مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة مريم

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 26 من 103 · 3 ساعة و6 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أَمَّا بعد:

فمرحبًا بكم - يا أيها الإخوة الكرام - فِي مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب: H0.

وَنَنْتَقِلُ الليلة - بفضل الله وتوفيقه - إِلَى التعليق على تفسير: H1؛ فنقول مستعينين بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله:

من مقاصد السورة: إِبْطَال عقيدة نسبة الولد لله من المشركين والنصارى، وبيان سعة رحمة الله بعباده.

سورة مريم سورة مكية، هذه السورة الكريمة تسمى بسورة مريم؛ وَفِيهَا ذكر طرف من قصة مريم عليها السلام، بل إن شئت فقل: إن الله جل وعلا فصّل القول فِي قصة مريم بما يتناسب مع طريقة القرآن فِي هذه السورة المباركة، وبيّن أن ما وقع لمريم عليها السلام من رزق الله عز وجل لها ﴿بِعِيسَى﴾، آَيَةٌ من آيات الله سبحانه التي تَدُلُّ عَلَى عظيم قدرته، وعلى أنه الإله الواحد سبحانه وتعالى.

ومن جهة أخرى: ففيها تصحيح المعتقد، وبيان أن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله، ﴿وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾، وأنه ليس إِلَهاً ولا ابنا للإله.

هذه السورة تسمى بسورة مريم، وهذه السورة مكية بالاتفاق، وقد نقل عدد من العلماء: الإجماع على أن هذه السورة مكية؛ كالقرطبي وغيره من المفسرين، وإنِ استثنى بعض العلماء من ذَلِكَ آَيَة السجدة فيها: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58].

ترجيح وتقوية الموقف

والصحيح أنه لا وجه لاستثنائها؛ وتقدم معنا فِي بعض المناسبات أن استثناء آَيَة أو أكثر من الحكم على السورة الكلي خلاف الأصل؛ فلا يصار إليه إلا بدليل صحيح واضح فِي هذه المسألة؛ فالسورة سورة مكية، وبناء على ذَلِكَ فَإِنَّ السورة كغيرها من السور المكية: تبين لنا قضايا المعتقد؛ فتقرر الوحدانية والرسالة، كما تقرر أيضًا أمور البعث والجزاء والآخرة.

وهذه السورة - سورة مريم - غنية بهذا بفضل الله سبحانه وتعالى؛ ففيها تقرير الوحدانية: بذكر كثير من مظاهر رحمة الله سبحانه وتعالى الدالة على سعة علمه وعظيم قدرته، وهذا يستلزم أنه الإله الواحد الذي يستحق العبادة وحده سبحانه وتعالى.

قالوا هنا فِي المختصر: من مقاصد السورة إِبْطَال عقيدة نسبة الولد لله من المشركين والنصارى، وبيان سعة رحمة الله بعباده.

فتستطيع أن تستخلص من كلامهم هنا: أنهم ذكروا مقصدين من مقاصد هذه السورة، وهذان المقصدان بينهما تعانق وتناسب وتلاؤم.

وفي الحقيقة إن بعض من تكلم فِي مقاصد هذه السورة ذكر الأول؛ فقال: إن السورة تبطل عقيدة نسبة الولد لله سبحانه وتعالى.

ومنهم من اقتصر على الثاني؛ فقال: بل إن مقصود السورة الكريمة بيان سعة رحمة الله بعباده، وهذا الثاني مال إليه البقاعي رحمة الله.

والذي يظهر، والعلم عند الله، أن السورة جمعت بين الأمرين؛ لَأَنَّ سعة رحمة الله - سبحانه وتعالى - دليل على قدرته وعظمته، وهذا يلزم منه أن الله واحد لا شريك له. وهذا ظاهر كلام البقاعي؛ لأنه حينما يذكر المقصد فيقول غالبًا اللازم منه؛ يعني: أن هَذَا يلزم منه كذا، وهذا الذي لزم يلزم منه كذا؛ فيفضي به الأمر إِلَى أن يصل إِلَى مقصود أكبر؛ وذلك بتقرير وحدانية الله سبحانه وتعالى.

إذا نظرنا إِلَى الأمر الأول؛ وهو أن السورة الكريمة أبطلت عقيدة نسبة الولد لله سبحانه وتعالى، فهذا واضح وجلي فِي السورة، ومِنْ أظهر ما فيه قصة مريم التي سميت السورة باسمها؛ ففي قصةِ مريم وبيانِ كَيْفَ رُزِقت ﴿بِعِيسَى﴾ عليه السلام أكبر دليل على أن عيسى عبد لله ورسول، وأنه ليس إِلَهاً ولا ابنًا للإله.

وَلِذَلِكَ جاء فِي السورة الكريمة قول عيسى عليه السلام حينما تكلم فِي المهد وهو صبي، قال: ﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَـٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 30-35].

وكأن آَخَر الآيات فيه: بيان لِمَ ذُكِرت هذه القصة؟ فما ذُكِرت إلا لتقرير عقيدة التوحيد، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وليس إِلَهاً ولا ابنا للإله، وأن الله يقص علينا الذي اختلف فيه بنو إسرائيل، فقصه علينا، وبيّن لنا الحق الذي فيه؛ وَلِذَلِك قال: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: 37] فربنا فصَل بينهم، وبيّن الحق.

ثم إنك إذا راجعت السورة، وأمعنت النظر فيها، تجد أن رب العزة سبحانه قرر هَذَا المعنى فِي آخِرِ السورة، فجاء فِي آخِرِ السورة ﴿وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًا لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّا تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا۟ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدًا وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 88-93].

وهذا فيه أيضًا: رد على من أتى أو من زعم أن لله ولدا، يدخل فِي ذَلِكَ النصارى؛ وهم الذين ذُكروا سابقا، ويدخل فِي ذَلِكَ عموم من نسب الولد لله؛ فاليهود نسبت عزيرا إِلَى الله على أنه ابن له، وهذا جرى من بعض طوائف اليهود، وَكَذَلِكَ جماعات من المشركين زعموا أن الملائكة بنات الله. وهذا كله باطل وزور.

والله يرد على هؤلاء جميعا: H2؛ إذًا هذه السورة تقرر هَذَا المعنى، وتثبت وحدانية الله سبحانه وتعالى.

ويشهد لهذا التقرير، ولهذا القول مِنْ أَنَّ مقصود السورة الكريمة، بيان أن الله واحد ولا ولد له، أن هذه السورة شبيهة بسورة أخرى؛ ﴿إِلَّا﴾ وهي سورة آل عمران.

وقد تقدم معنا فِي تفسيرها أن سورة آل عمران من مقاصدها الكبيرة كما قَرَّرَهُ كثير من أهل العلم، بيانُ التوحيد؛ فسورة آل عمران سورة الدعوة إِلَى التوحيد. وبعضهم يقول: سورة الثبات على التوحيد.

فسورة آل عمران تشبهها سورة مريم، أو إن شئت فقل: سورة آل عمران تشبه سورة مريم؛ باعتبار أن سورة آل عمران متأخرة فِي النزول عن سورة مريم، فهما متفقتان فِي هَذَا الباب فِي أَنَّ مقصودهما: إثبات توحيد الله سبحانه وتعالى، وإنِ اختلفت الطريق.

ويشهد لذلك أن قصة زكريا وقصة مريم عليهما السلام مذكورتان فِي السورتين الكريمتين، بل ويشهد لذلك أيضًا اسمُ السورتين؛ فهذه سورة مريم، وهذه سورة آل عمران، ومريم ابنة عمران؛ فالمناسبة وثيقة جِدَّاً، كما هو واضح.

بيد أن بينهما فرقا، أَعْنِي فِي النظر إِلَى السورتين، هَذَا الفرق هو الذي جعل بعض العلماء يغاير القول فِي مقصود سورة مريم.

وهو أن سورة مريم امتازت بخصيصة واضحة؛ وهي تَكرار ذكر الرحمة فِي السورة، فَأَنْتَ إذا تأملت سورة مريم وجدت أن رب العزة سبحانه وتعالى ذكر فيها اسم H3 ست عشرة مرة، فاسم H4 جاء فِي سورة مريم بهذا العدد الكبير، وذُكرت H5 نفسها بلفظها فِي أَرْبَع مرات، فإذا استجمعت لفظ الرحمة بمشتقاتها، من حيث اللفظ، بغض النظر عن المعاني التي تدل الرحمة، بلغ العشرين مرة، وهذا يؤذن أن باب الرحمة مقصود جِدَّاً فِي هذه السورة.

ومن أجل هَذَا ذهب بعض العلماء؛ كالبقاعي إِلَى أن مقصود السورة بيان سعة رحمة الله سبحانه وتعالى.

وَلِذَلِكَ إذا قارنت بين قصتي زكريا ومريم فِي السورتين تجد فروقا فِي التعبير، من ذَلِكَ:

َنَّ اللهَ يذكر فِي سورة آل عمران ﴿كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 40] وتتكرر كلمة H0، ﴿كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾، يخلق ما يشاء، إِلَى غير ذَلِكَ.

وهنا يتكرر فِي سورة مريم ذكر H1؛ فالربوبية والرحمة بينهما تلاحم، والإلهية يراد بها أن العبد يهاب الله سبحانه وتعالى، ويصرف العبادة إليه.

فَكَأَنَّ سورة آل عمران تقرر هذه الوحدانية، وسورة مريم تبين أن هَذَا الذي وقع هو من جنس رحمة الله سبحانه وتعالى، وأنه ينبغي للعبد أن يقابل تلك الرحمة بالشكر والاعتراف بأن هَذَا من محض فضل الله سبحانه وتعالى.

وبناء على ذَلِكَ: فهذا يجرنا إِلَى القول الثاني فِي مقصد السورة؛ وأن مقصودها: بيان شمول رحمة الله سبحانه وتعالى. وهذا واضح مما ذكر؛ وهو أن اسم H2 تكرر فِي السورة، وأن لفظ H3 تكرر فِي السورة الكريمة.

وَكَذَلِكَ القصص قام على ذَلِكَ؛ فالله لما ذكر قصة يحيى تجد فِي هذه القصة: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 13].

وقبل ذَلِكَ فِي قصة زكريا عليه السلام تتكرر كلمة H4، كما تقدم، وأن الله سبحانه وتعالى أجابه إِلَى سؤله.

وَكَذَلِكَ فِي قصة مريم عليها السلام في قوله تعالى: (﴿وَلِنَجْعَلَهُۥٓ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾).

ولما ذكر الله قصة الخليل إبراهيم عليه السلام عليه السلام، ذكر من قصة الخليل إبراهيم ما يتعلق ببر الوالدين. وهذا قائم على جانب الرحمة. وجاء التعبير في هذه السورة الكريمة مبينا لطف إبراهيم – عليه السلام – مع أبيه.

وإذا قارنت بين آيات سورة مريم وآيات سورة الأنعام تجد الفرق بيّنًا جِدَّاً بين قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 74]، وَكَذَلِكَ ما جاء فِي سورة الأنبياء يختلف عما جاء هنا فِي سورة مريم التي يظهر فيها بجلاء الرحمة واللطف.

وأيضا لطف الله بإبراهيم الخليل عليه السلام ﴿إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ [مريم: 47] وأيضا: ﴿وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ [مريم: 48]. فهذا يناسب جانب الرحمة.

وَلِذَلِكَ فِي أثناء القصة، وهو يذكر باب العذاب يذكر معه الرحمة، كما سيأتي التنبيه عليه فِي أثناء التفسير ﴿يَـٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيًّا﴾ [مريم: 45] مع ذكر العذاب أيضًا ما ترك ذكر الرحمن، إنمّا قال: ﴿عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيًّا﴾.

تمضي الآيات الكريمة وهي تقص علينا طرفا من قصص الأنبياء وَالمُرْسَلِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ من رحمة الله سبحانه وتعالى بعبادة؛ فالرسالة رحمة، الرسالات التي أرسلها الله جل وعلا إِلَى الخلق رحمة من الله سبحانه وتعالى بخلقه.

وتمضي الآيات الكريمة، وفي الموضع الذي ذم الله فيه أولئك الذين اتخذوا له ولدا، وهو سبحانه وتعالى لا ولد له أيضًا كرر اسم الرحمن، فقال: ﴿وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًا لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّا﴾ [مريم: 87]، ثم بعد ذَلِكَ قال أيضًا: ﴿أَن دَعَوْا۟ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدًا وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 91]. فكل هَذَا يدل على هَذَا المعنى، والعلم عند الله.

ومما يساعدك على أن تعلم أن المقصودين يعود أحدهما إِلَى الآخر، أن اسم الله H5، واسمه H6 بينهما ما بينهما من علاقة وثيقة، وصدق الله إذ قال: ﴿قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا۟ ٱلرَّحْمَـٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [الإسراء: 110]. هَذَا بعض ما يتعلق بمقصود هذه السورة المباركة.

ومما يلاحظ، والعلم عند الله، أن مجيء سورة مريم بعد سورة الكهف له فوائد أيضًا، ومناسبات كثيرة، لكن مما نذكره فِي هَذَا المقام:

أن الله لما ذكر قصة الفتية، قال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُوا۟ مِنْ ءَايَـٰتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: 9] فرب العباد سبحانه وتعالى ذكر هناك: H7، فبيّن أن هؤلاء على قول بعض المفسرين، وتكلمنا هناك عن الأَوْجُه الواردة فِي ذَلِكَ، أَنَّ اللهَ سبحانه وتعالى عنده من الآيات ما هو أعجب، فلما ذكر الله قصة الفتية ذكر ما هو أعجب هنا، ويتمثل ذَلِكَ فِي قصة زكريا، وفي قصة مريم؛ فلا شك أنهما أعجب من قصة الفتية، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

أيضًا فِي آَخِرِ السورة: H8، ومما أوحى الله به إِلَى نبيه صلى الله عليه وسلم أنه أعلمه بالأمور الغيبية التي سبقت ومضت، ولم يكن له اطلاع عليها، لولا أن الله أعلمه. وهذا جاء فِي صدر سورة مريم ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ﴾ [مريم: 2] فهذا مما أوحى الله به إِلَى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

من المناسبات بين أول سورة مريم وآخر سورة مريم، أن الله قال: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ﴾ [مريم: 2] وهذا الذكر فِي القرآن الكريم؛ وَلِذَلِكَ جاء فِي السورة H9. إِلَى غير ذَلِكَ.

وهنا قال: H10، ثم فِي آَخِرِ السورة: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوْمًا لُّدًّا﴾ [مريم: 97] فهذا هو الذكر الذي بينه الله سبحانه وتعالى فِي صدر السورة.

بل ومن عجائب التناسب اللفظي، والعلم عند الله، أن الله لما ذكر قول زكريا عليه السلام، قال فِي أول السورة: ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3] فعبر بالنداء الخفي، وفي آَخَر السورة قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًۢا﴾ [مريم: 98]؛ والركز: هو الصوت الخفي.

ففي أول السورة: H11، وفي آخرها ذكر الركز؛ وهو أيضًا الصوت الخفي.

وإنْ كان ثمة فرق بينما ذكر فِي أول السورة وَمَا ذكر فِي خاتمتها، والعلم عند الله.

هَذَا بعض ما يقال فِي مقصود السورة، والمناسبة بين أوَّلهَا وآخرها، وبينها وبين سورة الكهف. والعلم عند الله تبارك وتعالى.

تعليق الشيخ محمد حفظه الله:

قال الله سبحانه: ﴿كٓهيعٓصٓ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ﴾

افتتح الله عز وجل هذه السورة بالحروف المقطعة، وتقدم معنا أن هَذَا الافتتاح افتتح الله عز وجل به تسعا وعشرين سورة من سور القرآن الكريم، هذه إحداها، وبعد ذَلِكَ قال الله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ﴾.

القول فِي الحروف المقطعة تقدم مرار، وَأَنَّهَا حروف تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا القرآن معجز لأننا نعرف الحروف، ونتكلم بها، ولا نستطيع أن نأتي بمثل القرآن، ولا بمثل سورة من سورة.

لكن هنا يرد أمر؛ وهو أن الله سبحانه وتعالى فِي غالب هذه السور كما تقدم وتبين أنها عادة جارية فِي عموم السور المفتتحة بالحروف المقطعة، أن الله يُتبعها بالحديث عن القرآن إلا ما استثني.

وهنا قد يقول قائل: وأين الحديث عن القرآن هنا؟ هنا قص الله علينا قصة زكريا، وقال ذكر رحمة ربك عبده زكريا، فيقال: من خصائص القرآن أنه أَتَى بأمور غيبية لَمْ يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلع عليها من الأمور الماضية، ومن الأمور المستقبلية ﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49] فسورة مريم وإن لَمْ يأت فيها بعد الحروف المقطعة حديث عن القرآن صراحة، لكن جاء ما يدل على أن هَذَا منزل من عند الله سبحانه؛ لأنه حديث عن أمر غيبي مضى لَمْ يكن ليعرفه الرسول صلى الله عليه وسلم إلا عن طريق الوحي.

وفي مقابلة هَذَا ما جاء فِي سورة الروم ﴿الٓمٓ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: 1-3] فهذه السورة أيضًا صدّرها الله عز وجل بالحديث عن الروم وانتصارهم على الفرس بعد هزيمتهم، فأين الحديث عن القرآن؟

يقال: هَذَا حديث عن أمر غيبي مستقبلي لَمْ يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه إلا عن طريق الوحي؛ فهذا وجه الرابط، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

قال: ﴿ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ٢﴾

قالوا هنا: هَذَا ﴿ﱃ ﱄ ﱅ ﴾، هَذَا هو القول المشهور فِي تفسير الْآَيَة وإعرابِها؛ أن قوله H0 خبر للمبتدأ؛ أي} هَذَا ذكر رحمة ربك عبده زكريا.{.

واسمع يا رعاك الله كَيْفَ أَنَّ السورة من بدايتها تشير إِلَى مقصودها؛ وهو أن السورة كلها مبنية على ذكر الرحمة، فكل ما فيها رحمة أو رحمات من رحمات الله سبحانه وتعالى، وَمَا أكثرها.

قال: ﴿ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ٢﴾ وفي قوله: H1 تشريف لزكريا عليه السلام؛ فالمقام هنا مقام تشريف، فقال: H2.

وَيُمْكِنُ أَنْ يقال: هناك مناسبة بين هَذَا وبين ما جاء فِي صدر سورة الكهف ﴿ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷﲸ ١﴾ [الكهف: 1]

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﴾

وأيضا أمر العبودية جاء فِي سورة الإسراء فِي صدرها ﴿ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﴾ [الإسراء: 1]؛ فالثلاثة تجتمع فِي هَذَا؛ وهو وصف الأنبياء وَالمُرْسَلِينَ بوصف العبودية؛ لما فيه من شرف عظيم.

﴿ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ﴾ قالوا هنا فِي التفسير "إذ دعا ربه سبحانه دعاء خفيا" إذًا المراد بالنداء: هنا الدعاء؛ قالوا "ليكون أقرب إِلَى الإجابة".

إذًا أفادونا هنا فِي المختصر بذكر بعض الحكم التي من أجلها أَسرّ زكريا عليه السلام بدعائه أو أخفاه، فقالوا: ليكون أقرب إِلَى الإجابة.

وقد علمنا الله، فقال: H3، فمما يستحب فِي الدعاء إخفاء الدعاء إلا عند الحاجة إِلَى رفع الصوت؛ وَلِذَلِكَ H4.

وأيضا هناك فوائد أخرى لإخفاء الدعاء، قالوا: لأنه أجمع للقلب؛ فالإنسان إذا رفع صوته ربما تفرق عليه قلبه، فإذا أخفى الصوت كان هَذَا أجمع لقلبه، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

وَكَذَلِكَ هو أبعد عن الرياء، فمن فوائد إخفاء الدعاء أنه أبعد عن الرياء وأسلم منه.

وبعض العلماء التمس حكمة أخرى؛ وهي أن زكريا عليه السلام لَمْ يدع بذلك جهرًا؛ لئلا يعتب عليه أحد، إذا كان هَذَا وقع منه فِي كبر سنه، والأمر كذلك كما عليه الجماهير، فربما لامه لائم، وهو ليس بحاجة إِلَى مثل هَذَا العتاب ولا إِلَى المناظرة فيه؛ فهو الواثق بربه سبحانه وتعالى، فاستغنى عن ذَلِكَ بأن كان دعاؤه خفيًا.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ٣ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ٤﴾

قال: ربِّ؛ أي: يا ربي، إذًا ربِّ معناها: يا ربي؛ فأصل الكلام H5، لكن من أجل التخفيف، ولبيان أن العبد قريب من ربه تحذف ياء النداء، وهذا هو أسلوب القرآن الكريم.

وَقُلْنَا: استثني من ذَلِكَ موضعان؛ قيل فيهما H6، وقد وردا فِي موضع خاص، أو وردا فِي مقام خاص؛ كما هو فِي قوله سبحانه ﴿ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ٨٨﴾ [الزخرف: 88] وأيضا قال ﴿ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ٣٠﴾ [الفرقان: 30]

قال ﴿ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ٤﴾ [مريم: 4]

إني ضعفت عظامي؛ هَذَا معنى H7؛ فالوهن يطلق على الضعف.

H8 ما معنى واشتعل الرأس شيبا؟ قالوا: وكثر شيب رأسي.

تأمل قولهم: وكثر شيب رأسي، أصل التفسير: وكثر رأسي شيبا، لكنهم أعادوا الجملة إِلَى أصلها؛ لأنهم يقولون: إن أصل الجملة واشتعل شيب الرأس، فشيبا فِي الأصل هي الفاعل، واشتعل شيب الرأس، لكن جرى هنا ما جرى من هَذَا الأسلوب الذي فيه التمييز، واشتعل الرأس شيبا؛ كَقَوْلِهِ سبحانه وتعالى فِي مقام المفعول ﴿ﱫ ﱬ ﱭ﴾ [القمر: 12].

قالوا: هَذَا أبلغ؛ لَأَنَّ فيه أن الرأس كله قد اشتعل، واشتعل الرأس شيبا ليس فقط واشتعل شيب الرأس، إنمّا اشتعل الرأس، ثم ما الذي يشتعل من الرأس؟ هو الشيب؛ فقال: واشتعل الرأس شيبا.

والتعبير بهذا الأسلوب H9 الذي يدل على معنى H10؛ لَأَنَّ الذي يشتعل فِي الأصل النار، والنار إذا اشتعلت فإِنَّهَا تمتد وتنتشر، هَذَا هو المراد أن الشيب قد طال شيب رأسه من كل وجه.

قال: ﴿ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﴾ قالوا: ولم أكن خائبا فِي دعائي لك، بل كلما دعوتك أجبتني.

إذًا ما معنى H11؟ لَمْ تخيب رجائي، كلما دعوتك يا رب أجبتني، هَذَا يستفاد منه أن الإنسان يشرع له فِي الدعاء أن يعلن ضعفه، وأن يذكر حاجته إِلَى الله، وأن يبين ذله وافتقاره.

﴿ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ﴾ هَذَا بيان الحال، وفيه من جهة أخرى ذكر نعم الله السابقة؛ بأن تذكر أن الله لَمْ يخيب رجاءك؛ فَأَنْتَ تؤمل ﴿إِلَّا﴾ يخيب رجاءك فِي هذه المرة أيضًا.

﴿وَإِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ۖ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾

﴿إِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى﴾ ما المراد بالموالي؟ القرابة والعصبة، وهنا قالوا: وإني خفت قرابتي من ورائي؛ أي: ﴿إِلَّا﴾ يقوموا بعد موتي بالحق؛ بحق العلم والدين والدعوة.

﴿وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا﴾؛ امرأتي عقيما لا تلد.

﴿فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ طلب زكريا عليه السلام من ربه سبحانه أن يهب له من لدنه عز وجل وليا ﴿يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ۖ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ هَذَا الميراث ما المراد به؟ المراد به: ميراث النبوة، ميراث النبوة والعلم والدين.

ويدل على ذَلِكَ دلائل؛ منها:

أنه مهّد فقال: H12؛ أي: فِي عدم قيامهم بأمر الدين؛ إذًا هو طلب من يقوم بالدين.

ثم إن الأنبياء لا يورثون؛ كما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم: H13.

ثم إن الميراث يشترك فيه أهل الميراث، والوارث يرث، وهذا أمر معروف؛ فليس فيه زيادة، وليس فيه فائدة جديدة، معروف أنه إذا رزق بولد فَإِنَّ الولد يرث، لكن الفائدة أنه يتحمل المسئولية، أنه يتحمل الأمانة؛ أمانة النبوة، أمانة الرسالة، وهذا هو المناسب لزكريا عليه الصلاة والسلام.

إذًا ﴿يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ﴾؛ أي: يرث النبوة، وأيضا ويرث من آل يعقوب؛ ويعقوب عليه السلام نبي مبارك؛ فالمراد: ميراث النبوة.

وهنا قال: H14، لكن صرّح في مواضع أخرى أن المراد بالولي هنا H15، المراد به: H16؛ وَلِذَلِكَ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾، وأيضا فِي قوله ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَٰرِثِينَ﴾ ﵝالأَنبِيَاء الآية ﵙﵘﵜ فهذا يبين أن المراد بالولي هنا ولده، أَنْ يَكُونَ ولدا له.

﴿يَـٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ ٧ﵢ

قوله هنا: ﴿وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ﵝمريم الآية ﵖﵜ هذا معنى جميل؛ وهو أن الإنسان يطلب الذرية الطيبة التي ترضي الله سبحانه وتعالى، والتي يرضى عنها رب العباد؛ فلا يكون مطلوب العبد أن يرزق بالولد وفقط، إنمّا أن يكون الولد من الصالحين؛ كما قال الخليل أيضًا عليه السلام: ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ ﵝالصّافّات الآية ﵐﵐﵑﵜ

﴿يَـٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ ٧ ﵝمريم الآية ﵗﵜ قالوا هنا: فاستجاب الله دعاءه، وناداه.

إذًا H0 هذا استجابة من الله لدعاء زكريا، استجاب الله له، وبين الله ذلك في موضع آل عمران ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ﴾ ﵝآل عمران الآية ﵙﵓﵜ.

﴿يَـٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ﴾ ﵝمريم الآية ﵗﵜ فاستجاب الله دعاءه، وليس هذا فحسب، وإنما سماه الله؛ فمن إكرام الله لزكريا، ومن إكرام الله ليحيى أنه تكفل بتسمية يحيى، وأنه لم يجعل له ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ سميا؛ فغاب هذا الاسم عمن سبق، وادخر لهذا النبي المبارك يحيى عليه السلام، قال: ﵣلم نجعل لّه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ سميّٗاﵢ ﵝمريم الآية ﵗﵜ قالوا: لم نجعل لغيره من قبله هذا الاسم.

﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّا﴾

﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ﴾ هنا سؤال من زكريا عليه السلام يسأل: أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّا﴾

وهذا السؤال يورث الاستغراب؛ لأنّ لقائل أن يقول: كيف سأل هذا السؤال، وهو الذي طلبه؟ هو الذي طلب أن يرزق بالذرية الطيبة، وأن يرزق بالولي، وحين يبشره الله سبحانه وتعالى بأنه سيرزق به، يسأل ويقول: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا﴾

فقال بعض العلماء: هو طلب لعلمه بأن ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، ولما بلغه الخبر، وجاءته البشرى أذهله الأمر، والخطب؛ فقال متعجبا؛ لذلك قالوا هنا في المختصر: قال زكريا متعجبا من قدرة الله، ليس منكرا، ولم ينكر، لكن هذا هو ما يكون من ذهول المرء حينما يسمع خبرا عجيبا، وهو أعجب مما ورد في قصة الفتية في سورة الكهف، أمر عجيب أثار استغرابا عنده، أو أثار تعجبا، هذا قول.

وهناك من قال من أهل العلم: إن سؤال زكريا عليه السلام كان عن جهة مجيئه، كيف يجيء هذا الغلام؟ هل سأعود شابا؟ هل ستعود امرأتي شابة؟ هل سيذهب عنها هذا العقم؟ هل سأتزوج غيرها؟ هل سأرزق منها أم من غيرها؟ هذه عدة أسئلة واردة، قال بذلك فريق من أهل العلم، وتقدم بيان ذلك أيضًا في سورة آل عمران.

قال الله سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّا﴾

قالوا هنا: بلغت نهاية العمر من الكبر، وضعف العظام؛ فهذا هو المراد بقول H1؛ يعني: بلغ الكبر الشديد.

﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾

قال الملك: الأمر كما قلت من أنّ امرأتك لا تلد، وأنك قد بلغت نهاية العمر من الكبر وضعف العظام.

إذًا قال كذلك؛ يعني: قال الملك هذا هو التقدير كذلك، كما قلت أنت قلت عن نفسك: إنك كذا وكذا، وإن امرأتك كذا وكذا، وهذا حق، لكن هذا لا يكون شيئًا في قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ الله لا يعجزه شيء؛ لذلك قال: ﴿كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ ﵝمريم الآية ﵙﵜ.

وتأمل هنا: H2؛ فلأن المقام مقام محاورة؛ حذفت الفاء والواو، وتقدم معنا أنه في مثل هذه المقامات لا ترد الواو أو الفاء، إنمّا قال.

﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ ﵝمريم الآية ﵙﵜ هذا هين على الله سبحانه وتعالى، (هو) علام يعود الضمير في قوله H3؟

قالوا هنا: خلق ربك ليحيى من أم عاقر، ومن أب بلغ نهاية العمر سهل؛ ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ﴾ شيئًا؛ لم تكن شيئًا يذكر؛ فالله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء سبحانه وتعالى.

H4، هو واثق في وعد الله سبحانه وتعالى، ويعلم إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ؛ فطلب أن تكون له آية وعلامة تدلّ على وقوع هذا.

﴿قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةً ۚ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾

قالوا: اجعل لي علامة؛ إذًا الآية بمعنى العلامة؛ أطمئن بها، تدلّ على حصول ما بشرتني به الملائكة.

قال آيتك؛ يعني: علامتك على حصول ما بشرت به ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ ﵝمريم الآية ﵐﵑﵜ يعني: ﴿إِلَّا﴾ تستطيع الكلام مع الناس، تحاول الكلام فلا تستطيع.

H5؛ يعني: وأنت سويٌّ صحيح دون علة ودون مرض؛ فتكون آية وعلامة على تحقق تلك البشارة، وأن المرأة حملت، وأن يحيى عليه السلام سيأتي بفضل الله سبحانه وتعالى.

﴿أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾

بل أنت صحيح معافى، وفي آية آل عمران H6، قال هناك أيام، وهنا قال ليال؛ للدلالة على أنها ثلاثة ليال، أو ثلاثة أيام بلياليهن؛ فهي مكتملة ليلًا ونهارًا.

﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا۟ بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾

﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ﴾ قوله: H7 لم يقل خرج إلى قومه، إنمّا قال: H8؛ كأنها تضمنت معنى H9؛ أي: فطلع على قومه؛ ففيها أسلوب تضمين.

﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ﴾

ما معنى من المحراب؟ قالوا: من مصلاه، كما في قوله: ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ﴾ ﵝآل عمران الآية ﵙﵓﵜ.

﴿فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ﴾ أي: أشار إليهم، وهناك قال H10، قال H11؛ أي: أشار إليهم؛ لأنه لا يتكلم، فعلم أن الوحي هنا بمعنى الإشارة.

﴿أَن سَبِّحُوا۟ بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي: أول النهار وآخره، أو إن شئت فقل صباحا ومساء، دعاهم إلى ذكر الله سبحانه وتعالى، وقد قال الله له: ﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ﴾ ﵝآل عمران الآية ﵑﵔﵜ

تعليق الشيخ حفظه الله على الفوئد:

الضعف والعجز من أحب وسائل التوسل إلى الله؛ لأنه يدل على التبرؤ من الحول والقوة، وتعلق القلب بحول الله وقوته؛ لذلك قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ٤ﵢ ﵝمريم الآية ﵔﵜ وقريب من هذا المعنى ما قاله موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ﵝالقصص الآية ﵔﵒﵜ لذلك يتوسل العبد إلى ربه سبحانه وتعالى بضعفه؛ لأنه ضعيف وعاجز؛ فيتقرب إلى الله بذلك. وهذه الفائدة التي ذكروها هي منقولة من الشيخ السعدي رحمة الله في تيسير H12.

يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نعم الله تعالى عليه وما يليق بها، وهذا واضح في قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ﵝمريم الآية ﵔﵜ فيذكر أن الله لم يخيب رجاءه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾. وهذه الفائدة نقلها القرطبي عن العلماء.

الحرص على مصلحة الدين وتقديمها على بقية المصالح، وهذا واضح من قول زكريا عليه السلام ﴿إنّي خفت ٱلمولي من ورآءي وكانت ٱمرأتي عاقرٗا فهب لي من لّدنك وليّٗا ٥ يرثني ويرث من ءال يعقوب وٱجعله ربّ رضيّٗا ٦﴾ ﵝمريم من الآية ﵕ إلى الآية ﵖﵜ فبين السبب في الإنجاب، ما السبب في طلب الولد؟ وهذا فيه أن الإنسان ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ ولدا فعليه أن يستحضر النيات، ما نيتك في الذرية؟ ما نيتك في أن يرزقك الله بالذرية؟

تستحب الأسماء ذات المعاني الطيبة، ومن ذلك تسمية الله عز وجل ليحيى بيحيى؛ فقال: ﵣنبشّرك بغلمٍ ٱسمه يحيى لم نجعل لّه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ سميّٗاﵢ ﵝمريم الآية ﵗﵜ ويحيى اسم له تاريخ؛ لأنّ الله سماه، فبعد ذلك من سمي يحيى فإنه يسمي بسبب التاريخ السابق له من تسمية الله له بيحيى، وهو اسم له معنى؛ يحيى فيه دلالة على معنى الحياة؛ ولذلك قالوا: إن الإنسان يختار من الأسماء ما له تاريخ ومعنى، أو ما كان له أحد الأمرين، فيسمي بهذا الاسم؛ لأنه اسم له تاريخ سمي به بعض الصحابة، سمي به بعض التابعين، وما أشبه ذلك، وقبل ذلك تسميته بأسماء الأنبياء والمرسلين، أو أن يكون له معنى، أو يجمع بين الأمرين، فمما يجمع بين الأمرين اسم ميمونة؛ فميمونة فيها معنى البركة، والاسم له تاريخ؛ فهي زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا، والله تعالى أعلم.

تعليق الشيخ محمد حفظه الله:

﴿يَـٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﵝمريم الآية ﵒﵑﵜ

هنا تساؤل، قال الله سبحانه: ﴿يَـٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ واضح جدّاً أن هذه الآية الكريمة H0 جاءت بعد جمل مقدرة؛ لأنّ الآية التي قبلها ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا۟ بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ففعل ذلك، ورزقه الله بيحيى، فلما بلغ سنا يخاإذاً فيه قال الله عز وجل ليحيى: H1.

السورة انتقلت من الحديث عن زكريا وطلبه إلى الحديث إلى يحيى، وهذا لا شك يستغرق مدة، لكن هكذا تجري قصص القرآن الكريم، تطوى الأحداث، والإنسان الذي يقرأ يدركها.

لذلك قالوا هنا في المختصر: فولد له يحيى، فلما بلغ سنا يخاإذاً فيها، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ له: H2، فهذا ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ الإنسان أن يفسر كلمة في مقابلة كلمة ما وجد هذا، لكن هذا يتأتى من السياق.

ولذلك في تفسير القرآن يراعى ذلك؛ يراعى أن السياق إذا استدعى تقديرا قدر هذا، وأن يحافظ في هذا التقدير على أن يكون له قدر وجلال؛ لأنه يوضع بجوار تفسير كلام الرب سبحانه وتعالى.

﴿ييحيى﴾ قولهم هنا: ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ له: يا يحيى؛ لأنّه لا يقول ذلك إلا الله سبحانه وتعالى.

﴿يَـٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ﴾ ﵝمر ما المراد بالكتاب؟ التوراة، وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك.

وأريد منك أن تلاحظ أن الله كرر ذكر الكتاب في هذه السورة، فجاء الكتاب هنا بمعنى التوراة، وجاء في قول عيسى عليه السلام: ﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾ والمراد به الإنجيل، وتكرر في السورة H3 والمراد به القرآن.

وتقدم معنا أن H4 ورد في القرآن الكريم على أوجه، وهذا يذكر في علم الوجوه والنظائر؛ فإذا سئلت ﴿وَقِيلَ﴾ لك: استخرج لنا من سورة مريم أوجها في معنى الكتاب؟

فقل ورد الكتاب في سورة مريم بمعنى التوراة، في قوله: H5.

وورد بمعنى الإنجيل، في قول عيسى عليه السلام: H6.

وورد الكتاب بمعنى القرآن، وذلك في قوله: H7.

قال: ﴿يَـٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد، هذا فيه أنّ العلم يستدعي الجد والاجتهاد ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾ ١٤ﵢ ﵝالطّارق من الآية ﵓﵑ إلى الآية ﵔﵑﵜ وقال الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ﴾ ﵝالأعراف الآية ﵐﵗﵑﵜ.

قال: ﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قالوا: وأعطيناه الفهم والعلم والجد والعزم، وهو في سن الصبا.

إذًا فسروا الحكم هنا بالفهم والعلم والجد والعزم، وهو صبي.

وبعض العلماء فسر الحكم بالنبوة، بل نقله بعضهم؛ كالسمعاني عن أكثر المفسرين؛ ولذلك يقولون: إن يحيى عليه السلام صار نبيا وهو حدث صغير.

وقد نقل بعضهم: أن العلماء يكادون يتفقون على أن نبوة يحيى عليه السلام كانت قبل الأربعين؛ فدعوى أنه لا يبعث نبي إلا إذا بلغ الأربعين منقوضة بمثل ذلك.

وقال بعضهم: من حكم ذلك، والعلم عند الله، أن يحيى عليه السلام قتل ولم يعمر العمر الطويل؛ فرزقه الله النبوة وهو شاب، أو وهو صغير، أو وهو صبي.

لكن على كلٍّ من أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: صار نبيا لكن وهو شاب، وليس وهو صبي، ويفسرون الحكم بما فسَّروه هنا من الفهم والعلم.

وهذا فيه: أن الصبي قد يفتح الله عز وجل له من أبواب الفهم؛ فهو يقول له: H8، ويقول: H9، فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: رزق النبوة فهذا أعلى المقامات، وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: إنه الفهم؛ فهذا يدل على أن الصبي قد يهبه الله سبحانه وتعالى من الفتح والعلم ما الله به عليم؛ ولذلك كان بعضهم إذا رأى بعض العلماء وهو حدث صغير يذهب إلى مجالس العلماء فربما نطق بعضهم بهذه الآية.

وقد ذكرت في البخاري وأن بعض شيوخه حينما رأوا البخاري كانوا يبتسمون، ويقولون: H10.

قال الله سبحانه: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا﴾ أي ورحمناه رحمة من عندنا، وطهرناه من الذنوب.

قولهم: وطهرناه من الذنوب، هذا تفسير لقوله: H11؛ إذا H12؛ طهارة من الذنوب، وهذا أحد الأقوال في معنى H13، كما تقدم في سورة آل عمران، وفيها أقوال أخرى.

لكن في قوله: H14 قالوا: رحمة من عندنا، لنا أن نضيف معنى آخر في معنى الحنان؛ وهو المحبة؛ فلذلك نقول: ورحمناه رحمة من عندنا ومحبة، وهذا ذكره أصحاب التفسير الميسر فأحسنوا في ذلك، إذا الحنان رحمة ومحبة.

قال الله سبحانه وتعالى: ﵣوكان تقيّٗا ١٣ ﴿وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ ﴿بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ أثنى الله عز وجل عليه بأنه بار أو بر بوالديه، وَلَمْ ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ عَصِيًّا، قالوا: لم يكن متكبرا عن طاعة ربه ولا طاعتهما، ولا عاصيا لربه أو لوالديه.

وهذا فيه فضل بر الوالدين وأنه من أجل الصفات التي يمتدح بها العبد.

وذكر بعضهم أنه ما وجد العقوق في أحد؛ أعني: عقوق الوالدين إلا ووجد معه التجبر والعصيان؛ فمن كان عاقا لوالديه كان جبارا عاصيا، ومن كان بارا بوالديه فإنه بفضل الله سبحانه وتعالى يرجى له الخير والتواضع والطاعة.

قال: ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالوا: سلام عليه من الله وأمان له منه، إذا ما معنى السلام؟ قالوا: سلام وأمان.

بعضهم فسر السلام بالأمان، وهم هنا جمعوا بين السلام والأمان؛ لأنّ بعضهم فسر السلام بالتحية، ويمكن الجمع، فيقال: وسلام عليه؛ أي: تحية من الله سبحانه وتعالى عليه وأمان؛ لأنّ معنى التحية هو الأمان؛ فالله عز وجل إذا سلم على عبد معناه أنه يؤمنه مما يكره ومن المكاره.

﴿يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالوا هنا: وهذه المواطن الثلاثة هي أوحش ما يمر به الإنسان؛ فإذا أمن فيها فلا خوف عليه فيما عاداها؛ فلذلك خصها بالذكر، وأيضا خصها عيسى عليه السلام حينما قال: ﴿وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ وقولهم: هي أوحش ما يمر به الإنسان ورد هذا عن سفيان بن عيينة، فأصل الكلام ورد عن سفيان: H0.

فالإنسان إذا ولد خرج من بطن أمه إلى هذه الحياة، فأنتقل من بيت صغير وهو بطن أمه إلى هذه الحياة، فإذا خرج من الدنيا وصار في القبر انتقل إلى حياة أوسع، ثم إذا انتقل إلى الآخرة فهي أوسع وأوسع.

ثم انتقلت بنا السورة إلى قصة مريم عليها السلام، وقد سميت السورة باسمها ﴿وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ﴾ أي: في القرآن؛ لذلك قالوا: اذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول في القرآن المنزل عليك خبر مريم عليها السلام ﴿إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ إذ انتبذت، قالوا: تنحت عن أهلها مكانا شرقيا؛ أي: بمكان على جهة الشرق منهم، هذا معنى مكانا شرقيا.

﴿فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ أي: جعلت بينها وبين قومها ساترا يسترها؛ تتفرغ للعبادة في هذا المكان، وتخلو بعبادتها لربها سبحانه وتعالى، وهذا فيه معنى الاعتكاف، وقد جاء في شريعتنا ما يؤيده بصفته وأركانه وشروطه المعروفة، لكنه اعتكاف مؤقت.

وأما هذه فلأن الله عز وجل ذكر لنا قول امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ ﵝآل عمران الآية ﵕﵓﵜ فأخلصتها لهذه العبادة، وصارت محررة من أعمال الدنيا وخالصة لعبادة الله سبحانه وتعالى.

﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ما المراد بقوله روحنا؟ جبريل عليه السلام، إذا المراد بالروح هنا: جبريل، فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا؛ أي: في صورة إنسان سويّ الخلقة؛ فخافت أنه يريدها بسوء؛ ولهذا قالت: ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ إذا ما وجه قولها ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ أنها خشيت أن يمسها بسوء.

﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ قالت: H1، ذكرت اسمه الرحمن، والمعنى: أن ربي وهو الرحمن لن يتركني، وسيحفظني، فهذا من المواضع التي يذكر فيها اسمه الرحمن.

إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَٰنِ ﴿مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ فيه تذكير المعتدي، أو من يحسب أنه معتد بالله سبحانه وتعالى، بأن تذكر من يريد الاعتداء عليك ذكره بالله. ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾

ولذلك H2.

﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ إن كنت تقيا؛ تخاف الله، تذكره بأن هذا هو المتعين، وأيضا فيه الدفع بالأسهل؛ فقبل أن تحاربه، أو أن تصده، أو أن تدفعه فإنّها تبدأ بالكلام؛ فالكلام أخف، فهذا فيه أنه في هذا الباب يبدأ الإنسان بدفع الاسهل وهكذا.

﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ إنمّا أنا رسول ربك؛ وهو جبريل عليه السلام؛ ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾.

قالوا هنا: لأهب لك ولدا طيبا طاهرا؛ أي: لأكون سببًا في ذلك، حينما نفخ في جيب درعها فصارت هذه النفخة في فرجها؛ فكان منها الولد بإذن الله سبحانه وتعالى، والله خلقه بكلمة H3.

إذا قوله: H4؛ يعني: لأكون سببًا في ذلك، ويشهد لهذا المعنى القراءة الأخرى؛ وهي متواترة: (ليهب لك غلاما زكيا)، فقوله: H5 إذًا الذي يهب هو الله، وإنما أنا سبب؛ فالقراءتان تتوافقان.

﴿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ هذا تعجب منها، واستغراب.

وبعضهم يقول: استبعاد، تستبعد هذا، كيف يقع هذا؟ هي لا ترد عليه، ما ترد على الله سبحانه وتعالى؛ إنمّا كان أمر زكريا بوحي، وزكريا نبي عليه السلام، ومريم اختلف في نبوتها.

ويذكر عدد من العلماء أن قول الجماهير أنها ليس نبية، وإنما هي صديقة، وإن كان ثمة خلاف في ذلك.

فبعضهم كابن حزم والقرطبي يرون أنها نبية، والكلام في ذلك سبق في بعض اللقاءات من عمدة التفسير.

الشاهد من ذلك ﴿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ إذًا هذا تعجب منها أو استبعاد ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾ قالوا هنا: ولم يقربني زوج ولا غيره.

بعضهم قال: ولم يمسسني بشر عن طريق الزواج، ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ ليس بطريق حلال، وليس بطريق محرم، وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا

أو قول: H6 أعم ثم خصصت فقالت: H7؛ لم يمسسني بشر عن طريق الزواج أو غيره، ولم أك بغيا؛ لست معروفة بهذا الذنب؛ وهو البغاء، وهو الزنا، ولم أك بغيا.

﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ أي: قال لها جبريل: الأمر كما ذكرت من أنك لم يمسسك زوج ولا غيره؛ فهي ربطت الأشياء بأسبابها؛ فالأصل أن المرأة إنمّا ترزق بالولد عن طريق لقاء زوج مع زوجته، فأنى لها أن ترزق بولد أو بغلام، وهي لم يقربها زوج ولا غيره.

﴿وَلِنَجْعَلَهُۥٓ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ قالوا هنا: وليكون الولد الموهوب لك علامة للناس على قدرة الله ورحمة منا لك ولمن آمن به، وكان أمرا مقضيا، وكان هو، ما هو؟ قالوا: وكان خلق ولدك هذا أمرًا مقضيًا؛ أي: قضاء من الله مقدرًا مكتوبًا في اللوح المحفوظ.

﴿فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ بِهِۦ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ ٢٢ﵢ وجاءت الآية الأخرى تبين؛ H8.

قال الله سبحانه: H9؛ مكانا بعيدا عن الناس.

﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾ قالوا هنا: فحملت به بعد نفخ الملك، هذا استفيد من الآيات الأخرى؛ فتنحت به إلى مكان بعيد عن الناس ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ﴾ أي: فضربها المخاض أو ألجأها طلق الحمل، إذا ما المراد بالمخاض؟ طلق الحمل ﴿إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾ أي: إلى ساق النخلة ﴿قَالَتْ يَـٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ أي: وكنت شيئًا لا يذكر؛ فالنسي المنسي: هوالشيء الحقير التافه الذي لا يؤبه له، وكنت نسيا منسيا؛ لئلا يعاتبني أحد، ولئلا يقول أحد: كيف أتيت بهذا الطفل؟ ومن أين لك به إلى غير ذلك؟

وهذا فيه أن الإنسان يريد أن يبعد نفسه عن مواضع الفتنة، وأن يبعد الفتن عن نفسه، وهذا هو الأصل؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجلين: " إنها صفية، وقال: إني خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكم" وقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، فهذا هو الأصل أن يدفع الإنسان عن نفسه مواضع الشبهة والفتن.

﴿فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ ﵝمريم الآية ﵔﵒﵜ

هذه آية عظيمة من آيات الله سبحانه وتعالى ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً﴾ ﵝالمؤمنون الآية ﵐﵕﵜ.

قال: ﴿فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى﴾ ﵝمريم الآية ﵔﵒﵜ من الذي ناداها؟

قالوا هنا: فناداها عيسى من تحت قدميها، وقوله: H10 يمكن أن يقال بمعناه H11 فمن تحتها؛ أي: أسفل منها، ناداها بين يديها، أو أنه عند الولادة يكون الولد أسفل أمه حين ينزل منها.

اختاروا هنا أن المراد بقوله: H0 هو عيسى عليه السلام، وَالقِرَاءَةُ الأخرى: H1 قالوا: هو عيسى عليه السلام؛ لأنه عند ولادته كان هَذَا وصفه، ويشهد لهذا القول والعلم عند الله أن الأصل أن يعود الضمير على أقرب مذكور، وأقرب مذكور هنا ﴿فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ بِهِۦ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ إذًا فناداها من تحتها هَذَا الذي حملته، وهذا الذي انتبذت به؛ فقالوا: الضمير يعود إِلَى عيسى عليه السلام، ويقوي ذَلِكَ أَنَّ توحيد مرجع الضمير أَوْلَى من تفريقه، والآيات جاءت بعد ذَلِكَ ﴿فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ﴾، وأيضا الحديث عن عيسى عليه السلام؛ فمن أجل هَذَا رجح أنه عيسى عليه السلام.

وبعض العلماء اختار أنه الملك، وأن هذه بشارة من الملك.

قال بعضهم: يرجح أيضًا أنه عيسى أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يُعلِمَها بالآية على وجه الحقيقة، فليست على سبيل الخبر، وإنما على سبيل المعاينة، وليس الخبر كالمعاينة؛ لأنَّها بعد ذَلِكَ قال الله عز وجل معلما ماذا تصنع مريم عليهاالسلام؟ قال الله عز وجل: ﴿فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ إِلَى أن قال: H2؛ فأشارت إليه؛ يعني: أنه هو الذي يتولى الرد؛ إذ أسمعها الله كلامه ابتداء؛ فإذا قَالَتْ لهم، وأشارت إليه هي تعلم أنه ليس بمستحيل أن يتكلم عيسى الذي تكلم إليها؛ فتكون قد رأت الْآَيَة السابقة؛ فكان هَذَا دليلا أيضًا على ترجيح هَذَا القول، والعلم عند الله تبارك وتعالى، لكن هما قولان مشهوران لأْهْل العلم.

﴿فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالوا هنا: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ﴾ جدول ماء تشربين منه، هَذَا هو معنى السري؛ فالسري: جدول الماء، وبعضهم يقول: النهر الصغير.

﴿وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قالوا: هَذَا فيه الأخذ بالأسباب، وإلا بدون هز فربي قادر على أن يتساقط الرإذاً الجني من هذه النخلة.

H3 قالوا: وذكر الرإذاً هنا يدل على مكانة الرإذاً للمرأة النفساء؛ وَلِذَلِكَ قال بعضهم: ليس هناك طعام أفضل للمرأة النفساء من الرإذاً والتمر؛ قالوا: لَأَنَّ اللهَ ذكره فِي هَذَا المقام وأهل الإذاً يقولون ذَلِكَ، ويرجحون أكل الرإذاً والتمر للمرأة النفساء.

﴿تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ أي جنيا من ساعته، ومعروف أن الرإذاً إذا نزل ربما تحول وتغير، لكن من إكرام الله لها أنه فيكون الرإذاً على حالته رطبا جنيا.

التعليق على الفوائد:

الصبر على القيام بالتكاليف الشرعية مطلوب ﴿يَـٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ﴾ والقوة فيها صبر وجد واجتهاد.

علو منزلة بر الوالدين ومكانتها؛ أي: علو مكانتها عند الله؛ فالله عز وجل قرنه بشكره، وَلِذَلِكَ قال ﵣوَكَانَ تَقِيّٗا ١٣ وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ عَصِيّٗا.

مع كمال قدرة الله فِي آيَاته الباهرة التي أظهرها لمريم إلا أنه جعلها تعمل بالأسباب؛ ليصلها ثمرة النخلة، إِلَى ذَلِكَ مال فريق من أهل العلم؛ استدلالا بقوله: ﴿هُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾.

تعليق الشيخ محمد حفظه الله:

قال الله سبحانه: ﴿فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ (مريم: 26)

﴿فَكُلِى وَٱشْرَبِى﴾ بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى ما امتن به على مريم عليها السلام من السري؛ وهو الجدول، أو النهر الصغير الذي تشرب منه، وذكر الرإذاً الجني، قال: ﴿فَكُلِى وَٱشْرَبِى﴾ فكلي من الرطب، واشربي من الماء، قد مَنّ الله عز وجل عليك بالطعام والشراب.

﴿فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا﴾ (مريم: 26) تأمل قوله: ﴿وَقَرِّى عَيْنًا﴾ مع قوله سابقا: ﴿أَلَّا تَحْزَنِى﴾ (مريم: 24) ﵝمَرۡيَم : ﵔﵒﵜ فهي فِي هَذَا الوقت، وهي فِي قلق وخوف وذعر وحزن يطمئنها الله سبحانه وتعالى، ولا تحزني، وهنا: ﴿وَقَرِّى عَيْنًا﴾ ويستعمل هَذَا الأسلوب H4 حينما يراد به إدخال السرور على العبد؛ فأقر الله عينه؛ أي: أعطاه ما يسره؛ لَأَنَّ القرن يدل على معنى البرودة؛ فتستعمل مع جانب السرور، بخلاف قولهم: أسخن الله عينه؛ يعني: أَصَابَهُ بما يضره.

وأيضا فيها معنى الاستقرار؛ فالإنسان إذا كان سعيدا بشيء فَإِنَّ عينه تستقر؛ فلا يلتفت إِلَى غيره، وَلِذَلِكَ قال الله سبحانه وتعالى ذاكراً دعاء عباد الرحمن: ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74) ﵝالفُرۡقَان : ﵔﵗﵜ فتقر أَعْيُنُهُم بهذه الذرية المباركة؛ فلا يلتفتون إِلَى غيرها، ولا يحسدون أَحَدًا؛ لَأَنَّ اللهَ رزقهم رزقا طيبا.

﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا﴾ (مريم: 26)

قال الأكثرون من أهل التفسير: المراد بالصوم هنا: الصمت، وهذا عليه الجمهور، وبعضهم يحكيه اتفاقًا المراد بالصوم: الصمت.

وبعضهم قال: الصوم؛ الصمت والامتناع عن الأكل والشرب، لكن الذي عليه الأكثرون أنه الصوم عن الكلام.

وَسَيَأْتِينَا بإذن الله تَعَالَى فِي الفوائد بيان أن هَذَا كان خاصاً بها، أو فِي شرعهم، وأما فِي شرعنا فإنه لا يتعبد لله سبحانه وتعالى بالصمت، بحيث يقول الإنسان إنه صائم عن الكلام، ولكن إذا استدعى المقام أن يصمت الإنسان فليصمت، فهذا مقام آَخَر، ومنه ما ورد فِي الحديث "من صمت نجا".

﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ ۖ قَالُوا۟ يَـٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًٔا فَرِيًّا﴾ هنا قد يقول قائل: فكيف قَالَتْ لهم ذلك وهي قد نَذَرتْ للرحمن صوما، ومعنى أنها نذرت للرحمن صوما أنها لن تتكلم، فكيف تقول لهم: إني نذرت للرحمن صوما؟

فقال كَثِيرُونَ: هَذَا مستثنى، والمعنى قولي لهم: إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ ﴿صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ ثم اسكتي، ثم اصمتي.

وبعضهم قال: أشارت بهذا الكلام، والأول أشهر؛ أن هَذَا الكلام مستثنى؛ بمعنى: تقول هذه الجملة، ثم تسكت، ولا تزيد فِي الكلام، ولا تجادل.

H5؛ جاءت به قومها تحمله، فأتت به؛ أي: ﴿بِعِيسَى﴾ عليه السلام، H6؛ لقد جئت أمرًا عظيمًا مفترًى؛ إذ جئت بولد من غير أب، هَذَا هو المراد بقوله: H7 شيء مفترًى، هَذَا الولد من أين أتى؟

وتأمل قوله سبحانه: ﴿فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ﴾ (مريم: 27) لأنَّها فِي حالة مجيئها به أمر غيبي بالنسبة لهم، وأمر غريب؛ H8، لكن حينما عاينوه وشاهدوه ﴿قَالُوا۟ يَـٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًٔا فَرِيًّا﴾ (مريم: 27) هَذَا الآن صار أمرًا مشاهدًا، وهذا من التفريق بين أسلوبي H9، كما تقدم التنبيه عليه فِي بعض المواضع.

﴿يَـٰٓأُخْتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (مريم: 28) يا أخت هارون؛ ما معنى يا أخت هارون؟ قالوا هنا فِي التفسير: يا شبيهة هارون فِي العبادة، وهو رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، وَبِهَذَا يزول الإشكال حينما يقول قائل: إن بين موسى وعيسى عليهما السلام مدة زمنية طويلة؛ فكيف يقال يا أخت هارون؟ كَيْفَ تكون مريم أخت هارون الذي هو أخو موسى عليه السلام، وبين موسى وعيسى مدة طويلة؟

فيقال: ومَن قال لك: إن هارون هَذَا هو أخو موسى؟ إنمّا هارون رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، وقد بين ذَلِكَ رسولنا صلى الله عليه وسلم؛ وَلِذَلِكَ جاء فِي صحيح مسلم من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، حينما قدم على نجران سألوه هَذَا السؤال، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، فH10.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة