 53-54).
فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّ الخطّاب في قوله ﴿ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (النحل: 27) وللكفّار والمشركين.
خلاصة وتثبيت الفكرة
فإنّ معنى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (النحل: 24) يعني : - أتى عذابه - والمراد به عذاب الآخرة -،ولذلك قالوا هنا في التّفسير ( اقترب ما قضى الله به من عذابكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكفّار ).
لكن بعض العلماء قال : وأيضا من المؤمنين من يستعجل لكن يستعجل ماذا؟ يستعجل تعذيب الله للكافرين حينما يرون هؤلاء الكافرين فيما هم فيه من عتوّ ونفور واستكبار؛ فإنّهم ينتظرون هذا العذاب الّذي يلحقهم ليعاقبهم الله لكنّ الله ليعجّل لعجلة أحد .
لكن الأكثرين قالوا المراد به أهل الكفر ﴿ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (النحل: 27).
وقوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (النحل: 24) جاء التّعبير عنه بالفعل الماضي، والمراد به على قول الأكثرين الفعل المستقبل أو كما نقول (سيأتي) فالمراد به المضارع مع دخول السّين عليه الّتي تدلّ على معنى الاستقبال؛ فمعنى قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (النحل: 24) أي سيأتي أمر الله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (النحل: 24) يعني سيأتي أمر الله بدليل قوله ﴿ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (النحل: 27) فإنّ قوله ﴿ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (النحل: 27) يدلّ على أنّه : (ما أتى)! إذًا كيف عبّر عنه بـ (أتى)؟
فقالوا : - هذا لتحقّق الوقوع فالشّيء المتحقّق الوقوع مستقبلًا قد يعبّر عنه بالفعل الماضي لتحقّقه كقوله ﴿لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 55) وكقوله ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 28) وهذا النّداء سيكون بعده فإذًا قوله ﴿فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (النحل: 29) بمعنى سيأتي أو المعنى الثّاني : إنّ (أتى) هنا بمعنى وهذا ما فسّروا به الآية حينما قالوا (اقترب ما قضى الله به) فأحيانا يعبّر عن الاقتراب من الفعل بالفعل كما يعبّر عن الاقتراب كما يعبّر عن الفعل بالاقتراب منه فهذا وذاك ربّما تنأوبا فانتقد تذكّر الفعل ويراد القرب منه أو عكس.
فهنا ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (النحل: 24) يعني : اقترب قيامه أو اقترب أمر الله واقترب وقوعه، فهذا معنى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 231) كما في قوله ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 231) فهناك قالوا ما معنى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 231) في ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 231) [سورة البقرة :231]. ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هناك إنّ المراد بقوله ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 231) أي : - فقاربن انقضاء العدّة؛ لأنّ قوله ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: 30) لو انقضت العدّة ما كان له أن يمسكها؛ وإنّما ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يمسك الزّوج زوجته؟ إذا كانت لا تزال في العدّة ففهمنا أنّ معنى قوله ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 231) يعني واقتربن من انقضاء العدّة ولمّا تنقضي بعد.
قال الله ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (النحل: 23) ومن المناسبة بين أول السّورة وخاتمة السّورة أنّ الله قال هنا ﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (النحل: 127) فناهم عن الاستعجال ومقابل الاستعجال الصّبر وفي آخر السّورة ﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (النحل: 127) [سورة النحل:127]. فالأمر بالصّبر يقابله الاستعجال ففي أول السّورة النّهي عن الاستعجال وفي آخر السّورة الأمر بالصّبر.
قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (النحل: 128) إذ يجعلون له الشّركاء والأنداد فهو منزّهٌ عن ذلك.
﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ (النحل: 101)
{ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ } المراد بالرّوح : الوحي قالوا : - لأنّ الوحي روح للنّاس فهو حياتهم وبه حياة قلوبهم؛ فلذلك سمّاه الله { ﲅ } فقال ﴿قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ (المؤمنون: 66) أي : بـ الروح أي بالوحي؛ لأنّه روح للنّاس فكما أنّ النّاس لا يستغنون عن قوتهم فينبغي لهم إلّا يستغنوا عن غذاء روحهم - وهو الوحي- وقد ذهب الجمهور إلى أنّ المراد بالملائكة هنا جبريل عليه السلام لكن عُبِّر عنه (بالملائكة)، فهو تعبير بالعامّ عن أحد أفراده وهو جبريل عليه السلام قالوا : - لأنّه رئيسهم وقائدهم فكأنّه : الملائكة، قال ينزل ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) بالوحي { ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ } من الرّسل والأنبياء.
{ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ} فالدّعوة العامّة الّتي دعا لها الرّسل أو دعا إليها الرّسل { ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ} فكلّ نبيّ ورسول يدعو قومه إلى هذا ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44) الدّعوة إلى توحيد الله.
{ﲖ ﲗ ﲘ ﲙﲚ ﲛ ﲜ ﲝ} من المعلوم أنّ الله يذكر بعض دلائل ربوبيّته من الخلق ونحوه للدّلالة على أنّه المستحقّ للعبادة وحده سبحانه فهنا قال ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44) ومن دلائل ذلك خلق السّماوات والأرض {ﲙﲚ ﲛ ﲜ ﲝ} فالّذي خلق السّماوات والأرض هو المستحقّ للعباد.
وقوله {ﲙﲚ} يعني :- أنّ السّماوات والأرض خلقهما الله لحكمة وهي الأمر بعبادته وبناء عليه فمن زعم أنّه لا تلزمه العبادة فحينئذٍ معنى ذلك أنّ السّماوات والأرض قد خلقتا عبثًا، وقد بيّن الله ذلك أيضًا في ختام سورة الحجر، وهذه من التّناسب بين آخر السّورة وأولها ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌ ۖ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ﴾ (الحجر: 85) [سورة الحجر:85] وتقدّم أنّ هذا متكرّرٌ ومتكرّرٌ في القرآن الكريم ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ (ص: 27) [سورة ص:27].
قال الله سبحانه ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56) إذًا الحقّ من أجل الأمر والنّهي كقوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)[سورة الذاريات:56]. كذلك خلق السّماوات والأرض من أجل أن يعبد النّاس ربّهم ومن أجل أن يكون بعد ذلك حساب وجزاء كما قال ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾ (النجم: 31) [سورة النجم:31].
قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾ (النجم: 31) تأمّل في أول الآية في أول آية ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾ (النجم: 31) وتكرّر هنا ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾ (النجم: 31) ففي هذا بيان أنّ السّورة الكريمة من مقاصدها أيضًا التّحذير ممّا وقع فيه المشركون وبيان قبح الشّرك فكما أنّ في السورة بيانًا لدلائل التّوحيد من الآيات الشّرعيّة والآيات الكونيّة ففيها تنفير من الشّرك وبيان عاقبة أصحابها.
قال الله سبحانه ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ (المرسلات: 20-21)
قالوا هنا في المختصر (من نطفة مهينة ) كما قال ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ (المرسلات: 20-21) [سورة المرسلات:20-21]. وقد ذهب عددٌ من المحقّقين إلى أنّ النّطفة المراد بها : - اختلاط ماء الرّجل بماء المرأة وقالوا : لا نقول ماء الرّجل فحسب؛ قالوا لأنّ الله سبحانه قال في سورة الإنسان ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ (الإنسان: 2) [سورة الإنسان:2]. فبيّن أنّ النّطفة : أمشاج - أخلاط من ماءٍ الرّجل وماء المرأة -.
قال ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179) وهذا فيه بيان التّعجيب من حاله ما المراد من قوله ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179) تعجيب من حاله فمعنى ﴿فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11) خلق الإنسان من ماءٍ مهين ضعيف؛ فإذا كان الأمر كذلك فما لهذا الإنسان يتكبّر ويخاصم ويجادل!! شأنه أن يتواضع، وأن ينكسر، وأن يذلّ - لا أن يتكبّر ويتفاخر -.
فقال ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179) :-
قالوا هنا في المختصر (فإذا هو شديد الجدال بالباطل ليطمس به الحقّ المبين في جداله به) وهذا معنى خصيم مبين.
بعض العلماء يقول وهو القول الأشهر ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179) لله يعني يخاصم الله ويجادل في آيات الله والمعنى : الإنسان هذا الكائن الضّعيف من الله عليه وأحسن خلقه وسوّاه وعدّله فإذا بهذا الإنسان يخاصم ربّه ويجادل في آيات الله ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179)
وبعض العلماء قال ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179) للنّاس يخاصم النّاس ويجادلهم ويتكبّر عليهم، وكان ينبغي عليه أن يتواضع لله .
وأيضا ممّا تكرّر في هذه السّورة الكريمة الحديث عن التّكبّر والكبر لذلك سنلحظ هذا أيضًا في أثناء السّورة الكريمة الحديث عن قضيّة الكبر ولذلك جاء {ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ} فهذا فيه أنّ الله لا يحبّ المستكبرين، وكذلك جاء ما يدلّ على ذلك كما سيأتينا بعد ذلك بإذن الله كقوله ﴿فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (النحل: 29)
قال {ﲨ ﲩﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ}
إذًا السّورة من بدايتها : حدّثنا الله فيها عن بعض المنن، ومنها منّة الخلق فقال ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56) ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56) ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56) إذًا هنا فيه : ﴿أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾، وأنّه خلق الإنسان وأنّه خلق الأنعام فهذه نعم ومنن تدلّ على عظيم قدرته سبحانه {ﲨ ﲩﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ} قوله {ﲨ ﲩﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ}.
فقوله {ﲨ ﲩﲪ} يقال إنّه عطف جملة على جملة، ولذلك فالتّقدير : وخلق الأنعام دلّ عليه قوله {ﲩﲪ} لأنّ خلقها قد استوفت المفعول فإذًا (الأنعام) لها فعلٍ مقدّرٌ : (وخلق الأنعام خلقها) {ﲨ ﲩﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ}.
في قوله سبحانه ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ﴾ (الشورى: 7) هذا أسلوب التفات لأنّ الكلام قبل ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99) لم يقل : ( تعالى عمّا تشركون ) فقوله تعالى ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99) حديث بطريق الغيبة؛ ثمّ جاء الالتفات ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ﴾ (الشورى: 7) لم يقل : ( لهم فيها دفء )؛ إنّما خاطب الإنسان ليتذكّر نعمة الله عليه فقال {ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ} منافع متعدّدة يستفيد منها الإنسان في شتّى أمور حياته.
لذلك قالوا هنا في المختصر (الأنعام من الإبل والبقر والغنم) لأنّ الأنعام تنقسم إلى ثمانية كما مضى معنا في سورة الأنعام ﴿ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الأنعام: 143) [سورة الأنعام:143]. تتمثّل في الإبل والبقر والغنم ذكرانًا وإناثا فقالوا في المختصر (خلقها لمصالحكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النّاس ومن هذه المصالح الدّفء بأصوافها وأوبارها ومصالح أخرى في ألبانها وجلودها وظهورها ومنها تأكلون) وقد ذكر بعضهم أنّ الله قدّم الدّفء؛ لأنّ الملبوس أكثر بقاءً من المطعوم فإذا قارنا بين ما يلبس وما يطعم؛ فإنّ المطعوم يفنى بسرعة بخلاف الملبوس فإنّه يدوم أكثر أو يستمرّ بقاؤه لمدّة أطول فكان الامتنان به أكثر في هذا الباب فقال ﴿وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (النحل: 5-6) [سورة النحل:5-6].
﴿وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (النحل: 5-6) زينة وهذا فيه أنّ الشّريعة تدعو إلى الجمال، وأنّ الجمال يلتفت إليه، ولا يظنّ أنّ الشّريعة أغفلت فالله قال ﴿وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (النحل: 5-6) وبعد ذلك قال ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَـٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 7) ففيه أنّ شرعنا يدعو إلى الجمال - ولا حرج فيه - شريطة ﴿إِلَّا﴾ يكون فيه ما يصادم الشّرع أو يوقع الإنسان في المحرّم أو المحظور
قال الله سبحانه ﴿وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (النحل: 5-6) منظر جمالي ﴿وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 8) قالوا هنا في المختصر ( حين تدخلون في المساء وحين تخرجونها للمرعى في الصّباح ) فمعنى ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل: 9) أي : وقت العودة ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (النحل: 10) أي : وقت الذّهاب وقت الرّعي في البداية، ووقت السّروح في الصّباح وقدّم الرّواح في قوله ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل: 9) على قوله ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (النحل: 10) مع أنّ ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (النحل: 10) في الواقع أسبق من قوله ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل: 9) لكن المنظر الجماليّ الأكبر يكون في ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل: 9) لأنَّها حينما ترجع وقد امتلأت بطونها وابتهجت وفرحت بعودتها وقد شربت وأكلت فحينئذ يكون منظرها أجمل؛ بخلاف ذهابها في الصّباح وهي جائعة فقال الله ﴿وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 8)
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
سمّى الله الوحي روحًا لأنه تحيا به النّفوس: وذلك في قوله ﴿يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ﴾ (النحل: 2) ففيه الحياة من موت الكفر فالكفر موت والوحي حياة من هذا الموت كما قال الله ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (النحل: 12)
ملّكنا الله تعالى الأنعام والدّوابّ وذلّلها لنا وأباح لنا تسخيرها والانتفاع بها رحمة منه تعالى بنا. ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (النحل: 13) نعم.
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 14) لا تزال الآيات الكريمة تتحدّث عن بعض نعم الله على خلقه ومنّ ذلك أيضًا ما يتعلّق بنعمة الأنعام فقال ﴿وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَـٰرًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 15) أي : تحمل هذه الأنعام وبعضهم خصّ ذلك بالإبل لكن قوله ﴿وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَـٰرًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 15) الأصل أنّ الضّمير يعود على ما سبق والمراد بما سبق الأنعام ﴿وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَـٰرًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 15) أي : - أمتعتكم الثّقيلة ﴿وَعَلَـٰمَـٰتٍ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 16) أي واصليه ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 17) أي :بمشقّة عظيمة ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 18) فمن رأفته ورحمته أن سخر لكم هذه الأنعام، وإنّك لتعجب حينما ترى الطّفل الصّغير الضّعيف يقود نعمًا من هذه الأنعام يقود الإبل أو غيره ويركبه وهو يطيعه ويستجيب له مع حمله الأثقال الكبيرة فهذا من تسخير الله هذه الأنعام للخلق سواء أكانوا ضعفاء أم كانوا أقوياء! فهذا من رأفة الله ورحمته بخلقه وتأمّل قوله ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ (المرسلات: 20-21) لم يقل (لم تكونوا بالغيه بها ) فهناك أمران :
أ-أن يكون السّفر طويلاً فالوصول إليه شاقّ لو أنّك تمشي على قدمك لتعبت تعبًا شديدًا فهذه الأنعام تستفيد منها لتركب عليها لتصل إلى مرادك وإلى السّفر الشّاقّ.
ب- والأمر الثّاني : أنّك تقدر على المشي بشيء من القوّة والحيوية لكنّك تضعف عن أن تحمل الأثقال فهذا هو الّذي يضعفك فربّنا قال ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ (المرسلات: 20-21) أنتم لم تكونوا بالغيه بأنفسكم بدون حمل الأثقال إلا بشقّ الأنفس فكيف إذا كانت الأثقال معكم! فهذه منّة إلى منّة!! إذًا نستفيد من هذه الأنعام في حملنا وفي حمل أمتعتنا.
ثمّ قال ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَـٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 7) أي : وخلق الخيل والبغال والحمير لتركبوها، لتستفيدوا منها في الرّكوب قال ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (النحل: 19) وأيضا لتكون جمالًا لكم فيستفاد من الخيل والبغال والحمير في الرّكوب، ويستفاد منها أيضًا في التّزيّن بأن تكون زينة يتجمّل بها الإنسان حيث أنّه يركب هذا الخيل ويجد فيه شيئًا من العزّة وشيئًا من السّرور إذ منّ الله به عليه قال ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20).
قال ﴿أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النحل: 21) وتأمّلوا لم يذكروا هنا ما يتعلّق بالأكل بخلاف ما ذكر في الأنعام فقال هناك ﴿إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل: 22) لأنّ البغال والحمير لا تؤكل فأكلها حرام؛ لأنّ البغل متولّد عن اجتماع الخيل والحمار، ومن المعلوم أنّه إذا اجتمع حاظرٌ ومبيح قدّم الحاظر فلذلك فأكل البغل والحمار حرام؛ وأمّا أكل الخيل ففيه خلاف بين العلماء وحتى من أجاز أكلها لدلالة بعض الأحاديث على ذلك كأحاديث أسماء في البخاريّ (نحرنا فرسًا على عهد النبي ﷺ فأكلناه ) فإنّ بعض العلماء يقيّد ذلك بما إذا لم يحتج إلى الخيول في الجهاد ونحو ذلك ـ على كلّ حال فليست مشهورة في باب الأكل؛ إنّما الشّهرة في باب استعمالها في باب الزّينة، وفي باب الاستفادة منها في الرّكوب في قوله ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (النحل: 23) فذكر ما هو أعم وأوسع دائرة في الانتفاع.
﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20)
1-قالوا هنا ( ويخلق ما لا تعلمون ممّا أراد خلقه ) ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20) فبعض العلماء قال ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20) يعني في الدّنيا فهناك مخلوقات أخرى خلقها الله في الدّنيا نحن لا نعلمها.
2-وبعضهم قال ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20) في الجنّة فالله له خلقٌ آخر أعظم وأجلّ ـ وذلك في الجنّة.
3-وبعض العلماء قال ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20) أي : ممّا يستقبل فحينئذ قدر الله بعض الأمور الّتي ظهرت مستقبلاً.
ولذلك بعضهم أشار إلى أنّ قوله سبحانه ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20) يدخل فيه : ما منّ الله به على الخلق فعرفوه مستقبلًا فلم يكونوا يعرفون من وسائل الموأصلات إلا (الإبل إلا الخيل إلا البغال إلا الحمير إلا ركوب البحر) ثمّ بعد ذلك ظهرت أمور كثيرة يركبونها، ويصلون بها إلى المراد وينتفعون بها فهذا يدخل في قوله ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20)
وهذا فيه أنّه من الأساليب الّتي فيها إيجاز بالقصر؛ لأنّ الجملة مختصرة ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20)لكنّها تحوي معاني كثيرة فلم يقل : ويخلق كذا و كذا و كذا وكذا من وسائل الموأصلات وإنّما قال ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20) على أن بعض العلماء ذكر أنّ الأقوال الّتي ذكرها المفسّرون السّابقون في ذلك - إذ ضربوا أمثلة - لما خلق الله قالوا هذا على سبيل المثال كما ذكره ابن عطيّة، وتقدّم معنا أنّ هذا مشهور في علم التّفسير بأن يذكر بعض المفسّرين مثالًا لما ينطبق عليه أو ينطبق على الآية الكريمة وتبقى الآية على عمومها ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20).
ثمّ قال ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَـٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 7)
هذه الآية فيها لفتة جميلة الّذي خلق لنا الأنعام، الّذي خلق لنا الخيل والبغال والحمير، الّذي ذلّل لنا هذه المخلوقات وسخرها لنا أيتركنا هملًا دون أن يبيّن لنا الطّريق إليه.
إذا كانت وسائل الموأصلات قد خلق الله لنا ما توصّلنا إليه، أو ما نصل به إلى ما نريد فكيف بما يوصّلنا إلى الله ؟ هل يترك الله الخلق بلا وسيلة توصّل إليه بلا شرع؟ المراد بالوسيلة أي ما يتوصّل به إلى الله من الشّرائع من الكتب السّمأويّة بإنزال الكتب وإرسال الرّسل لذلك قال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (النحل: 24) كما امتنّ الله عليكم فبيّن لكم الوسائل الّتي تصلّون بها إلى المراد فقد بيّن لكم الطّريق الّذي يوصل به إليه سبحانه.
﴿لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (النحل: 25) أي : ببيان الحقّ، وببيان الطّريق المستقيم وهذا المراد بالقصد -بقصد السّبيل- فقصد السّبيل : بيان الطّريق المستقيم الموصّل إلى مرضاته وهو الإسلام.
﴿قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النحل: 26) يعني : هناك طرق أخرى ﴿ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (النحل: 27) أي : من هذه الطّرق طرقٌ جائرة، والمراد بها :طرق الشّيطان الرّجيم على رأس كلّ طريق شيطان يدعو إليه فقال ﴿لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (النحل: 25) وأوجب ذلك على نفسه تفضّلًا وتكرّما لذلك جاء ﴿لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (النحل: 25) تفضّلًا منه على الخلق جاء بأسلوب (على) وكما قال ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 28) (إنّ علينا) ألزمنا أنفسنا - ألزمنا - أي الزم الله نفسه أن يبيّن للنّاس الهدى وهذا تفضل منه وتكرّم .
قال ﴿فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (النحل: 29) ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: 30) أي : ولو شاء أن يهديكم له فهنا تقديرٌ، وهذا مشهور في مفعول المشيئة ولو شاء أن يهديكم لهداك ما معنى (أن يهديكم) هنا؟ أي : ولو شاء أن يوفّقكم لوفّقكم أجمعين؛ لأنّه في أول الآية قال ﴿لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (النحل: 25) يعني : - وعلى الله بيان السّبيل يعني وعلى الله هداية الخلق فقوله ﴿لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (النحل: 25) كقوله ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 28) يعني : - يبيّن الطّريق لكن هل كلّ من بيّن له الطّريق يهتدي؟ هل كلّ من عرف الحقّ اتّبعه؟ الجواب : لا؛ فجاء ختام الآية ﴿فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (النحل: 29) إذًا يبيّن الطّريق لكن هناك من يهدي إليه ويوفّق لاتّباعه وهناك من يصرف عنه.
ثمّ قال الله قوله تعالى: ﴿جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: 31)
ينبغي لنا ونحن نمرّ على هذه السّورة، ونتناول تفسيرها أن نتذكّر مقصودها من تعداد النّعم الكثيرة على العباد ليتذكروا وليعلموا أنّ الله واحد لا شريك له.
﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 32) بهذا الأسلوب بتعريف جزئيّ الجملة (هو) مبتدأ (الّذي) : خبر، وجاء المبتدأ والخبر معرّفين؛ لأنّ (هو) ضمير - ومعرفة – (والّذي) : اسم موصول و(هو) معرفة وتقدّم معنا في دروس التّفسير أنّ تعريف جزئيّ الجملة يدلّ على القصّر والحصر فهو من أساليب القصر فمعنى ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 32) يعني هو وحده الّذي أنزل لم يشاركه أحد في ذلك ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (النحل: 33).
وتأمّل قوله ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (النحل: 34) حيث آخّر كلمة ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (النحل: 34) مع أنّها مفعول فأصل الكلام ( هو الّذي أنزل ماءً من السّماء ) لكنّه قال ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ (النحل: 35) لأنه ليس المراد أن يبيّن أنّ الماء نازل من السّماء؛ وإنّما المراد أنّ النّازل من السّماء، وأنّ الماء هو المقصود!! فتأمّلوا ما في (الماء) من منافع تأمّلوا ما في الماء من منافع، فهذه الآية والآية الّتي تتبعها لبيان مكانة الماء وفضل الماء، لذلك تأمّل بعد أن قال ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (النحل: 34) رتّب عليه القول بعد ذلك ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: 36) ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (النحل: 37) يعني : من هذا الماء ﴿وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 38) فتشربون من هذا الماء، ومنه ما يتّجه إلى الآبار والعيون، لذلك بعضهم قال ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ﴾ (النحل: 39) للتّبعيض فمنه ما يصل إليكم فتشربونه ومنه ما يذهب إلى أماكن أخرى ربّما استفدتم منها فيما بعد ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (النحل: 40) قالوا هنا ( ومنّه ما يحصل به نبات الشّجر ) يعني أنّ هذا الماء يكون سببًا في نبات الشّجر في وجود المرعى الّذي فيه تسيمون ترعون مواشيكم.
إذًا قوله ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41) من هنا يمكن أن نفسّرها بمعنى : السّبب فمن الأولى للتّبعيض ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 42) والثّانية ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41) يعني : وبسببه لأنه قد يقول قائل كيف يكون من الماء الشّجر؟ أي الماء سبب في وجود الشّجر سببٌ في وجوده، والمراد بالشّجر هنا ما هو أعمّ من عموم النّباتات والمرعى.
فقال ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41) لذلك بعضهم يقول كلّ ما تنبته الأرض من المرعى يمكن أن يسمّى بشجر فقال ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43) والسوم : الرّعي يعني يرعى هؤلاء مواشيهم وحينئذ يستفيدون فيستفيدون الماء وما يترتّب على الماء من رعي ومن نبات، ودليل ذلك ما جاء بعده ﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44) ينبت لكم به - بهذا الماء - الزّرع والزّيتون فتأمّل قوله ﴿أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النحل: 45) بسبب هذا الماء ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (النحل: 46) اختلفت الأنواع - أنواع كثيرة - لكنّها من الماء، وهذه آية فالماء واحد ماء نزل من السّماء لكن أنبتّ الله به أنواعا شتّى زرع ونخيل وأعناب - زرع وزيتون ونخيل وأعناب- اختلف الإنتاج أو اختلف المنتج مع أنّ سببه واحد وهو نزول الماء، وهذا دليل على أنّ منزّل هذا الماء هو الله وذكر الماء وذكر الأمطار مناسب للوحي لأنّ الوحي غيث القلوب الميتة كما أنّ غيث الأرض الميتة فالأرض الميتة يحييها الله بالماء والقلوب الميتة يحييها الله بالوحي قال الله سبحانه ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾ (النجم: 31) أي : وينبت لكم من جميع الثّمرات ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 3)
وبعدها قال ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 4) هنا أفرد قال ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 3)
يمكن أن يقال -والعلم عند الله- سبب ذلك الإفراد أنّ ما ذكر مرجعه إلى الماء، والماء آية لكن هذه الآية آية الماء في داخلها وفي طيّاتها آيات لكن لأنّ هذا متعلّق بجنس واحد وهو الماء قال ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 3)
ثمّ قال ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 47)
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَـٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ﴾ (النحل: 48) سخّر ذلّل لكم ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل: 49) لتسكنوا فيه وتستريحوا ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: 50) لتكسبوا فيه ما تعيشون به وقد جاء هذا في القرآن كثيرًا ومضى كثير من ذلك من المواضع الّتي يتحدّث الله فيها عن نعمة اللّيل ونعمة النّهار ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (العنكبوت: 53-54) أي : مذللات بأمره قالوا هنا ( مذللات لكم بأمره القدريّ ) يعني قدّر الله أن تكون مذلّلة فهي مسخرة بأمره لا تتخلّف عن أمره ثمّ قال ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 4)
فجمع لأنّ كلّ واحد منها آية فاللّيل آية والنهار آية والشّمس آية والقمر آية والنّجوم آية فقال ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 4)
وبعض العلماء يقول : التّفكّر يقود إلى التّعقّل فبدأ بالتّفكّر ثمّ ذكر التّعقّل.
وقال بعضهم : لأنّ الآية الأسبق أظهر يعني ظاهرة ومعروفة، وأمّا تأمّل اللّيل والنهار والشّمس والقمر يحتاج إلى شيء من إعمال العقل فلذلك ﴿۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ (النحل: 51) وهناك أقوال أخرى في مسألة ختام الآية بقول ﴿وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ (النحل: 52)وختام أخرى ﴿۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ (النحل: 51) وعرضنا لمثل ذلك في بعض المواضع ومنها ما مضى في سورة الرّعد لأنّ الله ذكر أيضًا هناك تقدّم تقديم التّفكّر على التّعقّل.
قال ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـَٔرُونَ﴾ (النحل: 53)
قالوا هنا وهو سبحانه وسخّر لكم ما خلق سبحانه في الأرض ممّا اختلفت ألوإنه ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 54) يعني والّذي ﴿ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 55) فالله سبحانه أخرج لنا من الأرض ألوانا كثيرة وأنواعا كثيرة من المعادن، فهذا معدن وهذا معدن وهذا المعدن له خصائص والآخر له خصائص - ألوان مختلفة في الشّكل، في الإمكانات، في الخصائص لكن كلّه ناتج عن ماذا؟ ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ ۗ تَٱللَّهِ لَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (النحل: 56) فكلّه ممّا خلق لنا مسخّرًا في الأرض، فلأنّه لون واحد قال أيضًا ﴿وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (النحل: 5) وذكر التّذكّر والتّذكّر معناه التّنبّه يعني : أنّ الإنسان عنده لكنّه غفل فالغافل يحتاج إلى تذكير فلذلك قال ﴿وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (النحل: 5).
ثمّ قال ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ (النحل: 57) ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (النحل: 58) تأمّل ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (النحل: 58) ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 54) ﴿يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: 59) بعضهم يقول (اللام) : لإفادة معنى الإباحة فالآية تفيد الإباحة وأفضل منه أن يقال : إنها بمعنى التّعليل أي : من أجلكم فالله سخّر من أجلكم، وخلق من أجلكم وهذا فيه امتنان كبير من الله على الخلق قال الله سبحانه ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ (النحل: 57)
﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (النحل: 60) يعني : وهو وحده ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (النحل: 61) ذلّل لكم البحر ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ﴾ (النحل: 62) لتأكلوا ما تصطادون من سمكه لحمًا غضًّا ليّنًا هذا فيه امتنان عظيم، وفيه إطلاق اللّحم الطّريّ على السّمك، فالسّمك يقال له : لحمٌ طريّ وقوله ﴿تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 63) ليس قيّدا للاحتراز فلو أنّ شيئًا خرج من البحر ولو كان غير طريّ فالأصل فيه الإباحة فقوله ﴿تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 63) ليس للاحتراز وإنّما لأنَّه جاء في موضع الامتنان، ومن المعلوم في دراسة مفهوم المخالفة فيما يذكره العلماء في القيود أنّه يفرّق بين ما ذكر على سبيل الامتنان وغيره فإذا كان على سبيل الامتنان فلا يقال إنّه قيد للاحتراز.
قال ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 64) ولذلك بعضهم أورد في ذلك مسألة مشهورة : - لو أنّ رجلًا حلف وقال : والله لا أكل سمكًا فأكل لحمًا فهل يحنث في يمينه؟ فمنهم من قال : نعم لأنّ الله سمّاه باللّحم الطّريّ ومنهم من قال بل إنّه في باب الأيمان يرجع إلى الأعراف، وفي عرف الناس إذا قال لا أكل - لا أكل سمكًا - فإنّه لا يعني اللّحم؛ لأنهم يرون أنّ اللّحم نوع مختلف عن السّمك فقالوا : الأيمان ترجع إلى الأعراف؛ بخلاف ما يتعلّق بالقرآن والحقيقة الشّرعيّة فهذه شأنها أمر آخر -والعلم عند الله- تعالى.
قال ﴿وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (النحل: 65) أي من البحر ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِّلشَّـٰرِبِينَ﴾ (النحل: 66) قالوا هنا ( زينة تلبسونها وتلبسها نسائكم مثل اللؤلؤ ) لأنّ بعض المفسّرين قال في قوله ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِّلشَّـٰرِبِينَ﴾ (النحل: 66) أي : يلبسها النّساء مع أنّ الله قال ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل: 9) ما خصّص النّساء هنا؛ إنّما قال ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل: 9) استفاد بعض العلماء من ذلك :- أنّه يجوز استعمال الحليّ الخارج من البحر للرّجل كاللّؤلؤ فليس هناك ما يمنعه، المحرّم على الرّجل أن يلبس الذّهب والحرير؛ وأمّا غير ذلك فليس هناك ما يمنعه منه؛ إلا إذا لبسه على طريقة ممنوعة كما لو كان من باب التّشبّه بالنّساء فحينئذ يمنع لهذا السّبب -والعلم عند الله- وقد ذكر ذلك الشّوكانيّ وغيره.
قال ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (النحل: 67) أي : - ترى السفن تشقّ عباب البحر وقوله ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (النحل: 67) أيضًا بيان للمنظر الجماليّ ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (النحل: 67) فأنت حينما ترى الفلك وهو يسير، وهو يشقّ عباب البحر ترى منظرًا عظيمًا جليلًا من الّذي سخّر ذلك ويسّره؟ ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَـٰمِ﴾ (الشورى: 32) [سورة الشورى:32]. قال الله سبحانه ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَـٰمِ﴾ (الشورى: 32) قالوا هنا ( وتركبون هذه السّفن طلبًا لفضل الله الحاصل من ربح التّجارة ) إذًا من معاني ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَـٰمِ﴾ (الشورى: 32) يدخل فيه باب التّجارات أو باب الاستفادة من البحر بالاصطياد مثلاً.
﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (النحل: 68) إذًا هذه نعم عليكم أن تشكروا الله عليها قالوا هنا في المختصر (ورجاء أن تشكروا الله على ما أنعم به عليكم) رجاء : يعني ترجون، تقدّم أنّ العلّة في مثل هذه المواضع يصرف الرّجاء فيها إلى الخلق ﴿ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 69) أنتم ترجون أو أنها بمعنى التّعليل يعني لتشكروا الله على نعمه
قال الشيخ حفظه الله
نعم من فوائد الآيات :
من عظمة الله أنّه يخلق ما لا يعلمه جميع البشر في كلّ حين يريده سبحانه : ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20)
خلق الله النّجوم لزينة السّماء والهداية في ظلمات البرّ والبحر ومعرفة الأوقات وحساب الأزمنة: قال هنا ﴿وَعَلَـٰمَـٰتٍ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 16) وسيأتينا بإذن الله تعالى ﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (النحل: 71).
الثّناء والشّكر على الله الّذي أنعم علينا بما يصلح حياتنا ويعيننا على أفضل معيشة : قال ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (النحل: 72)
الله سبحانه أنعم علينا بتسخير البحر لتنأول لّحوم الأسماك واستخراج اللّؤلؤ والمرجان وللرّكوب والتّجارة وغير ذلك من المصالح والمنافع : قال الله ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (النحل: 73) الآية، لذلك قال ابن عطيّة تسخير البحر : هو تمكين البشر من التّصرّف فيه، وتذليله للرّكوب والإرفاق وغيره فكلّ ذلك من منافع البحر الّتي أباحها الله لنا وسخّر البحر من أجلنا. نعم
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 74)
تأمّلوا - يا أيها الإخوة الكرام - لا تزال الآيات الكريمة تتتابع في ذكر نعم الله على خلقه ﴿۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَمَن رَّزَقْنَـٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 75) والمراد بها : الجبال الثّوابت فقال ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 76) جبالًا تثبتها.
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (النحل: 77) يعني : لئلّا تميد بكم، وهذا معنى قولهم حتّى لا تضطرب بكم وتميل ﴿وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78) أي : أجرى فيها أنهاراً وسبلًا طرقًا.
قال ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 17) قالوا هنا في المختصر (وشقّ فيها طرقًا تسلكونها فتصلون إلى مقاصدكم دون أن تضلّوا) فقوله ﴿أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 79) ما معنى ﴿أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 79) أو إن شئت فقل ﴿أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 79) بما تتعلّق تهتدون إلى ماذا؟
حذف ما تتعلّق به هذه الجملة يمكن أن يقال لعمومه؛ لأنّ المعنى القريب : - لعلّكم تهتدون في طرقكم حتّى تصلّوا إلى مرادكم فالله جعل هناك طرقًا فتعرف أنّ هذا الطّريق يوصلك إلى بلد كذا وأنّ هذا الطّريق يوصلك إلى بلد كذا.
2 - وأيضا من المعنى الّذي يمكن أن يستفاد من الآية : ﴿أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 79) إلى الله حين تعلم أنّ الّذي صنع ذلك وقدّر ذلك وخلق ذلك هو الله فتستدلون بذلك على الإيمان فتهتدون إليه .
قال ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَـٰمِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَـٰثًا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍ﴾ (النحل: 80) أي : وجعل لكم في الأرض معالم ظاهرة تهتدون بها في السّير نهارًا ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 81) أي : في اللّيل فهناك علامات نهاريّة لذلك هناك علامات في الطّرق جعلها الله فنعلم أنّه بهذه العلامة نكون قد وصلنا إلى مكان كذا، وأنّ هذا الطّريق صحيح أو خطأ ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 81) في اللّيل فهذا يقع أيضًا في اللّيل، إذًا هناك ما يهدينا في النّهار، وهناك ما يهدينا في اللّيل.
3 - ولقائل أن يرجّح أنّ معنى ﴿أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 79) فيما يتعلّق بالطّرق لأنّ بعدها ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 81) والمراد به الهداية في الطّريق، وأنّ هذا هو الأقرب لذكر المعنى الحسّيّ -والعلم عند الله-.
قال ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 81) فمن فوائد النّجوم : - الاهتداء بها قال الله ﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (النحل: 71) وتأمّلوا قوله هنا ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 81) ولم يقل ( وبالنّجم أنتم تهتدون ) مع أنّ الآية قبلها ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ (النحل: 82) بأسلوب الخطّاب ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 17) ثمّ قال ﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (النحل: 71) فتحوّل الأمر وحدّث هناك التفات يسمّى بأسلوب الالتفات انتقال من الخطّاب إلى الغيبة ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 81) قال بعض العلماء فائدة هذا الالتفات : إفهام العموم لأنّ أحداً قد يفهم أنّه ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 81) أي هؤلاء الّذين حدّثنا الله عنهم من الكافرين المعرضين عن الآيات؛ أمّا ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (النحل: 83) :-
يهتدي الجميع المؤمن والكافر والبرّ والفاجر.
أو أنّ الضّمير في قوله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (النحل: 83) يهتدي قومٌ هم أصحاب الخبرة والعلم، فهؤلاء هم الّذين يدلون النّاس على ما يستفاد من النّجوم -والعلم عند الله- ﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (النحل: 71) وقد قال الله ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (النحل: 84) فتقدّم أنّ النّجوم لها ثلاث فوائد أنّها رجوم للشّياطين، وأنّها زينة، وأنّها علامات يهتدى بها.
قال الله ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ (النحل: 85)
قالوا هنا ( أفمن يخلق هذه الأشياء وغيرها كمن لا يخلق شيئًا ) لا يستوي هذا وذاك ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 86) فالمراد نفي المسأواة بين الخالق والمخلوق لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يستوي الخالق والمخلوق ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ (النحل: 85) فالمراد هنا : تشبيه سلب ( سلب ذات)، ثمّ إنّه جاء بطريق العكس وهذا معروف في أسلوب التّشبيه فقالوا : إنّ أصل الكلام أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ لأنّ الّذي يأتي بعد الكاف في الأصل هو (المشبّه به) لكن هنا قال ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 86) ولم يقل : أفمن لا يخلق كمن يخلق قالوا هذا للدّلالة على أنّه وصل بهم الحال إلى أنّهم رفعوا أصنامهم وآلهتهم إلى حدٍّ بلغوا به مرتبة أعلى من الله وأنّهم أنزلوا الخالق إلى مرتبة المخلوق؛ فكأنّ المراد بذلك تشهيره والتّشنيع عليهم وأنّهم انتقصوا من حقّ الله ß حتّى جعلوه في عداد المخلوقين فقال ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 86) لا يمكن بحال أن يتساوى الخالق والمخلوق ﴿وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (النحل: 87).
ثمّ قال ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَـٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 7) وفي قوله ﴿لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (النحل: 25) إشارة إلى أنّ ما ذكر بعض نعم من نعم الله - بعض النّعم - وليس جميع النّعم فنعم الله لا تعدّ ولا تحصى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (النحل: 24) قالوا في المختصر (وإن تحاولوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النّاس عدّ نعم الله الكثيرة الّتي أنعم بها عليكم وحصرها لا تستطيعون ذلك لكثرتها وتنوّعها) لا يمكننا أن نحصي نعم الله لكثرتها وتنوّعها ﴿فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (النحل: 29) وهذه الآية تكرّرت في سورة إبراهيم وقلّت : إنّ هناك علاقة وثيقة بين سورة إبراهيم وسورة النحل، لذلك من الباب الجليل الّذي يحتاج إلى مزيد بحث وقلّ من ينظر فيه هو إيجاد التّناسب بين موضوعات السّور المتقاربة في المقاصد فسورة إبراهيم مقصودها الإنعام بنعمة التّوحيد وسورة النّحل ذكر النّعم بصفة عامّة وهذا فيه تناسب بين المقصودين فحينئذٍ ستنظر إلى الموضوعات، وإلى إعادة الكلمات وما إلى ذلك والجمل فستجد فيها تقاربًا -والعلم عند الله- ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (النحل: 24) هناك قال ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ﴾ (النحل: 88) وهنا قال ﴿فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (النحل: 29) لأنّه هناك تحدّث عن الّذين بدّلوا نعمة الله كفرا فناسب ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ﴾ (النحل: 88) وهنا دعوة إلى التّوحيد وإلى الإيمان ﴿فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (النحل: 29) وتأمّل الأسلوبين ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (النحل: 83) الإنسان ظلوم كفّار، والله غفور رحيم فمقابلة المغفرة والرّحمة لظلم الإنسان وكفره.
ثمّ قال ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89) يعني : حينما تسمع ﴿فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (النحل: 29) هل معنى ذلك أنّ الله يغفر ويرحم لأنه لا يعلم صنيع العباد؟ إنّما قال ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89) إذًا إذا قيل ما وجه المناسبة؟ بين قوله ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89) بقوله ﴿فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (النحل: 29) أي : - هو غفور رحيم مع علمه بجرم الخلق مع علمه بإثمهم وبمعاصيهم ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89) ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90) ﴿يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن﴾ الأصنام، من الآلهة الباطلة لا يخلقون شيئًا ولو قلّ فتأمّل قوله ﴿وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل: 91) نكرة في سياق النّفي ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: 92) أي : ولو قلّ أي شيء ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 93) وقوله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 94) شيئًا جاء بيانه قبل في قوله ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 86) ثمّ هنا زاد البيان.
لذلك هناك كأنّ المراد بقوله ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 86) المراد به بيان من المستحقّ بالعباد وهو الله؛ فالله هو المستحقّ للعبادة لا الأصنام؛ وأمّا قوله سبحانه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90) فالمراد به بيان عجز هذه الآية إذًا الآية الأولى ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 86) لبيان استحقاق الله للعباد وهنا لبيان عجز هذه الألهة المزعومة ثمّ زاد في البيان فقال ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 93) هو مخلوقٌ فكيف يعبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ .