مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة البقرة — الجزء 13

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 256 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

لا تزال الآيات الكريمة تتحدّث عن أحكام الحجّ، بعد أن أمرت بإتمام الحجّ والعمرة لمن حجٍّ أو اعتمر في قوله جلّ ذكره ﴿وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: 196) بيّنت هنا مواقيت الحجّ، فقالت الآية الكريمة ﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ﴾ (البقرة: 197) ولم تقل ذلك في العمرة؛ لأنّ العام كلّه صالحٌ لأداء العمرة؛ وأمّا الحجّ فإنّ له وقتًا مخصوصًا فقال سبحانه ﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ﴾ (البقرة: 197) ولمّـا كان قوله (أشهرٞ) في موقع الخبر، (ٱلحجّ) هذا مصدرٌ أو اسمٍ، فكيف يخبر عنه بقوله (أشهرٞ) ناسب هذا أن يقدّروا هذا التّقدير فقالوا هنا كما تقرؤون في المختصر (وقت الحجّ أشهر معلوماتٍ ) إذا أشهر معلوماتٍ : خبرٌ عن وقت الحجّ، ومنهم من يقدّر فيقول (الحجّ حجّ أشهر معلوماتٍ ) أيًّا ما كان الأمر فإنّ الآية الكريمة تدلّ على أنّ للحجّ وقتًا مخصوصًا من تجاوزه فإنّه لا يصحّ منه الحجّ، وقوله ﴿أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ﴾ (البقرة: 197) فسّرت هذه الأشهر المعلومات ب : شهر شوّال وشهر ذي القعدة وشهر ذي الحجّة، ومنهم من قصر ذلك العشر الأوّل من شهرٍ ذي الحجّة، فقالوا : شهر شوّال وشهر ذي القعدة والعشر الأوّل من شهرٍ ذي الحجّة.

فإن قال قائل : أوليس الحجّ يستمرّ بعد العشر؟ فإنّه من المعلوم أنّ رمي الجمرات في أيّام التّشريق هذا يكون بعد العاشر، فيكون في الحادي عشر والثّاني عشر والثّالث عشر.

فالجواب : لكنّهم قصدوا بذلك أنّ يوم النّحر ويوم الحجّ الأكبر هو يوم العاشر من شهرٍ ذي الحجّة وأكثر مناسك الحجّ يفرّغ منها في هذا اليوم، أو تتمّ في هذا اليوم أعني من الأركان.

﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ﴾ (البقرة: 197) أي : أوجب على نفسه الحجّ ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ﴾ (البقرة: 197) جاء هذا بصيغة النّفي وهو يعني النّهي أيضًا. أيٌّ : فلا ترفث ولا تفسق، لا تجادلوا؛ بل إنّه بصيغة النّفي يكون أبلغ كما هو معروفٌ، فنهى الله - : الحاجّ عن الرّفث وعن الفسوق وعن الجدال؛ أمّا الرّفث ففسّروه هنا في المختصر بقولهم (الجماع ومقدّماته ) فيحرم على الحاجّ الجماع ويحرم عليه مقدّمات الجماع، من الكلام الّذي يجري بين الرّجل وامرأته ممّا فيه دعوةٌ إلى أمور الجماع، (فلا رفث ) وبعضهم فسّر الرّفث بما هو أوسع دائرةٍ من ذلك، قال (ولا فسوق ) قالوا هنا : الخروج عن طاعة الله بارتكاب المعاصي، إذا المراد بالفسوق المعصية، والمعصية محرّمةٌ في كلّ وقتٍ؛ لكنّها أشدّ تحريمًا في الحجّ لعظمة الزّمان والمكان، لذلك قالوا هنا في المختصر : (لعظم الزّمان والمكان ).

﴿وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ﴾ (البقرة: 197) ينهى الحاجّ أيضًا عن الجدال، وما المراد بالجدال هنا؟ قالوا في المختصر (ويحرم عليه الجدال المؤدّي إلى الغضب والخصومة ) إذًا هذا هو الجدال المنهي عنه، أمًّا المباحثات العلميّة والنّظر في أمور الشّريعة، وما إلى ذلك ممّا لا يفضي إلى الخصومات؛ فإنّه لا مانع منه؛ أمّا ما أدّى إلى الخصومات ولا سيّما يتعلّق بأمور الدّنيا الّتي تفضي إلى المعصية فإنّ هذا ممنوعٌ، قال الله ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ﴾ (البقرة: 197) لكنّ جماهير أهل العلم على أنّ ارتكاب المعصية والخصومة من حيث هي لا يفسد الحجّ ولا يبطله؛ لكنّه منهيٌّ عنه، كما أنّ الصّائم مثلاً منهي أيضًا عن الرّفث، منهي عن ارتكاب المعصية، وأنّه إنّ سابّه أحد أو شاتمه فليقل (إنّي امرؤ صائمٌ )، وكذلك هو منهيٌّ عن الغيبة ومنهًى عن النّميمة مثلاً؛ لكنّها لا تفسد الصّوم على قول جمهور أهل العلم؛ وأمّا الجماع فله شأنٌ آخر كما هو معروفٌ في محظورات الحجّ.

قال ﴿وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 197) ﴿وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ﴾ من إنفاقكم الأموال من أجل الحجّ ومن اجتهادكم وجدكم، وهمّتكم من أجل الحجّ إلى غير ذلك ممّا يبذله الإنسان الحاجّ، قال ﴿وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (البقرة: 197) وتزوّدوا قالوا هنا في المختصر (واستعينوا على أداء الحجّ بأخذ ما تحتاجون إليه من طعامٍ وشرابٍ ) إذا قوله (وتزوّدوا ) يدخل فيه الزّاد المادّيّ بأن يأخذ الإنسان زاده. أو أن يأخذ الإنسان المال الّذي يتمكّن به من شراء ما يحتاج إليه في أثناء الحجّ، ويدلّ على ذلك سبب نزول الآية الكريمة في حديث ابن عبّاس - رضي الله عنهما - في البخاري (كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزوّدون، ويقولون نحن المتوكّلون ) فأنزل الله الآية ﴿وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ (البقرة: 197) يا من تحجّ خذ زادك وأعدّ عدّتك واستعن بالله - ولا تدّعي أنّك متوكّل دون أن تأخذ بالأسباب، إذا قوله (وتزوّدوا) يدخل فيه الزّاد المادّيّ ويدلّ عليه سبب نزول الآية، لكن مع ذلك لفت الله أنظارنا إلى الزّاد الأعظم وإلى الزّاد الأكبر، فالزّاد المادّيّ وسيلةً إلى الزّاد المعنويّ وزاد الدّنيا يتوسّل به إلى الزّاد - أعني زاد الطّاعة - ثمّ إلى زاد الآخرة فقال ﴿وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ (البقرة: 197) وبعض العلماء يقول : هذا من قبيل الاستطراد وهذا أسلوبٌ معروفٌ في البلاغة، وهو أنّ يكون الحديث عن شيءٍ ثمّ ينتقل منه إلى غرضٍ آخر سريعًا، ثمّ يعاود الحديث إلى الغرض الأوّل، ولذلك جاء بعد ذلك ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍ﴾ (البقرة: 198) عودةٌ إلى الحديث عن أحكامٍ؛ ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : لا حاجةً إلى ذلك فهذا من أصل ما يتعلّق بالحجّ؛ لأنّ الحجّ لغايةٍ عظيمةٍ وهي تحصيل تقوى الله -، ونظير هذا قوله - ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا﴾ (الأعراف: 26) ثمّ قال ﴿وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ (الأعراف: 26) [ الأعراف : 26 ]، فكان الحديث عن اللّباس الظّاهر عن اللّباس الحسّيّ، ثمّ جاء الانتقال إلى الحديث عن لباس التّقوى، وهو اللّباس المعنويّ وهو الأعظم والأكرم قال ﴿وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (البقرة: 197)

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ (البقرة: 198)

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (البقرة: 198) قد يتوهّم واهمٌ حينما يقرأ ﴿وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ﴾ (البقرة: 197) يقول إذا كان الجدال ممنوعًا فحينئذٍ لا يكون هناك بيعٌ وشراءٌ؛ فإنّ البيع والشّراء لا يخلوان من وجود مجادلاتٍ. فبين الله أنّ البيع والشّراء من حيث هو لا حرج فيه ولا مانع منه؛ لكن لا يفضي إلى الخصومات (ورحم الله رجلاً سمحا إذا باع إذا اشترى إذا اقتضى ) فقال سبحانه ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (البقرة: 198) أيٌّ : في مواسم الحجّ كما قرأ ابن عبّاس - رضي الله عنهما - بالبيع والشّراء، وذلك أنّه كانت هناك أسواقٌ تعقد لهذا في مواسم الحجّ كسوق عكاظ وذي المجاز ومجنة فكان هذا كلّه يعقد من أجل البيع والشّراء والأشعار وما إلى ذلك فهل هذا مباحٌ أيضًا في موسم الحجّ؟ قال الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ﴾ (البقرة: 198) إذًا التّعاملات التّجاريّة في موسم الحجّ لا حرج فيها وتكون تابعةً للأصل، فالأصل أنّ الإنسان خرج من أجل أداء نسك الحجّ، لكن إذا كان معه شيئًا يبيعه أو أراد أن يشتري أغراضًا؛ لأنّ النّاس يتقابلون من كلّ جهةٍ ولذلك قال الله - في غايات الحجّ وفوائده ﴿لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ﴾ (الحج: 28) [ الحجّ : 28 ] فيكون من ذلك تحصيل ما لا يحصّله الإنسان إلّا في مثلٍ هذا الاجتماع فلا حرج فيه حينئذ، ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍ﴾ (البقرة: 198) ) والإفاضة : الدّفع بكثرةٍ.

﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍ﴾ (البقرة: 198) والمسلمون كما هو معروفٌ يقفون بعرفات في التّاسع من شهرٍ ذي الحجّة، فيقفون بعرفات وينصرفون بعد غروب الشّمس، فإذا غربت الشّمس انصرفوا غاب قرص الشّمس، انصرفوا متّجهين إلى مزدلفة؛ وأمّا من لم يحضر بالنّهار جاز له أن يقف ولو لمدّةٍ يسيرةٍ في ليلة العيد - ليلة العاشر من شهرٍ ذي الحجّة -، ثمّ يتوجّه إلى مزدلفة. فهنا قال ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍ﴾ (البقرة: 198) أيّ متّجهين إلى ماذا؟ إلى مزدلفة لذلك قال ﴿فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ﴾ (البقرة: 198) ولذلك فسّر المشعر الحرام بمزدلفة، وهذا يكون في ليلة العاشر من شهرٍ ذي الحجّة ﴿فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ﴾ (البقرة: 198) استدلّ بعض العلماء بهذه الآية : على وجوب المبيت بمزدلفة لأنّ الله أوجب الذّكر، ووجوب الذّكر في هذا المكان لازمٍ للمبيت فيه، والمراد بالمبيت حيثما أطلق فيما يتعلّق بالحجّ : الإقامة في هذا المكان، قال ﴿فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ﴾ (البقرة: 198) ومزدلفة كلّها مشعر فأينما وقف من حدود مزدلفة فهو واقفٌ في المشعر الحرام، وقد قال بعضهم : قيل لها ذلك بأنّها داخل حدود الحرام، ولذلك عندنا عرفات خارج حدود الحرم بخلاف المزدلفة.

قال الله سبحانه ﴿وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ﴾ (البقرة: 198) أيّ اذكروه لأنّه هداكم، فالكاف هنا كما قال بعضهم هي كافٍ تعليليّةٍ. والكاف : قد تأتي بمعنى التّعليل، ومنها ما جاء في هذه الآية واذكروه ﴿وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ﴾ (البقرة: 198) وهذا أحد معنيّين في قوله -‘ – (الله مّ صلّى على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ) قالوا معنى (كما صلّيت ) يعني : لأنّك صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ (البقرة: 198) المراد بالضّالّين هنا قالوا في المختصر (من الغافلين عن شريعته ) وقوله (وإن ) إنّ هنا المخفّفة من الثّقيلة، فهي (إنّ ) التّأكيديّة - المؤكّدة المعروفة - دلّنا على ذلك دخول اللّام الّتي يقال عنها اللّام الفارقة الّتي تفرّق بين (إنّ ) النّافية و (إنّ ) المخفّفة من الثّقيل، فالمعنى : وإنّكم ﴿كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، فليس المراد ب (إنّ ) هنا النّفي وإنّما المراد بذلك تثبيته وتأكيده، دلّنا على ذلك وجود هذه اللّام ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ (البقرة: 198).

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 199)

قالوا هنا في المختصر (ثمّ ادفعوا من عرفات كما كان يصنع النّاس المقتدون بإبراهيم -’ - لا كما كان يصنع من لا يقف بها أهل الجاهليّة ) ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ (البقرة: 199) أفيضوا من عرفات أو ادفعوا من عرفات حينئذٍ سيردّ إشكالٌ : وهو أنّ الله ذكر المبيت بمزدلفة بذكر الذّكر فيه في قوله ﴿فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ﴾ (البقرة: 198) ومن المعروف أنّ الإفاضة من عرفات قد تكون قبل المبيت بمزدلفة لا بعده، وهنا قال ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ (البقرة: 199) فكيف يقال ثمّ أفيضوا من عرفات مع أنّ الحجّاج قد انتهوا من ذلك وفرغوا منه من قبله، فيقال إنّ ثمّ هنا هي لبيان ترتيب الأحداث، فهي ترتيبٌ في الذّكر، وليس المراد بها التّرتيب في الزّمان. أنّ ثمّ هنا لترتيب الذّكر في الموضوعات، يعني انتقل إلى حديثٍ آخر.

ثمّ يعني : أيضًا ومن الأخبار؛ وليس المراد بذلك أنّ ما بعدها أتى بعد الّذي لها، وتقدّم أنّ ثمّ تأتي على معانٍ؛ فأحيانًا يكون التّراخي ب (ثمّ ) للزّمان، وأحيانًا في الذّكر؛ فالمراد به هنا : ما كان من قبيل التّرتيب في الذّكر لا في الزّمان.

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ (البقرة: 199) ومن ذلك قوله ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ (البلد: 17) في سورة البلد، فهذا الّذي اقتحم العقبة، لم يقتحم العقبة ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يؤمن، وإنّما هو أيضًا من الّذين آمنوا. وهكذا قال الله سبحانه ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 199) قالوا هنا في المختصر (ادفعوا من عرفات كما كان يصنع النّاس المقتدون بإبراهيم ’ لا كما كان من لا يقف بها من أهل الجاهليّة ) كما دلّ على ذلك حديث عائشة - رضي الله عنها - المتّفق على صحّته؛ لأنّ الحُمْس قريش ومن دانت بدينها كانوا لا يقفون بعرفة. وإنّما يقفون بمزدلفة باعتبار أنّهم أهل الحرم، فكان النّاس يقفون بعرفات، وهم لا يقفون بعرفات؛ إنّما يقفون بمزدلفة، فأمر الله نبيّه -‘ - أن يقف بعرفات وأن يفيض منها فقال ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ (البقرة: 199) كما أفاض أبوكم أو جدّكم إبراهيم -’ – فأفيضوا! أو المراد بالنّاس عموم النّاس.

إذًا ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ (البقرة: 199) فيها قولان: منهم من قال 1 - من حيث أفاض إبراهيم عليه السلام 2 - ومنهم من قال ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ من قبلكم من أتباع الخليل إبراهيم -’ - أو عموم النّاس، يعني : لا تكونون مختصّين بشيءٍ، لا تختصّوا أنفسكم بشيٍّ، فتتميّزون عنهم بدعوى أنّكم قرشيّون أو بدعوى أنّكم حمسيون أو ما أشبه ذلك؛ بل النّاس يقفون موقفًا واحدًا كما صنع النّبيّ - صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم.

قال الله ﴿وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 199) أمرٌ بالاستغفار، وهذا عظيمٌ، فالحاجّ مع أنّه في طاعةٍ عظيمةٍ إلّا أنّه يستغفر الله - سبحانه –

(﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ربّنآ ءاتنا في ٱلدّنيا وما له في ٱلأٓخرة من خلاقٖ ٢٠٠ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ٢٠١ أولٓئك لهم نصيبٞ مّمّا كسبوا وٱللّه سريع ٱلحساب ٢٠٢ )

﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ﴾ (البقرة: 200) أي : انتهيتم أو أنهيتم أعمال الحجّ وفرغتم منها فاذكروا الله ﴿كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (البقرة: 200) أي يعني : كذكركم آباءكم قال بعضهم : بل أشدّ ذكرًا، ف (أو ) هنا بمعنًى بل كما تقدّم في ﴿فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: 74) [ البقرة : 74 ] وقوله سبحانه ﴿كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (البقرة: 200) لأنّ هذا كان معروفًا عندهم هو الاستكثار بالآباء والأجداد والأنساب والأحساب فبين الله أنّ الأولى بكم أن تشتغلوا بذكر الله لا أن تشتغلوا بالثّناء على أحسابكم وأنسابكم ( ‌فمن ‌ٱلنّاس ‌﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ربّنآ ءاتنا في ٱلدّنيا وما له في ٱلأٓخرة من خلاقٖ ) أي : نصيب همّه الاشتغال بالدّنيا، والدّعاء بتحصيل الدّنيا، ( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ )

قالوا هنا في المختصر (يسأل ربّه نعيم الدّنيا والعمل الصّالح فيها كما يسأله الفوز بالجنّة والسّلامة من عذاب النّار ) ولذلك إطلاق معنًى حسنةٍ أولى فنقول حسنة الدّنيا أشمل (نعيمٌ أو تشمل نعيم الدّنيا : فيدخل فيها الزّوجة الصّالحة، ويدخل فيها العلم النّافع ويدخل فيها الولد الصّالح والرّزق الواسع ) كلّ هذا من حسنة الدّنيا وحسنةٍ الآخرة : الجنّة ومغفرة الذّنوب، ورضوان الله والتّمتّع بالنّظر إلى وجه الله الكريم

(﴿وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا۟﴾ ) لهم حظّ من ثوابٍ عظيمٍ بما اكتسبوا من الأعمال الصّالحة، وقوله ﴿نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا۟﴾ (البقرة: 202) يعني : هم جمعوا بين الدّعاء والعمل الصّالح ﴿وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ (البقرة: 202) قال بعضهم يحاسبهم على كثرتهم كما يرزقهم على كثرتهم، فكما أنّ الله يرزق الجميع، وإن كثروا فإنّه يحاسب الجميع وإن كثروا أيضًا واللّه أعلم.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• يجب على المؤمّن التّزوّد في سفر الدّنيا وسفر الآخرة، ولذلك ذكر الله أنّ خير الزّاد هو التّقوى

ولذلك ذكر الله أنّ خير الزّاد هو التّقوى، فجمع الله بين الزّادين فقال ﴿وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ (البقرة: 197).

• مشروعيّة الإكثار من ذكر الله تعالى عند إتمام نسك الحجّ

﴿فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (البقرة: 200) وسيأتينا أيضًا ﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ﴾ (البقرة: 203) والحجّ كلّه قائمٌ على التّهليل والتّكبير والذّكر، وكذلك إراقة الدّماء ابتغاء مرضاة الله بأداء النّسك أو نحر النّسك، ولذلك جاء في الحديث (أفضل الحجّ العج والثّج ) وقد صحّح، والمراد بقوله العج : رفع الصّوت بالتّلبية وذكر الله، والثّج : إراقة الدّماء بالهدي.

• اختلاف مقاصد النّاس؛ فمنهم من جعل همّه الدّنيا، فلا يسأل ربّه غيرها، ومنهم من يسأله خير الدّنيا والآخرة، وهذا هو الموفّق.

ولذلك قال الله ( مّن كان يريد ‌ثواب ‌ٱلدّنيا فعند ٱللّه ‌ثواب ‌ٱلدّنيا وٱلأٓخرة ) أي : فليطلبهما معًا فالله عنده هذا وذاك وهو مالك كلّ شيءٍ.

﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (البقرة: 203)

هذه الآية من تتمّة الحديث عن الحجّ، ولذلك نبّهت مرارًا في مواطنٍ كثيرةٍ أنّنا حينما نقف على رؤوس الأحزاب أو الأجزاء أو الأرباع نراعي تمام المعنى. فلو أنّ شخصًا بدأ بقوله ﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ﴾ (البقرة: 203) ت ممّا يتعلّق بما قبله. فيراعي عند وقفه وعند بدئه، ما الّذي يتمّ عنده المعنى؟ قال الله ﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ﴾ (البقرة: 203) ما المراد بالأيّام المعدودات؟ الأيّام المعدودات : هي أيّام التّشريق؛ الحادي عشر والثّاني عشر والثّالث عشر، هذه الأيّام المعدودات وفي القرآن الكريم في شأن الحجّ ذكر الله أيّامًا معدوداتٍ، وذكر أيّامًا معلوماتٍ ﴿وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ (الحج: 28) [ الحجّ : 28 ] في سورة الحجّ، والمراد بها على قولٍ كثيرين العشر من شهرٍ ذي الحجّة بأن يكثر من ذكر الله في هذه العشر، وقال آخرون : بل هي أيّام التّشريق (وقالوا هي العاشر والحادي عشر والثّاني عشر لأنّها أيّام الأضاحيّ )؛ لكن على كلّ حالٍ : فالأيّام المعدودات هنا : - هي الحادي عشر والثّاني عشر والثّالث عشر، فعند من فرق بين الأيّام المعدودات والأيّام المعلومات : يكون العاشر من شهرٍ ذي الحجّة من الأيّام المعلومات، وليس من الأيّام المعدودات ويكوّن الثّالث عشر من ذي الحجّة من الأيّام المعدودات، وليس من الأيّام المعلومات. على كلّ حالٍ : فالمراد هنا هو أنّ الإنسان عليه أن يذكر الله - في هذه الأيّام بالتّكبير والتّهليل لاسيّما الحجّاج فإنّها أيّامٌ ذكر وشكر لله -، ولذلك جاء عن النبي ﷺ في شأن أيّام التّشريق وأيّام منى (أيّام أكلٍ وشربٍ وذكر لله تعالى ).

﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ﴾ (البقرة: 203) أمّا ما يتعلّق بالحجّ على وجه الخصوص ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: 203) من المعروف أنّ الحجّاج عليهم أن يبيتوا بمنى أيّام التّشريق، فيبيتون ليلة الحادي عشر وليلة الثّاني عشر وليلة الثّالث عشر، فقوله ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ﴾ (البقرة: 203) بأن بات ليلتي الحادي عشر والثّاني عشر ثمّ أراد أن ينصرف، فينصرف بعد الزّوال في يوم الثّاني عشر. إذا هو بات ليلة الحادي عشر، وبات ليلة الثّاني عشر، ثمّ يصبح ويبقى في منى إلى أن تزول فيرمي الجمرات ثمّ ينصرف.

وأمّا قوله ﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: 203) أي ومن تأخّرٍ بأنّ بات ليلة الثّالث عشر من شهرٍ ذي الحجّة، فهذا يبقى إلى اليوم الثّالث عشر ويرمي الجمرات بعد الزّوال ثمّ ينصرف، وعليه فما يفهمه بعض النّاس خطأ من أنّ المراد باليومين ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ﴾ يقصدون بها اليوم العاشر والحادي عشر بأن يبيّت ليلة العاشر وليلة الحادي عشر فهذا خطأٌ؛ لأنّ ليلة العاشر هذا مبيت بمزدلفة، وليس مبيتًا بمنى. قال ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: 203) يعني : لا حرج عليه ﴿لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (البقرة: 203) هنا قالوا في المختصر (ومن تأخّر للثّالث عشر حتّى يرمي فله ذلك ولا حرج عليه وقد جاء بالأكمل ) لمٍّ؟ لأنّه فعل النبي ﷺ فالشّخص الّذي بإمكانه أن يتأخّر ويبقى إلى الثّالث عشر هذا أفضل، لكن لو تعجّل فلا حرج عليه، ولا تثريب عليه، والمطلوب من الجميع تحقيق تقوى الله ﴿لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (البقرة: 203).

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾ (البقرة: 204)

انتقالٍ عن الحجّ إلى الحديث عن أصناف النّاس، ولذلك قد يقول قائل ما وجه المناسبة بين الآية والآيات السّابقة الّتي كانت تتحدّث عن الحجّ وأحكامه، ثمّ جاء الحديث هنا عن أصناف النّاس، قال بعضهم لأنّ الله سبحانه قال ﴿لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ (البقرة: 203)) فبين الله أصناف النّاس في التّقوى.

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾ (البقرة: 204) (والتّقوى ها هنا ) وأشار النبي ﷺ إلى صدره، فمن النّاس من يدّعي التّقوى وليس بتقيّ، وقال ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ﴾ (البقرة: 205) إلى أن قال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ (البقرة: 206) إذًا هذا حديثٌ عن أصناف النّاس في التّقوى.

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 207) لذلك قال (ومن ٱلنّاس) ثمّ عطف عليها فقال (ومن ٱلنّاس) وبعضهم قال هذا مناسبٌ لما ذكره الله من أحوال النّاس في الدّعاء سابقًا، (فمن ٱلنّاس ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ﴾) ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ﴾ (البقرة: 201) أيضًا جاء هنا حديث عن أصناف النّاس، عن أصناف المنافقين، ثمّ بعد ذلك حديثٌ عن أهل الإيمان والتقى ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 207) أو أن نقول هذا عودٌ على بدء السّورة حينما تحدّثت عن بعض أصناف النّاس أو بعض صفاتٍ المنافقين (ومن ٱلنّاس ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾) [البقرة: 8]، من أوصافهم أيضًا أنّهم ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾ (البقرة: 204) يشهد ﴿ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ﴾ : قالوا في المختصر (ويشهد الله - وهو كاذبٌ - عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ من إيمانٍ وخيرٍ وهو شديدٌ الخصومة والعداوة للمسلمين )

﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾ (البقرة: 204) يعني : شديد الخصومة هذا معنى ﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾ (البقرة: 204) أيّ شديدٍ الخصومة، وقوله ﴿وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ﴾ (البقرة: 204) يعني : هو يدّعي كاذبًا أنّه مؤمنٌ وأنّه تقي وأنّه كذا، والله شاهدٌ ﴿عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ﴾ أو أنّه يجهر يقول : : : والله أعلم بي ويشهد الله كأنّه يدّعي قائلاً : أشهد الله أنّني كذا وكذا وهو كاذبٌ في هذا. ففيها الاحتمالات ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ﴾ (البقرة: 205) فيهلك الحرث والنّسل ويتلف الزّرع ويقتل المواشي ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ أمر بتقوى الله.

﴿أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ﴾ (البقرة: 206) المراد بالعزّة هنا الأنفة والحمية الّتي هي حمية الجاهليّة (فحسبه جهنّم) وإلّا فإنّ المؤمن يحبّ تقوى ويميل إلى تقوّى الله - وهنا قوله ﴿ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ (البقرة: 206) على سبيل النّصيحة، وليس على سبيل التّقريع والتّوبيخ. فحينما قال الرّجل لرسول الله : (اتّق اللّه، وقال ويلك أولست أحقّ من يتّقي الله ) فهذا مقامٌ آخرٍ؛ لأنّ المقام كان هناك مقام طعنٍ في رسول الله -‘ - وهذا غير مقبولٍ، وهذا غير مقبولٍ بالمرّة بخلاف ما إذا كان التّذكير بتقوى الله، فلا أحد منّا يستغني عن تقوى الله - والدّعوة إلى هذه التّقوى.

ثمّ قال ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (البقرة: 207) هذا الصّنف الآخر، صنف المؤمنين ﴿يَشْرِى نَفْسَهُ﴾ (البقرة: 207) يبيع نفسه ﴿ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (البقرة: 207) وقد جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة أنّ صهيبًا - رضي الله عنه - لما هاجر اتّبعه المشركون فنثل كنانته وأخرج منها سهامه. وقال لهم : لن أترككم حتّى أضع فيكم هذه ثمّ أغمد فترون منّي كذا وكذا؛ وإن شئتم دلّلتكم على مالي وخلّيتم سبيلي. ففعلوا معه ذلك ودلّهم على ماله، ثمّ انصرف فلقي النبي ﷺ فقال له : ربح البيع ربح البيع أبا يحيى ربح البيع أبا يحيى ) وأنزل الله الآية ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (البقرة: 207) ومعروفٌ أيضًا أنّ العبرة أيضًا بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (البقرة: 208)

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾ (البقرة: 208) والقراءة الأخرى ﴿فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾ (البقرة: 208) والمراد أو الإسلام، أيٌّ : ادخلوا في شرائع الإسلام كافّةً، فالمسلم يدخل في جميع الشّرائع يقبل دين الله، لا يأخذ ما يريد، ويترك ما يريد وإنّما يقبل دين الله كلّه فقال ﴿ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾ (البقرة: 208) لا تتركوا منه شيئًا كما فعل أهل الكتاب ولذلك ذمّهم الله فقال ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 85) [البقرة: 85]

﴿ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾ (البقرة: 208) وقوله (كافّةٌ ) قالوا هنا في المختصر (ادخلوا في الإسلام جميعًا في جميع شرائع الإسلام ) وكأنّ كلمة كافّةٍ قيل لها : كافّة لأنّ أصلها الكفّ لأنّها تمنع الأجزاء من التّفرقة؛ وذلك لأنّها تمنع الأجزاء من التّفرقة.

﴿وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ (البقرة: 168) فخطوات الشّيطان تصدّ الإنسان عن الصّراط المستقيم تزهّده في الخير، تقول له : هذه سنةٌ، هذه ليست واجبةً، هذه قليلةً، ثمّ يقسّم الدّين إلى قشرٍ ولبابٍ، وهذا مهمٌّ وهذا أهمّ وهذا كذا؛ والأصل : : أنّ الإنسان يتّقي الله ما استطاع ويقبل على شرائع الله، والله - يسدّده ويعيّنه

قال ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (البقرة: 208)

﴿فَإِن زَلَلْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ﴾ (البقرة: 209) أي وقع منكم زللٌ وميلٌ ﴿فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 209) الجواب مقدّرٌ: لأنّ ﴿فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 209) الله عزيزٌ حكيمٌ ﴿فَإِن زَلَلْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ﴾ (البقرة: 209) فتوبوا إلى الله واعلموا ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 220) أو أن يقال إنّ قوله ﴿فٱعلموٓا﴾ هو قام مقام الجواب لأنّ المراد هنا العلم، وأمّا عزّة الله وحكمته فهي ليست متعلّقةً بالوقوع في الزّلل أو عدم وقوعه؛ بل إنّ الله عزيزٌ حكيمٌ في كلّ الأحوال - سبحانه (؟ ) -، لكن يظهر للإنسان ضعفه وزلّته، وأنّ الله - حكيم في تشريعه. ربّما لا يتفطّن إنسان لذلك إلّا إذا وقع في معصية أو في زللٍ.

ثمّ قال ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾ (البقرة: 210) تقدّم أنّ قوله (ينظرون) إذا تعدّى بنفسه فالمراد به الانتظار. أي (ما ينتظر هؤلاء إلّا )، فقوله (هل) يعني : بمعنى النّفي لا ينتظر هؤلاء ﴿إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ﴾ (البقرة: 210) يوم القيامة إتيانًا يليق بكماله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾، وبعضهم قال في معناها مع، فقوله ﴿إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ﴾ (البقرة: 210) والله - عالٍ على خلقه ليس كمثله شيءٌ قال ﴿وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾ (البقرة: 210) ولذلك قال الله ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا﴾ (الفرقان: 25) [الفرقان: 25]، وحينئذٍ يقضى أمر الله - فيهم ويفرغ منه وإلى الله - سبحانه وحده ترجع أمور الخلائق وشؤونهم.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• التّقوى حقيقةً لا تكون بكثرة الأعمال فقط، وإنّما بمتابعة هدي الشّريعة والالتزام بها.

فهذه هي التّقوى ولذلك أمرنا الله - فقال ﴿لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (البقرة: 203) وحذّرنا ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾ (البقرة: 204).

• الحكم على النّاس لا يكون بمجرّد أشكالهم وأقوالهم، بل بحقيقة أفعالهم الدّالّة على ما أخفته صدورهم

بدليل أنّ المنافقين كما قال الله فيهم ﴿وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾ (البقرة: 204).

• الإفساد في الأرض بكلّ صوره من صفات المتكبّرين الّتي تلازمهم، والله تعالى لا يحبّ الفساد وأهله.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُۥ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ (البقرة: 206) وقبلها قال ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ﴾ (البقرة: 205) فما الّذي حمله على هذا؟ أنّه متكبّرٌ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ﴾ (البقرة: 206) فهو جامعٌ بين التّكبّر وبين الإفساد في الأرض.

• لا يكون المرء مسلمًا حقيقةً لله تعالى حتّى يسلّم لهذا الدّين كلّه، ويقبله ظاهرًا وباطنًا.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾ (البقرة: 208).

﴿سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (البقرة: 211)

حديثٌ عن بني إسرائيل، قال الله ﴿سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (البقرة: 211) أيّ سل يا رسول الله بني إسرائيل سؤال توبيخ لهم فالمراد من هذا السّؤال التّوبيخ والتّقريع لهم، ويمكننا أن نقول إنّ وجه المناسبة بين هذه الآية والآيات السّابقة أنّ الله حدّثنا عن المنافقين، فجاء الحديث هنا عن الصّنف الآخر : الّذي كان موجودًا بالمدينة النّبويّة، فالمدينة النّبويّة كان فيها المؤمنون، وفيها منافقون، وفيها أهل الكتاب.

فقال ﴿سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (البقرة: 211) هذا حديثٌ عن أهل الكتاب، ومن جهةٍ أخرى؛ فإنّ الله سبحانه قال ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾ (البقرة: 210) فإذا أردتم أن تعرّفوا كيف أنّ الله قادرٌ على العقاب وأنّ الله قادرٌ على مؤاخذة العباد فاسألوا بني إسرائيل، فإنّ الله قد رفع جبل الطّور فوقهم ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ﴾ (الأعراف: 171) [الأعراف: 171]، فالله قادرٌ على كلّ شيء فاسألوهم، فسيكون عندهم الرّدّ والبيان.

﴿سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍ﴾ (البقرة: 211) ﴿كَمْ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍ﴾

قالوا في المختصر (واضحةً على صدق الرّسل ).

وبعضهم قال : المراد بقوله ﴿مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍ﴾ (البقرة: 211) أيٌّ : في التّبشير بالنّبيّ الخاتم محمّد -‘ -، وببيان أوصافه

﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (البقرة: 211) قالوا في المختصر (ومن يبدّل نعمة الله كفرًا وتكذيبًا بعد معرفتها وظهورها فإنّ الله شديدٌ العقاب للكافرين المكذّبين ) وهذا فيه أنّ النّعمة يجب على العبد أن يشكرها، فإن لم يشكرها استحقّ العقاب. وتزول عنه هذه النّعمة. ولذلك قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ﴾ (إبراهيم: 28) [إبراهيم: 28]، ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (البقرة: 211) وقد كانوا ينتظرون النّبيّ -‘ – ويطلبونه، ويستفتحون به على الّذين كفروا. ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 89).

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (البقرة: 212)

ثمّ قال ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ (البقرة: 212) صدّهم عن السّبيل وصدّهم عن اتّباع النبي ﷺ الحرص على الدّنيا، ولذلك تقدّم ذمّهم في قوله ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ﴾ (البقرة: 96) [البقرة: 96]، وهذه الآيات عود على ما سبق من ذكر الحديث عن أهل الكتاب أو بني إسرائيل؛ لكنّ قوله ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا﴾ (البقرة: 212) هل المراد بالّذين كفروا هم : أهل الكتاب أي : الكفّار من أهل الكتاب؟ يحتمل هذا، ويشهد لهذا السّياق ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا﴾ (البقرة: 212) أو أن نقول : إنّ المراد بالّذين كفروا : عموم المشركين. وذلك لأنّ هذا هو الغالب في استعمال الّذين كفروا في القرآن الكريم، فغالبًا إذا أطلقت لفظةً ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ (البقرة: 6) أو هذا التّركيب الّذين كفروا فإنّه ينصرف إلى المشركين.

إذنٌ ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ (البقرة: 212) وهذا مشهورٌ عن أهل الشّرك أنّهم كانوا يسخرون من المؤمنين ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (البقرة: 212) ولم يقل (﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ وهم ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ) أي : الّذين آمنوا بل قال ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (البقرة: 212) ففيه تصريحٌ بأنّ سبب الفوقيّة وبأنّ سبب العلوّ التّقوى ﴿وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (البقرة: 212).

ثمّ قال الله مذكّرًا بقضيّة التّوحيد وأنّها الّذي حادث عنه أممٌ فأهلكها الله : ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 213)

﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ (البقرة: 213) أيٌّ : أمّةٌ واحدةٌ على التّوحيد مجتمعين على التّوحيد، ولذلك ورد عن ابن عبّاس - رضي الله عنه - أنّه كان بين آدم -’ - ونوح -’ – (كان بينهما عشرة قرونٍ ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (البقرة: 96) كان النّاس على التّوحيد ) على الإيمان بالله وحده لا شريك له، إذا قوله ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ (البقرة: 213) ملّةٌ واحدةٌ. مجتمعين على ملّةٍ واحدةٍ وهي التّوحيد، على الإيمان، وهذا قول الجمهور وهو الأصحّ، ومنهم من قال : ملّةٌ واحدةٌ على الكفر وهذا في نظرٍ، وهنا تقديرٌ : (فاختلفوا )، ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ فاختلفوا، ولذلك قالوا هنا في التّفسير (كان النّاس أمّةً واحدةً متّفقين على الهدى، على دين أبيهم آدم، حتّى أضلّتهم الشّياطين، فاختلفوا بيّن مؤمنٌ وكافرٌ فلأجل ذلك بعث الله الرّسل مبشّرين )

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة